الجهر بالدعوة من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

الجهر بالدعوة من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

اسم الكتاب:
السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي
المؤلف:
احمداحمدغلوش

الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة

,

المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

,

ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة

بعد أن أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، وأن ينذر عشيرته القريبة منه، على أن يبدأ بالأقرب إليه، أخذ صلى الله عليه وسلم يعد للأمر عدته، ورأى أن أفضل وسيلة لذلك هي المواجهة المباشرة سواء بصورة فردية أو جماعية أو عامة

يروي ابن الأثير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت ذرعا، وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره" 1.

__________

1 الكامل ج2 ص61.

ولما مرض صلى الله عليه وسلم وجاءته عماته يعدنه، قال لهن: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين".

فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.

فنراه صلى الله عليه وسلم يخبر عليا وعماته بدعوته بصورة فردية..

ومرة يجمع أعمامه ونفرا من بني المطلب بن عبد مناف، حيث دعاهم إلى طعام، وبلغهم بدعوة الله تعالى مرتين؛ لأنه لم يتمكن من الحديث في المرة الأولى بسبب مقاطعة أبي لهب له، ودعاهم في المرة الثانية.

جاء في الكامل لابن الأثير أنه لما أنزل الله على رسوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} اشتد ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه، فقال: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين"، فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم فإنه غير مجبيك، فدعاهم صلى الله عليه وسلم.

فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا.

فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس.

ثم دعاهم ثانية وقال: "الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا، أو النار أبدا".

فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ

لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

فقال أبو لهب: هذه والله السوءة! خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.

فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا1.

فقالت له أخته صفية -عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها: أي أخي، أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فوالله ما زال الناس يخبرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو.

قال أبو لهب: وهذا والله الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس.

فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا2.

وهكذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين في جو أسرى خالص، قائم على المودة وروح القرابة.. ودار نقاش في إطار هذا التجمع.

كما وجه لهم دعوة عامة بأن نادى عليهم جميعا من فوق الصفا، فلما تجمعوا دعاهم إلى الله تعالى.

يروي المؤرخون أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي ... " لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ".

قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا.

قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

__________

1 الكامل لابن الأثير ج2 ص61.

2 الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص315.

فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} 1 2.

كما أن عددا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ الله عليه بالإسلام، وهداه إلى الحق بإحدى طرق الهداية، فمنهم من أسلم بعدما رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة بهرته، أو موقفا حركه، أو دعوة من الرسول صلى الله عليه وسلم استجيبت، كما حدث مع عبد الله بن مسعود، وخالد بن سعيد بن العاص، وعمر بن الخطاب، وأم أبي بكر رضي الله عنهم.

يقول عبد الله بن مسعود: كنت غلاما يافعا، أرى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه وقد فرا من المشركين، فقالا: أعندك يا غلام لبن تسقينا؟

قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من جذعة لم ينز عليهما الفحل بعد؟ ".

قلت: نعم! فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع، ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر متقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: "أقلص" فقلص.

فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب؛ يعني: القرآن الكريم.

فقال له صلى الله عليه وسلم: "إنك غلام معلم"، يقول ابن مسعود: فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد3.

__________

1 سورة المسد آية 1، 2.

2 فتح الباري ج1 ص118-120.

3 البداية والنهاية ج3 ص32.

وأما خالد بن سعيد بن العاص، فلقد رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم، ويرى في النوم كأن آتٍ أتاه، يدفعه فيها، ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه، لا يقع، ففزغ من نومه، فقال: أحلف بالله، إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال: أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يحجزك أن تدخل فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد، فقال: يا رسول الله، يا محمد إِلَمَ تدعو؟

قال: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر، ولا يبصر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده".

قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتي به، فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنك القوت.

فقال خالد: إن منعتي فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يكرمه ويكون معه1.

وهكذا تكاثر المسلمون، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم لدرجة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أخذ يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإظهار الإسلام، وتوسيع دائرة التحرك به، وإعداد المؤمنين لتحمل ما يصيبهم من الضرر والأذى.

ورؤية أبي بكر في المجاهرة والمواجهة لها ما يبررها، فلقد أحس من كفار قريش قلقا من زيادة عدد المسلمين دفعهم لتشديد الأذى، والتعنت مع كل من يسلم.

ومن المعلوم أن الطغاة يضاعفون عدوانهم كلما رأوا من خصومهم خنوعا

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص32.

واستسلاما، فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يبرز لهم من نفسه قوة، فمنعهم من العدوان وخوفهم من أذى المسلمين.

وفي هذه الحالات تبرز أهمية المواجهة؛ لأنها تحد من غلواء المعتدي، وتظهر رجالا يتحمسون للحق، ويدخلون في الإسلام، فينتصر الإسلام بهم.

وقد أراد الله تعالى إظهار الإسلام كطلب أبي بكر رضي الله عنه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انتصار المسلمين، وخزي الكافرين.

إن المسلمين الأول لم يكونوا على مستوى واحد من المواجهة، فمنهم من كان تحميه قبيلته، ومنهم المتميز بالجرأة والصلابة وقوة الشكيمة والقدرة على المواجهة.. ولذلك ألح أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، إنا قليل".

فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أذن له صلى الله عليه وسلم، فأظهره رضي الله عنه وحده، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته.

وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا من وجدوه في المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته.

ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا، أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالت: والله ما لي علم بصاحبك.

فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل.

فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟

فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك!!

قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر ضريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.

قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: هذه أمك تسمع.

قال: لا شيء عليك منها.

قالت: سالم صالح.

قال: أين هو؟

قالت: في دار ابن الأرقم.

قال: فإن الله عليَّ أن لا أذوق طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك

فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا

لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا1.

وأراد الله للمسلمين قوة، فجعل من اشتداد أذى قريش للمسلمين سببا في إسلام حمزة عم رسول الله وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهما من فتيان مكة، اللذين اشتهر بالشجاعة والبأس، وكان القرشيون يهابانهما لقوتهما.

يسوق ابن إسحاق قصة إسلام حمزة فيقول: إن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادٍ من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم.

فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى، ولم يقف على أحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشمته وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرد ذلك عليَّ إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، واستمر حمزة رضي الله عنه على

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص30.

إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه1.

وزاد غير ابن إسحاق أن حمزة لما أسلم كان منفعلا مندفعا، وأدركه الندم على تسرعه، يقول حمزة رضي الله عنه: أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب، فلما استتممت دعائي انزاح عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما كان من أمري، فدعا لي بأن يثبتني الله2.

وأسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا في وسط التشدد والاضطهاد للمسلمين، يروي ابن إسحاق بسنده قصة إسلام عمر فيقول: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من قومه، من بني عدي بن كعب قد أسلم، وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين، ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، في رجال من المسلمين رضي الله عنهم، ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.

__________

1 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص291.

2 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص292.

فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟

فقال: أريد محمدا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش، سفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.

فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟

قال: وأي أهل بيتي؟

قال: خنتك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.

قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة، فيها {طَه} يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما.

فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟

قالا له: ما سمعت شيئا.

قال: بلى والله أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها.

فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.

لما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وراجع نفسه، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد! وكان عمر كاتبا.

فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها.

قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها.

فلما قال ذلك، طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها {طَه} فقرأها، فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!

فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته صلى الله عليه وسلم أمس وهو يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"، فالله الله يا عمر.

فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.

فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف.

فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائذن له".

فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة، وقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة".

فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم1.

__________

1 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص343-346.

وبإسلام حمزة رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة؛ لأنهما لم يرتضيا لدينهما هذا الاستتار ما دام هو الحق.

وقد سأل عمر عن أكثر الناس قولا، وأفشاهم للحديث، وعلم أنه جميل بن معمر الجمحي فأتي إليه، وأخبره بأنه أسلم، فصاح جميل بأعلى صوته: إن ابن الخطاب صبأ.

وذهب إلى أبي جهل وأخبره بإسلامه.

وأراد كفار مكة قتل عمر فأجاره العاص بن وائل السهمي، يروي البخاري بسنده أنه بينما كان عمر بن الخطاب في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة سبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم خلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما لك يا عمر؟

قال عمر: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت.

قال: لا سبيل إليك، وبعد أن قالها أمنت.

فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟

فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ.

قال: لا سبيل إليه، فكر الناس1.

وكان إسلام عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة أيام، وبذلك بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة إلى الله تعالى..

لقد تم الانتقال إلى هذه المرحلة في وقت كان كفار مكة يخططون للقضاء على الإسلام والمسلمين بعدما شعروا بخطورة الإسلام على وضعيتهم في مكة.

- هل كان يتصور كفار مكة أن ينقلب حمزة عليهم بهذه الصورة المفاجئة؟!!

- وهل توقعوا أن يتبعه عمر، ويعلن إسلامه بعده بثلاثة أيام فقط؟!

__________

1 المنهج الحركي ج1 ص81.

- وهل ظنوا مرة أن يجير العاص بن وائل عمر وينقذه منهم، وقد كادوا أن يفتكوا به؟!!

- وهل دار بخلدهم أسرار هذه المواقف المفاجئة، وفي هذا الوقت بالذات؟!!

لم يفكروا في شيء من ذلك، ولم يتوقعوه؛ لأنهم لم يتصوروا القدر الإلهي، ونصره لعباده المؤمنين.

إن عقول البشر جميعا تعجز عن تصور أي شيء من هذه القضايا، ولا تقدر على اكتشاف شيء من أسرارها، وكل ما تصوره أهل مكة عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته وعن المؤمنين به عكس ما حدث؛ لأن المواجهة وقتها تصاعدت وتضخمت، والتخطيط لقتل محمد ومن معه أمر موجود.

لكن إرادة الله غالبة، وقدرته لا حدود لها، ففي وسط الضعف تبرز قوة، ومن ثنايا الجبروت والطغيان يأتي العدل والحق، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

,

المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة

أكرم الله تعالى المسلمين في مكة بإسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلقد أعز الله بهما الإسلام، وقوي المسلمون، يقول صهيب بن سنان رضي الله عنه: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به1.

ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر2، يروي ابن إسحاق أنه لما أسلم عمر نزل جبريل وقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر، وهو الفاروق؛ لأنه كان سببا في التفريق بين عهدين؛ لأنه لما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟

قال صلى الله عليه وسلم: "بلى".

قال عمر: ففيمَ الاستخفاء؟! 3

وأصر عمر رضي الله عنه على أن يخرج المسلمون من دار الأرقم جهارا، معلنين إسلامهم، فخرجوا في صفين في أول الصف الأول عمر، وفي أول الثاني حمزة وهم يهللون، ويكبرون، ولهم دوي كدوي الرحى، حتى دخلوا المسجد الحرام بهذه الصورة الجهرية الجماعية؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" 4.

والفرق واضح بين إظهار أبي بكر للإسلام وبين إظهاره بعد إسلام عمر؛ لأن إظهار أبي بكر كان فرديا، وأما بعد إسلام عمر فكان إظهارا جماعيا قام به المسلمون

__________

1 الطبقات الكبرى ج3 ص269.

2 المرجع السابق ص18.

3 مناقب عمر لابن الجوزي ص18.

4 الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج6 ص252.

وخرجوا من دار الأرقم يهللون ويكبرون.

وهكذا..

بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة، يصدع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، وينادون بها قولا وعملا، في بيوتهم وفي كل مكان وعند البيت.

لقد حاول أبو بكر رضي الله عنه إظهار الدعوة بالبيت قبل ذلك فأوذي إيذاءً شديدًا1، فلما أسلم حمزة وعمر حقق المسلمون ما تمناه أبو بكر قبل ذلك.

وشعر كفار مكة بخطورة الإسلام لما رأوا من قوة أتباعه، وكثرة معتنقيه، وشدة إخلاصهم لما يؤمنون به، وحينئذ شددوا في الاضطهاد والأذى.

والفرق بين الجهر الأول والجهر الثاني؛ أن الجهر الأول كان خاصا بالدعوة يقوم به رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، بينما الجهر الثاني صار عاما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه القادرون على التبليغ، كما أن السرية ظلت ملازمة لتحرك المسلمين في المرحلة الأولى وهم يتعلمون الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم وفي الشعب أو في الأماكن النائية، أما في المرحلة الثانية فقد أخذ المسلمون يظهرون مناسكهم في الأماكن العامة، عند الكعبة، وفي أماكن العمل، وصاروا يجتهدون في إبراز الإسلام في عملهم ونسكهم وخلقهم.

ولهذا..

كانت الحركة بالدعوة في المرحلة الأولى أشبه بحركة المرحلة السرية، أما مرحلة الجهر العام فكان لها طابعها الخاص في الدعوة إلى الله تعالى.

__________

1 انظر ص473 وما بعدها.

المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

,

المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

...

,

المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

أدى تغير صورة الجهر العام عن المراحل السابقة إلى أن أخذ طابع الحركة بالدعوة صورا عديدة، منها القديم، وفيها الجديد.

فمع ثبات المضمون الفكري للدعوة إلا أن بقية الجوانب قد تغيرت..

فلقد تنوعت الوسائل، وأصبحت شاملة لكل وسيلة ممكنة، وتغيرت الأساليب، وصارت ملائمة للمدعوين مع تعدد مذاهبهم وأماكنهم ولهجاتهم.

وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه إلى مواجهة الاضطهاد الذي يقع عليهم من أهل مكة بما أمكنهم في إطار ما هم فيه من قلة وضعف.

وذلك سيتناول هذا المبحث المسائل التالية:

المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

لم تعد وسائل الدعوة قاصرة على الاتصالات الشخصية، والمواجهة المباشرة وإنما رأيناها ظهرت في صور عديدة ومختلفة، ومن أهمها:

أولا: الاتصال بصوره المختلفة:

يرى علماء الاتصال في العصر الحديث أن صورة الاتصال التي يتم بها التوجيه والدعوة تنحصر في ثلاث صور رئيسية هي:

أ- الاتصال الشخصي:

وهو الذي يحدث بين فرد وفرد، أو بين فرد وعدد قليل، وهذا الاتصال يتم بصورة تلقائية، لما بين أفراد هذا الاتصال من معرفة مسبقة وتلاقٍ عادي، كالرجل وبنيه، والإنسان وجاره، والعامل وزملائه، والطالب وإخوانه، وهكذا ...

ويتميز هذا اللون بأنه اتصال هادئ، يقوم على الثقة، وتبادل الرأي في وضوح وبساطة، ورد الفعل واضح عند الطرفين؛ لأنه يتم مباشرة بين الأطراف من غير واسطة، وبلا سابق إعداد، وفي موضوعات شتى، والدعاة إلى الله تعالى يستفيدون بهذا الاتصال، ويجعلونه طريقا لدعوتهم التي يبرزونها لمعاشرتهم بالقول، أو بالعمل، أو بالتأمل والتفكير المشترك..

وهذا الاتصال يفيد في نطاق المجتمع الصغير والبدائي، كالأسرة، ورفاق المسجد، والقرية، وجماعة العمل، وفريق اللعب، وهكذا..

ب- الاتصال الجمعي:

وهو الاتصال الذي يتم بين القائم به وبين جماعة من الناس، بعد إعداد وتنظيم يشمل المكان والزمان والموضوع.

ويتميز هذا النوع بأنه يتم مواجهة وبطريقة مباشرة؛ لأن الإعداد والتنظيم يجمع أفرادا تقاربت ثقافتهم واهتماماتهم ونشاطهم العام، وكل هذا يساعد على وضوح الرؤية، ومعرفة مدى استجابة الجماعة لتوجيهات القائم بالاتصال.. ومن أمثلة هذا الاتصال تجمع الناس لخطبة الجمعة، أو لسماع درس، أو لمناقشة قضية مثارة، أو لحل مشكلة تهم المجتمعين.

ج- الاتصال الجماهيري:

وهم الاتصال الذي يتم بين القائم بالاتصال وبين جمهور عريض غير محدد، وبطريقة غير مباشرة، ويتميز هذا الاتصال بسعته، وسرعة انتشاره، وبتخطيه

للحواجز المادية، ووصوله لكل الناس في مختلف أحوالهم وأماكنهم وأعمالهم، ومن صور هذا الاتصال: النشرات التعليمية، والكتب المؤلفة، وتوجيهات الصحف، وبرامج الإذاعة المسموعة والمرئية، وأشرطة التسجيل، وهكذا..

ومع تميز هذا الاتصال بالسعة والتنوع، فإنه يحتاج لبذل مالي وعملي في إعداد رسائله، ومعرفة مدى استجابة الناس لما يطلب منهم، والوقوف المباشر على تساؤلاتهم

واستفساراتهم، والتأكد من وصول الأفكار إليهم على الصورة المطلوبة.

تلك هي صور الاتصال الممكنة، التي تحدث عنها علماء الإعلام في العصر الحديث، وقد أحاطوها بهالة تفيد أنها من مستحدثات العصر، ومخترعات الحضارة الحديثة، برغم ذلك نقول وبكل وضوح: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدم هذه الصور الثلاث وهو يدعو الناس خلال مرحلة الجهر بالدعوة..

فبالنسبة للصورة الأولى: نرى أنه صلى الله عليه وسلم استخدم وسيلة الاتصال الشخصي مع أهل بيته وأقربائه وأصحابه الذين أسلموا؛ حيث كان يلتقي بهم بصورة تلقائية عددا من المرات، في اليوم الواحد، وكان صلى الله عليه وسلم يسائلهم عن أحوالهم، ويجيب لهم عما يعن لهم، ويؤمهم في الصلاة، ويبلغهم ما نزل من وحي، ويقرأ عليهم القرآن الكريم، ويحثهم على الصبر والتحمل، ويشد من أزرهم.

وكان صلى الله عليه وسلم يقابل غير المسلمين المعروفين له، يدعوهم إلى الله تعالى، ويدور عليهم في بيوتهم، وأماكن تواجدهم في مكة أو حولها، وكان كلما قابله واحد يعرفه في الطريق، أو عند البيت، حرا أو عبدا، ضعيفا أو قويا، غنيا أو فقيرا، إلا ويعرض عليه دعوة الله تعالى، ويطلب منه الدخول في دين الله تعالى.

وكان صلى الله عليه وسلم يتبع الناس في مجالسهم، ومحافلهم، وفي المواسم والأسواق؛ ليدعوهم إلى الله تعالى بالحسنى، وبالخلق الكريم.

وكان صلى الله عليه وسلم يشرك من يدعوه في تناول قضية الدعوة من أجل إقناعه بالحسنى، وذلك أمر مهم في حركة الدعوة؛ لأن الدعوة ليست تسلطا واستعلاء، وليست احتقارا لعقل الناس، وليست استهانة بقدراتهم على التصور والحكم السليم.

انظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يدعو الحصين والد عمران؛ حيث تراه يستدرجه إلى الحق، ويضعه أمام اعتراف صريح بالإيمان، فقد أخرج ابن خزيمة عن عمران بن خالد بن طليق بن عمران بن حصين قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده: أن قريشا جاءت إلى الحصين -وكانت تعظمه-

فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبا من باب النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوسعوا للشيخ"، وعمران وأصحابه متوافرون.

فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك: إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيرا؟

فقال صلى الله عليه وسلم: "يا حصين! إن أبي وأباك في النار، يا حصين! كم تعبد من إله؟ ".

قال: سبعا في الأرض وواحدا في السماء.

قال صلى الله عليه وسلم: "فإذا أصابك الضر مَن تدعو؟ ".

قال: الذي في السماء.

قال صلى الله عليه وسلم: "فإذا هلك المال من تدعو؟ ".

قال: الذي في السماء.

قال صلى الله عليه وسلم: "فيستجيب لك وحده، وتشركه معهم، أرضيته في الشكر، أم تخاف أن يغلب عليك؟ ".

قال: ولا واحدة من هاتين، وقد علمت أني لم أكلم مثله.

قال صلى الله عليه وسلم: "يا حصين! أسلم تسلم".

قال: إن لي قوما وعشيرة فماذا أقول؟

قال صلى الله عليه وسلم: "قل: اللهم أستهديك لأرشد أمري، وزدني علما ينفعني".

فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بكى وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فشيعوه إلى منزله"، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ وتفرقوا عنه1.

ونراه صلى الله عليه وسلم يعيش مع واقع حصين، ويسائله فيها إلى أن تحقق لدعوته ما يريد.

__________

1 حياة الصحابة ج1 ص55.

إن الدعوة في حد ذاتها تقدير للإنسان، وتوجيه أمين للفكر والعقل، وإيقاظ للفطرة وللإنسانية السليمة، وبذلك يتم الإيمان بالاقتناع والفهم، ويرتبط المسلم بدينه حبا وولاء وطاعة.

وبالنسبة لصورة الاتصال الثانية: وهي الاتصال الجمعي نرى أنه صلى الله عليه وسلم استفاد بها، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يتخير الجماعة القليلة العدد، المتفقة اتجاها، الموحدة اهتماما، ويعد لهم اجتماعا منظما، في جو من الود والمحبة لما بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين هذا الجمع من صلات القربى والمعاشرة والقومية وغير ذلك.. كما حدث بعد أن أمر بالجهر بالدعوة، فإن صلى الله عليه وسلم أمر عليا ابن عمه، بأن يعد طعاما وشرابا لأعمامه وعماته، وقد تكرر هذا التجمع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أعمامه وعماته، ومن خلال هذا الاتصال اتضحت مواقف كل طرف، وظهر خط كل فرد فقد أعلن أبو لهب عصيانه، وتصديه للدعوة، وأعلن أبو طالب وقوفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم وحمايته له غير أنه سيستمر على دين أبيه، ومن هذا القبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض الإسلام على من يعرفهم، ولو كانوا أعداء، فلقد اجتمع عند ظهر الكعبة مع صناديد مكة، وهم: عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ورجل من بني عبد الدار، وأبو البختري أخا بني الأسد، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحاج السهميين1.

والاتصال الجمعي: وسيلة تحتاج إلى الإعداد الجيد؛ لأن الرسول أو الداعية يعرف مقدما الهدف الذي من أجله كان تنظيم هذا الاتصال؛ ولذلك لزم إعداد الموضوع، وعرضه بطريقة مقنعة ترضي المستمعين.

وعلى منظم هذا الاتصال أن يتوقع المعارضات العديدة لموضوعه؛ ليستعد بالشرح والتفصيل، وتفنيد المزاعم التي قد تظهر في اجتماعه، انظر إلى رسول الله

__________

1 انظر ص471.

صلى الله عليه وسلم وهو يدعو أبا جهل ومعه المغيرة بن شعبة.. يقول المغيرة: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة؛ إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: "يا أبا الحكم، هلم إلى الله ورسوله، أدعوك إلى الله".

فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟.. هل تريد إلا أن تشهد أنك قد بلغت؟.. فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.

فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على أبي جهل فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شيء، إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي، والله لا أفعل1.

وبالنسبة للصورة الثالثة:

وهي التي تعرف بالاتصال الجماهيري، فقد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم، ورجا من ورائها أن يصل الإسلام إلى الجماهير الغفيرة من الناس.

لما جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة، ورغب في دعوة أهل مكة جميعا استعان بهذه الوسيلة الجماهيرية، فصعد على الصفا، وأخذ ينادي في الناس فعم وخص، ونادى بطون قريش بطنا بطنا، فجعل الواحد منهم إذا لم يجد وقتا، أرسل من يعرف له الخبر.. وهكذا تواجدت مكة كلها عند الصفا2.

وخرج صلى الله عليه وسلم عند المروة بعد نزول قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ثم قال: "يا آل فهر"، فجاءته قريش، فقال أبو لهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك

__________

1 حياة الصحابة ج1 ص65.

2 انظر ص474.

فقل، فقال: "يا آل غالب"، فرجع بنو محارب وبنو الحارث ابنا فهر، فقال: "يا آل لؤي بن غالب"، فرجع بنو تميم الأدرم بن غالب، فقال: "يا آل كعب بن لؤي"، فرجع بنو عامر بن لؤي، فقال: "يا آل مرة بن كعب"، فرجع بنو عدي بن كعب وبنو سهم وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، فقال: "يا آل كلاب بن مرة"، فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وبنو تيم بن مرة، فقال، "يا آل قصي"، فرجع بنو زهرة بن كلاب، فقال: "يا آل عبد مناف"، فرجع بنو عبد الدار بن قصي بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو عبد بن قصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم الأقربون من قريش، وإني لا أملك لكم من الله حظا، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا: "لا إله إلا الله" فأشهد بها لكم عند ربكم، وتدين لكم العرب، وتذل لكم بها العجم"، فقال أبو لهب: تبا لك فلهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} 1.

ووصلت الدعوة إلى كل أهل مكة.. ولذلك عدت هذه الطريقة اتصالا جماهيريا.

وكان صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه إلى هذه الطريقة ويقول لهم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".

__________

1 حياة الصحابة ج1 ص72.

ثانيا: الدعوة بالحوار والمفاوضة

دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الوسيلة أملا في إسلام من يفاوضهم ويحاورهم.

وهذه الوسيلة تختلف عن الاتصال الجمعي في أنها قد تكون تلقائية، وقد تكون بإعداد وتوجيه من المدعوين لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذ يأتي الرسول أو الداعية للمفاوضة، وهو لا يعرف موضوعها، وكل ما في ذهنه، وكل ما يأمله هو عرض الدعوة، وإيمان الناس بها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمل في المفاوضات، ويرجو أن تكون سببا في إسلام أهل مكة..

يروي ابن كثير صورا لهذه المفاوضات، ومنها أن أشراف مكة اجتمعوا عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره شيء، وكان حريصا، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك1.

ثم عرضوا أن يحققوا له المال، أو الْمُلْك، أو الشرف، أو الزوجة الجميلة، إن كان هو ما يعمل له.. فأجابهم صلى الله عليه وسلم: "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي،

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص50.

ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".

فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا1، وحاجتنا شديدة إلى المال والماء والعطاء، وأخذوا يطلبون أمورا حسية تأتيهم على وجه خارق للعادة..

فمرة يقولون: سل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنها الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل؟ فإن فعلت ما سألناك، وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول2.

ومرة ثانية يقولون: سل ربك أن يبعث لنا ملَكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا، وكنوزا، وقصورا من ذهب، وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنا نراك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم3.

ومرة ثالثة يقولون: أسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.

واستمر أهل مكة في هذه العروض لا يقصدون من ورائها سوى السخرية، وإضاعة الوقت، والرسول يقول لهم في كل مرة: "ما بهذا جئت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" 4.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص50.

2 البداية والنهاية ج3 ص51.

3 البداية والنهاية ج3 ص51.

4 البداية والنهاية ج3 ص50، 51.

ورغم مقصد أهل مكة من هذا الحوار، إلا أنه يعتمد على أسلوب بياني له فوائده.. فهم يعرضون قضيتهم ومزاعمهم مع شبههم ووجه نظرهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع ويرد عليهم في حلم ورفق بما يرد طلبهم، ويحدد لهم ما يدعوهم إليه.

إن وسيلة المفاوضة تتميز بإظهار مراد كل طرف منها، ونظرته إلى الطرف الثاني، ومنهجه في العرض والرد.. ولذلك اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة لعرض الإسلام.

ويبدو أن هذه المفاوضات تعددت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بها غير واحد من القرشيين، وكلها تتجه وجهة معينة، فقريش تبرز ما حل بها بسبب الدعوة، وتحاول صرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها بإغرائه بكافة ألوان الإغراء، مع تهديده، وتخويفه، إن لم يتفق معهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد بالوحي المنزل عليه، ويقرأ عليهم من القرآن ما يناسب المقام؛ ليبين حقيقة الدين الإلهي، في أنه منزل من الله، وحقيقة القرآن العربي المبين، وحقيقة الرسول الداعية، مع إنذارهم بالويل والثبور إن لم يؤمنوا بالإسلام، وتذكيرهم بما حل بمن سبقهم، وهم على علم به.

لقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم خلال هذه اللقاءات بالدعوة إلى دينه؛ حيث كان يسمع لمقالة القوم وشبههم ومزاعمهم، ثم يكر بالنقض والرد.

إنه رسول يحمل رسالة، وكتاب ربه معه يهدي به من ضلال، وينقذه من خبال، وإذا كان الله يطلب من عباده أن يستقيموا ويستغفروا، فمحمد الرسول عبد بشر، وهو أول من يستقيم لربه ويستغفر، إنه لا يحتاج لمال، ولا لملك، ولا لجاه، فقد استبان له الطريق، ووضحت أمامه معالم الهدى، وتيقن من كل ما نزل عليه.

إنه صلى الله عليه وسلم متمسك برسالته، ومستمر في الدعوة لها بالحسنى، واللين، والحجة، والبرهان، والبصيرة، والوضوح.

وهكذا كانت المفاوضات وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، يقول الإمام ابن كثير: "اعترض المشركون على رسول الله وتعنتوا في أسئلتهم له؛ حيث طلبوا أنواعا من الآيات وخوارق العادات على وجه العناد، لا على وجه الطلب والإرشاد، وكان الرسول يسمع منهم، ويرد عليهم، بالرفق واللين، ويبين لهم خطأ جدلهم وعنتهم"1.

ثالثا: الدعوة بالانتقال إلى القبائل ودعوتهم:

وكان رسول الله يذهب إلى قبائل العرب وبطونهم، يدعوهم إلى الله بالحكمة واللين، وكان ينتهز المواسم والأسواق، ويذهب إلى القبائل في اجتماعهم ويدعوهم، يقول الزهري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض دعوته على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم شريف كل قوم، لا يسألهم من ذلك إلا أن يؤووه ويسمعوا له ويقول: "لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي بالذي أدعوكم إليه فذلك، ومن كرهه لم أكرهه".. فلم يقبل أحد منهم، وما بات أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعرف به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، ولفظوه2.

وقد ذكر الواقدي البطون والأفراد الذين ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام، وعدهم واحدا واحدا، موضحا مواقفهم.

وأهم هذه الانتقالات من أجل الدعوة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لدعوة بني ثقيف إلى الإسلام؛ حيث عرض عليهم أن يأوي إليهم ويكون معهم إذا أسلموا، لكنهم ردوه ردا قبيحا، وسلطوا عليه سفاءهم وأطفالهم، فرموه بالحجارة، وطردوه من ديارهم وحيدا لا يجد لنفسه نصيرا من الناس، ولا مأوى في ديارهم3.

__________

1 انظر: البداية والنهاية ج3 ص49-53.

2 المرجع السابق ج3 ص140.

3 انظر ص362.

فاتجه إلى الله قائلا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري؟!

إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي! أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أم الدنيا والآخرة، أن يحل عليَّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" 1.

وكان نصر الله مع رسوله في هذه الشدة فاستجاب له الدعاء، فآمن به "عداس"، ولما اتجه إلى مكة أجاره "المطعم بن عدي"، فدخل مكة في جواره2.

إن الانتقال بالفكرة برهان على أهميتها، واهتمام صاحبها بها، وهذا في حد ذاته يدفع العقلاء إلى الاستماع والمعرفة والفهم.

وهكذا استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة الانتقال من أجل الدعوة وتبليغ الرسالة لما لها من أهمية في مباشرة التوجيه، ومعرفة موقف المدعوين، والرد على تساؤلاتهم واستفساراتهم، وكان النبي لا يفرق بين قوم وقوم، ولا بين مكان ومكان، بل كان يتجه كلما أمكنه ذلك.. ولعل ذهابه إلى الطائف سيرا على قدمه ذهابا ورجوعا دليل على ذلك، وعلى مدى ما تحمله الرسول للدعوة بهذه الوسيلة.

رابعا: الدعوة بمقابلة الوفود:

استقبال الوفود لإحاطتهم بالأمور التي وفدوا من أجلها أسلوب انتشر بعد صلح الحديبية لكثرة الوافدين، حتى ظن كثير من الناس أن هذه الوسيلة لم تظهر قبل صلح الحديبية.

__________

1 الكامل ج1 ص345.

2 انظر ص376، 378.

لكن ذلك ليس صحيحا، فلقد ظهرت هذه الوسيلة قبل الهجرة..

وأهمية هذه الوسيلة تبرز في أنها تبلغ قوما جاءوا يبحثون عن الحقيقة، ولديهم رغبة في الاستماع إليها، كما أن هؤلاء الوافدين لا يثقون فيما لديهم من مذهب أو خبر، ويريدون أن يسمعوا الحقيقة من مصدرها، وبخاصة أن أهل مكة وأعداء الدعوة أخذوا في ترويج الإشاعات، ونشر الأكاذيب حول محمد ودعوته.. ولذا جاءت الوفود للرسول نفسه بعيدا عن قالة السوء، ومروجي الإشاعات، وناقلي الأخبار الكاذبة.

ومجيء الوفد دليل على رجحان عقل أصحابه ومن وراءهم، فهم من أجل الوصول للحق والصواب جاءوا متحملين للمشاق، باذلين من وقتهم وجهدهم ومالهم الكثير في سبيله.

إن الغالبية العظمى للوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مكة أو في المدينة، كانت خيرا لأصحابها؛ إذ دخلوا في الإسلام بعد أن عرفوه، وعلموا حقيقته.

وأول وفد جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة وفد نصارى الحبشة؛ حيث قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا أو قريبا من ذلك فكلموه، وسألوه، وتحدثوا معه "ورجال من قريش يرقبونهم"، لما فرغوا من أسئلتهم واستفسارتهم، استمعوا لرسول الله يحدثهم فيما أرادوا، ويدعوهم إلى الإسلام، ويقرأ عليه القرآن، حتى فاضت أعينهم من الدمع، وآمنوا، وصدقوا، ودخلوا في دين الله تعالى، فلما قاموا من عنده صلى الله عليه وسلم، اعترضهم أبو جهل ونفر من قريش، وقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم، فتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم.

فردوا عليهم: لا نجاهلكم، سلام عليكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيرا1.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص82.

ومن أشهر الوفود التي قدمت إلى مكة وفد الأوس والخزرج الذين جاءوا إلى رسول الله وقابلوه عددا من المرات وبايعوه بيعتين عند شعب العقبة، تعرفان بيعة العقبة الصغرى، وبيعة العقبة الكبرى؛ حيث اتفق النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة الثانية على أن يهاجر والمسلمين إلى المدينة، على أن يمنعه أهلها بما يمنعون به نساءهم وأبناءهم وأموالهم، واختار منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، يكونون على قومهم بما بايعوا عليه1.

ويعد وفد الأنصار هذا من أكثر الوفود تأثيرا في مسار حركة الدعوة، فيه نشأت قوة الإسلام في المدينة، وكانت الهجرة، وكانت الدولة الإسلامية.

إن استقبال الباحث عن الحقيقة يحتاج لداعية كفء يفهم قضيته، ويعرف طرق عرضها الحسن، ويجيد التعامل مع الوافد ذي الثقافة المعينة، والبيئة

الخاصة، والتقاليد المتنوعة.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونة الله له يتعامل مع الوفد بطريقة حكيمة حسنة تؤدي إلى النتائج التي يرجوها المخلصون، والبحث عن الحقيقة موجود دائما، وتصورات العقول يشوبها الشك كثيرا وهي تريد الوصول لليقين، والمشكلة تكمن في وجود أشخاص يتعاملون مع الواقع، ويطوعون القضايا، ويوجهونها نحو الصواب، ويجيدون فهم الدعوة، وحسن عرضها على الأفهام.

ولقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجا عاليا في الاستفادة بهذه الوسيلة؛ لأن القبائل كانت تتخير أعلم أبنائها وأعقلهم، ويحددون له الهدف المقصود، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقابلهم وهو يرجوهم للإيمان.

لا بد من معرفة دوافع الوفد للحضور، وكشف خصائص أفراده، ومعرفة من وراءه؛ ولذلك فالاستماع لأفراده ابتداء ضرورة لا بد منها، وكان صلى الله عليه وسلم يستمع للوفد ويجيب على تساؤلات أعضائه، ويكرم وفادتهم، ويقدم لهم النصح

__________

1 انظر تفصيلات وفود الأنصار من ص149 إلى ص170.

ويدعوهم بالحسنى والهدوء؛ ولذلك كان أعضاء الوفود يتأثرون بكرم الخلق، ويندهشون لجلاء الحق، ويؤمنون بدين الله رب العالمين.

خامسا: الدعوة بإرسال الرسائل والدعاة

من الوسائل التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرحلة ما قبل الهجرة إرسال الدعاة والرسائل، وبخاصة إلى الأماكن البعيدة.

ومن الرسائل ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم وأرسله إلى النجاشي وحمله عمرو بن أمية الضمري وجاء فيه: "من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك، القدوس، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة، الطيبة، الحصينة، فحملت بعيسى عليه السلام، فخلقه من روحه ونفخته، كما خلق آدم بيده ونفخته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، فتؤمن بي، والذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم، ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى" 1.

وقد أسلم النجاشي الأصحم، وأرسل إلى النبي يخبره بذلك، ويعرفه أنه لا يملك إلا نفسه، وهو النجاشي الذي أكرم وفادة المسلمين إليه، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم بوفاته.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص83، وفي المرجع تفصيلات واسعة عن أعمال مصعب في المدينة.

وكما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسائله خلال هذه المرحلة بعث بعض الدعاة متميزين بالخصائص التي تؤهلهم للدعوة، ومن هؤلاء "مصعب بن عمير"، فلقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة عقب بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين.. فنزل مصعب على "أسعد بن زرارة" فكان يصلي بمن أسلم، ويدعو إلى الله تعالى، وسمي رضي الله عنه في المدينة بالقارئ والمقرئ.

وبسبب مصعب دخل الإسلام كل بيوت المدينة، وعلى يديه أسلم زعيما الأوس والخزرج، وخيرة رجال الأنصار.

ولما هاجر المسلمون إلى الحبشة الهجرة الثانية كان معهم جعفر بن أبي طالب أميرا مقدما عليهم، ومتحدثا نيابة عنهم، وقد قام جعفر بدوره كداعية مسلم، يفهم دينه، ويوضحه بالحسنى والحكمة، ذلك أن قريشا أرسلت وفدا من قبلها إلى النجاشي ليعيد المهاجرين إلى ديارهم.

حاول أعضاء وفد قريش إحداث وقيعة بين النجاشي وبين المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، إلا أنها قوبلت بحكمة جعفر الداعية.

يروي ابن إسحاق بروايته عن أبي موسى قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية، وقدما على النجاشي، فأتياه بالهدية فقبلها، وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك.

قال النجاشي: في أرضي؟!

قالا: نعم..

فبعث النجاشي إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك.

فلما انتهينا بدأنا من عنده من الرهبان قائلين: اسجدوا للملك.

فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل.

فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟!

قال جعفر: لا نسجد إلا لله.

فقال له النجاشي: وما ذاك؟

قال جعفر: "إن الله بعث فينا رسولا، وهو الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه السلام من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر".

فأعجب النجاشي بقول جعفر.

فقال عمرو بن العاص: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم!

فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟

قال جعفر: يقول بقول الله فيه: "هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد".

فتناول النجاشي عودا من الأرض ورفعه وقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ولا وزن هذه.. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، امكثوا في أرضي ما شئتم، ثم رد هدية قريش1.

وتعد الهجرة إلى الحبشة عملا إسلاميا رائدا، يدخل في إطار التبليغ العام للدعوة؛ لأن الإسلام بهذه الهجرة وصل إلى خارج الجزيرة العربية، وبدأ انتشاره عمليا في العالم.

ويخطئ من يتصور الهجرة إلى الحبشة فرارا من الأذى؛ لأنها كانت في الأصل هجرة للدعوة إلى الله تعالى، وفي نفس الوقت راحة من عدوان قريش.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص70.

يدل على أنها كانت هجرة للدعوة إلى الله في الأساس أن أغلب الذين هاجروا كانوا من ذوي القوة والمنعة في مكة، ولهم من عصبتهم من يدافعون عنهم وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، وله من أبيه وقومه قوة ومنعة، وفي نفس الوقت بقي الموالي والمستضعفون ولم يهاجروا، وبقوا في مكة صابرين محتسبين.

وأيضا فلقد هاجر نسوة من أشراف مكة، والنسوة لا يتعرضن للأذى كما هو عُرْف العرب في الجاهلية..

ويلاحظ أن هذه الهجرة ضمت رجالا من اليمن كذلك.

وهؤلاء لا صلة لهم بما يجري في مكة؛ لأنهم ليسوا منهم، وعلى رأس هؤلاء اليمنيين أبو موسى الأشعري، الذي هاجر إلى الحبشة مع المهاجرين إليها.

ولو كانت الهجرة إلى الحبشة هروبا وفرارا فقط ما حاول أهل مكة أن يستعيدوا هؤلاء المهاجرين الفارين؛ لأنهم بفرارهم قد تخلصوا منهم، ولو كانت الهجرة فرارا وخوفا لعاد المهاجرون عقب الهجرة إلى المدينة مباشرة بعد زوال سبب الخوف، ولكنهم لم يرجعوا إلى المدينة إلا في العام السابع بعد الهجرة.

إن الهجرة إلى الحبشة كانت دعوة ناجحة، وكان أفرادها خير ممثلين للإسلام، وخير دعاة إليه، وبذلك حملوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وسلموها إليه بمجرد وصولهم إلى بلاده.

وهكذا كان دعاة الإسلام الذين أرسلهم رسول الله وهو في مكة إلى المدينة وإلى الحبشة، كانوا قوة في الحق، وصبرا على البلاء، وحكمة في الدعوة، وأفقا واسعا، ودقة عالية في فهم الموقف، والتعامل معه بما يفيد الدعوة، ويؤدي إلى الإيمان..

لم يعرف مصعب رضي الله عنه الانفعال في مواجهة التعنت والإيذاء، وإنما كان رقة في السلوك، وسموا في الأخلاق، وصبرا جميلا في عرض قضيته على الناس.

ولم يفقد جعفر رضي الله عنه رباطة جأشه حينما رأى وفد قريش يجلسون مع النجاشي، ويوجهون له الأسئلة في تحد واستفزاز، وإنما كان متخلقا بخلق الإسلام،

يرد بما علمه الله، ويجيب وفق ما سمع من رسول الله، واثقا في علو الحق وانتصاره، وقد كان له ما تمنى.

إن الدعوة في المجتمعات غير الإسلامية تحتاج إلى مثل هذه النماذج الرائدة من الدعاة المخلصين.

تلك هي أهم الوسائل التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم خلال مرحلة الجهر بالدعوة في مكة، ويلاحظ أن وسائل المرحلة السرية لم تهمل، وإنما كانت وسائل مستمرة لمواقف تحتاجها، وهكذا سائر الوسائل تكون مع حركة الدعوة على طول الزمن.

سادسا: الدعوة بالعمل والتطبيق

حافظ الرسول صلى الله عليه وسلم على تطبيق ما يدعو إليه، والالتزام به على وجه دقيق، وبذلك قدم دعوته للناس بمنهج عملي.

ولذا كان من أوائل الذين عذبوا وأذوا، وحين دعا المؤمنين إلى الصبر والتحمل كان من أوائل الصابرين، وبقي صلى الله عليه وسلم مع قومه محاصرا في الشعب حتى أتاهم الفرج، وحين عرض عليه قومُه الملك والمال والجاه رفض عرضهم، وبين لهم أنه رسول الله إليهم، وإلى الناس كافة، يحمل لهم دين الله تعالى1.

واستمر يقيم في مكة مع كفارها في الوقت الذي وجه أصحابه رضوان الله عليهم بالهجرة إلى الحبشة حيث الأمن والهدوء.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا في التأسي والقدوة؛ ولذلك جعله الله تعالى مناط الأسوة والاتباع، يقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} 2.

__________

1 انظر 342 وما بعدها.

2 سورة الأحزاب آية 21.

إن حياة الرسول العملية كانت دعوة حكيمة ناجحة؛ لأن النفوس تتأثر بالأعمال أكثر من تأثيرها بالأقوال؛ لأن دلالة العمل على الصدق أوضح من دلالة القول المجرد، فلربما كان القول لكسب شخصي، أو لغاية قاصرة، أما عمل الرسول والدعاة فهو دليل على إيمانهم اليقيني بما يدعون إليه، وينادون به.

سابعا: الاستفادة من عادات المجتمع الجاهلي

أقام المجتمع القرشي قبل الإسلام عادة جاهلية، وحافظ عليها، وهي عادة الحماية والجوار، ومعناها أن الضعيف إذا لجأ لقوي أجاره، وأعلن حمايته، وحينئذ لا يجرؤ أحد على التعدي عليه، وإن لا قامت الحرب.

ولذلك كان المجير قوي الشكيمة، عزيزا في قومه، متمكنا من حماية من يجير.

وهذه العادة لا صلة لها بفكر المستجير أو ثقافته؛ ولذلك استفاد منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحرك بالدعوة في مكة.

وقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في حماية عمه أبي طالب، يقول ابن إسحاق: "وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم"1..

وقد حاول كفار مكة عدة مرات صرف أبي طالب عن حماية محمد فلم يتمكنوا، وكان لحماية أبي طالب أثر فعال في خدمة الدعوة؛ حيث بقي رسول الله يدعو إلى دين الله تعالى وهو يقيم في مكة.

ومن صور الحماية والجوار التي استفاد بها المسلمون ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج

__________

1 السيرة النبوية ج1 ص284.

أبو بكر مهاجرا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟

فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي.

فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك.

فرجع أبو بكر، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن إبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟!

فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: فاؤمر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر.

فطفق أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، وقد جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقرآن فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فانهه، فإن أحب على أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبَى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني خفرت في رجل عقدت له.

فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله"1.

ومن صور الإجارة ما سبق ذكره حين عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، فلقد دخل مكة في جوار المطعم بن عدي على نحو ما سبق ذكره2.

ومن المعلوم أن الاستفادة بالواقع الاجتماعي في نجاح الدعوة أمر مباح ما دام لا يمس جوهر الدعوة بصورة ما.. أما إذا أدى إلى أي مساس ضار بالدعوة فإنه لا يجوز؛ ولذلك صاح الرسول صلى الله عليه وسلم في وجه عمه باكيا حينما طلب منه أن يبقي الدعوة على نفسه، قال له: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك فيه" 3.

وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه، فإنه رد جوار ابن الدغنة حين وجده قيدا عليه في الدعوة، واكتفى بحماية الله له.

__________

1 صحيح البخاري - باب الكفالة - باب جوار أبي بكر ج4 ص130، ط. الأوقاف.

2 انظر ص 376.

3 سيرة ابن هشام ج1 ص265.

,

ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة

استمرت الدعوة سرية مدة عامين ونصف، وبعدها أمر الله رسوله بالجهر بالدعوة.. وهنا أخذ كفار مكة في صرف النبي عن دعوته، وبذلوا لهذا الغرض كل ما أمكنهم، وأهم ما لاقاه الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ما يلي:

1- السؤال عن مدى صدق محمد صلى الله عليه وسلم:

أخذ كفار مكة يبحثون عن مطعن يوجهونه لمحمد صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا رسلهم إلى أهل الكتاب يسألون عن مدى علمهم بصدق محمد، وكيفية كشف مزاعمه.

يقول محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا، حتى أتيا المدينة، فسألوا الأحبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره، وبعض قوله.

وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول، فتروا فيه رأيكم:

سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب.

وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه.

وسلوه عن الروح، ما هي؟

فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقال: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور، وأخبروهم بها.

فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، عن كذا وكذا، وسألوه عن الأمور التي حددها الأحبار.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبركم غدا عما سألتم عنه، ولم يستثن"، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا ينزل عليه من الله وحي، ولا يأتيه جبريل عليه السلام.

حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها ولم يخبرنا بشيء عما سألناه عنه.

وتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم من انقطاع الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.

وبعد خمسة عشر يوما جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، وفيها يعاتبه الله على حزنه عليهم، ويخبره عما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وقول الله عز وجل: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} .

فلما أخبرهم بنبأ ما سألوا عنه، رجعوا إلى أنفسهم، وعملوا أنه لا طاقة لهم بمواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواجهة عقلية فكرية؛ ولذا لجئوا إلى العدوان والإيذاء المادي، ونشر الأكاذيب والمفتريات حول محمد ودعوته.

2- موقف أبي لهب منه: لما نزل قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} 1 خرج رسول الله حتى صَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فهتف: "يا صباحاه".

فقالوا: مَن هذا؟!

__________

1 سورة الشعراء آية 214.

فجعل صلى الله عليه وسلم ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! وهكذا لبطون قريش جميعا، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟! ".

قال: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.

قال صلى الله عليه وسلم: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} وقد تب1.

ولم يكتفِ أبو لهب بهذا الموقف، بل أخذ في التصدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يسير خلفه ويقول: إنه كاذب، وأنا أعلم خبره، فهو ابن أخي ... وأخذ هو وزوجته في وضع الشوك والحطب أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعجزه عن الخروج والحركة، وفيه وفي زوجته نزل قول الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} 2.

3- السخرية والاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم:

أخذ كفار مكة يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ توهينا لنفسه، وصرفا للناس عنه، فكانوا ينادونه بالمجنون، يقول الله تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ

__________

1 صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب سورة تبت ج8 ص737، والتباب الخسران والتدمير.

2 سورة المسد.

إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} 1، ويصفونه بالسحر والكذب، يقول سبحانه: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} 2، وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ناقمة، وعواطف هائجة، وكراهية ظاهرة، يقول تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} 3، وكان إذا جلس، وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه الذين {مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} 4، فرد الله عليهم بأنه وحده العليم بحقائق الناس وقلوبهم، وليس لهم أن يتقوَّلوا عليهم، وذلك بقوله سبحانه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} 5، فأنكر عليهم بأسلوب يبرز جهلهم وخيبتهم.

إن كفار مكة كانوا يتصرفون باستعلاء وجبروت، وهم يتعاملون مع رسول الله وسائر أصحابه، حتى أنهم جعلوا المؤمنين مادة سخريتهم، ودعابة مجالسهم، يتضاحكون من عقيدتهم، ويتغامزون إذا رأوهم، وإذا رجعوا إلى أهليهم تفكهوا بسيرهم، معتقدين أنهم ضلوا عن الحق، بتركهم عبادة الأوثان، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} 6.

__________

1 سورة الحجر آية 6.

2 سورة ص آية 4.

3 سورة القلم آية 51.

4 سورة الأنعام آية 53.

5 سورة الأنعام آية 53.

6 سورة المطففين الآيات 29-33.

4- بث الدعاية الكاذبة عنه:

أخذ الكفار يبثون الدعايات الكاذبة حول شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، وعن القرآن الكريم الذي ينزل عليه حتى لا يصدقه أحد، فقالوا عن القرآن ما حكاه الله تعالى في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} 1، وقالوا عن الرسول: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} 2.

وكل ما قالوه ظاهر البهتان؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، ولو كان من عند محمد كما زعموا فما بالهم يعجزون عن الإتيان بأقصر سورة منه؟!

ومن هم هؤلاء الآخرون الذين يعينون محمدا؟! إنهم بشر كما يزعمون، فلمَ يتركونهم يفعلون؟! ولِمَ لا يواجهونهم بالتحدى؟!

وهل يكتب محمد عنهم وهو أمي؟! لقد جاءوا بالزور والبهتان!!

ولِمَ يعترضون على بشرية محمد صلى الله عليه وسلم؟! أيريدونه ملَكا؟! وكيف يتعاملون مع الملَك؟!

إن قلوبهم قد عميت، وكل اعتراضهم تبريرات لكفرهم وعتوهم.. وقد رأيناهم يبحثون عن أي علة تساعدهم على كفرهم.

ذكروا أن الوليد بن المغيرة قال مرة لقريش: يا معشر قريش! والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم خلقا ومسلكا، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة، ونفثهم وعقدهم.

__________

1 سورة الفرقان الآيتان 4، 5.

2 سورة الفرقان آية 7.

وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة، وتخالجهم وسمعنا سجعهم.

وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه، وزجره..

وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، انظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.

ثم ذهب الوليد إلى الحيرة بحثا عن حل يريده، فتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ووقف على أخبار رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا للتذكير بالله والتحذير من نقمته، خلفه النضر، وهو يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني1.

وما درى الوليد أن حديث محمد صلى الله عليه وسلم مع جماله يتضمن دينا صالحا، ومنهجا طيبا، وطريقا لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، وهو كلام الله.. وأما حديثه فهو خيال كاذب، وإبهار لفظي لا حقيقة فيه، ولا غاية له، ولا فائدة معه.

وفي الوليد بن المغيرة المخزومي نزل قول الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} 2.

وقصته مع القرآن الكريم ومع محمد صلى الله عليه وسلم تشبه ما فعله النضر

__________

1 تفهيم القرآن ج4 ص9.

2 سورة المدثر الآيات 11-25.

ابن الحارث، فلقد ذكروا أن النضر قال: والله لقد نظرت فيما قال محمد، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فكأنه رق له.

فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا.

قال: لِمَ؟

قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تعرض لما قبله.

قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا.

قال: فقل فيه قولا يعلم قومك منه أنك منكر لما قال، وأنك كاره له.

قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى.

قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه.

قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره1.

5- مساومات وتخليط:

حاول الكفار مرات عديدة أن يتعاون معهم محمد صلى الله عليه وسلم في خلط الإسلام بالكفر؛ ليكونا سويا دينا خليطا من هذا وذاك، وأن يعبدوا الله يوما، ويعبد محمد أصنامهم يوما آخر، وهكذا.

يروي ابن إسحاق بسنده أن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي -وكانوا ذوي أسنان في قومهم- اعترضوا محمدا، وهو يطوف بالكعبة، وقالوا له: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما

__________

1 تفسير ابن كثير ج4 ص443.

نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 1 2، فكانت المفاصلة الكاملة بين الإيمان والكفر.

6- الاضطهاد البدني:

كان أشد الناس إيذاء لرسول الله جيرانه، وعلى رأسهم عمه أبو لهب، يقول ابن إسحاق: كان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي -وكانوا جيرانه- لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص فإنه أسلم فيما بعد، فكان أحدهم يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاه، وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا ليستتر به منهم إذا صلى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود فيقف به على بابه، ثم يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق3.

وازداد عقبة بن أبي معيط في شقاوته وخبثه، فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم "وهو عقبة بن أبي معيط" فجاء به، فنظر،

__________

1 سورة الكافرون.

2 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص361.

3 سيرة النبي ج1 ص416.

حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر، لا أغني شيئا، فجعلوا يضحكون، ويميل بعضهم على بعض، مرحا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، لا يرفع رأسه حتى جاءته ابنته فاطمة، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، وقد سمى الرسول في دعائه فقال: "اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط"، وعد السابع فلم نحفظه، فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدر1.

وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه، وفيه نزل قول الله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} 2 قال ابن هشام: الهماز: الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه، ويغمز به، والهمز هو الشتم نفسه، واللماز: الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم3، واللمزة هي العيب والأذى.

أما أخوة أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين، جلس عقبة مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فلما بلغ ذلك أبيا أنبه وعاتبه، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل، وأبي بن خلف نفسه هو الذي فت عظما رميما، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم4.

وكان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه من خلق رديء، وهي في قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} 5.

__________

1 صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الوضوء - باب إذا ألقي على المصلي قذر أو جيفة 1/ 37.

2 سورة الهمزة آية 1.

3 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ج1 ص356، 357.

4 نفس المصدر 1/ 361، 362.

5 سورة القلم الآيات 10-13.

وكان أبو جهل يجيء أحيانا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن، ولا يطيع، ولا يخشى، ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول، ويصد عن سبيل الله، ثم يذهب مختالا بما يفعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئا يذكر، وفيه نزل قول الله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} 1.

وكان يمنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم، ومرة مر به وهو يصلي عند المقام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا، وتوعده فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد، بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا، فنزل قول الله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} 2.

ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيما بعد، أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟

فقيل: نعم!

فقال: واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه مهرولا، ويتقي بيديه.

فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟

قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا، وأجنحة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لأختطفته الملائكة عضوا عضوا" 3.

__________

1 سورة القيامة الآيات 31-35.

2 سورة العلق آية 17.

3 مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص126.

7- محاولة قتل محمد صلى الله عليه وسلم:

وصل حد كراهية القوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفار مكة حاولوا قتله، من ذلك أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أكفر بـ {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} 1 و {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} 2، ثم تسلط على الرسول بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه صلى الله عليه وسلم، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك".

وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له: الزرقاء، فطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد عليَّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه3.

وفي رواية هشام عن عروة عن أبيه: أنه لما طاف الأسد بهم تلك الليلة انصرف عنهم، فجعلوا عتيبة وسطهم، فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه4.

ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة صلى الله عليه وسلم وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان5.

ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل، قال: قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبَى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس

__________

1 سورة النجم آية 1.

2 سورة النجم آية 8.

3 مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص135.

4 المرجع السابق ص136.

5 المصدر السابق ص113.

له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامضِ لما تريد.

فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم، ينتظرون ما يفعله أبو جهل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، احتمل أبو الجهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده.

وقام إليه رجال قريش، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟

قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ول أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.

قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه1.

أما طغاة قريش فلم تزل فكرة قتل النبي صلى الله عليه وسلم تنضج في قلوبهم، وتكبر في عقولهم وتفكيرهم، روى ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك من وجهه صلى الله عليه وسلم.

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص298، 299.

ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر، واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة ليرفؤه بأحسن ما يجد، ويقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا.

فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه، قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط1.

وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ 2

وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه، وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معا3.

ولم نغادر فكرة قتله صلى الله عليه وسلم عقولهم، وبخاصة بعدما رأوا انتشار الإسلام، وصلابة المسلمين، وتأكدوا أن بقاء محمد صلى الله عليه وسلم سوف يؤدي إلى القضاء على عبادة الاصنام، وحرمانهم من السيادة والتسلط، وكان آخر محاولتهم مؤامرة ليلة الهجرة.

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص289، 290، والغمز: الطعن والسب، ووصاة: أي توصية بالسوء، ويرفأ: أي يترفق.

2 صحيح البخاري - باب ذكر ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة 1/ 544.

3 مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص113.

8- نتائج الاضطهاد:

مع الجهر بالدعوة وخروج الرسول للعلن والمواجهة بدأ كفار مكة في إيذاء الرسول وأصحابه.

وكان الاضطهاد في بدايته قليلا ضعيفا، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا، حتى وصل إلى حد التآمر، والتخطيط لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتيجة لهذا التصعيد في الاضطهاد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع أصحابه في دار الأرقم ليعلمهم الإسلام بعيدا عن كفار مكة، كما أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر إليها كثير من أصحابه.

وقد حاول كفار مكة اعتقال المهاجرين، والفتك بهم، لكنهم فشلوا، ورأى المشركون والكفار أن أغلب المسلمين تركوا مكة، وتركوا محمدا صلى الله عليه وسلم مع قلة قليلة من أصحابه في مكة، وهاجروا إلى الحبشة، وغاظهم أن محمدا لم يضعف، ولم يترك دعوته..

فذهبوا إلى عمه أبي طالب، وقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.

عظم علي أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا كذا، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.

فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه"، ثم استعبر وبكى، وقام.

فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يابن أخي، فقل ما

أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا1، وأنشد:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقر بذاك منك عيونا2

فلما لم يحقق ذهابهم نتيجة يرجونها من أبي طالب، رجعوا بحيلة أخرى حيث ذهبوا إليه بعمارة بن الوليد؛ ليأخذه ويعطيهم محمدا، فأبَى وقال لهم: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا3.

وذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم محاولين مساومته، يقول ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما، وهو في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد، فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟

وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون فقالوا: بلى، يا أبا الوليد قم إليه، فكلمه..

فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت بمن مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع".

قال عتبة: يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص265، 266.

2 مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص68.

3 وقد سبق ذكر هذه المحاولة في ص331.

من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.

وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك.

وإن كنت تريد به مُلْكا ملكناك علينا.

وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.

ولما فرغ عتبة من حديثه.

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقد فرغت يا أبا الوليد؟ ".

قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاسمع مني".

قال: أفعل.

فقال صلى الله عليه وسلم: {حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السورة يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك".

فلما رجع عتبة إلى قومه رأوا فيه ما لا يريدون، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟

قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم،

فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سَحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه.

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم1، وماذا أقول فيه؟ والله إنه ليس من كلام الإنس، ولا من كلام الجن.

فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.

قال: دعى أفكر فيه، لما اجتمع بقومه قال وقد حضر الموسم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا.

قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، أقم لنا رأيا نقول فيه.

قال: بل أنتم فقولوا أسمع.

قالوا: نقول كاهن.

قال: والله ما هو بكاهن، فقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن، ولا سجعه.

قالوا: فنقول مجنون.

قال: والله ما هو بمجنون فقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته.

قالوا: فنقول شاعر.

قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بشاعر.

قالوا: فنقول ساحر.

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص293، 294.

قال: والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه، ولا بعقده.

قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟

قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لمثمر، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، فما يقوله سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.

فتفرقوا عنه بذلك، وجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروه لهم.

وأنزل الله تعالى في الوليد قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} .

9- أبو طالب يحتاط للأمر:

رأى أبو طالب أن الكفار والمشركين قد اشتدت عداوتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، ورأى أنهم لن ينتهوا من مكائدهم إلا إذا تخلصوا من محمد صلى الله عليه وسلم بأي وسيلة ممكنة وذلك عار يلحق ببني عبد مناف، يتحدث به العرب كلهم، فجمع أبناء عبد مناف، وهم: بنو أمية، وبنو عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو هاشم، وعرض عليهم خطورة الأمر، وضرورة التكاتف، والاتحاد في مواجهة عدوان كفار مكة

على ابن أخيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فوافقه بنو هاشم وبنو المطلب، وأخذوا على أنفسهم الميثاق على حماية محمد صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه، وعدم تسليمه إلى الكفار أبدا، واتفقوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ من هذين البطنين إلا أبو لهب، فإنه انحاز مع كفار مكة ضد محمد ودعوته؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كنا وبنو المطلب معا في الجاهلية والإسلام".

10- المقاطعة العامة:

لما رأى كفار مكة أن بني هاشم وبني المطلب تواثقوا وتعاهدوا جميعا على حماية محمد صلى الله عليه وسلم عملوا على مقاطعتهم، وعدم التعامل معهم مطلقا، وتحالفوا على ألا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يدخلون بيوتهم، ولا يكلمونهم، ولا يتزوجون منهم، ولا يزوجوهم حتى يسلموا محمدا لقتله، والانتهاء من أمره، وكتبوا بذلك ميثاقا علقوه في جوف الكعبة.

واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد الأمر على بني هاشم وبني المطلب حتى أكلوا ورق الشجر، وحوصروا في شعبهم، لا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم للتعامل مع وفود الحج والعمرة، وكان أهل مكة يزايدون عليهم لحرمانهم من كل خير؛ حيث منعوا أن يتصل بهم أحد من القبائل البعيدة عن مكة، وكانوا إذا رأوا تجارة قادمة سارعوا بشرائها قبل أن تصل إلى المحاصرين في الشعب، مبالغين في ثمنها.

ودام الحال على ذلك حتى قضى الله بنقض المقاطعة، وتمزيق الميثاق المكتوب1.

__________

1 سيأتي حديث مفصل عن انتهاء المقاطعة في الفصل التالي.

,

الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة


ملف pdf

كلمات دليلية: