الهجرة الثانية إلى الحبشة_15526

الهجرة الثانية إلى الحبشة


الهجرة الثانية إلى الحبشة

:

وأما المرة الثانية فقد تمت بعد عام واحد من رجوع المسلمين الذين خرجوا في المرة الأولى، وذلك لأن المسلمين وجدوا أن موقف العنف والاضطهاد من قريش لم يتغير، بل ازداد شدة وخطورة، وتبين لهم أن إسلام حمزة وعمر قد زاد من حقد المشركين وطغيانهم.

ولهذا فكر كثير ممن هاجر إلى الحبشة في المرة الأولى أن يعودوا مرة ثانية، كما رغب غيرهم من مرافقتهم، وعلى الأخص حينما علموا من إخوانهم بما فعله الأحباش معهم من إعزاز وتقدير، وما قاموا به نحوهم من تكريم.

وقد رسم المسلمون لأنفسهم خطة السير إلى الحبشة، واستعدوا إلى الرحلة لإقامة كريمة ينعمون فيها بعبادة الله وحده آمنين حتى يأتي نصر الله ويعم نور

الإسلام، فخرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلًا وإحدى عشرة امرأة1، فوصلوا إليها وأقاموا فيها مدة طويلة، ثم عادوا بعدأن أذن الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى المدينة2.

وكان هذا العدد الكبير الذي هاجر في هذه المرة مقلقًا لقريش، فأخذت الظنون والوساوس الشيطانية تلعب بعقولهم، ففكروا في سد هذا الطريق على المسلمين، وأرسلوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ومعهما الهدايا النفيسة إلى النجاشي لكي يرد المسلمين إلى مكة. فلما دخلا عليه قالا: أيها الملك إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا أشراف قومهم لتردهم إليهم.

وقد أبى النجاشي أن يرد المسلمين الذين هاجروا إليه حتى يسمع مقالتهم ويبعث في طلبهم.

فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟

فرد عليه جعفر بن أبي طالب قائلًا: أيها الملك: كنا قومًا نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقنا وآمنا برسالته فعذبنا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام، فلما ظلمونا وضيقوا علينا خرجنا إلى بلادك واخترناك على سواك.

__________

1 وقيل: ثماني عشرة امرأة، وقيل غير ذلك.

2 إلى أن فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة.

فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء تقرؤه علي؟ قال جعفر: نعم، وتلا عليه سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} 1.

فقال النجاشي: إن هذا هو ما جاء به موسى، وسيدنا يسوع المسيح، انطلقا فوالله لا أسلمهم أبدًا2.

وحينئذٍ عاد عمرو وصاحبه إلى مكة دون أن ينجحا في مهمتهما. وعاش المسلمون إلى جوار النجاشي في أمن وسلام، واستقروا إلى أن كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة.

__________

1 سورة الإسراء، الآيتان 32-33.

2 أخرج ذلك جماعة، منهم الإمام أحمد في "المسند" 1/ 461 بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن مسعود، وكذلك جاءت رواية قصة جعفر من روايته نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص ومن رواية أم سلمة، كما سرد جميع ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية" 3/ 70-71-72، وأسند بعض ذلك البيهقي في "الدلائل" 2/ 294-295 وغيره.

والقصة باجتماع الطرق صحيحة لا مطعن فيها، وانظر "مجمع الزوائد" 6/ 24-27.

فائدة: وقع في بعض الروايات أن وفد قريش للنجاشي وقع بعد الهجرة الأولى. والمشهور هو الثاني.



كلمات دليلية: