هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

هجرة الأنبياء

وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا صلّى الله عليه وسلّم سنّة إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلّا نبت به بلاد نشأته «1» ، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء خليل الله إلى عيسى كلمة الله وروحه كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالا لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام في طاعة الله. فسل مصر وتاريخها تنبئك عن اسرائيل وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيبا بهم، وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته. ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني اسرائيل واذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكّنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح عليه السلام من اليهود حينما كذّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه (طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأنّ لهم ملكوت السموات) ثم قال بعد (افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم) وسل القرى التي حلّت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «2» .

أعمال مكّة

هذا ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكّة من أصول الدين وذلك أمران:

الأول: الاعتقاد بواحدانية الله وألايشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنما كما يفعل مشركو مكّة، أو أبا أو زوجة أو بنتا كما عليه بعض الطوائف الاخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بواحدانية الله ما كلّف أحد نفسه تكاليف الحياة من اداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذّاتها ما دام ذلك خافيا عن الناس.

__________

(1) لم يجد بها قرارا.

(2) سورة الأحزاب اية 62.

الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأنّ هناك يوما ثانيا للإنسان يجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الاي المكية، فقلّما نرى سورة من سور مكّة إلّا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع الوقت سدى. ونزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة من القران معظمه، وهو ما عدا ثلاثا وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، ال عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحجّ، النور، الأحزاب، القتال «1» ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القران مكي.

ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقباء، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن الهدم «2» وكان يجلس للناس ويتحدّث لهم في بيت سعد بن خيثمة «3» لأنه كان عزبا ونزل أبو بكر بالسّنح- محلة بالمدينة- على خارجة بن زيد «4» من بني الحارث من الخزرج.


ملف pdf

كلمات دليلية: