إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كتاب السيرة الحلبية

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه، قال لهم: تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى جهة أرض الحبشة؛ قال: وفي رواية «قال لهم اخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد؛ أي وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» انتهى. أي ويجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره صلى الله عليه وسلم عن محل اشارته. فقد جاء في الحديث «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم خليل الله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم» فهاجر إليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله تعالى بدينهم. ومنهم من هاجر بأهله. ومنهم من هاجر بنفسه؛ فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أول خارج. وقيل أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن أبي عمرو. وقيل سليط بن عمرو، ولا ينافيهما قوله صلى الله عليه وسلم «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» أي حيث قال إني مهاجر إلى ربي فهاجر إلى عمه إبراهيم الخليل، ثم هاجرا عليهما الصلاة والسلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلسطين، ونزل لوط عليه الصلاة والسلام المؤتفكة.

ووجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله

وكان مع رقية أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم، وكانت رقية رضي الله تعالى عنها ذات جمال بارع وكذا عثمان رضي الله تعالى عنه، ومن ثم كان النساء يغنينهما بقولهن:

أحسن شيء قد يرى إنسان ... رقية وبعدها عثمان

ومن ثم ذكر «أنه صلى الله عليه وسلم بعث رجلا إلى عثمان ورقية رضي الله تعالى عنهما فاحتبس عليه الرسول، فلما جاء إليه قال له صلى الله عليه وسلم: إن شئت أخبرتك ما حبسك؟ قال نعم، قال: وقفت تنظر إلى عثمان ورقية تعجب من حسنهما» أي ومعلوم أن ذلك كان قبل آية الحجاب.

ويذكر أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون إليها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فقتلوا جميعا. وقد جاء في وصف حسن عثمان رضي الله تعالى عنه قوله صلى الله عليه وسلم «قال لي جبريل: «إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان» وسيأتي ذلك مع زيادة.

وأبو سلمة هاجر ومعه زوجته أم سلمة: أي وقيل هو أول من هاجر بأهله، وهو مخالف للرواية السابقة أن عثمان أول من هاجر بأهله. ويمكن أن تكون الأولية فيه إضافية فلا ينافي ما سبق عن عثمان.

وعامر بن ربيعة هاجر ومعه امرأته ليلى: أي وعنها رضي الله تعالى عنها كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا بعمر بن الخطاب، فقال لي: إلى أين يا أمّ عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال صحبكم الله، ثم ذهب فجاء زوجي عامر فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم عمر، والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب: أي استبعاد لما كان يرى من قسوته وشدته على أهل الإسلام، وهذا دليل على أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الأولى للحبشة، وهو كذلك: أي خلافا لمن قال: إنه كان تمام الأربعين من المسلمين: أي ممن أسلم.

وفيه أن المهاجرين إلى أرض الحبشة كانوا فوق ثمانين كما قاله بعضهم، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وربما يدل لذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الصديق وفي ضرب قريش له رضي الله تعالى عنه لما قام خطيبا في المسجد الحرام، وقد تقدمت حيث قالت:

وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا، لكن في الرواية أنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر فليتأمل.

وفي لفظ عن أم عبد الله زوج عامر قالت: إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر، تعني زوجها، إلى بعض حاجته، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا، فقال: إنه لخروج يا أم عبد الله، فقلت: والله لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا، وقلت لعامر: يا أبا عبد الله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم.

وممن هاجر أبو سبرة، وهو أخو أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما لأمه، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم.

وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما: أي وكان أميرا عليهم كما قيل، وجزم به ابن المحدث في سيرته. وقال الزهري: لم يكن لهم أمير. وسهيل ابن البيضاء: أي والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وقيل إنما كان عبد الله بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا: أي متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب:

وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل.

وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا إلى البحر، فلم يجدوا أحدا منهم، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها وإخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت. ففي كلام بعضهم «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] فقرأها عليهم حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) [النجم: الآية: 19] وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه، وهما: تلك الغرانيق العلى: أي الأصنام، وإن شفاعتهن لترتجى» وفي لفظ: «لهي التي ترتجى» شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون: وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة

حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا: أي المسلمون والمشركون.

أقول: قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان.

قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة: أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] سورة نزلت فيها سجدة، لأن النازل منها أوائلها كما علمت.

وقد جاء «أنه صلى الله عليه وسلم قرأ يوما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون» .

وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه صلى الله عليه وسلم سجد في النجم: أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون» ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة» لأن سورة النجم من المفصل، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة.

لا يقال: لعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل. لأنا نقول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] من المفصل اتفاقا. وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات: في النجم والانشقاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.

وذكر الحافظ الدمياطي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأى من قومه كفا عنه: أي تركا وعدم تعرض له، فجلس خاليا فتمنى، فقال: ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني» وفي رواية: «تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم، وقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] » إلى آخر ما تقدم والله أعلم.

ومن جملة من كان من المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود.

وقيل الذي فعل ذلك، سعيد بن العاص، ويقال كلاهما فعل ذلك، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو لهب، وقيل المطلب.

وقد يقال: لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا، بعضهم فعل ذلك تكبرا،

وبعضهم فعل ذلك عجزا، وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «وفيها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال يكفي هذا» .

ولا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «ولقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له صلى الله عليه وسلم:

قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس في البيت» .

وفيه أنه كيف يكبر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، وقال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل: فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قلت على الله ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك- فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ [الإسراء:

الآية 73] بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك وإذا لو فعلت أي دمت عليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: الآية 73] إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء:

الآية 75] أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه.

وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له صلى الله عليه وسلم على إقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. وقيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة وقيل إن آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية 73] نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا ننحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني.

وقيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها بيدك.

وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، والقاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، والله أعلم.

قال: وقيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته صلى الله عليه وسلم، فظنهما النبي صلى الله عليه وسلم كما في «شرح المواقف» ومن سمعه أنهما من قوله صلى الله عليه وسلم: أي حتى قال: قلت على الله ما لم يقل، وتباشر بذلك المشركون، وقالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحجّ:

الآية 52] أي قراءته ما ليس من القرآن: أي مما يرضاه المرسل إليهم. وفي البخاري «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: الآية 52] يبطله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: الآية 52] أي يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الحج: الآية 52] بالقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (52) [الحج: الآية 52] في تمكينه من ذلك، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه، ولم أقف على بيان أحد من الأنبياء والمرسلين وقع له مثل ذلك.

وفيه كيف يجترئ الشيطان على التكلم بشيء من الوحي. ومن ثم قيل: هذه القصة طعن في صحتها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة: أي ومن ثم أسقطها القاضي البيضاوي. ومن جملة المنكرين لها القاضي عياض، فقد قال: هذا الحديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به المفسرون المؤرخون، المولعون بكل غريب.

أي وقال البيهقي: رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. وقال الإمام النووي نقلا عنه وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك: أي وألا يلزم عدم الوثوق بالوحي.

وقال الفخر الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: الآيتان 3 و 4] أي الشيطان لا يجترئ أن ينطق بشيء من الوحي. وقال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر، وقال: رد عياض لا فائدة فيه، ولا يعول عليه، هذا كلامه، وفشا أمر تلك السجدة في الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة: أي عظماءهم قد سجدوا وأسلموا حتى الوليد بن المغيرة، وسعيد بن العاص.

وفي كلام بعضهم: والناقل لإسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع معهم، فطار الخبر

بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة، فظنوا صحة ذلك، فقال المهاجرون بها:

من بقي بمكة: إذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب إلينا فخرجوا: أي خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين إلى مكة: أي وكانوا ثلاثة وثلاثين رجلا، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون، وذلك في شوال، حتى إذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، وتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة؛ أي بعضهم بجوار وبعضهم مستخفيا.

قال في الإمتاع: ويقال إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب، هذا كلامه. وفيه نظر ظاهر، ويرشد إليه التبري لأنهم مكثوا في الشعب ثلاث سنين أو سنتين، ومكث هؤلاء عند النجاشي حينئذ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت. وأيضا الهجرة الثانية للحبشة إنما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتي.

قال في الأصل: ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا ابن مسعود؛ فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة.

أي وهذا من صاحب الأصل تصريح بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى، وهو موافق في ذلك لشيخه الحافظ الدمياطي، لكن الحافظ الدمياطي جزم بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى ولم يحك خلافا، وصاحب الأصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها، وبه جزم ابن إسحاق حيث قال: إن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، فكان ينبغي للأصل أن يقول على ما تقدم.

هذا، وفي كلام بعضهم: فلم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيا، وكلهم دخلوا مكة إلا عبد الله بن مسعود فإنه رجع إلى أرض الحبشة.

وقد يقال: لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها، فلا ينافي ما سبق. ويجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين، فلا يخالف ما سبق أيضا، ولما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا.

قال: وممن دخل بجوار: عثمان بن مظعون، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الأذى قال: والله إن غدويّ ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى في الله ما لا

يصيا بني لنقص كبير، فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي وأنت في ذمتي فأكفيك ذلك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحد ولا آذاني، ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره، قال: انطلق إلى المسجد فأردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني لا أستجير بغير الله عز وجل، قد رددت عليه جواره، فقال الوليد أشهدكم أني بريء من جواره إلا أن يشاء، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه. فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذي لقيت غنيا، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: بل كنت إلى الذي لقيت فقيرا، والله إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيره إلى مثل ما أصاب أختها في الله عز وجل، ولي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإني لفي جوار من هو أعزّ منك انتهى، فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة ومن ثم قال له نعيم الجنة لا يزول. لا يقال: لولا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الآخرة لما تشوش من الردّ عليه. لأنا نقول: يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت.

على أن هذا السياق دالّ على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل إسلامه، ويؤيده ما قيل: أكثر أهل الأخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وبه يردّ ما في الاستيعاب أن هذا: أي قوله: ألا كل شيء إلى آخره شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وكذلك قوله:

وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل

وقد يقال: لا يلزم من قوله المذكور الذي لا يصدر غالبا إلا عن مسلم أن يكون قاله في حال إسلامه، كما وقع لأمية بن أبي الصلت حيث قال في شعره ما لا

يقوله إلا مسلم مع كفره، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم فيه «آمن شعره وكفر قلبه» وفي رواية «كاد يسلم» .

وذكر محيي الدين ابن العربي في قوله صلى الله عليه وسلم «أصدق بيت قالته العرب» وفي رواية «أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل»

اعلم أن الموجودات كلها وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود، ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته، فحكمه حكم العدم، وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل:

أي كالباطل، لأن العالم قائم بالله تعالى لا بنفسه، فهو من هذا الوجه باطل، والعارف إذا وصل إلى مقامات القرب في بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق، لا أنها زالت من الوجود بالكلية، ثم إذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى والخلق معا في آن واحد، وما كل أحد يصل إلى هذا المقام، فإن غالب الناس إن شهد الحق لم يشهد الخلق، وإن شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها إلا من أدرك اجتماع الضدين، ولعل من المشهد الأول قول الأستاذ الشيخ أبي الحسن البكري رضي الله تعالى عنه:

أستغفر الله مما سوى الله، لأن الباطل يستغفر من إثبات وجوده لذاته.

ويوافق قول أكثر أهل الأخبار: قول السهيلي: وأسلم لبيد وحسن إسلامه، وعاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: أي في خلافته عن تركه للشعر، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله تعالى البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة. وقيل إنه قال بيتا واحدا في الإسلام وهو:

الحمد لله الذي لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

قال: وممن دخل بجوار أبو سلمة بن عبد الأسد ابن عمته صلى الله عليه وسلم، فإنه دخل في جوار خاله أبي طالب. ولما أجاره مشى إليه رجال من بني مخزوم. فقالوا: يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ فقال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب على أولئك الرجال، وقال لهم: يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ في جواره من قومه، والله لتنتهن أو لأقومنّ معه في كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد، قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة: أي لأنه كان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى: أي وطمع أبو طالب في أبي لهب حيث سمعه يقول ما ذكر، ورجا أن يقوم معه في شأنه صلى الله عليه وسلم، وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته صلى الله عليه وسلم.

وممن أوذي في الله بعد إسلامه ووقع له نظير ما وقع لعثمان بن مظعون رضي الله عنه عمر بن الخطاب.

وسبب إسلامه على ما حدّث به بعضهم قال: قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي أي ابتداؤه والسبب فيه؟

قلنا: نعم قال: كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش: أي وهو نعيم بن عبد الله النحام بالحاء المهملة. قيل له ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم قال فيه: لقد سمعت نحمته في الجنة، أي صوته وحسه، كان يخفي إسلامه خوفا من قومه، وأخبرني أن أختي يعني أم جميل، واسمها فاطمة كما تقدم، وقيل زينب، وقيل آمنة قد صبئت: أي أسلمت وكذا زوجها وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عمّ عمر، وكانت أخت سعيد عاتكة تحت عمر، فرجعت مغضبا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة يكونان معه يصيبان من طعامه وقد ضم إلى زوج أختي رجلين ممن أسلم: أي أحدهما خباب بن الأرت بالمثناة فوق، والآخر لم أقف على اسمه.

وفي السيرة الهشامية الاقتصار على خباب، وأنه كان يختلف إليهما ليعلمهما القرآن، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل لي: من بالباب؟ قلت: ابن الخطاب، وكان القوم جلوسا يقرؤون صحيفة معهم، فلما سمعوا صوتي تبادروا: أي واستخفوا ونسوا الصحيفة، فقامت المرأة يعني أخته ففتحت لي فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبوت وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت، فدخلت وجلست على السرير، فنظرت فإذا بالصحيفة في ناحية من البيت، فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه:

أي فإن عمر كان كاتبا، فقالت: لا أعطيكه لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يسمه إلا المطهرون، فلم أزل حتى أعطتنيه: أي بعد أن اغتسل كما في بعض الروايات، وفي بعض الروايات قالت له: يا أخي إنك نجس على شركك فإنه لا يمسه إلا المطهرون، وقولها لا تغتسل من الجنابة، ربما يخالف قول بعضهم إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة، وكون عمر كان يخالفهم في ذلك من البعيد، وكون هذا منها يحمل على أنه لم يغتسل غسلا يعتدّ به يخالفه ما تقدم عن بعض الروايات أنه لما اغتسل دفعت له تلك الرقعة وفي لفظ قالت له: إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فدفعتها له، أي وطمعت في إسلامه، فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فلما مررت على بسم الله الرحمن الرحيم ذعرت أي فزعت ورميت الصحيفة من يدي: ثم

رجعت إلي نفسي فأخذتها، فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) [الحديد: الآية 1] فكلما مررت باسم من أسمائه عز وجل ذعرت: أي فألقيها ثم ترجع إليّ نفسي فآخذها حتى بلغت آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النّساء: الآية 136] إلى قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: الآية 91] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني، وحمدوا الله عز وجل، ثم قالوا: يا بن الخطاب أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا، فقال «اللهم أعزّ الإسلام» وفي لفظ «أيد الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل بن هشام، وإما بعمر بن الخطاب» أي وفي لفظ «بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم عمرو بن هشام يعني أبا جهل وعمر بن الخطاب» أي وفي غير ما رواية بعمر بن الخطاب، من غير ذكر أبي جهل.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إنما قال صلى الله عليه وسلم «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعزّ، ولعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها، بدليل تعليلها واستبعادها أن يعزّ الإسلام بعمر فليتأمل. وكان دعاؤه صلى الله عليه وسلم بذلك يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس. قال عمر رضي الله تعالى عنه: «فلما عرفوا مني الصدق، قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: هو في بيت بأسفل الصفا ووصفوه: أي وهي دار الأرقم فخرجت» وفي رواية «أن عمر قال: يا خباب انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خباب وابن عمه سعيد معه قال عمر: فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فما اجترأ أحد أن يفتح لي الباب لما عرفوه من شدّتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلموا إسلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتحوا له، فإن يرد الله به خيرا يهده» . وفي لفظ يهديه بإثبات الياء، وهي لغة «ففتحوا لي: أي والذي أذن في دخوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وقيل بثلاثة أشهر. وكان إسلام عمر وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وأخذ رجلان بعضديّ حتى دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

أرسلوه، فأرسلوني، فجلست بين يديه صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا بن الخطاب، اللهم اهده، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت، بطرف مكة» .

أي وفي الأوسط للطبراني، ورواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غلّ وأبدله إيمانا» أي ولعل خبابا وسعيدا لم يدخلا معه وإلا لبشرا بإسلام عمر.

وفي رواية «لما ضرب الباب وسمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه: أي ولم ير معه خبابا ولا سعيدا، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو فزع،

فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه، نعوذ بالله من شره، فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه» .

وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن جاء بخير قبلناه، وإن جاء بشر قتلناه» وفي لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟

فو الله ما أدري أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» .

وفي لفظ «أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة» أي أحد المستهزئين به صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فقال عمر: «يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله» وفي رواية «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرفت» وفي رواية «سمعها أهل المسجد» .

وفي رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟

فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعه فهزه» .

وفي رواية: «أخذ ساعده وانتهزه؛ فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس» وفي لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد وما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه» .

أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه وإتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه صلى الله عليه وسلم: وقوله ولم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لأظهر إيماني عندك وعند أصحابك، وعند ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، والله أعلم. قال عمر: وأحببت أن يظهر إسلامي وأن يصيا بني ما يصيب من أسلم من الضرر والإهانة، فذهبت إلى خالي وكان شريفا في قريش وأعلمته أني صبوت: أي وهو أبو جهل.

وقد جاء في بعض الروايات، قال عمر: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فذكرت أبا الجهل فجئت له فدققت عليه الباب، فقال: من الباب؟ قلت عمر بن الخطاب، فخرج إليّ فقال:

مرحبا وأهلا يا بن أختي، ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك. وفي لفظ لأبشرك ببشارة، فقال أبو جهل: وما هي يا ابن أختي؟ فقلت: إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدّقت ما جاء به، فضرب الباب في وجهي: أي أغلقه، وهو بمعنى أجاف الباب كما في بعض الروايات وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به: أي وإنما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قيل لأن أم عمر أخت أبي جهل، وقيل لأن أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبي جهل، فأبو جهل خال أم عمر وقيل إن أم عمر بنت عم أبي جهل وصححه ابن عبد البر، وعصبة الأم أخوال الابن. قال عمر: وجئت رجلا آخر من عظماء قريش وأعلمته أني صبوت فلم يصبني منها شيء، فقال لي رجل: تحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم، قال: إذا جلس الناس يعني قريشا في الحجر واجتمعوا فائت فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر رضي الله عنه. أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا، وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية 4] ومات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، فقال له فيما بينك وبينه إني قد صبوت، قال فلما اجتمع الناس في الحجر جئت الرجل فدنوت منه وأخبرته، فرفع صوته بأعلاه، فقال: ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقام خالي- يعني أبا جهل على الحجر فأشار بكمه وقال: ألا إني أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فصرت» أي بعد ذلك «أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيا بني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك ردّ، فقال: لا تفعل يا بن أختي، فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام» .

أي وفي السيرة الهشامية: بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم: أي وهو العاص بن وائل فقال:

ويلكم ما شأنكم؟ قالوا صبأ عمر، قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟

أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل، فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه.

أي وفي البخاري «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر، فبينا عمر في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، فقال له: ما لك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت: أي إذ أسلمت، قال: أمنت لا سبيل إليك، فخرج

العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا عمر بن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه فأنا له جار، فكسر الناس، وتصدعوا عنه» أي ويذكر «أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فألقاه عمر إلى الأرض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشرا سيفه وهي أطراف أضلاعه» .

وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب إسلامه، قال «خرجت أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح بسورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) [الحاقّة:

الآيتان 40 و 41] قال: قلت كاهن علم ما في نفسي، فقرأ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) [الحاقّة: الآية 42] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع» .

أي ومن ذلك ما في السيرة الهشامية عن عمر رضي الله تعالى عنه «قال: جئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام» أي صخرة بيت المقدس «وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركن الأسود والركن اليماني» أي لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا حينئذ كما تقدم «قال: فقلت حين رأيته صلى الله عليه وسلم لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، قال: فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعني الكعبة، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقرأ صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف فتبعته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني وظن إنما تبعته لأوذيه فنهمني أي زجرني، ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله» وفي رواية «ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى فيه ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت عمر، قال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا، فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عمر أتسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك، فحمد الله تعالى، ثم قال: هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته» .

أي ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، ثم رأيت العلامة ابن

حجر الهيتمي، قال: ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه.

قال: ومن ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم، وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة: أي وفي لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب، وكذا كذا أوقية من الفضة، وكذا كذا نافجة من المسك، وكذا كذا ثوبا وغير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر وتعاهد معهم على ذلك، قال عمر:

فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، وذريح اسم للعجل المذبوح، وقيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم وكان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم:

أي ابن عبد الله النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا بن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفه أحلامها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:

والله لقد غرتك نفسك: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال:

ختنك أي زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك، وإنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر وأحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا وقد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فسلّ عمر سيفه وسلّ سعد سيفه وشد كل منهما على الآخر حتى كادا أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: ما لك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر وسار إلى منزل أخته» أي ولا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم وسعد بن أبي وقاص وقال له كل منهما ما ذكر.

وفي هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، وإنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي وترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت

شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما- يخاطب أخته وزوجها- بايعتما محمدا على دينه، وبطش بزوج أخته فألقاه إلى الأرض وجلس على صدره وأخذ بلحيته، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها: أي فلما رأت الدم قالت له: يا عدو الله أتضربني على أن أوحد الله تعالى؟ لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع، فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتبا، قالت: أخشاك عليها، فحلف ليردنها إذا قرأها إليها، فقالت له: يا أخي أنت نجس ولا يمسه إلا الطاهر، فقام واغتسل: أي وفي لفظ فذهب يغتسل، فخرج إليها خباب وقال: أتدفعين كتاب الله تعالى إلى عمر وهو كافر؟ قالت نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، ورجع خباب إلى محله ودخل عمر، فأعطته تلك الصحيفة؛ فلما قرأها عمر وبلغ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (16) [طه: الآية 16] قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده,

باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه، قال لهم: تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى جهة أرض الحبشة؛ قال: وفي رواية «قال لهم اخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد؛ أي وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» انتهى. أي ويجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره صلى الله عليه وسلم عن محل اشارته. فقد جاء في الحديث «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم خليل الله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم» فهاجر إليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله تعالى بدينهم. ومنهم من هاجر بأهله. ومنهم من هاجر بنفسه؛ فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أول خارج. وقيل أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن أبي عمرو. وقيل سليط بن عمرو، ولا ينافيهما قوله صلى الله عليه وسلم «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» أي حيث قال إني مهاجر إلى ربي فهاجر إلى عمه إبراهيم الخليل، ثم هاجرا عليهما الصلاة والسلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلسطين، ونزل لوط عليه الصلاة والسلام المؤتفكة.

ووجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله

وكان مع رقية أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم، وكانت رقية رضي الله تعالى عنها ذات جمال بارع وكذا عثمان رضي الله تعالى عنه، ومن ثم كان النساء يغنينهما بقولهن:

أحسن شيء قد يرى إنسان ... رقية وبعدها عثمان

ومن ثم ذكر «أنه صلى الله عليه وسلم بعث رجلا إلى عثمان ورقية رضي الله تعالى عنهما فاحتبس عليه الرسول، فلما جاء إليه قال له صلى الله عليه وسلم: إن شئت أخبرتك ما حبسك؟ قال نعم، قال: وقفت تنظر إلى عثمان ورقية تعجب من حسنهما» أي ومعلوم أن ذلك كان قبل آية الحجاب.

ويذكر أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون إليها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فقتلوا جميعا. وقد جاء في وصف حسن عثمان رضي الله تعالى عنه قوله صلى الله عليه وسلم «قال لي جبريل: «إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان» وسيأتي ذلك مع زيادة.

وأبو سلمة هاجر ومعه زوجته أم سلمة: أي وقيل هو أول من هاجر بأهله، وهو مخالف للرواية السابقة أن عثمان أول من هاجر بأهله. ويمكن أن تكون الأولية فيه إضافية فلا ينافي ما سبق عن عثمان.

وعامر بن ربيعة هاجر ومعه امرأته ليلى: أي وعنها رضي الله تعالى عنها كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا بعمر بن الخطاب، فقال لي: إلى أين يا أمّ عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال صحبكم الله، ثم ذهب فجاء زوجي عامر فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم عمر، والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب: أي استبعاد لما كان يرى من قسوته وشدته على أهل الإسلام، وهذا دليل على أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الأولى للحبشة، وهو كذلك: أي خلافا لمن قال: إنه كان تمام الأربعين من المسلمين: أي ممن أسلم.

وفيه أن المهاجرين إلى أرض الحبشة كانوا فوق ثمانين كما قاله بعضهم، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وربما يدل لذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الصديق وفي ضرب قريش له رضي الله تعالى عنه لما قام خطيبا في المسجد الحرام، وقد تقدمت حيث قالت:

وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا، لكن في الرواية أنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر فليتأمل.

وفي لفظ عن أم عبد الله زوج عامر قالت: إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر، تعني زوجها، إلى بعض حاجته، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا، فقال: إنه لخروج يا أم عبد الله، فقلت: والله لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا، وقلت لعامر: يا أبا عبد الله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم.

وممن هاجر أبو سبرة، وهو أخو أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما لأمه، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم.

وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما: أي وكان أميرا عليهم كما قيل، وجزم به ابن المحدث في سيرته. وقال الزهري: لم يكن لهم أمير. وسهيل ابن البيضاء: أي والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وقيل إنما كان عبد الله بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا: أي متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب:

وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل.

وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا إلى البحر، فلم يجدوا أحدا منهم، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها وإخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت. ففي كلام بعضهم «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] فقرأها عليهم حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) [النجم: الآية: 19] وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه، وهما: تلك الغرانيق العلى: أي الأصنام، وإن شفاعتهن لترتجى» وفي لفظ: «لهي التي ترتجى» شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون: وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة

حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا: أي المسلمون والمشركون.

أقول: قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان.

قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة: أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] سورة نزلت فيها سجدة، لأن النازل منها أوائلها كما علمت.

وقد جاء «أنه صلى الله عليه وسلم قرأ يوما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون» .

وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه صلى الله عليه وسلم سجد في النجم: أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون» ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة» لأن سورة النجم من المفصل، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة.

لا يقال: لعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل. لأنا نقول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] من المفصل اتفاقا. وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات: في النجم والانشقاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية 1] وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.

وذكر الحافظ الدمياطي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأى من قومه كفا عنه: أي تركا وعدم تعرض له، فجلس خاليا فتمنى، فقال: ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني» وفي رواية: «تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم، وقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) [النّجم: الآية 1] » إلى آخر ما تقدم والله أعلم.

ومن جملة من كان من المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود.

وقيل الذي فعل ذلك، سعيد بن العاص، ويقال كلاهما فعل ذلك، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو لهب، وقيل المطلب.

وقد يقال: لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا، بعضهم فعل ذلك تكبرا،

وبعضهم فعل ذلك عجزا، وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «وفيها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال يكفي هذا» .

ولا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «ولقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له صلى الله عليه وسلم:

قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس في البيت» .

وفيه أنه كيف يكبر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، وقال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل: فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قلت على الله ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك- فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ [الإسراء:

الآية 73] بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك وإذا لو فعلت أي دمت عليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: الآية 73] إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء:

الآية 75] أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه.

وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له صلى الله عليه وسلم على إقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. وقيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة وقيل إن آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية 73] نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا ننحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني.

وقيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها بيدك.

وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، والقاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، والله أعلم.

قال: وقيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته صلى الله عليه وسلم، فظنهما النبي صلى الله عليه وسلم كما في «شرح المواقف» ومن سمعه أنهما من قوله صلى الله عليه وسلم: أي حتى قال: قلت على الله ما لم يقل، وتباشر بذلك المشركون، وقالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحجّ:

الآية 52] أي قراءته ما ليس من القرآن: أي مما يرضاه المرسل إليهم. وفي البخاري «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: الآية 52] يبطله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: الآية 52] أي يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الحج: الآية 52] بالقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (52) [الحج: الآية 52] في تمكينه من ذلك، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه، ولم أقف على بيان أحد من الأنبياء والمرسلين وقع له مثل ذلك.

وفيه كيف يجترئ الشيطان على التكلم بشيء من الوحي. ومن ثم قيل: هذه القصة طعن في صحتها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة: أي ومن ثم أسقطها القاضي البيضاوي. ومن جملة المنكرين لها القاضي عياض، فقد قال: هذا الحديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به المفسرون المؤرخون، المولعون بكل غريب.

أي وقال البيهقي: رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. وقال الإمام النووي نقلا عنه وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك: أي وألا يلزم عدم الوثوق بالوحي.

وقال الفخر الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: الآيتان 3 و 4] أي الشيطان لا يجترئ أن ينطق بشيء من الوحي. وقال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر، وقال: رد عياض لا فائدة فيه، ولا يعول عليه، هذا كلامه، وفشا أمر تلك السجدة في الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة: أي عظماءهم قد سجدوا وأسلموا حتى الوليد بن المغيرة، وسعيد بن العاص.

وفي كلام بعضهم: والناقل لإسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع معهم، فطار الخبر

بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة، فظنوا صحة ذلك، فقال المهاجرون بها:

من بقي بمكة: إذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب إلينا فخرجوا: أي خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين إلى مكة: أي وكانوا ثلاثة وثلاثين رجلا، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون، وذلك في شوال، حتى إذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، وتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة؛ أي بعضهم بجوار وبعضهم مستخفيا.

قال في الإمتاع: ويقال إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب، هذا كلامه. وفيه نظر ظاهر، ويرشد إليه التبري لأنهم مكثوا في الشعب ثلاث سنين أو سنتين، ومكث هؤلاء عند النجاشي حينئذ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت. وأيضا الهجرة الثانية للحبشة إنما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتي.

قال في الأصل: ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا ابن مسعود؛ فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة.

أي وهذا من صاحب الأصل تصريح بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى، وهو موافق في ذلك لشيخه الحافظ الدمياطي، لكن الحافظ الدمياطي جزم بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى ولم يحك خلافا، وصاحب الأصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها، وبه جزم ابن إسحاق حيث قال: إن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، فكان ينبغي للأصل أن يقول على ما تقدم.

هذا، وفي كلام بعضهم: فلم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيا، وكلهم دخلوا مكة إلا عبد الله بن مسعود فإنه رجع إلى أرض الحبشة.

وقد يقال: لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها، فلا ينافي ما سبق. ويجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين، فلا يخالف ما سبق أيضا، ولما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا.

قال: وممن دخل بجوار: عثمان بن مظعون، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الأذى قال: والله إن غدويّ ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى في الله ما لا

يصيا بني لنقص كبير، فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي وأنت في ذمتي فأكفيك ذلك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحد ولا آذاني، ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره، قال: انطلق إلى المسجد فأردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني لا أستجير بغير الله عز وجل، قد رددت عليه جواره، فقال الوليد أشهدكم أني بريء من جواره إلا أن يشاء، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه. فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذي لقيت غنيا، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: بل كنت إلى الذي لقيت فقيرا، والله إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيره إلى مثل ما أصاب أختها في الله عز وجل، ولي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإني لفي جوار من هو أعزّ منك انتهى، فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة ومن ثم قال له نعيم الجنة لا يزول. لا يقال: لولا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الآخرة لما تشوش من الردّ عليه. لأنا نقول: يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت.

على أن هذا السياق دالّ على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل إسلامه، ويؤيده ما قيل: أكثر أهل الأخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وبه يردّ ما في الاستيعاب أن هذا: أي قوله: ألا كل شيء إلى آخره شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وكذلك قوله:

وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل

وقد يقال: لا يلزم من قوله المذكور الذي لا يصدر غالبا إلا عن مسلم أن يكون قاله في حال إسلامه، كما وقع لأمية بن أبي الصلت حيث قال في شعره ما لا

يقوله إلا مسلم مع كفره، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم فيه «آمن شعره وكفر قلبه» وفي رواية «كاد يسلم» .

وذكر محيي الدين ابن العربي في قوله صلى الله عليه وسلم «أصدق بيت قالته العرب» وفي رواية «أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل»

اعلم أن الموجودات كلها وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود، ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته، فحكمه حكم العدم، وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل:

أي كالباطل، لأن العالم قائم بالله تعالى لا بنفسه، فهو من هذا الوجه باطل، والعارف إذا وصل إلى مقامات القرب في بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق، لا أنها زالت من الوجود بالكلية، ثم إذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى والخلق معا في آن واحد، وما كل أحد يصل إلى هذا المقام، فإن غالب الناس إن شهد الحق لم يشهد الخلق، وإن شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها إلا من أدرك اجتماع الضدين، ولعل من المشهد الأول قول الأستاذ الشيخ أبي الحسن البكري رضي الله تعالى عنه:

أستغفر الله مما سوى الله، لأن الباطل يستغفر من إثبات وجوده لذاته.

ويوافق قول أكثر أهل الأخبار: قول السهيلي: وأسلم لبيد وحسن إسلامه، وعاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: أي في خلافته عن تركه للشعر، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله تعالى البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة. وقيل إنه قال بيتا واحدا في الإسلام وهو:

الحمد لله الذي لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

قال: وممن دخل بجوار أبو سلمة بن عبد الأسد ابن عمته صلى الله عليه وسلم، فإنه دخل في جوار خاله أبي طالب. ولما أجاره مشى إليه رجال من بني مخزوم. فقالوا: يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ فقال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب على أولئك الرجال، وقال لهم: يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ في جواره من قومه، والله لتنتهن أو لأقومنّ معه في كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد، قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة: أي لأنه كان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى: أي وطمع أبو طالب في أبي لهب حيث سمعه يقول ما ذكر، ورجا أن يقوم معه في شأنه صلى الله عليه وسلم، وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته صلى الله عليه وسلم.

وممن أوذي في الله بعد إسلامه ووقع له نظير ما وقع لعثمان بن مظعون رضي الله عنه عمر بن الخطاب.

وسبب إسلامه على ما حدّث به بعضهم قال: قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي أي ابتداؤه والسبب فيه؟

قلنا: نعم قال: كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش: أي وهو نعيم بن عبد الله النحام بالحاء المهملة. قيل له ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم قال فيه: لقد سمعت نحمته في الجنة، أي صوته وحسه، كان يخفي إسلامه خوفا من قومه، وأخبرني أن أختي يعني أم جميل، واسمها فاطمة كما تقدم، وقيل زينب، وقيل آمنة قد صبئت: أي أسلمت وكذا زوجها وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عمّ عمر، وكانت أخت سعيد عاتكة تحت عمر، فرجعت مغضبا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة يكونان معه يصيبان من طعامه وقد ضم إلى زوج أختي رجلين ممن أسلم: أي أحدهما خباب بن الأرت بالمثناة فوق، والآخر لم أقف على اسمه.

وفي السيرة الهشامية الاقتصار على خباب، وأنه كان يختلف إليهما ليعلمهما القرآن، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل لي: من بالباب؟ قلت: ابن الخطاب، وكان القوم جلوسا يقرؤون صحيفة معهم، فلما سمعوا صوتي تبادروا: أي واستخفوا ونسوا الصحيفة، فقامت المرأة يعني أخته ففتحت لي فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبوت وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت، فدخلت وجلست على السرير، فنظرت فإذا بالصحيفة في ناحية من البيت، فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه:

أي فإن عمر كان كاتبا، فقالت: لا أعطيكه لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يسمه إلا المطهرون، فلم أزل حتى أعطتنيه: أي بعد أن اغتسل كما في بعض الروايات، وفي بعض الروايات قالت له: يا أخي إنك نجس على شركك فإنه لا يمسه إلا المطهرون، وقولها لا تغتسل من الجنابة، ربما يخالف قول بعضهم إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة، وكون عمر كان يخالفهم في ذلك من البعيد، وكون هذا منها يحمل على أنه لم يغتسل غسلا يعتدّ به يخالفه ما تقدم عن بعض الروايات أنه لما اغتسل دفعت له تلك الرقعة وفي لفظ قالت له: إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فدفعتها له، أي وطمعت في إسلامه، فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فلما مررت على بسم الله الرحمن الرحيم ذعرت أي فزعت ورميت الصحيفة من يدي: ثم

رجعت إلي نفسي فأخذتها، فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) [الحديد: الآية 1] فكلما مررت باسم من أسمائه عز وجل ذعرت: أي فألقيها ثم ترجع إليّ نفسي فآخذها حتى بلغت آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النّساء: الآية 136] إلى قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: الآية 91] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني، وحمدوا الله عز وجل، ثم قالوا: يا بن الخطاب أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا، فقال «اللهم أعزّ الإسلام» وفي لفظ «أيد الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل بن هشام، وإما بعمر بن الخطاب» أي وفي لفظ «بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم عمرو بن هشام يعني أبا جهل وعمر بن الخطاب» أي وفي غير ما رواية بعمر بن الخطاب، من غير ذكر أبي جهل.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إنما قال صلى الله عليه وسلم «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعزّ، ولعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها، بدليل تعليلها واستبعادها أن يعزّ الإسلام بعمر فليتأمل. وكان دعاؤه صلى الله عليه وسلم بذلك يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس. قال عمر رضي الله تعالى عنه: «فلما عرفوا مني الصدق، قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: هو في بيت بأسفل الصفا ووصفوه: أي وهي دار الأرقم فخرجت» وفي رواية «أن عمر قال: يا خباب انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خباب وابن عمه سعيد معه قال عمر: فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فما اجترأ أحد أن يفتح لي الباب لما عرفوه من شدّتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلموا إسلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتحوا له، فإن يرد الله به خيرا يهده» . وفي لفظ يهديه بإثبات الياء، وهي لغة «ففتحوا لي: أي والذي أذن في دخوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وقيل بثلاثة أشهر. وكان إسلام عمر وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وأخذ رجلان بعضديّ حتى دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

أرسلوه، فأرسلوني، فجلست بين يديه صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا بن الخطاب، اللهم اهده، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت، بطرف مكة» .

أي وفي الأوسط للطبراني، ورواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غلّ وأبدله إيمانا» أي ولعل خبابا وسعيدا لم يدخلا معه وإلا لبشرا بإسلام عمر.

وفي رواية «لما ضرب الباب وسمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه: أي ولم ير معه خبابا ولا سعيدا، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو فزع،

فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه، نعوذ بالله من شره، فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه» .

وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن جاء بخير قبلناه، وإن جاء بشر قتلناه» وفي لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟

فو الله ما أدري أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» .

وفي لفظ «أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة» أي أحد المستهزئين به صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فقال عمر: «يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله» وفي رواية «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرفت» وفي رواية «سمعها أهل المسجد» .

وفي رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟

فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعه فهزه» .

وفي رواية: «أخذ ساعده وانتهزه؛ فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس» وفي لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد وما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه» .

أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه وإتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه صلى الله عليه وسلم: وقوله ولم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لأظهر إيماني عندك وعند أصحابك، وعند ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، والله أعلم. قال عمر: وأحببت أن يظهر إسلامي وأن يصيا بني ما يصيب من أسلم من الضرر والإهانة، فذهبت إلى خالي وكان شريفا في قريش وأعلمته أني صبوت: أي وهو أبو جهل.

وقد جاء في بعض الروايات، قال عمر: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فذكرت أبا الجهل فجئت له فدققت عليه الباب، فقال: من الباب؟ قلت عمر بن الخطاب، فخرج إليّ فقال:

مرحبا وأهلا يا بن أختي، ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك. وفي لفظ لأبشرك ببشارة، فقال أبو جهل: وما هي يا ابن أختي؟ فقلت: إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدّقت ما جاء به، فضرب الباب في وجهي: أي أغلقه، وهو بمعنى أجاف الباب كما في بعض الروايات وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به: أي وإنما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قيل لأن أم عمر أخت أبي جهل، وقيل لأن أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبي جهل، فأبو جهل خال أم عمر وقيل إن أم عمر بنت عم أبي جهل وصححه ابن عبد البر، وعصبة الأم أخوال الابن. قال عمر: وجئت رجلا آخر من عظماء قريش وأعلمته أني صبوت فلم يصبني منها شيء، فقال لي رجل: تحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم، قال: إذا جلس الناس يعني قريشا في الحجر واجتمعوا فائت فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر رضي الله عنه. أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا، وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية 4] ومات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، فقال له فيما بينك وبينه إني قد صبوت، قال فلما اجتمع الناس في الحجر جئت الرجل فدنوت منه وأخبرته، فرفع صوته بأعلاه، فقال: ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقام خالي- يعني أبا جهل على الحجر فأشار بكمه وقال: ألا إني أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فصرت» أي بعد ذلك «أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيا بني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك ردّ، فقال: لا تفعل يا بن أختي، فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام» .

أي وفي السيرة الهشامية: بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم: أي وهو العاص بن وائل فقال:

ويلكم ما شأنكم؟ قالوا صبأ عمر، قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟

أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل، فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه.

أي وفي البخاري «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر، فبينا عمر في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، فقال له: ما لك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت: أي إذ أسلمت، قال: أمنت لا سبيل إليك، فخرج

العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا عمر بن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه فأنا له جار، فكسر الناس، وتصدعوا عنه» أي ويذكر «أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فألقاه عمر إلى الأرض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشرا سيفه وهي أطراف أضلاعه» .

وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب إسلامه، قال «خرجت أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح بسورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) [الحاقّة:

الآيتان 40 و 41] قال: قلت كاهن علم ما في نفسي، فقرأ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) [الحاقّة: الآية 42] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع» .

أي ومن ذلك ما في السيرة الهشامية عن عمر رضي الله تعالى عنه «قال: جئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام» أي صخرة بيت المقدس «وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركن الأسود والركن اليماني» أي لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا حينئذ كما تقدم «قال: فقلت حين رأيته صلى الله عليه وسلم لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، قال: فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعني الكعبة، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقرأ صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف فتبعته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني وظن إنما تبعته لأوذيه فنهمني أي زجرني، ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله» وفي رواية «ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى فيه ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت عمر، قال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا، فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عمر أتسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك، فحمد الله تعالى، ثم قال: هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته» .

أي ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، ثم رأيت العلامة ابن

حجر الهيتمي، قال: ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه.

قال: ومن ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم، وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة: أي وفي لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب، وكذا كذا أوقية من الفضة، وكذا كذا نافجة من المسك، وكذا كذا ثوبا وغير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر وتعاهد معهم على ذلك، قال عمر:

فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، وذريح اسم للعجل المذبوح، وقيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم وكان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم:

أي ابن عبد الله النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا بن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفه أحلامها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:

والله لقد غرتك نفسك: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال:

ختنك أي زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك، وإنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر وأحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا وقد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فسلّ عمر سيفه وسلّ سعد سيفه وشد كل منهما على الآخر حتى كادا أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: ما لك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر وسار إلى منزل أخته» أي ولا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم وسعد بن أبي وقاص وقال له كل منهما ما ذكر.

وفي هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، وإنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي وترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت

شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما- يخاطب أخته وزوجها- بايعتما محمدا على دينه، وبطش بزوج أخته فألقاه إلى الأرض وجلس على صدره وأخذ بلحيته، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها: أي فلما رأت الدم قالت له: يا عدو الله أتضربني على أن أوحد الله تعالى؟ لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع، فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتبا، قالت: أخشاك عليها، فحلف ليردنها إذا قرأها إليها، فقالت له: يا أخي أنت نجس ولا يمسه إلا الطاهر، فقام واغتسل: أي وفي لفظ فذهب يغتسل، فخرج إليها خباب وقال: أتدفعين كتاب الله تعالى إلى عمر وهو كافر؟ قالت نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، ورجع خباب إلى محله ودخل عمر، فأعطته تلك الصحيفة؛ فلما قرأها عمر وبلغ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (16) [طه: الآية 16] قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده


تحميل : إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: