معركة مؤتة_17186

معركة مؤتة


(26) غزوة مؤتة

مؤتة: بالهمزة والميم المضمومة، قال السهيليّ في «الروض الأنف» : (وهي مهموزة الواو، وهي قرية من أرض البلقاء من الشام، وأمّا الموتة بلا همز.. فضرب من الجنون، وفي الحديث: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه» وفسّره راوي الحديث فقال: نفثه:

الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة) اهـ

وعدّها من الغزوات مع عدم حضوره صلى الله عليه وسلم فيها؛ تبعا لابن سيد الناس اليعمري في «العيون» ولمن قبله.

قال ابن إسحاق في «سيرته» : (ذكر غزوة مؤتة من أرض الشام) وترجم الإمام البخاري في «جامعه الصحيح» بقوله:

(غزوة مؤتة) وإلّا.. فهي من جملة السّرايا.

وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ذكره ابن إسحاق، قال الحافظ: (وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلّا ما ذكر خليفة في «تاريخه» : أنّها كانت سنة سبع، ووقع في «جامع الترمذيّ» : أنّها كانت قبل عمرة القضاء، قال البرهان: وهو غلط بلا شك) .

(ثم إلى) قتال (الروم) جيل قيصر، وهم بنو روم بن

زيد بن حارثة ثمّ جعفرا ... فابن رواحة ولأيا انبرا

عيص بن سيدنا إسحاق، ويقال لهم: بنو الأصفر بن روم؛ أو لأنّ جيلا آخر غلبهم، فوطئ نساءهم فجئن بأولاد صفر، قاله في «روض النّهاة» (النّبي) صلى الله عليه وسلم (استنفرا) أي: طلب جيشا أن ينفر (بمؤتة) بالتنوين لضرورة الشعر، قال في «الأساس» كما نقله عنه في «شرح القاموس» : (استنفر الإمام الرعية: كلّفهم أن ينفروا خفافا وثقالا) (جيشا) عدده ثلاثة آلاف، والكفار مئتا ألف.

,

وصية الرسول صلى الله عليه وسلم للجيش:

روى الواقديّ عن زيد بن أرقم رفعه، قال: «أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تقربوا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء» «1» .

__________

(1) فيه من الفوائد التي تتجلى بها مدنيّة الإسلام بأجلى مظاهرها: وصية الإمام أمراء الجيش بتقوى الله تعالى. والرفق بأتباعهم، وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم، وما يحل وما يحرم، وتحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا

,

بكاء عبد الله بن رواحة خوفا من النار:

وذكر ابن إسحاق من مرسل عروة: أنّه لمّا حضر خروجهم.. ودّع الناس أمراء رسول لله صلى الله عليه وسلم، وسلّموا عليهم، فلمّا ودّع عبد الله بن رواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بكى، فقالوا:

ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ يذكر فيها النار وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا «1» فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.

قيل: إنّ عبد الله بن رواحة بعد ذلك قال: إن كانت زوجتي.. فهي طالق، وإن كان عبدي.. فهو حر لوجه الله، وإن كان مالي.. فهو صدقة للمسلمين، فأخذ سلاحه وسار،

__________

- لم يقاتلوا، وهذا كله مجمع عليه كما حكاه الإمام النووي في «شرحه» على «صحيح مسلم» .

(1) تكلم العلماء على هذه الآية، وذكروا فيها أقوالا ذكرها العلّامة أبو القاسم السهيلي في «الروض» فقال: (منها: أنّ الخطاب متوجه إلى الكفار على الخصوص، واحتجّ قائلو هذه المقالة بقراءة ابن عباس: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وقالت طائفة: الورود هنا: الإشراف عليها ومعاينتها، وحكوا عن العرب: وردت الماء فلم أشرب، وقالت طائفة: هو المرور على الصراط؛ لأنّه على متن جهنم- أعاذنا الله منها والمسلمين- وقالت طائفة: هو أن يأخذ العبد بحظ منها، وقد يكون ذلك في الدنيا بالحمى؛ فإنّه صلى الله عليه وسلم قال: «الحمى كير من جهنم، وهو حظ كل مؤمن من النار» ) اهـ

وقال لهم المسلمون: صحبكم الله، ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:

لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ «1» تقذف الزّبدا

أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتّى يقال إذا مرّوا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا

قال ابن إسحاق: (ثمّ إنّ القوم تهيّؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودّعه) .

ثمّ قال فيما ذكره ابن هشام:

أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر

فثبّت الله ما آتاك من حسن ... في المرسلين، ونصرا كالذي نصروا

إنّي تفرّست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا

__________

(1) ذات فرغ- بفتح الفاء، وسكون الراء المهملة، وبعدها غين معجمة- أي: واسعة تسيل دمها. اهـ

,

تشجيع ابن رواحة الجيش على لقاء هرقل:

ثمّ مضوا حتى نزلوا معان «1» من أرض الشام، فبلغ الناس أنّ هرقل قد نزل مآب- بفتح الهمزة ومدها، آخره موحدة- من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من لخم، وجذام، والقين، وبهراء، وبليّ مئة ألف.

فلمّا بلغ ذلك المسلمين.. أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره بعدد عدوّنا؛ فإمّا أن يمدّنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم؛ والله إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم لها تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة، ولا كثرة، ولا نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا ظهور، وإمّا شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء.. لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: المشارف، ثمّ دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذريّ، وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاريّ.

__________

(1) بفتح الميم، وذكره البكري بضم الميم وقال: (هو اسم جبل) اهـ

,

استشهاد زيد وجعفر وابن رواحة:

ثمّ التقى الفريقان، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم، وقتل طعنا بالرماح، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال..

نزل عن فرس له شقراء عقرها «1» ، فقاتل حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام، فقاتل حتى قتل وهو يقول:

يا حبّذا الجنة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إذ لاقيتها ضرابها

قال ابن هشام: (وحدّثني من أثق به من أهل العلم: أنّ جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه.. فقطعت، فأخذه بشماله.. فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه

__________

(1) أي: ضرب قوائمها بالسيف. قال السهيلي: (ولم يعب ذلك عليه أحد، فدلّ على جواز ذلك إذا خيف أن يأخذها العدو، فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في باب النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا، غير أنّ أبا داوود لمّا خرج هذا الحديث.. قال: ليس هذا بالقوي، وقد جاء فيه نهي كثير عن أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم. اهـ فكأنّه يريد أنّ الحديث ليس بصحيح، لكنه حسن كما جزم به الحافظ، وتبعه الشهاب القسطلاني، ونقله عن الحافظ العلّامة الزرقاني) اهـ

وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين «1» في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إنّ رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين. فلمّا قتل جعفر.. أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، وتقدم به وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثمّ قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرهنّه

__________

(1) وممّا ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين: أنّهما ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي طائر وريشه؛ لأنّ الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد بالجناحين: صفة ملكية، وقوة روحانية، أعطيها جعفر، وقد عبّر القرآن عن العضد بالجناح توسّعا في قوله تعالى لموسى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ وقال العلماء في أجنحة الملائكة: إنّها صفات ملكية، لا تفهم إلّا بالمعاينة؛ فقد ثبت أنّ لجبريل ست مئة جناح، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيّتها.. فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى ما قاله السهيلي في «روضه» ملخصا، ولم يسلمه الحافظ في الفتح؛ فإنّه قال: (ما جزم به في مقام المنع، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة على مدّعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر والحقيقة، إلّا من جهة ما ذكره من قياس الغائب على الشاهد، وهو ضعيف؛ لعدم الجامع، وما استدلّ به من كون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره؛ لأنّ الصورة باقية كما هي، وإعطاء الجناحين له إكراما، وقد روى البيهقي في «الدلائل النبوية» من مرسل عاصم بن عمرو بن قتادة: أنّ جناحي جعفر من ياقوت، فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة، وأنّه ليس من أجنحة الطير التي هي من ريش، وجاء في جناحي جبريل أنّهما من لؤلؤ، أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة) من كتاب «المعرفة» له. وقد نقل هذا في «شرح المواهب» العلّامة الزرقاني، ثمّ قال عن بعض العلماء: (إنّ هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي، بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية، ولا ينكر الحقيقة إلّا من ينكر وجود الملائكة؛ وقد قال تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) اهـ

إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّه ... ما لي أراك تكرهين الجنّه

قد طالما قد كنت مطمئنّه ... هل أنت إلّا نطفة في شنّه

وقال أيضا:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

يريد ب (فعلهما) : فعل زيد وجعفر، فلمّا نزل.. أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شدّ بهذا صلبك؛ فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثمّ انتهس منه نهسة، ثمّ سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا؟ ثمّ ألقاه من يده، ثمّ أخذ سيفه، فتقدم فقاتل حتى قتل.

,

تأمر خالد بن الوليد:

ثمّ أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال:

يا معشر المسلمين؛ اصطلحوا على رجل منكم، قالوا:

أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن

الوليد، فلمّا أخذ الراية.. دافع القوم وخاشاهم «1» حتى انصرف الناس.

وروى الطّبراني من حديث أبي اليسر الأنصاريّ، كما نقله عنه في «الفتح» قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لمّا أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعها إلى خالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم بالقتال مني.

وقول الناظم: (ولأيا انبرا) أي: مشى عبد الله بن رواحة بعد لأي- بفتح اللام وسكون الهمزة- أي: بطء، وذلك أنّه رضي الله عنه تلكأ في المسير، وبكى، ثمّ قال: والله؛ ما بي حب الدنيا ... إلى آخر ما تقدم.

ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ الجيش المذكور انبرى، وسار في هذه الغزوة بعد جهد ومشقة؛ لقلّة المسلمين، وكثرة الكافرين، وبعد السفر والشقة وإن كانت العاقبة للمسلمين.

واللأي: كالسعي، قال زهير بن أبي سلمى:

وقفت بها من بعد عشرين حجّة ... فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم

__________

(1) ذكر السهيلي في «الروض» عند ذكر ابن إسحاق مخاشاة خالد بن الوليد بالناس يوم مؤتة: أنّ المخاشاة المحاجزة، وهي مفاعلة من الخشية؛ لأنّه خشي على المسلمين لقلة عددهم، ومن رواه (حاشى) بالحاء المهملة.. فهو من الحشي، وهي: الناحية، وعن ابن قتيبة في «المعارف» : (أنّه سئل عن قولهم: حاشى بهم.. فقال: معناه انحاز بهم) اهـ

ورفعت للهاشميّ المعركه ... فعاين الّذي أتوا وأدركه

إخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بما وقع قبل وصول الخبر:

وكشفت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم عيانا، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:

(ورفعت للهاشميّ) صلى الله عليه وسلم (المعركة) بفتح الراء وتضم؛ أي: موضع قتال القوم (فعاين الذي أتوا) من نزال الأمراء الثلاثة، وكيف استشهدوا، وغير ذلك ممّا سبق لك، وأخبر به أصحابه بالمدينة قبل وصول الخبر بأيام وقال: «إنّ الله زوى لي الأرض حتى رأيت معترك القوم» .

وقوله: (وأدركه) أي: تحققه، أتى به بعد قوله:

(وعاين) زيادة في الفائدة، وذلك أنّ الإنسان قد يرى شيئا، ويعاينه، ولم يتحققه، فكان هذا أقرب إلى التأسيس منه إلى التأكيد، خلافا لما ذكره في «روض النّهاة» من أنّه لمحض التأكيد؛ إذ التأسيس هو الأليق أن يحمل الكلام عليه مهما أمكن، ويساعد هذا الحمل ما علّل هو به ممّا ذكرته هنا.

قال الشهاب في «المواهب» : (وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» : أنّ يعلى بن أميّة قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئت.. فأخبرني، وإن شئت.. أخبرتك» قال: أخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحق؛ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره) وتمامه كما عند الزرقاني: (وإنّ أمرهم لكما ذكرت، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم» ) .

وروى الإمام البخاري في «جامعه» عن أنس رضي الله عنه: (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم» وفي رواية: «ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، وهو أمير نفسه، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ؛ إنّه سيف من سيوفك، فأنت تنصره» فمن يومئذ سمّي سيف الله.

,

انتصار جيش المسلمين:

وفي قوله صلى الله عليه وسلم هذا: دليل على أنّ أهل مؤتة رجعوا منصورين، قال الشهاب عن الحاكم: (قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب غنيمة؛ أي: فكانت الهزيمة على المشركين) .

ومن أجل ذلك لمّا قال في «المواهب» : (إنّه قتل من قتل من المسلمين) أي: وهم اثنا عشر.. قال الزرقاني:

(وفي هذا عناية من الله بالإسلام وأهله، ومزيد إعزاز ونصر لهم؛ إذ جيش عدّته ثلاثة آلاف، يلقى أكثر من مئتي ألف، فلا يقتل منهم إلّا اثنا عشر، مع أنّهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام) .

ولمّا دنا الجيش من المدينة قافلا.. لقيهم الصبيان

يشتدون، ورسوله الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأتي بعبد الله، فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون التراب على الجيش، ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله؟! فيقول رسول الله: «ليسوا بالفرار، ولكنّهم الكرّار إن شاء الله تعالى» .

,

التعريف بالأمراء الثلاثة:

وحيث حدابنا المقام إلى هؤلاء الأمراء الثلاثة.. فلا بأس أن نلمّ بشيء من التعريف بهم؛ تيمّنا بذكراهم وإن كانوا في غنية عن التعريف؛ لشرفهم العظيم بالانتساب الحقيقي إلى الجناب النبويّ، رضوان الله تعالى عليهم، لكنّا في شديد الحاجة إلى معرفة حياتهم في ذلك العصر النبويّ؛ لنقتفي آثارهم، ونتيمّن بمآثرهم، ونعطر النواحي بأريج شذاهم، فأقول، وبهم على العدا أصول:

,

زيد بن حارثة:

أمّا سيدنا زيد: فهو ابن حارثة بن شراحيل- بفتح الشين- ابن كعب الكلبيّ نسبا، القرشيّ بالولاء، حبّ رسول الله، وأبو حبّه، وأمّه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طيء، يقال: إنّها زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدا وهو غلام يفعة، فأتوا به في سوق عكاظ، فعرضوه

للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مئة درهم، وهو ابن ثمان سنين، كما قاله في «تهذيب الأسماء» فلمّا تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهبته له، وكان أبوه حارثة حين فقده قال:

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل

من أبيات استوفاها الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» ثمّ إنّه حجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا، فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات:

أحنّ إلى قومي وإن كنت نائيا ... فإنّي قعيد البيت عند المشاعر

فكفّوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر

فإنّي بحمد الله في خير أسرة ... كرام معدّ، كابرا، بعد كابر

فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا:

يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه؛ أنتم أهل حرم الله:

تفكّون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، قال: «وما ذاك؟» قالوا:

زيد بن حارثة، فقال: «أو غير ذلك؟ ادعوه فخيّروه، فإن اختاركم.. فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني.. فو الله؛ ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء» قالوا: زدتنا على النّصف، فدعاه، فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، قال: «فأنا من قد رأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! فقال: نعم؛ إنّي قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.. أخرجه إلى الحجر فقال: «اشهدوا أنّ زيدا ابني، يرثني وأرثه» فلمّا رأى ذلك أبوه وعمه.. طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمّد، حتى جاء الله بالإسلام وأنزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية.

ولمّا تبنّاه.. زوّجه صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أميمة بنت عبد المطلب، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلّا زيد بن محمّد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أخرجه البخاريّ.

قال الحافظ في «الإصابة» : (ويقال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمّاه زيدا؛ لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم قصيّ) .

قلت: وقد تقدم في شعر أبيه ما يدل على أنّه يسمى زيدا من قبل، فلعلّ المراد- إن ثبت ما ذكر- أنّه عليه الصّلاة والسّلام أثبت هذا الاسم وقرره ولم يغيّره، كما كان يغير بعض أسماء من أسلم، والله أعلم.

ثمّ قال في «الإصابة» : (قال عبد الرزاق عن معمر، عن الزّهريّ قال: ما نعلم أنّ أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة) .

قلت: وقال غيره: أول من أسلم علي بن أبي طالب، أو خديجة بنت خويلد، أو أبو بكر الصدّيق، أو بلال، وقد أشار إلى هذا الاختلاف والجمع بين الأقوال بما يصير به الخلاف لفظيا.. الحافظ السيوطيّ في «نظم الدرر» بقوله:

واختلفوا أوّلهم إسلاما ... وقد رأوا جمعهم انتظاما

أول من أسلم في الرجال ... صدّيقهم وزيد في الموالي

وفي النسا خديجة، وذي الصّغر ... عليّ، والرق بلال استقر

,

مناقب زيد:

ومن المناقب التي حفظت لزيد: أنّه ذكر في القرآن باسمه العلم، وليس ذلك لغيره، وما قيل: إنّ السّجلّ في قوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ هو اسم كاتب.. فضعيف أو غلط كما قاله النووي في «التهذيب» .

قال في «روض النهاة» عن السهيلي: (ولمّا نزلت الآية يعني قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فامتثلها زيد، وقال:

أنا ابن حارثة. جبر الله وحشته، وشرّفه بأن سمّاه باسمه في القرآن، فقال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً حتى صار وحيا يتلى في المحاريب، فنوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعوض من أبوّة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم له، ألا ترى قول أبيّ بن كعب حين قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا» يعني (سورة لم يكن) فبكى أبيّ، قال: وذكرت هنا لك؟! وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أنّ الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلّدا لا يبيد؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك في الجنان، ثمّ زاده في الآية غاية الإحسان إذ قال: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني:

بالإيمان، فدلّ على أنّه عند الله من أهل الجنان، وهذه فضيلة أخرى، هي غاية منتهى أمنية الإنسان) .

قال في «الإصابة» : (شهد زيد بن حارثة بدرا وما بعدها.

وعن البراء بن عازب أنّ زيدا قال: يا رسول الله؛ آخيت بيني وبين حمزة، أخرجه أبو يعلى.

وعن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: «يا زيد؛ أنت مولاي،

ومني، وإليّ، وأحب الناس إليّ» أخرجه ابن سعد بإسناد حسن.

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«وايم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة- يعني زيد بن حارثة- وإن كان لمن أحب الناس إليّ» أخرجه البخاري.

وعن ابن عمر أيضا: افترض عمر لأسامة أكثر ممّا فرض لي، فسألته، فقال: إنّه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وإنّ أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. قال الحافظ: صحيح) .

قلت: وهذا من سيدنا عمر تواضع وإظهار لفضيلة أسامة وأبيه، والمؤمن يهضم نفسه.

وذكر الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب في أسماء الأصحاب» بسنده إلى الليث بن سعد قال: (بلغني أنّ زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف، واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له:

انزل، فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرون، قال: فلمّا أراد أن يقتله.. قال له: دعني أصلّي ركعتين، قال: صلّ؛ فقد صلّى قبلك هؤلاء، فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، قال: فلمّا صلّيت.. أتاني ليقتلني، قال فقلت: يا أرحم الراحمين؛ قال: فسمع صوتا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلب صاحبه فلم يجد شيئا، فرجع إليّ، فناديت يا أرحم الرّاحمين

- فعل ذلك ثلاثا- فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها، فأنفذها من ظهره، فوقع ميتا. ثمّ قال لي: لمّا دعوت المرة الأولى:

يا أرحم الرّاحمين.. كنت في السماء السابعة، فلمّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الرّاحمين.. كنت في سماء الدنيا، فلمّا دعوت في المرة الثّالثة.. أتيتك) اهـ

وأشار الناظم في «عمود النسب» إلى هذه القصة بقوله:

والحب زيد اكترى من رجل ... مطية ونزلا بمنزل

ليس به غير عظام قتلا ... رجالها الرجل ذا وحملا

عليه فاستغاث زيد بالرحيم ... وعنه فرج بإهلاك الرجيم

وذكر الحافظ السيوطي وغيره: أنّه لا يعرف أربعة توالدوا صحابة لسوى أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وأشار له في «نظم الدرر» بقوله:

وأربع توالدوا صحابه ... حارثة المولى أبو قحافه

فإنّه ولد لأسامة بن زيد ولد اسمه محمّد، على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وحارثة تقدم أنّه شاهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبو قحافة والد سيدنا أبي بكر

صحابي، وأسماء بنت أبي بكر صحابية، وولدها عبد الله بن الزّبير أيضا صحابي جليل، مصّ دم النّبيّ صلى الله عليه وسلم من حجامته.

قال في «روض النهاة» : (ولد لأسامة بن زيد محمّد بن أسامة على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وعثر يوما فدمي وجهه، فمصّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دمه، ودخل يعقوب بن محمد بن أسامة المسجد يوما يجرّ ثيابه، وعبد الله بن عمر جالس في المسجد، فغضب وقال: من هذا؟ فقيل: يعقوب بن محمّد بن أسامة، فطأطأ رأسه، ونقر بين يديه الأرض، ثمّ قال: لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لأحبّه)

ذكر الإمام النوويّ في «التهذيب» : (أنّه روي لزيد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم حديثان) .

وبمناسبة ذكر سيدنا زيد، لا بأس بإتمام مواليه صلى الله عليه وسلم؛ تتميما للفائدة:

,

مواليه صلى الله عليه وسلم:

فأقول بالعطف على زيد: وابنه أسامة، وثوبان بن بجدد بضم الموحدة والدال، وإسكان الجيم، بضبط أبي زكريا النووي في «تهذيبه» وأنسة بفتح الهمزة والنون، وفضالة اليماني، وشقران، بضم الشين، ورباح بالموحدة، ويسار الراعي، وولود، وطهمان، ومأبور القبطيّ الذي أهداه

المقوقس، وعبيد أبو صفية، وواقد، وأبو عبيد، وأبو واقد، ورافع، وهشام، وحنين، وأحمر ويكنى أبا عسيب- وسليم ويكنى بأبي كبشة شهد بدرا، وكركر بكسر الكافين، وقيل: بفتحهما، كان على ثقل النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وزيد بن بولا، وأسلم- ويكنى أبا رافع- وسفينة، وأنجشة، ومدعم بكسر الميم، وإسكان الدال، وفتح العين المهملتين، وأبو أمامة، وأبو هند، وأبو ضمرة، فجملتهم تسعة وعشرون، أشار لهم العلّامة الشيخ عبد العزيز الفاسي في منظومته «قرة الأبصار» بقوله:

بيان ما له من الموالي ... والخدم الأحرار باحتفال

زيد، أسامة، ابنه ثوبان ... انسة، فضالة، شقران

ثمّ رباح، ويسار، وارد ... طهمان، مأبور، عبيد، واقد

وأبواهما، ورافع، هشام ... حنين، أحمر، سليم ذو اهتمام

كركرة النّوبيّ، زيد، اسلم ... سفينة، أنجشة، ومدعم

أبو أمامة، أبو هند، أبو ... ضمرة، والإماء حين تحسب

,

جعفر بن أبي طالب:

أمّا سيدنا جعفر: فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو عبد الله، وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشقيق عليّ، أسنّ منه بعشر سنين، وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وطالب أسنّ من عقيل بعشر سنين.

وأمهم فاطمة بنت أسد: أول هاشمية تزوجها هاشميّ، وأسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفّيت بها، وصلّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبرها، وكان يكرمها، وفاطمة هذه إحدى الفواطم التي قال صلى الله عليه وسلم لعليّ في ثوب حرير: «قسّمه بين الفواطم الثلاث» والثانية: فاطمة بنته صلى الله عليه وسلم، والثالثة: فاطمة بنت حمزة.

ولفاطمة بنت أسد بنتان؛ أم هانئ، وجمانة.

وجعفر: أحد السابقين الأوّلين إلى الإسلام، ثبت فيما رواه الشيخان: أنّه صلى الله عليه وسلم قال له: «أشبهت خلقي وخلقي» .

وهو أحد الخمسة المشبهين للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، المجموعين في قول بعضهم:

بخمسة شبّه المختار من مضر ... يا حسن ما خوّلوا من شبهه الحسن!

بجعفر وابن عمّ المصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن

آخى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين صاحب الترجمة ومعاذ بن جبل، كما ذكره الحافظ في «الإصابة» وكان يكنيه أبا المساكين؛ لأنّه كان يحبهم ويحبونه، ويجلس إليهم، ويتحدث معهم في لين جانب ومكارم يفيضها عليهم، ففي الصحيح عن أبي هريرة: (كان جعفر خير الناس للمساكين) .

وقال في «الإصابة» : (قال خالد الحذّاء عن عكرمة:

سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ما احتذى النّعال، ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أفضل من جعفر بن أبي طالب، رواه الترمذيّ والنسائي، وإسناده صحيح.

وروى البغويّ من طريق المقبريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم ويخدمونه، ويحدّثهم ويحدثونه، فكان صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين) .

هاجر إلى الحبشة، وأسلم النجاشيّ ومن تبعه على يديه، وأقام عنده ومعه زوجته أسماء بنت عميس، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة.

ثمّ قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين، ومن

دخل في الإسلام هناك، وجاؤوا في سفينتين في البحر، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لهم منها، ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينتين، ثمّ سكن المدينة إلى أن خرج إلى مؤتة.

وفي «صحيح البخاريّ» عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(كان خير الناس للمساكين جعفر رضي الله عنه، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء؛ ليشقّها فنلعق ما فيها) .

وعنه أيضا: قال صلى الله عليه وسلم: «رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة» رواه الترمذيّ.

وله من الأولاد من زوجه أسماء بالحبشة: عبد الله، وعون، ومحمّد.

قال الإمام النووي: (والعقب لعبد الله دون أخويه، ويوم ولد له عبد الله.. ولد فيه للنجاشيّ ولد، فسأل جعفرا: ماذا سميت ابنك يا جعفر؟ لنسمي به ابننا، فسمّاه عبد الله، وأرضعته أسماء بلبن ابنها عبد الله، فكانا يتواصلان لتلك الأخوّة، وكان قد أسلم النجاشيّ على يد جعفر) .

ولمّا قدم جعفر على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر.. قال عليه الصّلاة والسّلام: «لا أدري بأيّهما أنا أشد فرحا: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟» .

ووجد يوم استشهد بجسده تسعون جراحة.

ويروي سعيد بن المسيّب مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثّل لي جعفر، وزيد، وعبد الله في خيمة من درّ فوق أسرّة، فرأيت زيدا وعبد الله، وفي أعناقهما حدود، ورأيت جعفرا مستقيما، فقيل لي: إنّهما حين غشيهما الموت.. أعرضا بوجوههما، ومضى جعفر فلم يعرض» وأمر صلى الله عليه وسلم أن يصنع لأهل جعفر طعام؛ فإنّهم شغلوا بأمر صاحبهم.

قال السّهيلي: (وهذا أصل في طعام التعزية) .

قلت: يعني: يصنعه الناس لأهل الميت في غير كلفة ولا مباهاة، إنّما يحتسبون بذلك الأجر من الله؛ فإنّه قد نزل بأهل الميت ما قد شغلهم، أمّا فتح دار الميت بعمل الطعام، والدعوة للطعام.. فإنّها بدعة سيئة جدا، سادت في كثير، حتى ظنّ أنّها من السنن الشّرعية، أو الواجبات الدينية، وحتى ترى بعض الفقراء الذين يصابون بفقيدهم، ولا يستطيعون أن يقوموا بهذا العمل يبيعون شيئا من مخلفات الميت، وقد يوافق أنّ الميت ترك أطفالا قصّرا، بل كثيرا ما يستدينون المال الذي له بال، وينفقونه في الطعام للزائرين والزائرات في ذلك اليوم، وقد روى ابن ماجه والإمام أحمد بإسناد حسن عن جرير بن عبد الله البجليّ قال: (كنا نعد ذلك- أي: تهيئة أهل الميت الطعام- من النياحة) اهـ

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن النّياحة، فينبغي أن يفهم

الناس هذا الأمر، وهذه البدعة حتى يقتلعوها من جذورها؛ فإنّه لا أضر على الناس من أمثال هذه العادات السيئة، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى اتباع سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم في أقواله الرشيدة، وأفعاله السديدة.

هذا: والطعام الذي صنع لآل جعفر ذلك اليوم هو- كما روي عن ابنه عبد الله بن جعفر- شعير طحنته سلمى- مولاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم- ثمّ آدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا، فأكلوا منه، قال عبد الله: وحبسني النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيته مع أخويّ ثلاثة أيام» .

ولسيدنا عليّ رضي الله عنه مفتخرا- وما أجدره بذلك-:

محمّد النّبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشّهداء عمّي

وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمّي

وبنت محمّد سكني وعرسي ... منوطا لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيّكم له فخر كفخري

سبقتكم إلى الإسلام طرّا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي

ولسيدنا جعفر يوم توفي ثلاث وثلاثون، أو إحدى وأربعون سنة.

,

عبد الله بن رواحة:

وأمّا سيدنا عبد الله بن رواحة: فهو أبو محمّد الأنصاري الحارثي شهد العقبة، وكان ليلتئذ نقيب بني الحارث من الخزرج، فهو أحد النقباء الاثني عشر، المجموعين في قول الناظم في «عمود النسب» :

وهم من الأوس أسيد فاعلمه ... رفاعة وسعد بن خيثمه

وتسع خزرج بنو بدور ... زرارة رواحة معرور

وابن عبادة وسعد بن الربيع ... ورافع بن مالك الشهم الرفيع

عبد الإله نجل عمرو بن حرام ... ومنذر ونجل صامت الهمام

شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا الفتح؛ فقد علم أنّه توفي قبله.

وهو خال النعمان بن بشير؛ لأنّ أم النعمان عمرة بنت رواحة.

وكان أحد شعراء النّبيّ صلى الله عليه وسلم، الذين ينافحون عنه وعن الإسلام المجموعين في قول الحافظ السيوطي:

وشعراء المصطفى ذوو الشان ... ابن رواحة وكعب حسّان

وهم متفاوتون: كان حسّان رضي الله عنه يطعن في أنساب المشركين، وكان كعب بن مالك يذكّرهم بوقع السيوف، وعبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا ينفع، فكان شعر صاحب الترجمة يومئذ أهون على كفار قريش، وكان قول كعب وحسّان أشدّ القول عليهم، فلمّا أسلموا وفقهوا.. كان أشد القول عليهم وأنكاه فيهم قول ابن رواحة.

قال الزّبير بن العوام رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أجرأ ولا أسرع شعرا من ابن رواحة.

وعن أبي الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يوم لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة كان إذا لقيني.. يقول: يا عويمر؛ اجلس فلنؤمن ساعة، فنجلس فنذكر الله ما شاء الله، ثمّ يقول:

يا عويمر هذا الإيمان. اهـ

وهو الذي شجّع المسلمين في مؤتة على لقاء الكفار، بل شجع نفسه كما سبق.

وفي «الصحيحين» عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حرّ شديد، حتى إنّ أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة.

قال ابن سعد: (كان يكتب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جاء ببشارة وقعة بدر إلى المدينة) .

قال الحافظ: (وفي فوائد أبي طاهر الذّهليّ، من طريق ابن أبي ذئب عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله ابن رواحة؛ إنّه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» ) اهـ

وكان إذا لقي أحدا.. قال له: اجلس بنا نؤمن ساعة.

وأخرج البيهقي بسند صحيح: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فدخل عبد الله بن رواحة، فسمعه يقول:

«اجلسوا» فجلس مكانه خارجا من المسجد، فلمّا فرغ..

قال له: «زادك الله حرصا على طواعية الله، وطواعية رسوله» وكفى بهذه منقبة لابن رواحة، ممّا يدل في وضوح على خضوعه لأوامره وإشاراته صلى الله عليه وسلم؛ ابتغاء مرضاته، فهو لمن سواه القدوة والغاية المثلى.

قال الحافظ: (وفي «الزهد» لابن المبارك بسند صحيح عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فسألها عن صنيعه، فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته.. صلّى ركعتين، وإذا دخل بيته.. صلّى ركعتين، لا يدع ذلك، وكان عبد الله أول خارج إلى الغزو، وآخر قافل) .

وقال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: كان زيد بن أرقم يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، فخرج معه إلى سريّة مؤتة، فسمعه في الليل يقول:

إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء

فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المؤمنون وخلّفوني ... بأرض الشام مشهود الثّواء

فبكى زيد بن أرقم، فخفقه «1» بالدّرة، فقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل) فذكر القصة في صفة قتله في غزوة مؤتة ... بعد أن قتل جعفر، وقبله زيد بن حارثة.

وقال ابن سعد: (أنبأنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد عن هشام، عن أبيه: لما نزلت وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أنّي منهم، فأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية) .

وقال ابن سعد: (حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدّثنا عمر بن أبي زائدة عن مدرك بن عمارة، قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه، فلمّا رأوني.. قالوا: يا عبد الله بن رواحة؛ فجئت، فقال:

__________

(1) من باب: نصر وضرب، والخفق: هو الضرب بالدرة- بكسر الدال المشددة- كما يؤخذ من «القاموس» (مادة درر) .

«اجلس ههنا» فجلست بين يديه، فقال: «كيف تقول الشعر؟» قلت: أنظر في ذلك، ثمّ أقول، قال: «فعليك بالمشركين» ولم أكن هيّأت شيئا، فنظرت، ثمّ أنشدته:

إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر

أنت النبيّ ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب لقد أزرى به القدر

فثبّت الله ما أتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

قال: فأقبل بوجهه مبتسما، وقال: «وإياك فثبّتك الله» قال هشام بن عروة: فثبته الله عزّ وجلّ أحسن الثبات، فقتل شهيدا، وفتحت له الجنة فدخلها.

قال المرزباني في «معجم الشعراء» : (كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النّبيّ صلى الله عليه وسلم قوله:

لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر

وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة، وذلك أنّه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته، فجحدها وكانت قد رأت جماعه لها- فقالت له: إن كنت صادقا..

فاقرأ القرآن؛ فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:

شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... وأنّ النار مثوى الكافرينا

وأنّ العرش فوق الماء حقّ ... وفوق العرش ربّ العالمينا

وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله مسوّمينا

فقالت امرأته: صدق الله، وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه) .

قال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» : (ورويناها من وجوه صحاح)

وذكر أصل هذه القصة أيضا الإمام أبو زكريا النّوويّ في «شرح المهذّب» احتجاجا على حرمة القراءة على الجنب، على ضعف في إسنادها وانقطاع.

وذكرها خاتمة المحققين بمصر القاهرة: العلامة الأمير، وزاد في آخرها: (فأتى ابن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدّثه، فضحك ولم يعيّره، وقال: أخرج ذلك ابن عساكر عن عبد العزيز بن أخي الماجشون بلاغا عن ابن رواحة.

قال: وأخرج أيضا عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ عبد الله بن رواحة كان مضطجعا إلى جنب امرأته، فخرج إلى

الحجرة، فواقع جارية له، فاستيقظت المرأة ولم تره، فخرجت فإذا هو على بطن الجارية، فرجعت فأخذت الشّفرة، وجاءت، فقال: مهيم؛ مهيم، فقالت مهيم؟ أما إنّي لو وجدتك حيث كنت.. لوجأتك بها، قال: وأين كنت؟

قالت: على بطن الجارية، قال: ما كنت، قالت: بلى، قال: فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت اقرأه، فقال:

أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الصبح ساطع

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

فقالت: أما إذ قرأت القرآن.. فإنّي أتهم ظنّي وأصدقك، قال ابن رواحة: فغدوت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه، حتى ردّ يده على فيه، وقال: «إنّ خياركم خيركم لنسائه، لقد وجدتها ذات فقه في الدين» ) .

وهذا الحديث مشهور بين علماء الحديث، وقوله:

(مهيم) كلمة استفهام؛ أي: ما حالك وشأنك؟ أو ما وراءك؟ أو أحدث لك شيء؟

فإن قلت: كيف يصح لابن رواحة أن يقرأ الأبيات جوابا لقول امرأته: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن؟ وكيف يقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك؟

قلت: أجاب العلّامة الأمير في رسالة له صغيرة الحجم، جمة العلم، جعلها ردا على من يقول بكفر اللاحن في القرآن:

بأنّ ابن رواحة رضي الله عنه لم يقل: هذا قرآن، وإنّما عدل إلى شيء آخر غير ما أمرت به زوجته، وليس امتثال أمرها واجبا عليه، ولا توهّمها هي في نفسها أنّ هذا قرآن بملحق به إثما، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «هذا لعمري من معاريض الكلام» يعني والله أعلم-: أنّه مال إلى عرض وجانب آخر، غير ما يريده المخاطب، والله أعلم بحقيقة الحال.

قال سيدنا حسّان- رضي الله عنه- يبكي جعفرا وصاحبيه:

تأوّبني ليل بيثرب أعسر ... وهمّ إذا ما نوّم الناس مسهر

لذكرى حبيب هيّجت ثمّ عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر

بلاء وفقدان الحبيب بليّة ... وكم من كريم يبتلى ثمّ يصبر

رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوب وقد خلّفت فيمن يؤخّر

فلا يبعدنّ الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنيّة تخطر

غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النّقيبة أزهر

أغرّ كلون البدر من آل هاشم ... أبيّ إذا سيم الظّلامة مجسر

فطاعن حتى مات غير موسّد ... بمعترك فيه القنا يتكسّر

فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتفّ الحدائق أخضر

وكنا نرى في جعفر من محمّد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر

فما زال في الإسلام في آل هاشم ... دعائم عزّ لا ترام ومفخر

هم جبل الإسلام والناس حوله ... رضام إلى طود يروق ويقهر

بهم تكشف الّلأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالقوم مصدر

هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّر

بهاليل منهم جعفر وابن أمّه ... عليّ ومنهم أحمد المتخيّر

وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر

قلت: ومناقب هؤلاء الأمراء الأفذاذ- رضوان الله عليهم- مشهورة، وهي فوق ما ذكرنا.

ولنختم الكلام على ترجمتهم بحديث فيه فضيلة عظيمة لهم، ذكره الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير عن الإمام الحافظ أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرّازي نضّر الله وجهه، في كتابه «دلائل النبوة» وهو كتاب جليل.

قال: (حدّثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ، حدّثنا الوليد، حدّثنا ابن جابر.

وحدّثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدّثنا الوليد وعمرو، - يعني ابن عبد الواحد- قالا: حدّثنا ابن جابر، سمعت سليم بن عامر الخبائريّ يقول: أخبرني أبو أمامة الباهلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم، إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد، فقلت: لا أطيقه، فقالا: إنّا سنسهله لك، قال: فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل.. إذا أنّا بأصوات شديدة، فقلت: ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا: عواء أهل النّار.

ثمّ انطلقا بي، فإذا بقوم معلّقين بعراقيبهم مشققة، تسيل أشداقهم دما، فقلت: ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى، قال سليم: سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه؟!

ثمّ انطلقا بي، فإذا قوم أشدّ شيء انتفاخا، وأنتن شيء ريحا، كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قالا:

هؤلاء قتلى الكفار، ثمّ انطلقا بي فإذا بقوم أشدّ انتفاخا وأنتن شيء ريحا، كأنّ ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟

قالا: هؤلاء الزّانون والزواني.

ثمّ انطلقا بي فإذا بنساء ينهشن ثديّهنّ الحيات، فقلت:

ما بال هؤلاء؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهنّ ألبانهن «1» .

ثم انطلقا بي، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين، قلت:

من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراريّ المؤمنين، ثم أشرفا بي شرفا، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ثمّ أشرفا بي شرفا آخر، فإذا أنا بنفر

__________

(1) فليعتبر نساء هذا العصر اللاتي يمنعن أطفالهنّ ألبان ثديهنّ، ويعمدن إلى القوارير المصطنعة لذلك، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم. اللهمّ؛ اهد عبادك للخير.

ثلاثة، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وهم ينتظرونك» ) .



كلمات دليلية: