withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


بعث الرجيع _13022

بعث الرجيع


بعث الرجيع

:

"ثم سرية عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح -بالقاف، واللام والمهملة- قيس بن عصمة بن النعمان الأنصاري، من سباقهم إلى الإسلام.

روى الحسن بن سفيان: لما كان ليلة العقبة، أو ليلة بدر، قال -صلى الله عليه وسلم- لمن معه: "كيف تقاتلون"، فقام عصام بن ثابت، فأخذ القوس والنبل، وقال: إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع، كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح، كانت المداعبة حتى تقصف، فإذا تقصفت وضعناها،

ثم سرية عاصم بن ثابت، في صَفَر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان- بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به.

وحديث عضل والقارة -بفتح الضاد المعجمة بعده لام- بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش، وأما القارة -بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريك: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها.

وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة

__________

وأخذنا السيوف وكانت المجالدة, فقال -صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت الحرب من قاتل، فليقاتل كما يقاتل عاصم".

وشهد العقبة وبدرًا وأحدًا، "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة" فتكون في السنة الرابعة، "إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم فتحتية ساكنة فعين مهملة.

قال في الفتح: هو في الأصل اسم للروث, سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا "اسم ماء لهذيل" بذال معجمة, "بين مكة وعسفان", وبينهما مرحلتان "بناحية الحجاز، كانت الوقعة بالقرب منه" بالهداة، كما يأتي، "فسميت به، وحديث عضل" عطف على سرية، "والقارة" وعضل "بفتح" العين المهملة، والضاد "المعجمة بعدها لام، بطن من بين الهون" بضم الهاء وسكون الواو وبالنون كما في الصحاح.

"ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش" بفتح الدال المهملة وكسرها، ثم تحتية ساكنة ثم شين معجمة، كما قاله البرهان، وشيخه المجد في القاموس، ووقع في السبل بدال وسين مهملتين "ابن محكم، والقارة بالقاف وتخفيف الراء" فتاء تأنيث. "بطن من الهون أيضًا، ينسبون إلى الديش المذكور".

"وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء، فيها حجارة كأنهم نزلوا بها" أي: عندها، "فسموا بها" قال: ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي, قال الشاعر:

قد أنصف القارة من راماها

"وقصة عضل والقارة كان في" أي: مع "بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة" كما قد يوهمه ترجمة البخاري، "وقد فصل" فرق "بينهما ابن إسحاق, فذكر بعث الرجيح في أواخر سنة

ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع.

وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة.

وسياق ترجمة البخاري يوهِمُ أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كان سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها.

ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي -صلى الله عليه وسلم- بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم.

ولم يرد البخاري -رحمه الله- أنهما

__________

ثلاث" وهذا قول ابن إسحاق, وما مَرَّ أنها في صفر قول ابن سعد فلا يورد عليه، "وبئر معونة في أوائل سنة أربع".

"وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة", فهذا يدل على أن البخاري أدمجها معها للقرب، والجائي بالخبر الوحي فسيأتي في المتن، فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا، ويأتي في بئر معونة عن الحافظ، أن الله أخبر بهم على لسان جبريل.

"وسياق ترجمة البخاري" بقوله: باب غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان وبئر معونة، وحديث عضل، والقارة، وعاصم بن ثابت، وخبيب وأصحابه، "يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب" بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا، "وأصحابهما, وهي مع عضل، والقارة وبئر معونة كان سرية القراء, وهي مع رعل" بكسر فسكون "وذكوان" بذال معجمة، "وكأنَّ البخاري أدمجها" أدخلها، "معها لقربها منها، ويدل على قربه منها ما في حديث أنس" في الصحيح، "من تشريك النبي -صلى الله عليه وسلم- بين بني لحيان" بكسر اللام وفتحها، "وبين عصية" بضم الضم مصغرًا، "وغيرهم" كرعل وذكوان "في الدعاء عليهم" في قنوت الصبح شهرًا.

ووجه الدلالة أن بعث الرجيع مع بني لحيان وبئر معونة كانت مع عصية ورعل وذكوان، وقد جمع بين الكل في الدعاء، وهنا قال الحافظ، وذكر الواقدي، أنَّ خبر بئر معونة ... إلخ، استدلالًا على القرب أيضًا، فما كان ينبغي للمصنف تقديمه، "ولم يرد البخاري -رحمه الله- أنهما

قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا.

وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق, فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ -عليه الصلاة والسلام- على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو

__________

قصة واحدة"؛ لأنه خلاف الواقع، فلا يحمل عليه وإن أوهمه كلامه، "ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر" بضم العين "ابن قتادة" الأنصاري الظفري العلامة في المغازي "قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أُحد رهط من عضل والقارة" سبعة، كما في رواية الواقدي عن شيوخه، مشت بنو لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، فجعلوا لهم إبلًا على أن يكلموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه، فقدم سبعة نفر منهم مقرِّين بالإسلام، "فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا" في الدين، ويقرؤننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.

وفي الصحيح عن أبي هريرة, بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية عينًا، وفي رواية: بعث عشرة عينًا يتجسسون له، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: بعثهم عيون إلى مكة ليأتوه بخبر قريش، ويجمع بأنه لما أراد بعثهم عيونًا، وافق مجيء النفر في طلب مَنْ يفقههم، فبعثهم في الأمرين، "فبعث معهم ستة من أصحابه", وسماهم ابن إسحاق فقال: وهم: عاصم ومرثد وخبيب وزيد بن الدثنة وعدب الله بن طارق وخالد بن البكير، وجزم ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، فزاد: معتب بن عبيد، وكذا سمَّى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: مغيث بن عوف.

قال الحافظ: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم.

"وأمَّرَ -عليه الصلاة والسلام- على القوم مرثد" بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلثة وبالدال المهملة "ابن أبي مرثد", صحابي وأبوه صحابي, واسمه كناز -بنون ثقيلة- ابن الحصين، وهما ممن شهد بدرًا "الغنوي" بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، "كذا في السيرة له" لابن إسحاق.

"وفي الصحيح" من حديث أبي هريرة: "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي وهو

أصح -فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع- ماء لهذيل, غدروا بهم, فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلّا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنَّا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأمَّا مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا, وقاتلوا حتى قتلوا -رضي الله عنهم.

وفي البخاري: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة

__________

أصح" كما قاله السهيلي وغيره. قال في الفتح: وجمع بعضهم بأن أمير السرية مرثد وأمير العشرة عاصم بناء على التعدد، ولم يرد البخاري أنهما قصة واحدة، "فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع ماء لهذيل" بن مدركة بن إلياس بن مضر, "غدروا بهم فاستصرخوا" أي: استغاثوا "عليهم هذيلًا" ليعينوهم على قتلهم، "فلم يرع القوم" أي: يبغتهم ويفجأهم أو يفزعهم، "وهم في رحالهم إلّا الرجال بأيديهم السيوف وقد غشوهم" بضم الشين وهذا ظاهر، قاله البرهان؛ لأن فعله غشي كتعب، فإذا أسند إلى واو الجماعة قيل: غشيوا كرضيوا، استثقلت الضمة إلى الياء فحذفت الضمة ثم الياء, ثم قلبت كسرة الشين ضمة، لمناسبة الواو، "فأخذوا" أي: عاصم ومن معه، "أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة", بأن نسلمكم لهم ونأخذ بدلكم شيئًا منهم، لعلمهم أنه لا شيء أحبَّ إليهم من أن يؤتوا بأحد من الصحابة يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر وأحد، "ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا، فأمَّا مرثد" بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة "وخالد" بن البكير -بضم الموحدة وفتح الكاف- الليثي حليف بني عدي, من السابقين، وشهد بدرًا, استشهد يومئذ وهو ابن أربع وثلاثين سنة.

ذكره ابن إسحاق وغيره، "وعاصم" بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، "فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا، وقاتلوا حتى قتلوا -رضي الله عنهم" في الموضع الذي جاءوهم فيه حتى استصرخ عليهم الآتي بهم إليه وقسيم، أمَّا تركه المصنف استغناء بذكره بمعناه كما يأتي, وهو ثابت في ابن إسحاق قال: وأما زيد وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة.

"وفي البخاري" في الجهاد وغزوة بدر، وهنا من طريق الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشرة رهط سرية عينًا، "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدأة" -بفتح الهاء.

بين عسفان ومكة -وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام.

والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة.

وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار،

__________

قال الحافظ: وسكون الدال بعدها همزة مفتوحة لأكثر الرواة.

وللكشميهني: بفتح الدال وتسهيل الهمزة.

وعند ابن إسحاق بالهدة بتشديد الدال بغير ألف موضع.

"بين عسفان ومكة" وعند ابن إسحاق وهي على سبعة أميال من عسفان، "وذكروا" بضم المعجمة مبنيًّا للمفعول "لحي من هذيل" بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية وباللام "يقال لهم بنو لحيان" بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسَّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم, دخلوا في هذيل فنسِبُوا إليهم، قاله الحافظ: "فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل", هكذا عند البخاري في الجهاد من رواية شعيب عن الزهري بسنده، وزاد كلهم رامٍ، "وعند بعضهم" أي: الرواة، وهو معمر عن الزهري في صحيح البخاري في هذا الباب، "فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ" بالنبل، ومثله عنده في غزوة بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، ولفظه: فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة" ولم أقف على اسم أحد منهم, هكذا قال الحافظ، وفيه وقفة. فإن لفظ رواية شعيب في الجهاد: فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مآكلهم تمرًا تزودوه من المدينة, فقالوا: هذا تمر يثرب.

"وفي رواية أبي معشر" بفتح الميم، وسكون المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن السندي "في مغازيه، فنزلوا بالرجيع سحرًا, فأكلوا تمرة عجرة" إضافة بيانية، أي: تمرًا مسمَّى بهذا الاسم "فسقط نواه في الأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون" بضم الميم وفتحها.

قال في القاموس: كمن كنصر وسمع كمونًا: استخفى "بلنهار", وهذا واضح على أنهم كانوا عيونًا ليأتوه بخبر قريش، وكذا على أنهم ذهبوا ليفقهوا الآتين في طلب من يفقههم؛ لأنهم قليل؛ إذ غاية ما قيل في السرية عشرة، والآتين في طلبهم سبعة، ومثل هذا العدد في زمن المحاربة خصوصًا بعد أُحد لا يأمنون على أنفسهم فيسيروا ظاهرين نهارًا، فلذا كانوا يكمنون به،

فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب, فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم.

وفي رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم.

فلما حسَّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ومهملتين, الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا،

__________

"فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا فرأت النواءات" هذا جمع تصحيح لم يذكره القاموس والمصباح، فإنهما قالا: النوى جمع نواة، وجمع الجمع أنواء, مثل سبب وأسباب، فالظاهر كما قال شيخنا: إنه كان يقال: فلمَّا رأت النوى بالقصر، أو الأنواء، "فأنكرت صغرهن وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: قد أتيتم" بالبناء للمفعول من قِبل العدو، "فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا" بفتحتين وبفتح فكسر: استخفوا "في الجبل، واتبعوا آثارهم" حين أخبرتهم المرأة "حتى لحقوهم" بالجبل، والواو لا ترتب, فلا يرد اقتضاؤه أن اقتفاء الأثر بعد وجدانهم كامنين بالجبل.

"وفي رواية ابن سعد" في حديث أبي هريرة هذا، "فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم", أعاده وإن مَرَّ عن ابن إسحاق؛ لأن ذاك مرسل، وهذا مسند، ويقع سقوطه في نسخ وهو خطأ؛ لإيهامه أن ما بعده رواية ابن سعد، مع أنه من جملة حديث البخاري, ففيه عقب قوله: حتى لحقوهم، "فلمَّا حسَّ".

قال المصنف: صوابه كما قال السفاقسي أحسَّ رباعيًّا، أي: علم "بهم عاصم وأصحابه لجأوا" بفتح الجيم وكسرها آخره همزة- تحرزوا واعتصموا "إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ودالين مهملتين الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة".

قال الحافظ: ووقع عند أبي داود إلى قردد -بقاف وراء ودالين.

قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفع، ويقال: الأرض المستوية، والأول أصح, "فأحاط بهم القوم فقالوا: لكم العهد والميثاق" تفسيري، "إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا".

وعند ابن سعد فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، وهي رواية ابن إسحاق المتقدمة.

فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمَّة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنَّا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا.

فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.

__________

"فقال عاصم بن ثابت" لأصحابه: قاله المصنف: "أيها القوم أمَّا" بتشديد الميم "أنا فلا أنزل في ذمة كافر" أي: في عهده.

وعند سعيد بن منصور، فقال عاصم: لا أقبل اليوم عهدًا من مشرك.

"ثم قال: اللهمَّ أخبر عنّا رسولك" وفي لفظ: نبيك، وقوله، "فاستجاب الله تعالى لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا", هذه الجملة إنما نسبها في الفتح لرواية الطيالسي، وتبعه المصنف في شرح البخاري في المواضع الثلاثة، كما أوهمه المصنف، "فرموهم" أي: رمى الكفار المسلمين حين امتنعوا من النزول، "بالنبل" -بفتح النون وسكون الموحدة- السهام العربية، ورماهم عاصم بالنبل حتى فني نبله.

وفي رواية: نثر عاصم كنانته فيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلًا من عظماء المشركين، ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، ثم سلَّ سيفه، وقال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره، "فقتلوا عاصمًا", زاد البخاري في هذا الباب: وفي الجهاد في سبعة، أي: في جملة سبعة، وقد مَرَّ أنهم عشرة, سمَّى منهم سبعة, وثلاثة لم يسموا؛ لأن الظاهر أنهم أتباع فلم يعتن بتسميتهم، كما قاله الحافظ، "ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب" بضم المعجمة وفتح الموحدة الأولى "ابن عدي" الأنصاري الأوسي البدري، "وزيد بن الدثنة" بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، شهد بدرًا وأحدًا "بفتح الدال المهملة وكسر" الثاء "المثلثة" زاد البرهان: وقد تسكن "والنون المفتوحة المشددة" ثم تاء تأنيث.

قال ابن دريد: من قولهم: دثن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط عليه.

وفي القاموس: دثن الطائر تدثينًا: طار وأسرع السقوط ف مواضع متقاربة.

قال في رواية البخاري: ورجل آخر وسماه ابن إسحاق فقال: "وعبد لله بن طارق" البلوي البدري، فليست تسميته من رواية البخاري، كما أوهمه المصنف.

وفي رواية أبي الأسود عن عروة: إنهم صعدوا في الجبل فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق. وفي حديث البخاري: فلمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها, فقال الرجل الثالث، أي: ابن طارق: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم, إن لي بهؤلاء أسوة، يريد

فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا،

__________

القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه. قال الحافظ: هذا يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم.

وفي رواية ابن إسحاق: فخرجوا بالنفر الثلاثة، حتى إذا كانوا بمر الظهران أشرع عبد الله بن طارق يده، وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران, وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى.

"فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة،" والذي باعهما زهير وجامع الهذليان.

قال ابن هشام: باعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة.

وعند سعيد بن منصور: أنهم اشتروا خبيبًا بأمة سوداء، ويمكن الجمع، قاله الحافظ.

وقال الواقدي: بيع خبيب بمثقال ذهبًا، ويقال: بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة.

وعند ابن سعد وابن إسحاق: فأمَّا زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه.

وعند ابن سعد: أن الذي قتله نسطاس مولى صفوان، ويقال: اشترك فيه ناس من قريش، ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة, فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.

"فابتاع بنو الحارث بن عامر" بن نوفل بن عبد مناف "خبيبًا", وهم عقبة وأبو سروعة وأخوهما لأمهما حجير -بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء- ابن أبي إهاب -بكسر أوله وبالموحدة- التميمي, حليف بني نوفل، وبَيِّنَ ابن إسحاق أنه الذي تولّى شراءه وقد أسلم الثلاثة بعد ذلك وصحبوا.

قال في حديث البخاري: وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر.

قال الحافظ: هكذا وقع في حديث أبي هريرة، واعتمده البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرًا وهو متجه، لكن تعقَّبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي شهد بدرًا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث ببدر خبيب بن إساف الخزرجي, وابن عدي أوسي, قلت: يلزم من كلامه رد الحديث الصحيح, فلو لم يقتل ابن عدي الحارث ما كان لاعتناء بن الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله, مع تصريح الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أنهم قتلوه لكون ابن أساف قتل الحارث على عادة الجاهلية بقتل بعض البيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شارك في

فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله, استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها -يعني يحلق عانته-

__________

قتل الحارث، والعلم عند الله تعالى.

"فلبث خبيب عندهم أسيرًا" في بيت ماوية، مولاة حجير بن أبي إهاب، وأسلمت بعد.

قال في الروض: ماوية -بواو، أي: مكسورة وشد التحتية في رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وكذا في النسخ العتيقة من رواية غيره عن ابن إسحاق بالراء، أي: والتخفيف، والماوية بالتخفيف البقرة، وبالتشديد القطاة الملساء، انتهى.

وعند سعيد بن منصور، فأساءوا إليه فقال لهم: ما يصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم، فأحسنوا إليه بعد ذلك, وجعلوه عند امرأة تحرسه.

وروى ابن سعد عن موهب مولى آل نوفل قال: قال لي خبيب: وكانوا جعلوه عندي يا موهب, أطلب إليك ثلاثًا، أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذُبِحَ على النصب، وأن تعلمني إذا أرادوا قتلي.

قال الشامي: فكان موهبًا كان زوج ماوية. انتهى. ويؤيده أن في رواية الواقدي عنها, كانت تحدث بقصة خبيب بعد أن أسلمت وحسن إسلامها، وفيها: وكان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، فقلت له: له لك من حجاجة، قال: لا، إلا أن تسقيني العذب, ولا تطعميني ما ذبح على النصب، وتخبريني إذا أرادوا قتلي، فلمَّا أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما اكترث بذلك, فكأنه طلب ذلك من ماوية وموهب معًا، وقد أسلم موهب في فتح مكة كما في الإصابة. "حتى اجتمعوا" عزموا واتفقوا "على قتله" حين خرجت الأشهر الحرم، "استعار من بعض بنات الحارث".

ذكر خلف في الأطراف أن اسمها زينب بن الحارث أخت عقبة، قاتل خبيب، وقيل: امرأته، وعند ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح قال: حدثت عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت قالت: حبس خبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه يومًا، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، فإن كان محفوظًا احتمل أن كلًّا من ماوية وزينب رأت القطف في يده يأكله، والتي حبس في بيتها ماوية، والتي كانت تحرسه زينب، جمعًا بين الروايتين، ويحتمل أن الحارث أب لماوية من الرضاع، وفي ابن بطال: أن اسم المرأة جويرية، فيتمله أن وجده رواية, أو سماها جويرية لكونها أمة، قاله الفتح.

"موسى" بعدم الصرف؛ لأنه على وزن فعلى، وبالصرف على وزن مفعل على خلاف بين الصرفيين، والذي في اليونينية الصرف قاله المصنف. "ليستحدَّ بها، يعني يحلق عانته،" لئلا

فغفلت عن ابن لها صغير, فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده, فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر.

قال: قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا من

__________

تظهر عند قتله، "فغفلت عن ابن لها صغير، فأقبل إليه الصبي، فأجلسه عنده".

زاد في حديث البخاري: على فخذه والموسى بيد، "فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت" بكسر الزاي.

وفي رواية البخاري: ففزعت فزعة عرفها خبيب، "فقال:" أتخشين أن أقتله, ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وفي مرسل بريدة بن سفيان: "ما كنت لأغدر".

قال في الفتح: ذكر الزبير ابن بكار: أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.

وفي رواية بريدة بن سفيان: وكان لها ابن صغير، فأقبل إليه الصبي, فأخذه فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله، فناشدته.

وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن الله منك؟ فقالت: ماكان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا.

وعند ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح وعاصم بن عمر: أن ماوية قالت: قال لي خبيب حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى، فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت، فوالله ما هو إلّا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب الله الرجل ثأره يقتل هذ الغلام، فيكون رجل برجل، فلمَّا ناوله الحديدة، أخذها من يده, ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي، ثم خلَّى سبيله.

قال ابن هشام: يقال إن الغلام ابنها.

قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه طلب الموسى من كلٍّ من المرأتين، فأوصله إليه ابن إحداهما، وأما الابن الذي خشيت عليه، ففي رواية هذا الباب، فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه, فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة، انتهى.

"قالت: والله ما رأيت أسيرًا" زاد في رواية: قط، "خيرًا من خبيب".

وعند الواقدي في حديث ماوية: وأسلمت وحسن إسلامها. قالت: كان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، "والله لقد وجدته يأكل قطفًا" بكسر القاف، عنقودًا "من

عنب، مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا.

وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته.

والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة, لكن استثني بعض المحققين مهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء, فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك, وهذا أعدل

__________

عنب،" وقوله: "مثل رأس الرجل" زائد على خبر الصحيح من رواية ابن إسحاق، كما قدمنا, فما كان ينبغي للمصنف إلا البيان، "وأنه لموثق" بالمثلثة، مقيد "بالحديد، وما بمكة من ثمرة" بمثلثة وفتح الميم، أي: من ثمرة عنب.

وفي رواية ابن إسحاق عن ماوية: وما أعلم في الأرض حبة عنب فأطلقت الأرض، وأرادت أرض مكة، ووقع في بعض نسخ البخاري بالمثناة وسكون الميم، "وما كان" ذلك القطف "إلّا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا، وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته" وتوسط ابن بطال بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الثابت ما جرت به العادة لآحاد الناس أحيانًا, والممتنع ما يقلب الأعيان. "و" لكن "الكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا" سواء كانت من معجزات الأنبياء، أم لا "عند أهل السنة، لكن استثني بعض المحققين منهم، كالعلامة الرباني، أبي القاسم" عبد الكريم بن هوازن، الحافظ المفسر، الفقيه النحوي اللغوي، الأديب، الكاتب، "القشيري" الشجاع، البطل، المجمَع على إمامته، وأنه لم ير مثل نفسه، ولا رأى الراءون مثله، وأنه الجامع لأنواع المحاسن, ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث من الحاكم وغيره.

وروى عنه الخطيب وغيره، وصنّف التصانيف الشهيرة، وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة، "ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء، فقال: ولا يصلون"، أي: الأولياء "إلى مثل إيجاد ولد من غير أب، ونحو ذلك" كقلب جماد بهيمة، لكن الجمهور على الإطلاق, والتفصيل أنكروه على قائله, حتى ولده أبو نصر في المرشد، وإمام الحرمين في الإرشاد، وقال: إنه مذهب متروك، وبالغ النووي فقال: إنه غلط، وإنكار للحس, وأن الصواب وقوعها بقلب الأعيان ونحوه, انتهى. ولكن له قوة ما فقد اختاره السبكي وغيره، والحافظ ابن حجر فقال: "وهذا أعدل

المذاهب في ذلك.

فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام, والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك, قد كثر جدًّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة.

فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعيّن تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي.

ووراء ذلك: إن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأَوْلى من ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا

__________

المذاهب" الثلاثة، إثبات الكرامة نفيها التفصيل، "في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال،" أي: سريعًا، "ولكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق" المذكور في تعريف الكرامة، بأنها ظهور أمر خارق للعادة على يد الولي، مقرون بالطاعة والعرفان، بلا دعوى نبوة, "الآن في نحو ما قاله القشيري وتعيّن تقييد من أطلق" القول، "بأن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي،" لا فارق بينهما إلّا التحدي, بقصر الجواز على غير إيجاد ابن بلا أب، وقلب العصا حية، والجمهور كما علمت على الإطلاق, إلّا بمثل القرآن مما خرج من المعجزات إلى الخصائص، قاله السعد والنووي "ووراء ذلك" الذي حققناه، "أن الذي استقرَّ عند العامَّة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى وهو غلط، فإن الخارق" كما قال الباقلاني: "قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب".

وقال إمام الحرمين: فيه نظر, فلسنا نثبت لهم كرامة، "فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق" بين الولي وغيره، "وأولى مما ذكروه أن يختبر حال من وقع له" الخارق، "فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا،" فقد حكي الاتفاق على أن الكرامة لا تظهر على الفسقة الفجرة، بل على الموفَّقين البررة.

نعم، قد تظهر على يد فاسق إنقاذًا له مما هو فيه، ثم يتوب بعدها، ويصير على أحسن

والله أعلم, انتهى ملخصًا من الفتح.

ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين -وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم -وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا -يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي.

__________

حال, كأصحاب الكهف كانوا عبدة أوثان، فحصل لهم ما حصل إرشادًا وتذكرة "والله أعلم، انتهى".

كل ما ذكره من أول هذه السرية "ملخصًا من الفتح" أي: فتح الباري للحافظ -رحمه الله.

قال في حديث البخاري: "ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه،" في الحل، "قال: "دعوني" اتركوني "أصل" بلا ياء للكشميهني، ولغيره بثبوت الياء، ولكل وجه قاله الحافظ، "ركعتين", قال في حديث البخاري: فتركوه، فركع ركعتين.

"وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم" بفتح الفوقية، يقال له الآن: مسجد عائشة، وهو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة والشام, على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة، سمي بذلك؛ لأنَّ عن يمينه جبلًا يقال له نعيم، وعن شماله جبلًا يقال له ناعم، والوادي نعمان بفتح النون، ويقال له: نعما الأراك، قال الشاعر:

أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك

وفي حديث البخاري: ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت، وفي مرسل بريدة بن سفين: لزدت سجدتين أخريين، "وقال: اللهمَّ أحصهم،" بقطع الهمزة وحاء ساكنة وصاد مكسورة مهملتين، "عددًا" أي: أهلكهم واستأصلهم، بحيث لا يبقى من عددهم أحد، "ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا".

قال السهيلي: بفتح الموحدة، والدال المهملة الأولى, مصدر بمعنى: التبدد، أي: ذوي بدد، "يعني متفرقين".

قال -أعني السهيلي: ومن رواه بكسر الباء، فجمع بدة وهي الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو عليهم.

قال الدماميني: ويحتمل أن بددًا نفسه حال على جهة المبالغة، أو على تأويله باسم الفاعل انتهى.

"فلم يحل الحول ومنهم أحد حي" كما في مرسل بريدة بن سفيان، ولفظه: فلما وقع

وفي رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه.

وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك.. الحديث.

ثم أنشأ خبيب يقول:

فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي

__________

على الخشبة استقبل الدعاء, فلبد رجل بالأرض خوفًا من دعائه, فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد في الأرض.

وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنت مع أبي، فجعل يلقيني إلى الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.

قال في الروض: فإن قيل: هل أجيبت عوة خبيب، والدعوة في تلك الحال من مثله مستجابة، قلنا: أصابت منهم من سبق في علم الله أن يموت كافرًا، ومن أسلم منهم لم يعنه خبيب ولا قصد بدعائه، ومن قتل منهم بعد الدعوة فإنما قتلوا بها بددًا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أُحد وبدر، وإن كانت الخندق بعدها، فقد قتل منهم آحاد متبددون, ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع، ولا معسكر غزوا فيه، فنفذت الدعوة على صورتها فيمن أراد خبيب، وحاشاه أن يكره إيمانهم، انتهى.

"وفي رواية" سعيد بن منصور من مرسل "بريدة بن سفيان" الأسلمي المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض من السادسة.

روى له النسائي، كما في التقريب "فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه".

"وفي رواية أبي الأسود عن عروة: جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك. الحديث".

وعند موسى بن عقبة، فزعموا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك اليوم وهو جالس: "وعليك السلام, خبيب قتلته قريش"، "ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي" هذه رواية الكشميهني، واختارها المصنّف لقول الحافظ، هي أوزن قال: وللأكثر: ما إن أبالي، وهو جائز, لكنه مخروم، ويكمل بزيادة الفاء وما نافية، وإن بكسر الهمزة نافية أيضًا للتأكيد.

وفي رواية: وما إن أبالي، بزيادة واو في أخرى، ولست أبالي، "حين أقتل" بالبناء للمفعول، حال كوني مسلم، على أيّ شق" بكسر الشين المعجمة، أي: جنب، "كان لله مصرعي" أي:

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

والأوصال: جمع وصل، وهو العضو. "والشلو -بكسر المعجمة- الجسد, ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع -بالزاي ثم المهملة- المقطّع, ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع.

وعند أبي الأسود عن عروة, زيادة في هذا الشعر فقال:

لقد أجمع الأحزاب فيّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وفيه أيضًا:

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا،

__________

مطرحي على الأرض، "وذلك في ذات الإله،" أي: في وجه الله وطلب رضاه وثوابه، كما قاله المصنف. "وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع" بضم الميم الأولى، وفتح الثانية وزاي مشددة "والأوصال جمع وصل، وهو العضو، والشلو بكسر" الشين "المعجمة" وإسكان اللام وبالواو: الجسد, ويطلق على العضو، لكن المراد به هنا الجسد" كما قال الخليل لقوله: على أوصال -يعني: أعضاء جسد؛ إذ لا يقال أعضاء عضو. انتهى. "والممزَّع بالزاي" المشددة "ثم" العين "المهملة المقطع، ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع" مفرق.

"وعند أبي الأسود عن عروة، زيادة في هذا الشعر، فقال: لقد أجمع الأحزاب في" أي: في شأني، "وألَّبوا" بشدّ اللام وموحدة أي: حضوا "قبائلهم", ولا يفسّر يجمعوا أيضًا، كما في النور ليغاير قوله: أجمع "واستجمعوا كل مجمع, وفيه أيضًا:

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

روي أن قريش طلبوا جماعة ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم ببدر، فاجتمع أربعون بأيديهم الرماح والحراب، وقالوا لهم: هذا الرجل قتل آباءكم، فطعنوه بالرماح والحراب، فتحرَّك على الخشبة، فانقلب وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته، فلم يستطع أحد أن يحوله، "وساقه" أي: الشعر محمد "ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا" هكذا في الفتح، ولعله في رواية غير زيادة، وإلّا فروايته عشرة فقط، وكذا عند الواقدي وغيره وهي:

لقد جمع الأحزاب حوالي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي؛ لأني في وثاق مضيع

وقد جمعوا أبناءهم ونساؤهم ... وقربت من جذع طويل ممنع

قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب.

فكان أول مَن سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية.

وإنما صار فعل خبيب سنة -والسنة إنما هي أقوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته -صلى الله عليه وسلم, فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون

__________

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع

ووالله ما أخشى إذا مت مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مضجعي

فلست بمبد للعدوّ تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي

"قال ابن هشام: ومن الناس من" لفظه: وبعض أهل العلم، "ينكرها لخبيب،" والمثبت مقدم على النافي كيف وبيتان منها في الصحيح.

قال الحافظ: وفيه إنشاء الشعر، وإنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدة قوته في دينه.

قال في حديث البخاري: ثم قال إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، هكذا في البخاري في بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري, ونحوه في الجهاد من رواية شعيب عن ابن شهاب، وسقط ذلك في هذا الباب من رواية معمر، فوقف معه المصنف, فعزا لابن إسحاق قوله: "فكان أوّل من سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا" أي: مصبورًا، أي: محبوسًا للقتل، "كذا قاله ابن إسحاق" عن شيخه عاصم ابن عمر بن قتادة، ولا أدري ما وجه التبري ولا قصر العزو.

ولابن إسحاق مع كونه في الصحيح موصولًا، وفي السيرة مرسلًا، وقيل: أول من سنهما زيد بن حارثة للبلاغ الآتي، وردّ بأنه لم يتصل، فلا يقاوم ما في الصحيح.

"وقوله: هذا" كما قال صاحب الروض، "يدل على أنها سنة جارية، وإنما صار فعل خبيب سنة، والسنة إنما هي أقوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته -صلى الله عليه وسلم, فاستحسن ذلك من فعله" فهو تقرير له، "واستحسنها المسلمون", وفعلوها كحجر بن عدي

والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.

وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته -عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلًا من الطائف، فاشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله قال له: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، فلمَّا صليت أتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها

__________

الصحابي، فدلَّ ذلك على عدم نسخها, "والصلاة خير ما ختم به عمل العبد" هو وجه استحسانهم لها, فهو عطف علة على معلول, ولفظ الروض: مع أن الصلاة، "وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته -عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي" في الروض "بسنده إلى الليث" وهو: حدثنا أبو بكر بن طاهر الإشبيلي، حدثنا أبو علي الغساني، حدثنا أبو عمر النمري، حدثنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن خيرون، حدثنا قسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا ابن معين، حدثنا يحيى عبد الله بن بكير المصري، حدثني الليث "بن سعد، قال: بلغني أن زيد بن حارثة" الحِبّ والد الحبّ المختص، بأن الله لم يصرّح في القرآن باسم أحد من الصحابة سواه, البدري، "اكترى" من رجل "بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل، فنزل, فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله، قال: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ، فقد صلى قبلك هؤلاء" الفرائض وغيرها، "فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا" فمراده الاستهزاء بالمسلمين وصلاتهم من حيث هي، أو الركعتين عند القتل، وهؤلاء كانوا بعد قتل خبيب، فلا ينافي أنه أول من سنَّهما.

"قال: فلمَّا صليت أتاني ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا لا تقتله فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ فناديت: يا أرحم الراحمين, فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس" يحتمل أنه جبريل أو غيره، "على فرس, في



كلمات دليلية: