إسلام وفد ثقيف من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

إسلام وفد ثقيف من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

وفد ثقيف ودخولهم في الإسلام

وروى ابن إسحاق أنه صلّى الله عليه وسلم قدم المدينة من تبوك في شهر رمضان، وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف.

وكانوا قد تشاوروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايع كلهم وأسلموا. فأرسلوا وفدا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل، فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة- وهو منهم- فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيّون رسول الله صلّى الله عليه وسلم عند دخولهم عليه، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحيّة الجاهلية.

وأنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا، ومكث الوفد أياما عديدة يختلفون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام «119» . روى ابن سعد: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه» (أي يقوم على كل قدم مرة من التعب) «120» .

روى موسى بن عقبة في مغازيه: «أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد، وكان أصغرهم، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم خلفوه على رحالهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد، وقالوا في الهاجرة، عمد فذهب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، واختلف إليه عثمان على ذلك مرارا حتى فقه في الدّين، وكان إذا وجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم نائما عمد فذهب إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك منه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأحبّه.

وأخيرا دخل الإسلام أفئدتهم، ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: أفرأيت

__________

(118) راجع زاد المعاد لابن القيم: 3/ 17

(119) ابن هشام: 2/ 324

(120) طبقات ابن سعد: 2/ 78

الزنى، فإنا قوم نغترب ولا بدّلنا منه، قال: هو عليكم حرام، فإن الله يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء 17/ 32] . قالوا: أفرأيت الرّبا، فإنه أموالنا كلها، قال: لكم رؤوس أموالكم إن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة 2/ 278] . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بدّ لنا منها، قال: إن الله حرمها، وقرأ آية تحريم الخمر «121» . قال ابن إسحاق: وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال صلّى الله عليه وسلم لهم: لا خير في دين بلا صلاة. فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد خضعوا لذلك كله، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه (اللات) ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذلك، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل، قال ابن إسحاق: وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم، وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم.

فقالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: فتولّ أنت إذن هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا. فقال لهم:

فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك. ثم استأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأذن لهم، وأكرمهم وحيّاهم، وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج.

وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم وفدا على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب، فعمدوا إلى اللات فهدموها، وخرجت نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويرثينها، وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان: واها لك، آها لك «122» ! .. يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه» .

قال ابن سعد في طبقاته- يروي عن المغيرة رضي الله عنه- فدخلت ثقيف في الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب، بني أب ولا قبيلة، كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه، منهم «123» .


ملف pdf

كلمات دليلية: