اجتماع قريش في دار الندوة وتآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم_15540

اجتماع قريش في دار الندوة وتآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم


المؤامرة الكبرى

:

وكانت دار قصي بن كلاب هي ندوة قريش يجتمعون فيها للنظر فيما يعنيهم من الأمور وما يصادفهم من المشكلات، ولا شك أن أمر محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- قد أصبح شغلهم الشاغل ومشكلتهم الكبرى، وعلى الأخص بعدما تم من بيعتي العقبة وظهور الإسلام في المدينة.

ومن أجل ذلك فإن قريشًا قد اجتمعوا بدار الندوة، ليتشاورا فيما يصنعون بمحمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن عظم أمره واشتد خطره.

قال قائل منهم: نخرجه من أرضنا وننفيه إلى مكان بعيد كي نستريح منه فرفض هذا الرأي، لأنهم قالوا: إذا خرج إلى مكان آخر اجتمعت حوله الجموع، لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه.

وقال آخر: نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت؛ فرفض هذا الرأي كذلك، لأنهم قالوا: لئن حبستموه كما تقولون ليظهرن أمره وليبلغن أصحابه، وليوشك هؤلاء أن يثبوا عليكم ليخلصوا محمدًا من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ...

وأخيرًا قال أبو جهل بن هشام:

والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم قد وقعتم عليه بعد.

قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟

قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا، ثم نعطي كل

واحد منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، ويرضون بالدية فنعطيها لهم.

وقد وقع هذا الرأي في نفوسهم موقع الرضا والقبول، فوافقوا عليه وتهيئوا للإسراع في تنفيذه1.

وهذا هو مكرهم، ولكن الله الذي يكتب ما يبيتون ويعلم ما يفعلون لم يتخل عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- فأوحى إليه بما دبره له الأعداء في ندوتهم، وأمره بالهجرة من مكة إلى المدينة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} 2.

ومما تقدم يتبين لنا أن أسباب الهجرة تتلخص فيما يأتي:

1- شدة إيذاء المشركين من قريش للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين. وقد بلغ هذا الأذى نهايته في الفترة الأخيرة، أي بعد وفاة السيدة خديجة -رضي الله عنها- ووفاة أبي طالب، عم الرسول -صلى الله عليه وسلم.

__________

1 أخرج القصة هذه ابن إسحاق عن جماعة لا يتهمهم، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره، عن ابن عباس كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 124، وفي قصته أن إبليس حضر ذلك المجلس بصورة شيخ كبير من أهل نجد، وأنه كان له القول الفصل في نقض الاقتراحات الأولى.

وأخرج القصة البيهقي عن ابن إسحاق 2/ 466.

وأخرجها ابن سعد 1/ 174، و"المواهب" 1/ 285، و"مجمع الزوائد" 6/ 52 وما بعدها، وغير ذلك.

2 سورة الأنفال، الآية 30.

وقد جاء ذكر هذا فيما تقدم، وفي أحاديث أخرى كثيرة.

2- بيعتا العقبة، وفي هاتين البيعتين وضح للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الأوس والخزرج مخلصون له وللإسلام، وأنهم سيدافعون عنه وينصرونه، وأن المدينة قد أصبحت بعد إسلام الكثيرين من الأوس والخزرج مكانًا طيبًا يمكن أن تنمو فيه الدعوة الإسلامية وتترعرع.

3- المؤامرة الكبرى، وهي تلك المؤامرة التي اتفق المشركون فيها على قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتخلص منه ليخلو الجو لهم، ويرجع المجد والسلطان لآلهتهم المزعومة، وعقائدهم الفاسدة.



كلمات دليلية: