مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب_12984

مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب


دخول الشعب وخبر الصحيفة

:

ولما رأت قريش عزة النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم..........

__________

دخول الشعب وخير الصحيفة:

ولما رأت قريش" كما قال ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما بمعناه، "عزة النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه وإسلام" بالجر، أي: ابن إسحاق ودخولهم في أول المحرم من السابعة، "وعزة أصحابه بالحبشة" يريد بهم أهل الهجرة الثانية، فإن عود الأولين كان في الخامسة؛ كما مر "وفشو الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم" وقالوا: قد أفسد أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتل رجل من غير قريش فتريحوننا وتريحون أنفسكم، "فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني" أخيه "المطلب" فأمرهم "فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم" بكسر الشين كان

ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية.

فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعون منهم شيئا، ولا يبتاعوات منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل.

وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة -وقيل بغيض بن عامر- فشلت

__________

منزل بني هاشم غير مساكنهم ويعرف بشعب ابن يوسف كان لهاشم، فقسمه عبد المطلب بين بنيه حين ضعف بصره وصار للنبي صلى الله عليه وسلم فيه خط أبيه؛ كذا في المطالع، وتعقبه في النور: بأن عبد الله مات في حياة أبيه وما أظنهم كانوا يخالفون شرعنا، قال: ويحتمل أنه وصل إليه حصة أبيه بطريق آخر، انتهى.

قال شيخنا في تقريره بجوار أن عبد المطلب قسمه في حياته على أولاده في حياة عبد الله، فلما مات صار للمصطفى حظ أبيه وهو حسن، وإن كان شيخنا البابلي يتوقف فيه بأن القسم لم ينقل عن عبد المطلب في حياة عبد الله؛ لأنه احتمال يكفي في الجواب، يمكن أنهم جعلوا له بعد موت جده حصة أبيه أن لو كان حيا، فهو ابتداء عطية من أعمامه وهذا حسن جدا، وكل هذا على تسليم ظن البرهان أنهم لا يخالفون شرعنا ومن أين ذاك الظن؟

"ومنعوه ممن أراد قتله" لما سألهم أبو طالب "فأجابوا لذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا" تشاوروا في "أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب أن لا ينكحوا إليهم" بفتح حرف المضارعة، أي: لا يتزوجوا المضارعة، أي: لا يتزوجوا منهم فإلى بمعنى من "ولا ينكحوهم" بضمها لا يزوجوهم "ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا" زاد في العيون ولا تأخذهم بهم رأفة "حتى يسلموا" من أسلم أو سلم مثقلا "رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل" أي: يخلو بينه وبينهم، "وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة" كما ذكره ابن إسحاق قائلا: فشلت يده فيما يزعمون، وصدر به في الفتح، قال في النور: والظاهر هلاكه على كفره، "وقيل" بخط "بغيض" بموحدة ومعجمتين بينهما تحتية "ابن عامر" بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، قاله ابن سعد. "فشلت" بفتح الشين المعجمة واللام المشددة وضم الشين خطأ، أو قليل أو لغة ردية والشلل نقص في الكف وبطلان لعملها وليس معناه القطع؛ كما زعم بعضهم، قاله المصنف. وفي الفتح: يجوز ضمها في لغة، ذكر الجيلاني.

يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة.

فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتن أو ثلاثا، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا.

__________

وقال ابن درستويه: هي خطأ. "يده" أي: الكاتب سواء قيل منصور أو بغيض؛ لأن القائل بالأول، قال: شلت كالثاني، قال في النور: الظاهر أنه لم يسلم وهو بغيض كاسمه، قال ابن هشام: ويقال بخط النضر بن الحرث فدعا عليه صلى الله عليه وسلم فشلت بعض أصابعه، وقتل كافرا بعد بدر، وقيل: بخط هشام بن عمرو بن الحرث العامري وهو من الذين سعوا في نقضها، قاله ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما، أسلم وكان من المؤلفة، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، حكاه في الفتح، وقيل: منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم، حكاه الزبير بن بكار مع القول بأنه بغيض فقط، قال السهيلي والزبير: أعلم بالإنسان، وجمع البرهان وتبعه الشامي باحتمال أن يكون كتب بها نسخ.

"وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة" وتمادوا على العمل بما فيها، وكان ذلك "هلال المحرم سنة سبع من النبوة" قال ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وبه جزم في الفتح، وقيل: سنة ثمان، حكاه الحافظ في سيرته وكان ذلك بخيف بني كنانة؛ كما في الصحيح وهو المحصب، "فانجاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه" أضافه له لأنه كبيرهم؛ كذا نسبه في الفتح لابن إسحاق، وهو ظاهر في أن انحيازهم بعد كتابة الصحيفة للعطف بالفاء، وفي العيون: ودخلوا شعبهم مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا والكافر حمية، فلما رأت قريش أنه قد منعه قومه أجمعوا على كتابة صحيفة، وهذا صريح في أن كتابتها بعد دخولهم.

"إلا أبا لهب فكان مع قريش" وأما المؤمنون من غير بني هاشم والمطلب، فظاهر العيون أنهم ذهبوا كلهم إلى الحبسة، "فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا" قاله ابن إسحاق: وأو تحتمل الشك والإشارة إلى قول وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين.

"وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا" بالبناء للمفعول لقطعهم عنهم الميرة والمادة، "وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا" ولا يحجون إلا من موسم، وكان يصلهم فيه حكيم بن حزام وهشام بن عمرو والعامري وهو أوصلهم لبني هاشم، وكان أبو طالب مدة إقامتهم في الشعب يأمرهم صلى الله عليه وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة، فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه، فاضطجع على فرش المصطفى وأمره أن يأتي بعض فرشهم فيرقد

وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ عليه الصلاة والسلام: {النَّجْمِ إِذَا هَوَى} حتى بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته: تلك الغرانيق العي وإن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد صلى الله عليه وسلم وسجد معه المشركون،............................

__________

عليها، "وقدم" في شوال سنة خمس؛ كما مر.

"نفر من مهاجرة الحبشة" فخالف شرطه في الترتيب على السنين، ولو رعاه لذكرها قبل إسلام عمر؛ كما فعل اليعمري والشامي وغيرهما، وهذا مما يعطي أن الشرط أغلبي ثم كلامه يقتضي أنهم لم يقدموا كلهم، وهو خلاف قول اليعمري والحافظ وغيرهما كان سبب رجوع الاثني عشر، وفي لقظ: قدم أولئك الفقراء مكة، "حين قرأ عليه الصلاة والسلام" وهو يصلي أو خارج الصلاة على اختلاف الروايات، كما يأتي عن عياض، وأما ما عند ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ النجم، فسجد بنا فأطال السجود فلم يذكر فيه هذه القصة فلا معنى لذكره هنا الموهم أن ابن عمر روى هذه القصة، ولا قائل به لما يأتي أنها لم ترو عن صحابي سوى عن ابن عباس،" {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1] ، حتى بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته" يقال تمنى إذا قرأ، قال حسان يمدح عثمان:

تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنى داود الزبور على رسل

لأن أصل معناه: تفعل من المنى بمعنى القدر، ومنه المنية وقوله إلا أماني، أي: تلاوة بلا معرفة، فأجرى مجرى التمني لما لا وجود له. "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى"، ويروى لترتضى، ويروى أن شافعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق الأولى، وفي أخرى والغرانقة العلى، ذكره في الشفاء، "فلما ختم السورة سجد صلى الله عليه وسلم، وسجد معه المشركون" والجن والإنس؛ كما في الصحيحين غير أمية بن خلف؛ كما في تفسير سورة النجم من البخاري أخذ كفا من تراب فسجد عليه، وقال: يكفيني هذا، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: أبو لهب وفيهما نظر؛ لأنهما لم يقتلا، وقيل: عتبة بن ربيعة. قال المنذري: وما رواه البخاري أصح، وقول ابن بزيزة كان منافقا وهم.

قال في النور: لأن النفاق إنما كان بالمدينة، انتهى. وقيل: إنه المطلب بن أبي وداعة، وهو باطل؛ لأنه صحابي أسلم في الفتح؛ والجمع بأنه لا مانع أنهم فعلوه جميعا بعضهم تكبرا وبعضهم عجزا لا يصح فالمانع موجود، وهو قول راوي الحديث الذي شاهده وهو ابن مسعود: فما بقي أحد إلا سجد إلا رجلا، فلقد رأيته قتل كافرا بالله، يعني يوم بدر.

لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك في الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه صلى الله عليه وسلم، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعا من الحبشة.

__________

"لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير" كما ارتضاه الحافظ لا خوفا من مخالفة المسلمين في ذلك المجلس؛ كما جوزه الكرماني إذ لا يظهر له وجه بل الظاهر العكس، انتهى. فرضوا وقالوا: قد عرفنا أنه يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس في البيت.

"وفشا ذلك في الناس وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة و" بلغ "من بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمن المسلمون بمكة" من الأذى، فقال القوم: عشائرنا أحب إلينا، "فأقبلوا" حال كونهم "سراعا" أي: مسرعين، "من الحبشة" حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش، فقالوا: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله، ثم نرجع؛ فدخلوها ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود، فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى الحبشة؛ كذا في العيون.

وروى ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عمن حدثه عن عثمان بن مظعون أنه لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن رد عليه جواره، فبينما هو في مجلس لقريش وفد عليهم لبيد بن ربيعة قبل إسلامه فقعد ينشدهم من شعره، فقال لبيد:

إلا كل شيء ما خلا الله باطل

فقال عثمان، صدقت، فقال:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: متى كان يؤذي جليسكم يا معشر قريش، فقام رجل منهم فلطم عثمان فاخضرت عينه، فلامه الوليد على رد جواره، فقال: قد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: إن عيني الأخرى إلى ما أصاب أختها في الله لفقيرة، فقال له الوليد: فعد إلى جوارك، فقال: بل أرضى بجوار الله تعالى.

والغرانيق في الأصل: الذكور من طير الماء، وأحدها: غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه. وقيل: هو الكركي.

والغرنوق أيضا: الشاب الأبيض الناعم.

وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.

ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه.

وقد تكلم القاضي عياض -رحمه الله- في "الشفاء" على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفي ويكفي، لكن تعقب في بعضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

__________

"والغرانيق" بغين معجمة المراد بها هنا الأصنام، وهي "في الأصل الذكور من طير الماء" وقيل: طير الماء مطلقا إذا كان أبيض طويل العنق، وهي جمع "واحدها غرنوق" بضم الغين والنون وكسر الغين وإسكان الراء وفتح النون، ذكرهما في النور. "وغرنيق" بضم المعجمة وفتح النون؛ كما في النور والقاموس.

وفي الشامي: بكسر الغين وفتح النون، "سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضا الشاب الأبيض الناعم، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم" عنده كما في التنزيل: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، ونقل الحليمي في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] ، أن مشركي العرب زعمت في اللات والعزى ومناة أنها بنات الله تقربهم له لسماعهم كلامها، وإنما كان يكلمهم شياطين الجن من أجوافها، "فشبهت" الأصنام "بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع" تشبيها بليغا بحذف الأداة أو استعارة بحذف المشبه، والأصل تلك آلهة مرتفعة كالغرانيق في ارتفاعها، فحذف المشبه واستعمل اسم المشبه به فيه بجامع الارتفاع فيهما: المعنوي للأصنام الحسي للطيور، "ولما تبين للمشركين عدم ذلك" الذي توهموه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لآلهتهم حاشاه "رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه" من إيذائه وإيذاء أصحابه ولقي مهاجرو الحبشة منهم الأذى الشديد "وقد تكلم القاضي عياض في الشفاء على هذه القصة" لإشكالها إذ مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبته إلى نبي، فذكر لها محامل على تقدير الصحة.

"و" تكلم على "توهين" تضعيف "أصلها" من جهة الرواة "بما يشفي ويكفي لكن تعقب في بعضه" وهو دعواه بطلانها، وفي بعض المحامل "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" قريبا.

وقال الإمام فخر الدين الرازي -مما لخصته من تفسيره- هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] .

وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون.

وأيضا: فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.

ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون ...

__________

"وقال الإمام فخر الدين الرازي" نحو كلام عياض "مما لخصته من تفسيره: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها"، إلا مع بيان بطلانها كما هو شأن الموضوع. "قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ} بما يأتيكم به {عَنِ الْهَوَى} هوى نفسه، {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] "، إليه "وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] "، فإنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يتكلم صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن ينساه فأنزل الله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] ، رواه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عبس بإسناد ضعيف.

"وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون" من الحذف والإيصال، أي: مطعون، أي: مقدوح فيهم، "وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه" وكذا مسلم عن ابن مسعود "أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق" فدل على خطأ من ذكرها "بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة" بهمزة قطع على غير قياس "حديث الغرانيق" فهذا دليل بطلانها من جهة الإسناد والرواية.

"و" أما من جهة النظر فإنه "لا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه"، وعطف سببا على مسبب قوله: "وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون

كذلك. ويبطل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه.

فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا أصل لها. انتهى.

وليس كذلك. بل لها أصل.

فقد خرجها: ابن أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر، من طرق عن شعبة عن ابن بشر، عن سعيد جبير.

__________

كذلك" أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه، "ويبطل قوله تعالى" أي: فائدة قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] "، أي: فلم تكن عاملا بالآية؛ إذ العمل بها تبليغ ما أنزل إليه، فلو زاد انتفى التبليغ؛ "فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه، فبهذه الوجوه" النقلية والعقلية "عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا اصل لها، انتهى". قال عياض: لا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس على ضعفاء المسلمين، انتهى.

"وليس كذلك بل لها أصل" قوي "فقد خرجها ابن أبي حاتم" الحافظ، أو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، صاحب التصانيف الكثيرة الثقة، كان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال وزاهدا يعد من الأبدال، توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وقد ناهز التسعين، "والطبري" محمد بن جرير البغدادي عالم الدنيا "و" محمد بن إبراهيم "ابن المنذر" النيسابوري نزيل مكة صاحب التصانيف الحافظ كان غاية في معرفة الخلاف والدليل فقيها مجهدا لا يقلد أحدا مات سنة تسع أو عشر أو ست عشرة أو ثمان عشرة وثلاثمائة، "من طرق عن شعبة" بضم المعجمة وسكون المهملة، ابن الحجاج الواسطي ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث كان من سادات زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، ولد سنة اثنتين وثمانين ومات بالبصرة سنة ستين ومائة. "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وشد التحتية، اسمه إياس بالكسر وخفة التحتية، الواسطي الثقة من رجال الصحيح توفي سنة ربع أو خمس أو ست وعشرين ومائة، "عن سعيد بن جبير"، التابعي المشهور

وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة.

كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا متعقب بما سيأتي:

وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل العسقلاني فال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم،...............

__________

المقتول ظلما، "وكذا" خرجها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى "ابن مردوديه" بفتح الميم وتكسر، كما مر.

"والبزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، "وابن إسحاق" محمد "في السيرة وموسى بن عقبة" بالقاف ابن أبي عياش القرشي مولاهم المدني التابعي الصغير الثقة الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة "في المغازي" له التي كان تلميذه ملك إذا سئل عنها، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتاب موسى مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، رواه الخطيب.

"وأبو معشر" بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وابن معين ليس بالقوي، وابن عدي يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة سبعين ومائة. "في السيرة" وقد قال مغلطاي: أبو معشر من المعتمدين في السير "كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال" ابن كثير "إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة" أي: موصولة، "من وجه صحيح وهذا متعقب بما سيأتي" قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس، وجوابه: أنه قيد عدم رؤيته بالصحة والآتي لم يبلغها فلا يتعقب به، "وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ السلام والحافظ أو الفضل" أحمد بن علي بن حجر "العسقلاني، فقال: أخرج ابن أبي حاتم" الحافظ الكبير ابن الحافظ الشهير. "والطبري" محمد بن جرير "وابن المنذر" بضم الميم وإسكان النون وكسر المعجمة ثم راء، "من طرق عن شعبة" ابن الحجاج بن الورد وليس الثقفي الظالم، "عن أبي بشر" جعفر بن إياس "عن سعيد بن جبير" تقدم الستة قريبا "قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم" في رمضان سنة خمس من المبعث، وكان خروج أهل الحبشة إليها في رجب وقدومهم في شوال، قاله الواقدي.

فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] الآية.

وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلا إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.

قال: إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك لا يعتمد عليه.

__________

قال في النور: فهذا تباين لكن يحتمل أنه تحدث بذلك قبل وقوعه وفيه ما فيه، انتهى. وقد يقال: لا تباين؛ لأن الحبشة باليمن كما مر، فيمكن وصول الخبر في تلك المدة ولا سيما البحر قد يقطع فيه مسافات كثيرة في أيام قليلة، "فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان على لسانه، تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد" لما ختم السورة "وسجدوا" معه وكبر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم "فنزلت هذه الآية" تسلية له {وَمَا أَرْسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] ، أي: في قراءته بين كلمات القرآن "الآية" أتلها "وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد" ابن الأسود العنسي، أبي عبد الله البصري، مات سنة مائتين أو وإحدى "عن شعبة، فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب" أي: أظن، "ثم ساق الحديث" المذكور.

"وقال البزار" عقب تخريجه "لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور" أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مع كون سعيد لم يجزم بوصله إنما ظنه كما علم، "وقال" البزار أيضا "إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح" باذان بنون أو باذام بميم وذاله معجمة عن مولاته أم هانئ وعلي وعنه السدي وغيره، أخرج له أصحاب السنن، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وفي التقريب: إنه مقبول "عن ابن عباس، انتهى".

"والكلبي" وهو محمد بن السائب "متروك لا يعتمد عليه"، بل قال ابن الجوزي إنه من كبار الوضاعين، وشيخه أبو صالح فيه مقال، وقال ابن حبان يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن

وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي.

وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري.

وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري.

وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي.

ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب............

__________

عباس، التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به، "وكذا أخرجه النحاس" الحافظ الإمام الصدوق أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى المصري نزيل نيسابور ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيدة، روى عنه الحاكم، وقال: حافظ يتحرى الصدق في مذاكراته مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة عن خمس وثمانين سنة "بسند آخر فيه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني الذي استقر الإجماع على وهنه؛ كما في الميزان.

"وذكرها ابن إسحاق في السيرة" ذكرا "مطولا وأسندها عن محمد بن كعب" القرظي "وكذلك" ذكرها "موسى بن عقبة في المغازي عن" شيخه "ابن شهاب" محمد بن مسلم "الزهري" "وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي" بضم القاف وفتح الراء وظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة، نزل الكوفة مدة ثقة عالم ولد سنة أربعين، ووهم من قال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت في سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك.

"ومحمد بن قيس" شيخ أبي معشر ضعيف، ووهم من خلطه بمحمد بن قيس المدني القاص الثقة؛ كما في التقريب. "وأورده من طريقه" أي: أبي معشر، "الطبري" محمد بن جرير "وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط" بن نصر الهمداني بسكون الميم، قال في التقريب: صدوق كثير الخطأ يغرب "عن السدي" بضم السين وشد الدال المهملتين إسماعيل بن عبد الرحمن "ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب" قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك، وابن المديني ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في الصناعة أنها موضوعة، وقال زكريا الساجي: كانت كتبه ملأى من الكذب، وقال

عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة وعن سليمان التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس.

وأوردها الطبري أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد.

وكلها سوى طريق................

__________

أبو داود: هو صدوق فيما قد روى، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وجمع الحافظ في الأمالي بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه.

"عن يحيى بن كثير" أبي النضر ضعيف "عن الكلبي عن أبي صالح" البصري اشتهر بكنيته ومراسمه "وعن أبي بكر الهذلي" قيل: اسمه سلمى بضم السين المهملة ابن عبد الله، وقيل: روح الأخباري متروك الحديث؛ كما في التقريب مات سنة سبع وستين ومائة، روى له ابن ماجه.

"وأيوب" بن كيسان البصري التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيوب سيد الفقهاء ما رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة عدلا جامعا، ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، ويقال له السختياني: بفتح المهملة على الصحيح وحكى ضمها وكسرها وفتح الفوقية؛ كما في اللباب، وكرها كما في المطالع نسبه إلى بيع السختيان، هو الجلد أو إلى عمله.

"عن عكرمة" بن عبد الله البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام الكبار، كان بحرا من البحار ونسبته للكذب على سيده أو البدعة أو سوء العقيدة لا تثبت، كما بسطه الحافظ في مقدمة الفتح مات سنة ست أو سبع ومائة.

"و" رواه ابن مردويه أيضا عن "سليمان" بن بلال "التيمي" مولاهم المدني أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا ثقة كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. "عمن حدثه ثلاثتهم" يعني أبا صالح وعكرمة والذي حدث سليمان "عن ابن عباس وأوردها الطبربي من طريق العوفي" بسكون الواو وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة بجيم مضمومة فنون خفيفة، الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبي الحسن: صدوق شيعي مدلس يخطئ كثيرا؛ إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصا مع الشاهد وهذا له شواهد كما ترى، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أخرج له أبو داود والنسائي والترمذي وتجويز أن المراد سليمان بن يحيى قاضي مرو؛ لأنه يروي عن ابن عباس وابن عمر مردود، فقد جزم في الأنساب من التقريب بأن العوفي عطية بن سعد.

"عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها" أي: كل طريق منها "سوى طريق

سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا.

مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح.

أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فذكر نحوه.

والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.

__________

سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا" وإن كان فيها ذلك "مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح أحدهما" أي: الطريقين، والطرق يذكر ويؤنث "ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد" بتحتية وزاي، الأيلي الحافظ روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه الليث وابن وهب والأوزاعي وخلق، مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة على الصحيح، روى له الجميع ووثقه الجمهور مطلقا حتى بالغ أحمد بن صالح، فقال: لا نقدم على يونس في الزهري أحدا، "عن" محمد بن مسلم "بن شهاد" الزهري العلم الشهير، قال: "حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" بن المغيرة المخزومي المدني الثقة أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث من سادات قريش، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته واحد، ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، "فذكر نحوه" وهذا رجاله على شرط الشيخين. "والثاني: ما أخرجه" ابن جرير" أيضا من طريق المعتمر بن سليمان" بن طرخان التيمي الثقة الحافظ البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستة.

"وحماد بن سلمة" بفتحات ابن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات العابد الزاهد الحافظ مجاب الدعوة، كان يعد من الأبدال تزود سبعين امرأة، فلم يولد له؛ لأنه لا يولد للبدل، احتج به مسلم والأربعة والبخاري في التاريخ وعلق له في الصحيح، قال الحافظ: ولم يخرج له فيه احتجاجا ولا مقرونا ولا متابعة إلا في موضع واحد في الرقاق؛ لأنه ساء حفظه في الآخر، مات سنة سبع وستين ومائة.

"كلاهما عن داود بن أبي هند" القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة، فهذا على شرط مسلم. "عن أبي العالية" بمهملة وتحتية، رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي براء وتحتية ومهملة، البصري التابعي الكبير أسلم

قال الحافظ ابن حجر: وقد تجرأ ابن العربي -كعادته- فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه.

وكذا قول القاضي عياض:

"هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده".

وكذا قوله: "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية".

__________

بعد الوفاة النبوية بسنتين، وقيل فيه: ليس بعد الصحابة أعلم منه بالقرآن مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث، وقيل غير ذلك.

"قال الحافظ ابن حجر" أيضا إذ ما قبله كلامه: "وقد تجرأ ابن العربي" الحافظ المتجر في العلوم محمد بن عبد الله بن أحمد الإشبيلي المالكي القاضي، يكنى أبا بكر، له التصانيف الحسنة والمناقب الجمة والرحلة إلى عدة بلاد في طلب العلوم، توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. "كعادته" في التجرؤ "فقال: ذكر الطبري" يعني ابن جرير "في ذلك روايات كثيرة" باطلة؛ كما في الفتح عنه قبل طوله "لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه" لكثرة الطرق مع المراسيل الثلاثة الصحيحة، "وكذا قول القاضي عياض" في الشفاء "هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم" أي: سالم من الطعن فيه، "متصل" قال: وإنما أولع به ويمثله المفسرون والمؤرخون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون.

"مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده" واختلاف كلماته، فقائل تقول في الصلاة وآخر في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول بل حدث نفسها فسها، وآخر قالها الشيطان على لسانه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي ذلك، قال: "والله ما هكذا أنزلت"، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، "وكذا قوله" أي: ياض عقب ما زدته منه "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين" كالزهري وابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن "والمفسرين" كابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، "لم يسندها أحد منهم" إلى النبي صلى الله عليه وسلم "ولا رفعها إلى صاحب" من أصحابه "وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية" ساقطة غير مرضية.

قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله.

"ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير من أسلم. قال: ولم ينقل ذلك". انتهى.

وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد:

فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل على أن لها أصلا.

وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل، وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد.

وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فإن..........

__________

"قال" ابن عياض "وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق" شعبة عن "أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله" من سعيد، وهو قوله: عن ابن عباس فيما أحسب، قال: ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال القاضي: وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار، انتهى كلامه في الشفاء.

قال شارحه: وفي قوله: لقوة ضعفه طباق بديع جدا فهذا رده من حيث الإسناد، "ثم رده" أي: عياض، "من طريق النظر" أي: الفكر الصادر عن عقل سليم مستقيم "بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم" أنهم إذا سمعوه مع قرب عهدهم بالإسلام اعتقدوا في الأصنام النفع فيميلون لها، "قال: ولم ينقل ذلك، انتهى".

قال الحافظ ابن ججر: "وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها" جمع مخرج، أي: محل خروجها "دل ذلك على أن لها أصلا" إذ يبعد اتفاق طوائف متباينين على ما لا أصل له، "وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح" ولو لأحدهما وهي طريق ابن جبير وطريق أبي بكر بن عبد الرحمن وطريق أبي العالية، "وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل" لصحتها "وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد" بعضها ببعض فحصلت لها القوة فقامت بها الحجة عند الفريقين "وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فإن

ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.

وقد سلك العلماء في ذلك مسالك:

فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم الله بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة.

ورده القاضي عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.

وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره.

ورده ابن العربي..........................

__________

ذلك لا يجوز" أي: يحرم بإجماع "حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه" كيف؟ وقد قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} [الحاقة: 44] إلخ.

وقال: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ} الآية، "وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" وهذا يؤذن بجواز زيادته على ما في القرآن سهوا، إن وافق ما جاء به من التوحيد وفيه ما فيه، فلا يقع منه ذلك ولا سهوا وإجماعا حكاه عياض وغيره "وقد سلك العلماء في ذلك مسالك" عبر عن تلبسهم بالأجوبة المختلفة بالدخول في الطرق المختلفة مجازا، إذ سلوك الطريق الدخول فيه والمسالك الطرق التي يدخل فيها، وقد أنصف في الشفاء، حيث قال: وأجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة، منها الغث والسمين.

"فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته" أي: عرضت له، "سنة" فتور مع وائل النوم قبل الاستغراق فيه، "وهو لا يشعر، فلما علم الله" أظهر علمه للناس "بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة" ونقله عياض عنه وعن مقاتل، "ورده القاضي عياض بأنه لا يصح" وقوعه منه "لكونه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم" ولذا احتاجوا للجواب عن نومه في الوادي، وأجاب شارح الهمزية بأن هذا لا يثبت له الولاية عليه؛ غاية الأمر أن الشيطان لما رآه أصابته تلك السنة حكى قراءته بصوت يشبه صوته، ودفعه شيخنا بأن عياض لم يرد بالولاية عليه السلطنة، بحيث يصير فاعلا لما أمره به، بل مراده بنفي الولاية أنه لا تسلط له عليه في شيء مما يريد فعله بوجه ما، أعم من أن يكون بحمله موافقته أو بحكاية شيء عنه على وجه الكذب والبهتان.

"وقيل: إن الشيطان ألجاه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ورده" محمد "ابن العربي بقوله

بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} الآية [إبراهيم: 22] ، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة.

وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا.

وقد رد ذل القاضي عياض فأجاد.

وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار.

قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائز.

وإلى هذا نحا الباقلاني.

__________

تعالى حكاية عن الشيطان: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [إبراهيم: 22] الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة" لأنه إذا قدر على إلجائه، وحاشاه من ذلك فما الناس بعده، فهذا الجواب أقبح من القصة. "وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك" بكسر اللام، أي: تعلق "بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا، وقد رد ذلك القاضي عياض، فأجاد" حيث قال: هذا إنما يصح فيما لم يغير المعاني ويبدل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن؛ بل الجائز عليه السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة، ولكنه لا يقر عليه بل ينبه عليه ويذكر به للحين، انتهى.

"وقيل: لعله" صلى الله عليه وسلم "قال ذلك توبيخا للكفار" كقول إبراهيم: هذا ربي على أحد التأويلات، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت، وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته، "قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد" مع بيان الفصل، وأنه ليس من المتلو "ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا" لفظ عياض، ولا يعترض هذا بما روي أنه كان في الصلاة، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع.

"وإلى هذا نحا" مال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب "الباقلاني" البصري ثم البغدادي الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة الأصولي الأشعري المالكي مجدد الدين على رأس المائة الرابعة على الصحيح؛ كما قال الزناتي في طبقات المالكية. وفي الديباج: انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه عيم الجدل، وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة،

وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} خشى المشر



كلمات دليلية: