الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات من كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات من كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

اسم الكتاب:
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المؤلف:
احمد محمد القسطلاني

الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات

اعلم أن الغيب يختص به تعالى، وما وقع منه على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم- وغيره فمن الله تعالى، إما بوحى أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ «1» ليكون معجزة له. واستدل به على إبطال الكرامات.

وأجيب: بتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفى حديث مرّ: أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: «والله إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى» «2» فكل ما ورد عنه- صلى الله عليه وسلم- من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلاما على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره- صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فو الله لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة:

وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

وقال حسان بن ثابت:

__________

(1) سورة الجن: 26، 27.

(2) تقدم.

نبى يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فى كل مشهد

فإن قال فى يوم مقالة غائب ... فتصديقها فى ضحوة اليوم أو غد

وهذا الفصل ينقسم قسمين:

الأول: فيما أخبر به- صلى الله عليه وسلم- مما نطق به القرآن. من ذلك: فى قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «1» فقوله وَلَنْ تَفْعَلُوا إخبار عن غيب تقضى العادة بخلافه.

ومن ذلك: قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «2» الآية، فإنه قد كان لقريش قافلتان: إحداهما ذات غنيمة دون الآخرى، فأخبر الله تعالى عما فى ضمائرهم، وأنجز ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشئ بعد وقوعه غير جائز.

ومن ذلك: قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ»

، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن «السين» بمعنى الاستقبال، يعنى كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والآخرى للمقداد، فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم.

ومن ذلك: قوله تعالى فى كفار قريش سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً «4» ، يريد ما قذف الله فى قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «إن

__________

(1) سورة البقرة: 23، 24.

(2) سورة الأنفال: 7.

(3) سورة القمر: 45.

(4) سورة آل عمران: 151.

شاء الله» ، وقيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله فى قلوبهم الرعب.

ومن ذلك: قوله تعالى: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ إلى قوله: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ «1» ، سبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبى- صلى الله عليه وسلم-، وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون فى بضع سنين، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشر، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين «2» .

ومن ذلك: قوله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً «3» فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه بالتمنى، ولو لم يعلم ذلك لخشى أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوى: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لنقل واشتهر، فإن التمنى ليس من عمل القلب فيخفى. وروى مرفوعا: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات وما بقى يهودى على وجه الأرض» «4» .

ومن ذلك: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا

__________

(1) سورة الروم: 1- 6.

(2) قلت: عند الترمذى (3193) فى التفسير، باب: ومن سورة الروم، إلا أنه ذكر أن انتصار الفرس على الروم كان فى مكة، وانتصار الروم على الفرس كان مع بدر، فكان ذلك الفرح لأنهم أهل كتاب وأقرب إلى المسلمين من أهل الأوثان الذين هم أقرب إلى كفار قريش، ولا أظن ذلك يرجع إلى سبب معاملة كسرى وقيصر لرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، لأن ذلك كان بعد غزوة بدر بكثير.

(3) سورة الجمعة: 6، 7.

(4) الذى فى تفسير ابن كثير، أن المقصود بتمنى الموت هنا المباهلة كما جاء فى سورة آل عمران، بمعنى أنه إن كنتم على هدى وأن محمدا وأصحابه على ضلالة فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين فيما تزعمون.

الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «1» الآية. هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، وأئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تعالى ذلك ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمت- صلى الله عليه وسلم- حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشى ملك الحبشة الذى تملك بعد أصحمة- رحمه الله-.

ثم لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- فلمّ شعث ما وهى عند موته- صلى الله عليه وسلم- ووطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا طرفا منها، وجيشا آخر صحبة أبى عبيدة إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاص إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامى فى أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله تعالى واختار له ما عنده. ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق.

فقام فى الأمر بعده قياما تامّا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله فى قوة سيره وكمال عدله، وتم فى أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق أموالهما فى سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «2» .

__________

(1) سورة النور: 55.

(2) يشير إلى الحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى (3028) فى الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، ومسلم (2918) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- بلفظ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى نفس محمد بيده، لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله» صدقت يا رسول الله.

ثم لما كانت الدولة العثمانية «1» امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدّا، وجئ بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه للأمة على حفظ القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.

ومن ذلك: قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «2» ، فاليهود أذل الكفار فى كل مكان وزمان كما أخبر.

ومن ذلك: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «3» ، وهذا ظاهر فى العباد بأن دين الإسلام كما أخبر عال على سائر الأديان.

ومن ذلك، قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «4» إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس فى الإسلام أفواجا، فما مات- صلى الله عليه وسلم- وفى بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام. إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه.

القسم الثانى: فيما أخبر به- صلى الله عليه وسلم- من الغيوب سوى ما فى القرآن العزيز فكان كما أخبر به فى حياته وبعد مماته. أخرج الطبرانى عن ابن عمر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله قد رفع لى الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفى هذه» «5» .

__________

(1) نسبة إلى عثمان بن عفان- رضى الله عنه-، فالسياق هنا يشير إلى ذلك.

(2) سورة البقرة: 61.

(3) سورة التوبة: 33.

(4) سورة النصر: 1.

(5) ضعيف: ذكر الهيثمى فى «المجمع» (8/ 287) وقال: رواه الطبرانى ورجاله وثقوا على ضعف كثير فى سعيد بن سنان الرهاوى.

وعن حذيقة قال: قام فينا رسول الله قائما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابه هؤلاء، وإنه ليكون منه الشئ قد نسيته فأراه فأعرفه «1» فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه «2» ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته رواه أبو داود.

وروى مسلم من حديث ابن مسعود فى الدجال: فيبعثن عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنى لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، وهم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ» «3» . فوضح من هذا الخبر وغيره مما يأتى من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه- صلى الله عليه وسلم- عرفهم بما يقع فى حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته. وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما يحرك طائر جناحه فى السماء إلا ذكرنا منه علما. ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليه- صلى الله عليه وسلم- ينتهى مددها.

ومن ذلك: ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن النبى- صلى الله عليه وسلم- نعى النجاشى للناس فى اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى وصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات» «4» . وفى حديث أنس عند أحمد والبخارى:

__________

(1) ليست هذه العبارة فى سنن أبى داود.

(2) صحيح: أخرجه أبو داود (4240) فى الفتن والملاحم، باب: ذكر الفتن ودلائلها، وهو عند البخارى (6604) فى القدر، باب: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، ومسلم (2891) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: إخبار النبى- صلى الله عليه وسلم- فيما يكون إلى قيام الساعة، بلفظ قريب منه.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (2899) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: إقبال الروم فى كثرة القتل عند خروج الدجال.

(4) صحيح: أخرجه البخارى (1245) فى الجنائز، باب: الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، ومسلم (951) فى الجنائز، باب: فى التكبير على الجنازة.

أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صعد أحدا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله وقال له: «أثبت أحد، فإنما عليك نبى، وصديق وشهيدان» «1» فكان كما أخبر- صلى الله عليه وسلم-.

ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبى هريرة أنه- رضى الله عنه- قال:

«إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى نفسى بيده لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله» «2» قال النووى قال الشافعى وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان فى زمنه- صلى الله عليه وسلم-، فأعلمنا- صلى الله عليه وسلم- بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، وكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبى- صلى الله عليه وسلم-، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين ولله الحمد، انتهى.

وقد وقع ذلك فى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته، وقال- صلى الله عليه وسلم- لسراقة: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟» فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه وقال: «الحمد لله الذى سلبهما كسرى وألبسهما سراقة» «3» .

ومن ذلك: إخباره- صلى الله عليه وسلم- بالمال الذى تركه عمه العباس عند أم الفضل، بعد أن كتمه، فقال: ما علمه غيرى وغيرها وأسلم كما تقدم ذلك فى غزوة بدر من المقصد الأول. وإخباره بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة.

وبموضع ناقته حين ضلت وكيف تعلقت بخطامها فى الشجرة.

ولما رجع المشركون يوم الأحزاب، قال النبى- صلى الله عليه وسلم-: «الآن نغزوهم

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3675) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم-: «لو كنت متخذا خليلا» .

(2) صحيح: وقد تقدم قريبا.

(3) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى وابن عساكر، عن الحسن مرسلا، كما فى «كنز العمال» (35752) .

ولا يغزونا» «1» ، فلم يغز- صلى الله عليه وسلم- بعدها. وبعث- صلى الله عليه وسلم- جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: «فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة» ، فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبى- صلى الله عليه وسلم- على المنبر، فكشف له حتى نظر إلى معركتهم فقال: «أخذ الراية زيد بن حارثة حتى استشهد» ، فصلى عليه ثم قال: «استغفرو له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب حتى استشهد» ، فصلى عليه ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد» فصلى عليه، ثم قال:

«استغفروا لأخيكم» «2» . فأخبر أصحابه بقتلهم فى الساعة التى قتلوا فيها، ومؤتة دون دمشق بأرض البلقاء.

وعن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صبيحة اليوم الذى قتل فيه جعفر وأصحابه فقال: «يا أسماء، أين بنو جعفر» فجئت بهم، فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه بالدموع فبكى، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شئ؟ قال: «نعم قتل اليوم» «3» ، رواه يعقوب الإسفراينى فى كتاب دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحاق والبغوى.

ومن ذلك، قوله- صلى الله عليه وسلم-: «زويت لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» «4» ، فكان كذلك امتدت فى المشارق والمغارب ما بين أقصى الهند إلى أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم تملكه أية أمة من الأمم.

ومن ذلك: إعلامه قريشا بأكل الأرضة ما فى صحيفتهم التى تظاهروا

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4110) فى المغازى، باب: غزوة الخندق، وهى الأحزاب، من حديث سليمان بن حدد- رضى الله عنه-.

(2) انظر القضية فى «دلائل النبوة» للبيهقى (4/ 361- 362) .

(3) أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (8/ 220) .

(4) صحيح: أخرجه ابن ماجه (3952) فى الفتن، باب: ما يكون من الفتن، وهو عند مسلم (2889) بنحوه فى الفتن، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، من حديث ثوبان- رضى الله عنه-.

بها على بنى هاشم، وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم لله، فوجدوها كما قال- صلى الله عليه وسلم-.

ومن ذلك: ما رواه الطبرانى فى الكبير، والبزار من حديث ابن عمر قال: كنت جالسا مع النبى- صلى الله عليه وسلم- فى مسجد منى، فأتى رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك فقال: «إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألانى عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألانى فعلت» فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفى للأنصارى: سل، فقال:

أخبرنى يا رسول الله، قال: «جئتنى تسألنى عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، ومالك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف ومالك فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة ومالك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة ومالك فيه، وعن رميك الجمار ومالك فيه، وعن نحرك ومالك فيه، وعن حلاقك رأسك ومالك فيه مع الإفاضة» . فقال: والذى بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك «1» .

ومن ذلك: ما روى عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وهو فى نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس، فقد نهينا عنه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «دعونى وإياه فإنى أعلم بالذى أخرجه من منزله» قلت: يا رسول الله ما الذى أخرجنى؟ قال: «أخرجك من منزلك لتسأل عن البر وعن الشك» قال: قلت والذى بعثك بالحق ما أخرجنى غيره، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «البر ما استقر فى الصدر، واطمأن إليه القلب، والشك ما لم يستقر فى الصدر، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون» «2» .

__________

(1) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 274- 275) وقال: رواه البزار والطبرانى فى «الكبير» بنحوه، ورجال البزار موثقون.

(2) قلت: القصة بنحوها عند مسلم (2553) فى البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم، والترمذى (2389) فى الزهد، باب: ما جاء فى البر والإثم، وأحمد فى «المسند» (4/ 182) من حديث النواس بن سمعان، ولم أقف على هذه القصة عن واثلة بن الأسقع، لا صاحب الطبقات ولا صاحب الإصابة وعديد غيرهم.

ومن ذلك: قوله لفاطمة- رضى الله عنها- فى مرضه: «إنك أول أهلى لحوقا بى» «1» فعاشت بعده ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر. وقوله- صلى الله عليه وسلم- لنسائه:

«أسرعكن بى لحوقا، أطولكن يدا» فكانت زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق «2» .

ومن ذلك، قوله- صلى الله عليه وسلم- لعلى: «أتدرى من أشقى الآخرين» قلت:

الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك. أخرجه أحمد فى المناقب. وعند ابن أبى حاتم «الذى يضربك على هذا» وأشار إلى يافوخه، وعند المحاملى: قال على: عهد إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، لتخضبن هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ورأسه، وعند الضحاك: «الذى يضربك على هذه فتبتل منها هذه» وأخذ بلحيته. فضربه عبد الرحمن بن ملجم. وعند الطبرانى وأبى نعيم، من حديث جابر مرفوعا: إنك مؤمر مستخلف، وإنك مقتول، وإن هذه مخضوبة من هذه.

وقال- صلى الله عليه وسلم- لمعاوية: «أما إنك ستلى أمر أمتى من بعدى، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم» . قال معاوية: فما زلت أرجوها حتى قمت مقامى هذا «3» . رواه ابن عساكر.

وأخرج ابن عساكر أيضا من حديث عروة بن رويم مرفوعا: لن يغلب معاوية أبدا، وإن عليّا قال يوم صفين: لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معاوية.

ومن ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم-: «يقتل هذا مظلوما» وأشار إلى عثمان

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3624) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (2450) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبى- عليهما الصلاة والسلام- من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (1420) فى الزكاة، باب: أى الصدقة أفضل ومسلم (2452) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل زينب أم المؤمنين- رضى الله عنها-، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(3) رواه الطبرانى فى الأوسط، كما فى «مجمع الزوائد» (9/ 356) .

- رضى الله عنه- «1» . خرجه البغوى فى المصابيح من الحسان والترمذى وقال حسن غريب، وخرجه أحمد، فكان كما قال- صلى الله عليه وسلم-، فاستشهد فى الدار وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «2» .

وفى الشفاء «3» أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: «يقتل عثمان وهو يقرأ فى المصحف، وإن الله عسى أن يلبسه قميصا، وإنهم يريدون خلعه وإنه سيقطر دمه على قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك» على قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»

لكن قال الذهبى: إنه حديث موضوع.

وقد روى مسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: (هل ترون ما أرى، إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) «5» فوقعت فتنة قتلة عثمان وتتابعت الفتن إلى فتنة الحرة وكانت لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها مواقع كثيرة موجودة فى كتب التواريخ.

وأخرج البيهقى عن الحسن «6» قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلى، حتى لا يكاد ينفلت منهم أحد. وأخرج أيضا عن أنس بن مالك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، منهم ثلاثمائة من الصحابة، وذلك فى

__________

(1) حسن الإسناد: أخرجه الترمذى (3708) فى المناقب، باب: رقم (77) ، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما- وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.

(2) سورة البقرة: 137.

(3) هو الشفاء للقاضى عياض.

(4) سورة البقرة: 137.

(5) صحيح: أخرجه البخارى (1878) فى فضائل المدينة، باب: آطام المدينة، ومسلم (2885) فى الفتن، باب: نزول الفتن كمواقع القطر، وقد قصر المصنف فى عزوه إلى مسلم فقط، وهو عند البخارى أيضا. و (الأطم) : هو القصد والحصن، وجمعه آطام.

(6) هو: الحسن البصرى، من خيار أئمة التابعين.

خلافة يزيد. وأخرج أيضا عن مغيرة قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام وافتض فيها ألف عذراء.

وقال- صلى الله عليه وسلم- لأبى موسى وهو قاعد على قف بئر «1» أريس، لما طرق عثمان الباب «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» «2» إشارة إلى ما تقدم من استشهاده يوم الدار بل أصرح من ذلك كله ما رواه أحمد عن ابن عمر قال ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتنة، فمر رجل فقال: «يقتل فيها هذا يومئذ ظلما» ، قال: فنظرت فإذا هو عثمان «3» . وإسناده صحيح.

وأخبر- صلى الله عليه وسلم- بوقعة الجمل وصفين وقتال عائشة والزبير عليّا، كما أخرجه الحاكم وصححه البيهقى عن أم سلمة قالت: ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: «انظرى يا حميراء أن لا تكونى أنت» ، ثم التفت إلى على فقال له: «إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها» «4» .

وعن ابن عباس مرفوعا: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب «5» ، ويقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت» «6» .

رواه البزار وأبو نعيم.

__________

(1) قف البئر: أى حافتها.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (3674) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم-: «لو كنت متخذا خليلا» ، ومسلم (2403) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان- رضى الله عنه-.

(3) حسن: أخرجه الترمذى (3708) فى المناقب، باب: رقم (77) ، وأحمد فى «المسند» (2/ 115) ، وقد تقدم قريبا.

(4) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (3/ 129) .

(5) الحوأب: الواسع من الأودية، وهو هنا منزل بين مكة والبصرة، وهو الذى نزلته عائشة لما جاءت إلى البصرة فى وقعة الجمل.

(6) رجاله ثقات: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (7/ 234) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. اهـ. قلت: وهو عند أحمد (6/ 52 و 97) ، وابن حبان فى «صحيحه» (6732) ، والحاكم فى «المستدرك» (3/ 129) من حديث عائشة- رضى الله عنها- بسند صحيح.

وأخرج الحاكم وصححه البيهقى عن أبى الأسود قال: شهدت الزبير خرج يريد عليّا فقال على: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «تقاتله وأنت له ظالم» «1» ، فمضى الزبير منصرفا. وفى رواية أبى يعلى والبيهقى قال الزبير: بلى ولكن نسيت.

ومن ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم- فى الحسن بن على: «إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» «2» رواه البخارى، فكان كما قال- صلى الله عليه وسلم-، لأنه لما قتل على بن أبى طالب بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا، فبقى سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه، فلما تراء الجمعان بموضع يقال له بستكين بناحية الأنبار من أرض السواد، فعلم أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الآخرى، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه دون غيره على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشئ مما كان فى أيام أبيه، فأجابه معاوية إلا عشرة، فلم يزل يراجعه حتى بعث إليه برق أبيض وقال: اكتب فيه ما شئت فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك، فكان الأمر كما قال النبى- صلى الله عليه وسلم-: «أن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» .

وأخرج الدولابى أن الحسن «3» قال: كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء المسلمين.

ومن ذلك: إعلامه- صلى الله عليه وسلم- بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربة وقال: فيها مضجعه، رواه البغوى فى معجمه من حديث أنس بن مالك بلفظ: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبى- صلى الله عليه وسلم- فأذن له وكان فى يوم

__________

(1) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (3/ 413) ، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 415) .

(2) صحيح: أخرجه البخارى (2704) فى الصلح، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم- للحسن بن على- رضى الله عنهما- ابنى هذا سيد من حديث أبى بكرة- رضى الله عنه-.

(3) الحسن هنا هو: الحسن بن على- رضى الله عنهما- الذى قيل فيه نص الحديث السابق.

أم سلمة، فقال النبى- صلى الله عليه وسلم-: «يا أم سلمة احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد» فبينما هى على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلثمه ويقبله، فقال له الملك:

أتحبه؟ قال: «نعم» ، قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذى يقتل فيه، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته فى ثوبها. قال: ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وخرجه أبو حاتم فى صحيحه ورواه أحمد بنحوه. والسهلة- بالكسر-: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم.

وفى رواية الملاء، قالت ثم ناولنى كفّا من تراب أحمر، وقال: إن هذا من تربة الأرض التى يقتل بها فمتى صار دما فاعلمى أن قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته فى قارورة عندى وكنت أقول: إن يوما يتحول فيه دما ليوم عظيم. الحديث.

فاستشهد الحسين كما قال- صلى الله عليه وسلم- بكربلاء من أرض العراق، بناحية الكوفة، ويعرف الموضع بالطف، وقتله سنان بن أنس النخعى وقيل غيره، ولما قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم:

أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب

فهربوا وتركوا الرأس. أخرجه منصور بن عمار وذكر أبو نعيم الحافظ فى كتاب دلائل النبوة عن نضرة الأزدية أنها قالت: لما قتل الحسين بن على أمطرت السماء دما فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دما. وكذا روى فى أحاديث غير هذا وقال- صلى الله عليه وسلم- لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» «1» . رواه البخارى فكان كما قال- صلى الله عليه وسلم-.

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (447) فى المساجد، باب: التعاون فى بناء المسجد، ومسلم (2915) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، من حديث أبى سعيد الخدرى عن أبى قتادة الأنصارى- رضى الله عنهما-.

ومن ذلك: ما رواه أبو عمر بن عبد البر أن عبد الله بن عمر رأى رجلا مع النبى- صلى الله عليه وسلم- فلم يعرفه، فقال النبى- صلى الله عليه وسلم-: «أرأيته؟» قال: نعم. قال:

«ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك» ، فعمى فى آخر عمره.

ومن ذلك: قوله- صلى الله عليه وسلم- لثابت بن قيس بن شماس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» «1» رواه الحاكم وصححه، والبيهقى وأبو نعيم، فقتل يوم مسيلمة الكذاب باليمامة.

ومن ذلك: قوله لعبد الله بن الزبير: «ويل لك من الناس، وويل للناس منك» «2» . فكان من أمره مع الحجاج ما كان.

ومن ذلك: حديث أبى هريرة أنه- رضى الله عنه- قال: «إن هذا الدين بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون سلطانا وجبرية» «3» . وقوله: ملكا عضوضا أى يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضّا.

وفى حديث سفينة عند أبى داود والترمذى قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «الخلافة فى أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» «4» . قال سعيد بن جمعان: أمسك خلافة أبى بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة على فوجدناها ثلاثين سنة، فقيل له: إن بنى أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال:

كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك «5» .

__________

(1) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (3/ 260 و 261) وصححهما.

(2) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (3/ 638) ، وابن أبى عاصم فى «الآحاد والمثانى» (1/ 414) ، وسكت عنه الحافظان الحاكم والذهبى.

(3) أخرجه أبو يعلى فى «مسنده» (873) ، وأبو داود فى «مسنده» (228) ، والطبرانى فى «الكبير» (1/ 156) و (20/ 53) ، والبيهقى فى «الكبرى» (8/ 159) من حديث أبى عبيدة ابن الجراح ومعاذ بن جبل- رضى الله عنهما-، ولم أقف عليه من حديث أبى هريرة.

(4) صحيح: أخرجه الترمذى (2226) فى الفتن، باب: ما جاء فى الخلافة، وأحمد فى «المسند» (5/ 220 و 221) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (3341) .

(5) ذكره الترمذى عقب الحديث السابق.

وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل مرت به- صلى الله عليه وسلم- فقال:

إنك حامل بغلام فإذا ولدتيه فائتنى به، قالت: فلما ولدته أتيته به فأذن فى أذنه اليمنى وأقام فى اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله وقال: اذهبى بأبى الخلفاء فأخبرت العباس فأتاه فذكر له ذلك فقال: هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدى، حتى يكون منهم من يصلى بعيسى ابن مريم.

وأخرج أبو يعلى عن معاوية سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:

«لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» «1» .

ومن ذلك: إخباره- صلى الله عليه وسلم- بعالم المدينة، أخرج الحاكم وصححه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلم يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» «2» . قال سفيان بن عيينة: نرى هذا العالم مالك بن أنس، وقال عبد الرزاق: ولم يعرف بهذا الاسم غيره ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه، وقال أبو مصعب: كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعنى لطلب العلم. وممن روى عنه من الأئمة المشهورين: محمد بن شهاب الزهرى «3» ، والسفيانان والشافعى والأوزاعى إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام «4» ، وصاحباه: أبو يوسف ومحمد ابن الحسن وعبد الرحمن بن مهدى شيخ الإمام أحمد ويحيى بن يحيى شيخ

__________

(1) لم أقف عليه فيه.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذى (2680) بنحوه فى العلم، باب: ما جاء فى عالم المدينة، وأحمد فى «المسند» (2/ 299) ، والحاكم فى «المستدرك» (1/ 168) ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات لكن فيه عنعنة ابن جريج وأبى الزبير، وهما مدلسان.

(3) قلت: محمد بن شهاب الزهرى، من طبقة شيوخ مالك، فقد روى عنه مالك، كما روى عن مالك من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وغالبا ما يكون ذلك من باب اعتراف الشيخ بالتلميذ.

(4) قلت: الإمام أبو حنيفة، أسن من الإمام مالك، كما لم يثبت عنهما أنهما التقيا، فلا أظن أنه روى عنه شيئا، وكذلك صاحباه.

البخارى، وأبو رجاء قتيبة بن سعيد شيخ البخارى، وذو النون المصرى، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن أدهم. كما نقله العلامة عيسى بن مسعود الزواوى فى كتابه «المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك» .

وإخباره بعالم قريش؛ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:

«لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما» «1» . رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وفيه الجارود مجهول، لكن له شواهد عن أبى هريرة فى تاريخ بغداد للخطيب وعن على وابن عباس فى المدخل للبيهقى. قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعى، لأنه لم ينتشر فى طباق الأرض من علم عالم قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعى، وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج أو يستأنس به فى أمر شيخه الشافعى. وأما قوله: «وروى عن النبى- صلى الله عليه وسلم- أنه قالت عالم قريش» إلخ، بصيغة التمريض احتياطا للشك فى ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من ضعف.

قاله العراقى ردّا على الصغانى فى زعمه أنه موضوع، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه فى كتابه سماه: لذة العيش فى طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا.

وأخبر- صلى الله عليه وسلم- بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر الله «2» . رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وبأن الله تعالى يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها «3» . رواه الحاكم من حديث أبى هريرة. وبذهاب الأمثال فالأمثل رواه الحاكم وصححه

__________

(1) ضعيف: أخرجه الطيالسى فى «مسنده» (309) بسند ضعيف.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (7311) فى الاعتصام، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق» . وهم أهل العلم، ومسلم (1921) فى الإمارة، باب: قوله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتى» من حديث المغيرة بن شعبة- رضى الله عنه-.

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (4291) فى الملاحم، باب: ما يذكر فى الملاحم، والحاكم فى «المستدرك» (4/ 567 و 568) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

بلفظ: تذهبون الخير فالخير «1» . وبالخوارج رواه الشيخان من حديث أبى سعيد الخدرى بلفظ: بينما نحن عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله، «اعدل» فقال: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» «2» .

قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذى نعته.

وأخبر- صلى الله عليه وسلم- أيضا بالرافضة، أخرجه البيهقى عن على قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يكون فى أمتى قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام» «3» .

وأخبر أيضا بالقدرية والمرجئة وقال: هم مجوس هذه الأمة «4» ، رواه الطبرانى فى الأوسط عن أنس.

__________

(1) حسن: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (4/ 480) ، وابن حبان فى «صحيحه» (7225) ، والطبرانى فى «الكبير» (5/ 29) ، من حديث رويفع بن ثابت الأنصارى- رضى الله عنه-، والحديث حسنه لغيره الشيخ الأرناؤوط فى صحيح ابن حبان.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (3610) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (1064) فى الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-، وقد ذكر البخارى ومسلم تتمة كلام أبى سعيد عقب حديثه السابق.

(3) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (1/ 103) ، والبيهقى فى «الدلائل» (6/ 547) بسند فيه يحيى بن المتوكل، وهو ضعيف الحديث، إلا أن للحديث شواهد أخرجها أبو يعلى فى «مسنده» (6749) من حديث فاطمة بنت النبى- عليهما السلام-، والطبرانى فى «الكبير» (12/ 242) ، وعبد بن حميد (698) من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما- بأسانيد حسنها الهيثمى فى «المجمع» (10/ 22) .

(4) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (92) فى المقدمة، باب: فى القدر، والطبرانى فى «الصغير» (1/ 368) ، من حديث جابر- رضى الله عنه-، من طريق بقية عن الأوزاعى عن ابن جريج عن أبى الزبير عنه، وهذا إسناد ضعيف. ولم أقف عليه من حديث أنس- رضى الله عنه-، وقد رمز إليه الشيخ الألبانى بالحسن.

وقد أخبر- صلى الله عليه وسلم- أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة وحذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة الأمارات فى العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل والعالم. كما روى من رفع الأمانة والقرآن، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال، وكثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار. وقد تعين أن نلمّ بذكر طرف من الآثار الصحاح والحسان: فروى البخارى من حديث أبى هريرة: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج- وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذى يعرضه عليه: لا أرب لى فيه، وحتى يتطاول الناس فى البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول:

يا ليتنى مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكون آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ولا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» «1» .

فهذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة فى حديث واحد، ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط. وقد ظهر أكثر هذه العلامات:

فأما قوله: «حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة» يريد فتنة معاوية وعلى بصفين. قال القاضى أبو بكر بن العربى: وهذا أول خطب طرق الإسلام.

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (7121) فى الفتن، باب: خروج النار.

وتعقبه القرطبى بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبى- صلى الله عليه وسلم-، ثم بعد موته موت عمر، لأن بموته- صلى الله عليه وسلم- انقطع الوحى وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك، وبموت عمر سل سيف الفتنة بقتل عثمان. وكان من قضاء الله وقدره ما كان وما يكون.

وأما قوله: «دجالون كذابون قريب من ثلاثين» فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يكون فى أمتى دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة. وأنا خاتم النبيين لا نبى بعدى» .

أخرجه الحافظ أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب قال القاضى عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدّ من تنب من زمن النبى- صلى الله عليه وسلم- إلى الآن من اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التاريخ عرف صحة هذا.

وقوله: «حتى يقبض العلم» فقد قبض ولم يبق إلا رسمه. وأما:

«الزلازل» فوقع منها شئ كثير، وقد شاهدنا بعضها. وأما قوله: «حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته» فهذا مما لم يقع.

وق


ملف pdf

كلمات دليلية: