هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
ابي الفداء اسماعيل عمر كثير القرشي

فصل ـ هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولم يبق (بمكة (من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما أقاما بأمره لهما، وخلا من اعتقله المشركون كرهاً، وقد أعد أبو بكر رضي الله عنه جهازه وجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، منتظراً حتى يأذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في الخروج.

فلما كانت ليلة هم المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرصدوا على الباب أقواماً، إذا خرج عليهم قتلوه، فلما خرج عليهم لم يره منهم أحد، وقد جاء في حديث أنه ذر على رأس كل واحد من هم تراباً ثم خلص إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً، وقد استأجرا عبد الله بن أريقط، وكان هادياً خريتاً، ماهراً بالدلالة إلى أرض المدينة، وأمناه على ذلك مع أنه كان على دين قومه، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فلما حصلا في الغار عمى الله على قريش خبرهما، فلم يدروا أين ذهبا.

وكان عامر بن فهيرة، يريح عليهما غنماً لأبي بكر، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقال بمكة ثم يذهب إليهما بذلك فيحترزان منه.

وجاء المشركون في طلبهما إلى ثور، وما هناك من الأماكن، حتى إنهم مروا على باب الغار، وحازت أقدامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وعمى الله عليهم باب الغار، ويقال ـ والله أعلم ـ إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه، وذلك تأويل قوله تعالى {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه بكى حين مر المشركون، وقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» .

ولما كان بعد الثلاث أتى ابن أريقط بالراحلتين فركباهما، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الديلي أمامهما على راحلته.

وجعلت قريش لمن جاء بواحد من محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه مائةً من الإبل، فلما مروا بحي مدلج، بصر بهم سراقة بن مالك بن جعشم، سيد مدلج، فركب جواده وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم،

وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات حذراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا.

فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض فقال: رميت، إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكر في أدم، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ههنا.

وقد جاء مسلماً عام حجة الوداع ودفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الذي كتبه له، فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وعده وهو لذلك أهل.

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقال عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ما بهر العقول، صلى الله عليه وسلم.

,

فصل ـ دخول عليه الصلاة والسلام المدينة

وقد كان بلغ الأنصار مخرجه من مكة وقصده إياهم، فكانوا كل يوم يخرجون إلى الحرة ينتظرونه، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته صلى الله عليه وسلم وافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى، وكان قد خرج الأنصار يومئذ، فلما طال عليهم رجعوا إلى بيوتهم، وكان أول من بصر به رجل من اليهود ـ وكان على سطح أطمه ـ فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون! فخرج الأنصار في سلاحهم وحيوه بتحية النبوة.

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم لم يره بعد، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنه أبا بكر لكثرة شيبه، فلما اشتد الحر قام أبو بكر بثوب يظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقق الناس حينئذ رسول الله عليه الصلاة والسلام.


تحميل : هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: