withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


نقض صحيفة المقاطعة_3027

نقض صحيفة المقاطعة


ذكر نقض قريش العهد

لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية، كلمت بنو نفاثة وبنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم بالرّجال والسّلاح على عدوّهم من خزاعة، وذكّروهم القتلى الذين أصابت خزاعة منهم، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأر أولئك النّفر الذين أصابوا منهم في بني الأسود بن رزن، وناشدوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم في عقدهم وعدم الإسلام، ودخول خزاعة في عقد محمد وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا، ألا إن أبا سفيان بن حرب لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال إنهم ذاكروه فأبى ذلك، فأعانوا بالسّلاح والكراع والرّجال، ودسّوا ذلك سرا لئلّا تحذر خزاعة، وخزاعة آمنون غارون لحال الموادعة، ولما حجز الإسلام بينهم.

ثم اتّعدت قريش وبنو بكر وبنو نفاثة الوتير، وهو موضع أسفل مكة، وهو منازل خزاعة فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون منتقبون، صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان- وأسلموا بعد ذلك- ومكرز بن حفص، وأجلبوا معهم أرقاءهم، ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدّئلي- وأسلم بعد ذلك- فبيّتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون- وعامّتهم صبيان ونساء وضعفاء الرّجال، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم، فقال أصحاب نوفل بن معاوية له: يا نوفل إلهك إلهك قد دخلت الحرم! فقال: كلمة عظيمة، لا إله لي اليوم، يا بني بكر، لعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم، ولا يتأخر أحد منكم بعد يومه عن ثأره؟! فلمّا انتهت خزاعة إلى الحرم دخلت دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع الخزاعيين، وانتهوا بهم في عماية الصّبح، ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظّنون أنهم لا يعرفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصبحت خزاعة مقتّلين على باب بديل ورافع.

وقال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث: قد رأيت الّذي صنعنا بك وبأصحابك ومن قتلت من القوم، وأنت قد حصدتهم تريد قتل من بقي، وهذا ما لا نطاوعك عليه، فاتركهم فتركهم، فخرجوا وندمت قريش، وندموا على ما صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذّمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وجاء الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، وإلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل فلاموهم بما صنعوا من عونهم بني بكر على خزاعة- وقالوا: إنّ بينكم وبين محمد مدّة وهذا نقض لها.

ذكر إعلامه- صلّى الله عليه وسلم- بما حصل لخزاعة يوم أصيبوا

روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة وخزاعة بالوتير: «يا عائشة: لقد حدث في خزاعة أمر» فقالت عائشة: يا

رسول الله، أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم، وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى» فقالت: يا رسول الله «خير» قال:

«خير»

[ (1) ]

وروى الطبراني في الكبير والصغير عن ميمونة بنت الحارث- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ إلى الصّلاة، فسمعته يقول في متوضّئه:

«لبّيك لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت نصرت- ثلاثا-» فلما خرج، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول في متوضئك «لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت» ثلاثا، كأنك تكلّم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ قال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، ويزعم أنّ قريشا أعانت عليهم بكر بن وائل» قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثاً ثم صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الصبح بالناس [ (2) ] فسمعت الرّاجز ينشد:

يا رب إني ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فذكرت الرجز الآتي.

ذكر قدوم عمرو بن سالم على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يخبره بما وقع لهم

روى الطبراني في الكبير والصّغير عن ميمونة بنت الحارث، [ (3) ] والبزّار بسند جيد عن أبي هريرة- رضي الله عنه- وابن أبي شيبة في المصنف عن عكرمة، والبيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه: إن عمرو بن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويخبرونه بالذي أصابهم، وما ظاهرت عليهم قريش ومعاونتهم لهم بالرجال، والسّلاح، والكراع، وحضور صفوان بن أمية وعكرمة، ومن حضر من قريش، وأخبروه بالخبر ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد بين أظهر الناس، ورأس خزاعة عمرو ابن سالم، فلما فرغوا من قصّتهم، قام عمرو بن سالم فقال:

يا رب إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا

__________

[ (1) ] المغازي للواقدي 2/ 788.

[ (2) ] ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 166.

[ (3) ] (ع) ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال، العامريّة الهلالية أم المؤمنين. لها ستة وأربعون حديثاً اتفقا على سبعة، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بخمسة. عنها ابن عباس، ويزيد بن الأصم، وجماعة.

قال الزهري: هي التي وهبت نفسها. قال المزّي: توفيت بسرف سنة إحدى وخمسين. قاله خليفة. الخلاصة 3/ 392.

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا

هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتّلونا ركّعا وسجّدا

وجعلوا لي في كداء رصّدا ... فانصر رسول الله نصرا أيّدا

وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجرّدا

أن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا

قرم لقرم من قروم أصيدا

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «نصرت يا عمرو بن سالم» فما برح حتى مرت عنانة من السماء فرعدت، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب»

[ (1) ] .

وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- رضي الله عنهما- قالت: لقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان. وقال: «لا نصرني الله- تعالى- أن لم أنصر بني كعب»

[ (2) ] .

وروى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما سمع ما أصاب خزاعة، قام- وهو يجرّ رداءه- وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ممّا أنصر منه نفسي» .

وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمّا بلغه خبر خزاعة قال: «والذي نفسي بيده لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي وأهلي وبيتي»

[ (3) ] .

قال ابن إسحاق وغيره: وقدم بذلك ورقاء الخزاعي في نفر من قومه على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخبروه بما حصل لهم.

قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعمرو بن سالم وأصحابه: «أرجعوا وتفرقوا في الأودية» .

فرجعوا وتفرقوا، وذهبت فرقة إلى السّاحل بعارض الطّريق، ولزم بديل بن ورقاء في نفر من قومه الطّريق [ (4) ] .

__________

[ (1) ] وأخرجه البيهقي 9/ 234 والدلائل 5/ 7.

[ (2) ] أبو يعلى 7/ 343 (24/ 4380) ، ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 164 وعزاه لأبي يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنهما وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح وذكره ابن حجر في المطالب (4356) .

[ (3) ] أخرجه عبد الرازق في المصنف (9739) .

[ (4) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 7/ 10.

وروى محمد بن عمر عن محجن بن وهب قال: لم يرم بديل بن ورقاء مكّة من حين انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية حتى لقيه في الفتح بمر الظهران. قال محمد بن عمر وهذا أثبت [ (1) ] .

وأخبر عمرو بن سالم ومن معه أن أنس ابن زنيم هجا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأهدر دمه.

ذكر ما قيل أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما بلغه خبر خزاعة أرسل الى قريش يخيرهم بين أمور ثلاثة

روى ابن عائذ عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما، ومحمد بن عمر عن حزام بن هشام الكعبيّ ومسدد في مسنده بسند صحيح عن محمد بن عباد بن جعفر أحد ثقات التّابعين وأئمّتهم- رحمهم الله تعالى- واللفظ لمحمد بن عمر، قال حزام: إن قريشا ندمت على عون بني نفاثة، وقالوا: محمد غارينا، فقال عبد الله بن أبي سرح- وهو يومئذ عندهم حال ردّته عن الإسلام- وأسلم بعد ذلك- إنّ عندي رأيا، إن محمدا لن يغزوكم حتى يعذر إليكم، ويخيّركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه، قالوا ما هي؟ قال: يرسل إليكم أن أدوا قتلى خزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلا، أو تبرؤوا من حلف من نقض الصّلح وهم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم على سواء، فما عندكم في هذه الخصال؟ فقال القوم: أحر بما قال ابن أبي سرح- وقد كان به عالما- قال سهيل بن عمرو: ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة.

فقال شيبة بن عثمان العبدري حفظت أخوالك، وغضبت لهم قال سهيل: وأي قريش لم تلده خزاعة؟ قال شيبة: ولكن ندي قتلى خزاعة فهو أهون علينا، وقال قرظة بن عبد عمرو: لا والله لا يودون ولا نبرأ من حلف بني نفاثة، ولكنا ننبذ إليه على سواء. وقال أبو سفيان: ليس هذا بشيء، وما الرأي إلّا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد أو قطع مدة وإنه قطع قوم بغير رضى منّا ولا مشورة فما علينا. قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره [ (2) ] .

وقال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: إن ركب خزاعة لما قدموا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأخبروه خبرهم، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فمن تهمتكم وظنّتكم؟» قالوا:

بنو بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة قصرة ورأس القوم نوفل بن معاوية النّفاثي.

قال: «هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر ومخيّرهم في خصال ثلاث» ، فبعث إليهم ضمرة

- لم يسم أباه محمد بن عمر- يخيّرهم بين إحدى خلال، بين أن يدوا قتلى خزاعة أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة

__________

[ (1) ] البيهقي في الدلائل 4/ 9.

[ (2) ] الواقدي في المغازي 2/ 788.

رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأناخ راحلته بباب المسجد، فدخل وقريش في أنديتها، فأخبرهم أنه رسول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأخبرهم بالذي أمره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- به فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أمّا أن ندي قتلى خزاعة فإن نفاثة فيهم عرام فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبد، وأما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحجّ هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة، وهم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حلفهم، أو لا يبقى لنا سبد ولا لبد، ولكن ننبذ إليه على سواء، فرجع ضمرة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك من قولهم.

وندمت قريش على ردّ رسول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي.

ذكر إخباره- صلّى الله عليه وسلّم- بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر

روى محمد بن عمر عن حزام بن هشام عن أبيه- رحمهما الله- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «لكأنّكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدّد العهد وزد في الهدنة، وهو راجع بسخطه» .

وروى عبد الرزاق عن نعيم مولى ابن عباس، وابن أبي شيبة عن عكرمة، ومحمد بن عمر عن شيوخه، واللفظ له: أن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة مشيا إلى أبي سفيان بن حرب، فقالا: هذا أمر لا بد له من أن يصلح، والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وأفظعتها.

وخفت من شرّها، قالوا: وما هي؟ قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتّى وقف بالخندمة مليا، ثم كأن ذلك الدّم لم يكن، فكره القوم الرّؤيا.

وقال أبو سفيان: لما رأى ما رأى من الشّر: هذا والله أمر لم أشهده، ولم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا عليّ، ولا والله ما شوورت فيه، ولا هويته حين بلغني، والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني، وهو صادقي، وما بد من أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدّد العهد. فقالت قريش: قد والله أصبت، وندمت قريش على ما صنعت من عون بني بكر على خزاعة، وتحرّجوا إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم يدعهم حتى يغزوهم. فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع السّير وهو يرى إنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها؟ قالوا: لا علم لنا بها، فعلم أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعموناه، فإن لتمر يثرب فضلا على تمور تهامة؟

قالوا: لا. فأبت نفسه أن تقرّه حتى قال: يا بديل: هل جئت محمدا؟ قال: لا ما فعلت، ولكن سرت في بلاد بني كعب وخزاعة من هذا السّاحل في قتيل كان بينهم فأصلحت بينهم. فقال أبو سفيان: إنك- والله- ما علمت برّ وأصل، ثم قايلهم أبو سفيان حتّى راح بديل وأصحابه، فجاء أبو سفيان منزلهم ففتّ أبعار أباعرهم فوجد فيها نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطّير، فقال أبو سفيان: أحلف بالله لقد جاء القوم محمّدا [ (1) ] .

وكان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم فساروا ثلاثا، وخرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثا، وكانت بنو بكر قد حبست خزاعة في داري بديل ورافع ثلاثة أيام يكلمون فيهم، وائتمرت قريش في أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خزاعة، وأقبل أبو سفيان حتى دخل المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- فأراد أن يجلس على فراش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فطوته دونه. فقال: يا بنية!! أرغبت بهذا الفراش عنى أو بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، فقالت: بل هداني الله للإسلام. وأنت يا أبت سيّد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدّخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر؟ فقام من عندها،

فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد، فقال: يا محمد!! إنّي كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد، وزدنا في المدّة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «فلذلك جئت يا أبا سفيان؟» قال: نعم. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هل كان من قبلكم من حدث؟» قال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغيّر ولا نبدّل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فنحن على مدّتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغيّر ولا نبدّل» فأعاد أبو سفيان على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- القول، فلم يرد عليه شيئا.

فذهب إلى أبي بكر- رضي الله عنه- فكلمه وقال: تكلم محمدا أو تجير أنت بين الناس، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زاد ابن عقبة: والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.

فأتى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فكلمه بمثل ما كلّم به أبا بكر، فقال: أنا أشفع لكم عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم!! فو الله لو لم أجد إلّا الذرّ لجاهدتكم به، ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله، وما كان منه متينا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله. فقال أبو سفيان جوزيت من ذي رحم شرا.

__________

[ (1) ] المغازي 2/ 792.

فأتى عثمان بن عفان- رضي الله عنه- فقال أنه ليس في القوم أحد أقرب رحما منك، فزد في المدة، وجدّد العهد، فإنّ صاحبك لا يردّه عليك أبدا، فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

فأتى عليا- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا علي إنك أمسّ القوم بي رحما، وإني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى محمد. فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فأتى سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا أبا ثابت أنت سيد هذه البحيرة فأجر بين الناس، وزد في المدة، فقال سعد: جواري في جوار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما يجير أحد على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأتى أشراف قريش والأنصار فكلهم يقول جواري في جوار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما يجير أحد على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما أيس ممّا عندهم، دخل على فاطمة الزهراء- رضي الله عنها- والحسن غلام يدبّ بين يديها فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين النّاس؟ فقالت: إنّما أنا امرأة، وأبت عليه، فقال: مري ابنك هذا- أي الحسن بن علي- رضي الله عنهما- فيجير بين النّاس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. قالت: والله ما بلغ ابني ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.

فقال لعلي: يا أبا الحسن!! إن أرى الأمور قد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا، ولكنك سيّد بني كنانة وقال: صدقت، وأنا كذلك. قال: فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: لا والله، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد،

ثم دخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!!» ثم ركب بعيره وانطلق.

وكان قد احتبس وطالت غيبته، وكانت قريش قد اتّهمته حين أبطأ أشدّ التهمة، قالوا:

والله إنّا نراه قد صبأ، واتّبع محمدا سرا وكتم إسلامه.

فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد احتبست حتّى اتّهمك قومك، فإن كنت مع الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل، ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من امرأته. فقالت ما صنعت؟ فأخبرها الخبر، وقال: لم أجد إلّا ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدره وقالت:

قبّحت من رسول قوم، فما جئت بخير.

فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند إساف ونائلة، وذبح لهما، وجعل يمسح بالدم

رؤوسهما ويقول: لا أفارق عبادتكما حتّى أموت على ما مات عليه أبي، إبراء لقريش مما اتهموه به، فلما رأته قريش، قاموا إليه فقالوا: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا محمد؟ فقال: والله لقد أبي علي، وفي لفظ: لقد كلمته، فو الله ما ردّ على شيئا، وكلمت أبا بكر فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب- رضي الله عنه- فوجدته أدنى العدو، وقد كلمت علية أصحابه، فما قدرت على شيء منهم إلا أنّهم يرمونني بكلمة واحدة، وما رأيت قوما أطوع لملك عليهم منهم له، إلّا أن عليا لما ضاقت بي الأمور قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين النّاس، فناديت بالجوار، فقال محمد «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!!» لم يزدني قالوا: رضيت بغير رضى، وجئت بما لا يغنى عنّا ولا عنك شيئا، ولعمر الله ما جوارك بجائز، وإنّ إخفارك عليهم لهيّن، ما زاد على من أن لعب بك تلعبا. قال: والله ما وجدت غير ذلك.

ذكر مشاورته- صلى الله عليه وسلم- أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- في غزوة قريش

روى ابن أبي شيبة عن محمد بن الحنفية- رحمه الله- عن أبي مالك الأشجعي- رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من بعض حجره فجلس عند بابها- وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد حتى يدعوه-، فقال «ادع لي أبا بكر» . فجاء فجلس أبو بكر بين يديه، فناجاه طويلا، ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: «ادع لي عمر» فجاء فجلس إلى أبي بكر فناجاه طويلا، فرفع عمر صوته فقال: «يا رسول الله هم رأس الكفر، هم الذين زعموا أنّك ساحر، وأنك كاهن، وأنك كذّاب، وأنك مفتر» ، ولم يدع عمر شيئاً، مما كان أهل مكة يقولونه إلّا ذكره، فأمره أن يجلس إلى الجانب الآخر، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثم دعا الناس فقال: «ألا أحدّثكم بمثل صاحبيكم هذين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال: «إنّ إبراهيم كان ألين في الله تعالى من الدّهن الليّن، ثم أقبل علي عمر، فقال: «إنّ نوحا كان أشد في الله من الحجر، وإنّ الأمر أمر عمر، فتجهزوا وتعاونوا، فتبعوا أبا بكر

فقالوا: يا أبا بكر، إنا كرهنا أن نسأل عمر عمّا ناجاك به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: قال لي:

«كيف تأمرني في غزو مكة؟» قال: قلت يا رسول الله!! هم قومك، حتّى رأيت أنّه سيطيعني، ثم دعا عمر فقال عمر: هم رأس الكفر، حتّى ذكر له كل سوء كانوا يقولونه، وأيم الله وأيم الله لا تذلّ العرب حتى تذل أهل مكة، وقد أمركم بالجهاد ليغزوا مكة [ (1) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 506 وأحمد 3/ 398.

ذكر جهاز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واجابة دعائه بأن لا تعلم قريش بمسيره، وأمره بحفظ الطرق

ذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مكث بعد خروج أبي سفيان ما شاء الله أن يمكث ثم قال لعائشة: «جهّزينا واخفي أمرك» . وقال: «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلّا بغتة، ولا يسمعون بنا إلّا فجأة» وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جماعة أن تقيم بالأنقاب، وكان عمر بن الخطاب يطوف على الأنقاب، فيمر بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه، وكانت الأنقاب مسلمة- إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه

[ (1) ] .

ذكر كتاب حاطب بن أبي بلتعة [ (2) ]- رضي الله عنه- إلى قريش ليعلمهم بغزو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إياهم، وما وقع في ذلك من الآيات

روى الإمام أحمد، والخمسة عن أبي رافع عن علي. وأبو يعلى، والحاكم والضياء عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- والإمام أحمد، وعبد بن حميد عن جابر، وابن مردويه عن أنس- رضي الله عنهم- وابن مردويه عن سعيد بن جبير، وابن إسحاق عن عروة، وابن مردويه عن عبد الرحمن عن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن عمر عن شيوخه- رحمهم الله تعالى:

إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا أجمع السّير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة- رضي الله عنه- كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من الأمر في المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة، قال ابن إسحاق، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة- قال محمد بن عمر: يقال لها كنود، قال ابن إسحاق: وزعم لي غير ابن جعفر: أنّها سارة مولاة لبعض بني المطلب، وجعل لها جعلا، قال محمد بن عمر دينارا، وقيل عشرة دنانير، على أن تبلغه أهل مكة، وقال لها: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، فسلكت غير نقب عن يسار المحجّة في الفلوق حتّى لقيت الطريق بالعقيق.

وذكر السهيلي- رحمه الله- تعالى- إنه قد قيل أنه كان في كتاب حاطب: إن رسول

__________

[ (1) ] المغازي للواقدي 2/ 796.

[ (2) ] (حاطب) بن أبي بلتعة مفتوحات بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى.. يقال إنه حالف الزبير وقيل كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد فكاتبه فأدى مكاتبته اتفقوا على شهوده. الإصابة 1/ 314.

الله- صلى الله عليه وسلم- قد توجّه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن الله- تعالى- ناصره ووليّه.

وفي تفسير ابن سلام أنه كان فيه: أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- قد نفر فإمّا إليكم، وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى.

وذكر ابن عقبة أن فيه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد آذن بالغزو، ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت، أن يكون لي يد بكتابي إليكم.

وأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام- زاد أبو رافع: المقداد بن الأسود وفي رواية عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: أبا مرثد، بدل المقداد،

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أدرك امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم» ، ولفظ أبي رافع «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب» فخرجوا [ (1) ]- وفي لفظ: فخرجا، حتى إذا كان بالخليقة، خليقة بني أحمد

وقال ابن عقبة: أدركاها ببطن ريم، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك، فلما رأت الجدّ، قالت: أعرضا. فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتي به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدعا حاطبا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله. إني والله لمؤمن بالله ورسوله، ما غيّرت، ولا بدّلت، ولكني كنت امرء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم.

ولفظ أبي رافع- فقال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرء ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم بها وأهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك من بينهم أن أتّخذ فيهم يدا أحمي بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أنه قد صدقكم» . فقال عمر لحاطب: قاتلك الله!! ترى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يأخذ بالأنقاب وتكتب إلى قريش تحذرهم؟

دعني يا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ما

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 6/ (3007) (4890) ومسلم ص (3/ 1941) حديث (161) وأبو داود في الجهاد وأحمد 1/ 79 والترمذي في تفسير سورة الممتحنة والبيهقي في الدلائل 5/ 16.

يدريك يا عمر إن الله عز وجل اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فاغرورقت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال.

وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أي كفار مكة أَوْلِياءَ تُلْقُونَ توصلون إِلَيْهِمْ قصد النبي غزوه الذي أسره إليكم- وروي بخبر بِالْمَوَدَّةِ بينكم وبينهم وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ دين الإسلام والقرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة بتضييقهم عليكم لأجل أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً للجهاد فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وجواب الشّرط دلّ عليه ما قبله: أي فلا تتخذوهم أولياء تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي إسرار خبر النبي إليهم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأ طريق الهدى، والسواء في الأصل: الوسط إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والضرب وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالسّب، والشتم وَوَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ المشركون، الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بالبناء للمفعول والفاعل بَيْنَكُمْ وبينهم فتكونون في الجنة، وهم في جملة الكفّار في النار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الممتحنة 1: 3] .

ذكر إجماع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المسير إلى مكة

قال ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهم: لما أراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المسير إلى مكة، بعث أبا قتادة بن ربعي إلى بطن إضم، ليظنّ الظّانّ إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- توجّه إلى تلك الناحية، وأن لا تذهب بذلك الأخبار وأبان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المسير إلى قريش، وأرسل إلى أهل البادية، ومن حولهم من المسلمين، يقول لهم «من كان يؤمن بالله وباليوم الاخر فليحضر رمضان بالمدينة» وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.

وقال حسان بن ثابت- رضي الله عنه تعالى- يحرّض الناس ويذكر مصاب رجال خزاعة:

عناني ولم أشهد ببطحاء مكّة ... رجال بني كعب تحزّ رقابها

بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجنّ ثيابها

ألا ليت شعري هل تنالنّ نصرتي ... سهيل بن عمرو حرّها وعقابها

فلا تأمننها يا ابن أمّ مجالد ... إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها

ولا تجزعوا منها فإنّ سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها

قال ابن إسحاق: وقول حسان- رضي الله عنه: بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم: يعني قريشا، وابن أم مجالد، عكرمة بن أبي جهل.

واستخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، ويقال ابن أم مكتوم، وذكره ابن سعد، والبلاذري، والأوّل هو الصحيح، وقد رواه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن ابن عباس- رضي الله عنهما [ (1) ] .

ذكر خروجه- صلى الله عليه وسلّم- من المدينة قاصدا مكة

قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يوم الأربعاء بعد العصر لعشر خلون من رمضان، ونادى مناديه: «من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحبّ أن يفطر فليفطر» وصام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فما حلّ عقدة حتى انتهى إلي الصلصل، وخرج في المهاجرين والأنصار، وطوائف من العرب، وقادوا الخيل، وامتطوا الإبل، وقدّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين،

ولما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- البيداء قال فيما رواه محمد بن عمر عن أبي سعيد الخدريّ: «إني لأرى السّحاب يستهل بنصر بني كعب»

[ (2) ] .

ولما دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- العرج [ (3) ] وهو صائم، صبّ الماء على رأسه ووجهه من العطش- كما رواه الإمام مالك، ومحمد بن عمر عن رجل من الصحابة- وروى الحاكم في الإكليل بسند صحيح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالعرج يصبّ الماء على رأسه من الحرّ وهو صائم» ، ولما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن العرج- وكان فيما بين العرج والطّلوب- نظر إلى كلبة تهرّ عن أولادها، وهنّ حولها يرضعنها، فأمر جميل بن سراقة- رضي الله عنه- أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش، ولا لأولادها.

وقدم- صلى الله عليه وسلّم- بمائة جريدة تكون أمام المسلمين، فلما كانوا بين العرج والطّلوب أتوا بعين من هوازن، فاستخبره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبره أنّ هوازن تجمع له

فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»

فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيحذر الناس، ولما بلغ قديدا [ (4) ] لقيته سليم هناك، فعقد الألوية والرّايات، ودفعها إلى القبائل.

__________

[ (1) ] قال الهيثمي في المجمع 6/ 167 رجاله رجال الصحيح.

[ (2) ] انظر المغازي للواقدي 2/ 801.

[ (3) ] (العرج) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وجيم: قرية جامعة في واد من نواحي الطائل. وقيل: واد به. مراصد الإطلاع 2/ 928.

[ (4) ] (قديد) تصغير قدّ: اسم موضع قرب مكة. مراصد الإطلاع 3/ 1070.

وروى محمد بن عمر عن يزيد بن أسلم، وأبي الحويرث- رحمهما الله تعالى- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما انتهى إلى قديد قيل له: يا رسول الله هل لك في بيض النساء، وأدم الإبل؟ بني مدلج، فقال: - صلى الله عليه وسلم-: «إن الله عز وجل حرّمهن عليّ بصلة الرّحم» . وفي لفظ «ببر الوالد، ووكزهم في لبّات الإبل» .

وقدم العباس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسلما. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة فأرسل ثقله إلى المدينة، وسار مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال البلاذري: وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هجرتك يا عمّ آخر هجرة، كما أنّ نبوّتي آخر نبوّة»

وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقياه بنقب العقاب، وستأتي قصة إسلامهما في ترجمتهما.

ذكر فطره- صلى الله عليه وسلّم- وأمره به

روى مسلم، والترمذي عن جابر، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، والطحاويّ عن ابن عباس- رضي الله عنهم- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خرج من المدينة في غزوة الفتح في رمضان يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد [ (1) ] بين عسفان وقديد، وفي رواية بين عسفان وأمج [ (2) ] ، وفي حديث جابر: كراع الغميم، بلغه أنّ الناس شقّ عليهم الصيام، وقيل له: إنما ينظرون فيما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من لبن، أو ماء، وجزم جابر بأنه ماء. وكذا ابن عباس، وفي رواية: فوضعه على راحلته ليراه الناس، فشرب فأفطر، فناوله رجلا إلى جنبه فشرب فقيل له بعد ذلك: أن بعض الناس صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» فلم يزل مفطرا حتّى انسلخ الشهر [ (3) ] .

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال سافرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم» وكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنّا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال:

«إنكم مصبحوا عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» فكانت عزيمة، فأفطرنا

[ (4) ] .

__________

[ (1) ] (الكديد) قيل بالفتح، وبالكسر، وآخره دال أخرى: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة، بين عسفان وأمج. مراصد الإطلاع 3/ 1152.

[ (2) ] (أمج) بفتحتين، والجيم: بلد من أعراض المدينة. مراصد الإطلاع 1/ 115.

[ (3) ] مسلم من حديث ابن عباس 2/ 784 (88/ 1113) ومن حديث جابر أخرجه مسلم في الصيام 2/ 785 (90/ 1114) والبخاري (4275) ، والترمذي (710) والنسائي في الصيام باب (47) والطيالسي كما في المنحة (912) والطحاوي في معاني الآثار 2/ 65 والشافعي في المسند (158) والبيهقي في الدلائل 5/ 25 وفي السنن 4/ 241، وانظر التلخيص 2/ 203.

[ (4) ] مسلم 2/ 789 (102/ 1120) .

ذكر نزوله- صلى الله عليه وسلّم- بمر الظهران

قالوا: ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم والمسلمون مرّ الظّهران عشاء، وأمر أصحابه أن يوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال عروة كما عند ابن عائذ، وبه جزم ابن عقبة وابن إسحاق، ومحمد بن عمر وغيرهم، وعميت الأخبار عن قريش، فلم يبلغهم حرف واحد عن مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا يدرون ما هو فاعل، وهم مغتمّون لما يخافون من غزوة إيّاهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب.

وروى إسحاق بن راهويه، والحاكم، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام الفتح حتى نزل مرّ الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولا يدرون ما هو صانع [ (1) ] .

وفي الصحيح عن عروة قال: لما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام الفتح بلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان بن حرب يتحسّس الأخبار. وقالت قريش: لأبي سفيان: إن لقيت محمدا فخذلنا منه أمانا، فخرج هو وحكيم بن حزام، فلقيا بديل بن ورقاء، فاستتبعاه، فخرج معهما يتحسّسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا، أو يسمعون به، فلما بلغوا الأراك من مرّ الظّهران، وذلك عشيا رأوا العسكر والقباب والنيران كأنها نيران عرفة، وسمعوا صهيل الخيل، ورغاء الإبل، فأفزعهم ذلك فزعا شديدا. قال عروة كما في الصحيح-: فقال بديل بن ورقاء:

هؤلاء بنو كعب- وفي رواية بنو عمرو: يعني بها خزاعة- حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان:

بنو عمرو وأقلّ من ذلك [ (2) ] .

ذكر المنام الذي رآه أبو بكر الصديق- رضي الله عنه

روى البيهقي عن ابن شهاب- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر قال: يا رسول الله!! أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرّ، فلما دنونا منها استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ذهب كلبهم وأقبل درّهم، وهم سيأوون بأرحامهم وإنكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه» .

ذكر إعلامه- صلّى الله عليه وسلّم- بالليل بأن أبا سفيان في الأراك وأمره بأخذه

روى الطبراني عن أبي ليلى- رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمرّ

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 27.

[ (2) ] أخرجه البخاري 7/ 597 (4280) .

الظّهران، فقال: «إن أبا سفيان بالأراك فخذوه» فدخلنا، فأخذناه

[ (1) ] .

قال ابن عقبة: فبينما هم، يعني أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديلا بن ورقاء كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعثهم عيونا له، فأخذوا بخطم أبعرتهم فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش، نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم.

وروى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب- رحمهما الله تعالى- قالا: أخذ أبو سفيان وأصحابه وكان حرس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفر من الأنصار، وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- تلك الليلة على الحرس، فجاؤوا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة، فقال عمر وهو يضحك إليهم: والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم. قالوا: قد والله آتيناك بأبي سفيان. فقال: احبسوه فحبسوه حتى أصبح. فغدا به على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال ابن عقبة: لما دخل الحرس بأبي سفيان وصاحبيه، لقيهم العباس بن عبد المطّلب، فأجارهم.

وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة: أن أبا سفيان لما أخذه الحرس قال: دلّوني على العبّاس، فأتى العباس فأخبره الخبر، وذهب به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

وروى إسحاق بن راهويه- بسند صحيح عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما نزل مرّ الظهران، رقّت نفس العبّاس لأهل مكة فقال: واصباح قريش، والله لئن دخلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر،

قال العبّاس: فأخذت بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الشّهباء فركبتها، وقلت:

ألتمس حطّابا، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فو الله إني لفي الأراك ألتمس ما خرجت إليه إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا! فقال بديل بن ورقاء: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: لبّيك يا أبا الفضل، مالك فداك أبي وأمي!! وعرف صوتي، فقلت: ويلك!! هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في عشرة آلاف فقال: واصباح قريش والله بأبي أنت وأمي فما تأمرني، هل من حيلة؟ قلت: نعم، اركب عجز هذه البغلة،

__________

[ (1) ] ذكره الهيثمي في المجمع 5/ 172.

فأذهب بك إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأستأمنه لك، فإنه والله إن ظفر بك دون رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لتقتلن، فركب خلفي، ورجع صاحباه- كذا في حديث ابن عباس وعند ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: أنهما رجعا- وذكر ابن عقبة، ومحمد بن عمر في موضع آخر:

أنهما لم يرجعا، وأنّ العباس قدم بهم إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- انتهى.

قال العبّاس: فجئت بأبي سفيان، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟

فإذا رأوا بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأنا عليها قالوا: عم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فلما رآني، قام، فقال: من هذا؟ قلت: العباس، فذهب ينظر، فرأى أبا سفيان خلفي، فقال: أي عدوّ الله!! الحمد للَّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وركضت ال,

الباب الحادي والعشرون في نقض الصحيفة الظالمة

قال ابن إسحاق: ثم إنه قام في نقض الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب جماعة من قريش، ولم يبل فيها بلاء أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث رضي اللَّه عنه. وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان يأتي ليلا بالبعير قد أوقره طعاما بالليل وبنو هاشم وبنو المطلب بالشّعب حتى إذا أقبله فم الشّعب قلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل عليهم الشعب، ويأتي بالبعير وقد أوقره برّا فيفعل مثل ذلك.

قال ابن سعد: وكان أوصل قريش لبني هاشم حين حصروا في الشعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاما، فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه حين أصبح فكلّموه في ذلك فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم. فانصرفوا عنه. ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلا حملا أو حملين فغالظته قريش وهمّت به. فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه، رجل وصل أهل رحمه، أما إني أحلف باللَّه لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا.

ثم إن هشاما مشى إلى زهير بن أبي أمية رضي اللَّه عنه، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف باللَّه أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه. فقال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد واللَّه لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا: فقال له زهير: ابغنا رجلا ثالثا.

فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟ أما واللَّه لئن مكّنتموهم من هذه لتجدنّهم إليها منكم سراعا. فقال: ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال:

من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعا.

فذهب إلى أبي البختريّ بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال: وهل أحد يعين على هذا الأمر؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أمية والمطعم بن عديّ وأنا معك. قال: ابغنا خامسا.

فذهب إلى زمعة بن الأسود فكلّمه وذكر له قرابتهم وحقّهم فقال: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم وسمّى له القوم.

وعند الزبير بن أبي بكر: أن سهيل ابن بيضاء الفهري هو الذي مشى إليهم في ذلك، ويؤيده قول أبي طالب في قصيدته الآتية:

هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا

وزاد ابن سعد في الجماعة: عديّ بن قيس. وأسلم منهم هشام وزهير وسهيل وعديّ ابن قيس.

فاتّعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير وعليه حلّة فطاف بالبيت ثم أقبل علي الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ واللَّه لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

فقال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت واللَّه لا تشقّ.

قال زمعة بن الأسود: أنت واللَّه أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت.

قال أبو البختريّ: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقرّ به.

قال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى اللَّه منها ومما كتب فيها.

وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.

فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل تشوور فيه في غير هذا المكان.

وأبو طالب جالس في ناحية المسجد.

وقال المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا: «باسمك اللهم» كما تقدم.

قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: إنهم مكثوا محصورين في الشّعب ثلاث سنين.

رواه أبو نعيم.

وقال محمد بن عمر الأسلمي: سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز:

متى خرج بنو هاشم من الشعب؟ قالا: في سنة عشر يعني من المبعث قبل الهجرة بثلاث سنين.

وقال صاعد في الفصوص: أنه صلى الله عليه وسلم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة قال ابن إسحاق: فلما مزّقت الصحيفة وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم:

ألا هل أتى بحريّنا صنع ربّنا ... على نأيهم واللَّه بالنّاس أرود

فيخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه اللَّه مفسد

ترواحها إفك وسحر مجمّع ... ولم يلف سحر آخر الدّهر يصعد

فمن ينس من حضّار مكّة عزّة ... فعزّتنا في بطن مكّة أتلد

نشأنا بها والنّاس فيها قلائل ... فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد

ونطعم حتّى يترك النّاس فضلهم ... إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد

جزى اللَّه رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملاء يهدي لحزم ويرشد

قعود لدى خطم الحجون كأنّهم ... مقاولة بل هم أعزّ وأمجد

أعان عليها كلّ صقر كأنّه ... إذا ما مشى في رفرف الدّرع أحرد

جريء على جلّى الخطوب كأنّه ... شهاب بكفّي قابس يتوقّد

من الأكرمين من لؤي بن غالب ... إذا سيم خسفا وجهه يتربّد

ألظّ بهذا الصّلح كلّ مبرّأ ... عظيم اللّواء أمره ثمّ يحمد

قضوا ما قضوا في ليلهم ثمّ أصبحوا ... على مهل وسائر النّاس رقّد

هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسرّ أبو بكر بها ومحمّد

متى شرك الأقوام في جلّ أمرنا ... وكنّا قديما قبلها نتودّد

فيا لقصيّ هل لكم في نفوسكم ... وهل لكم فيما يجيء به عد

فإنّي وإيّاكم كما قال قائل ... لديك بيان لو تكلّمت أسود

[ (1) ]




كلمات دليلية: