معجزة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

معجزة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

الاسراء والمعراج

«2»

وقبل الهجرة أكرمه الله بالإسراء والمعراج، أمّا الإسراء فهو توجّهه ليلا إلى بيت المقدس بإيلياء ورجوعه من ليلته، وأما المعراج فهو صعوده إلى العالم العلوي، وقد قال جمهور أهل السنة: أن ذلك كان بجسمه الشريف «3» ، وكانت عائشة رضي الله عنها تمنع رؤية رسول الله ربّه، وتقول: من قال: إنّ محمدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله، «4» والإسراء مذكور في القران الكريم قال تعالى في

__________

فادع الله أن يجعل لي اية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه فقال: اللهم اجعل له اية. قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت: اللهم في غير وجهي اني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي قال: فجعل الحاضرون يتراؤون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلّق وأنا أهبط إليهم من الثّنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم. هذا الكلام رواه الطبري.

(1) رواه الشيخان.

(2) كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وبه جزم ابن حزم في ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وهو المشهور وعليه عمل الناس وكان ليلة الاثنين وكان بعد خروجه إلى الطائف قال القاضي أبو بكر بن العربي: إن الإسراء كان مرتين، أحدهما، كان في نومه وتوطئة له وتيسيرا عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة، ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا، لأن هو له عظيم فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه.

(3) يقول الإمام الشوكاني: وقد اختلف أهل العلم: هل كان الإسراء بجسده مع روحه أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأولى، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم. منهم عائشة ومعاوية والحسين وابن اسحاق وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل، فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح واستدلوا على هذا التفصيل بقوله: إلى المسجد الأقصى، فجعله غاية للإسراء بذاته. فلو كان الإسراء من بيت المقدّس إلى السماء وقع بذاته لذكره، والذي دلّت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السماوات، ولا حاجة إلى التأويل.

(4) روي عن ابن عباس أنه صلّى الله عليه وسلّم رأى ربه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب رضي الله عنهما وكان الحسن رحمه الله يحلف على ذلك ومن القائلين بالرؤية أيضا ابن مسعود وأحمد بن حنبل وجماعة من الصحابة. قال النووي في شرح صحيح مسلم بإيجاز: الأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات، ولا يقدح في حديث عائشة رضي الله عنها وإذا صحّت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فيقدم الإثبات على النفي، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس.

أول سورة الاسراء سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

وأمّا المعراج فقد ورد في صحيح السنة وأصح أحاديثه ما رواه الشيخان ونقله القاضي عياض في شفائه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

أتيت بالبراق (وهو دابّة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) قال:

فركبته حتى أتيت بيت المقدّس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «1» ، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا بادم فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال:

جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى بن مريم فرحبا بي ودعوا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول، ففتح لنا وإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحّب ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فذكر مثله، فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. قال تعالى في سورة مريم وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «2» ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله، فإذا أنا بموسى فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه «3» ، ثم

__________

(1) الإسلام.

(2) اية 57.

(3) روى ابن سنجر عن علي- رحمه الله- قال: البيت المعمور بيت في سماء السابعة يقال له الضرّاح وروى ابن سنجر أيضا من طريق أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بجبال مكة.

ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كاذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال «1» فلما غشيها من أمر ربي ما غشيها تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحي، ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التّخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي وقلت له: يا ربي خفّف عن أمتي فحطّ عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عني خمسا، قال:

إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال سبحانه: يا محمد إنهنّ خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئا، ومن همّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» . ثم رجع عليه الصلاة والسلام من ليلته، فلما أصبح إلى نادي قريش فجاء إليه أبو جهل بن هشام فحدّثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما جرى له فقال أبو جهل: يا بني كعب بن لؤي هلمّوا، فأقبل عليه كفار قريش، فأخبرهم الرسول الخبر، فصاروا بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتدّ ناس ممّن كان امن به من ضعاف القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمّي من ذلك اليوم صدّيقا، ثم قام الكفار يمتحنون رسول الله فسألوه نعت بيت المقدّس وفيهم رجال رأوه، أما رسول الله فلم يكن راه قبل ذلك فجلّاه الله له فصار يصفه لهم بابا بابا وموضعا موضعا «2» ، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فأخبرنا عن عيرنا، وكانت لهم عبر قادمة من الشام، فأخبرهم بعدد جمالها

__________

(1) مراده أن ثمرها في الكبر كالجرار التي توضع بها وكانت معروفة عند المخاطبين. ورد في نيل الأوطار للإمام الشوكاني: وأما التقييد بقلال هجر، فلم يثبت إلا من رواية المغيرة بن صقلاب عند ابن عدي، وهو منكر الحديث. قال النفيل لم يكن مؤتمنا على الحديث، وقال ابن عدي لا يتابع على عامة حديثه ج 1 ص 31.

(2) رواه البخاري.

وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق «1» فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال اخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، فلم يزدهم ذلك إلّا كبرا وعنادا، حتى قالوا: هذا سحر مبين، وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله كيفية الصلاة وأوقاتها: فيصلي ركعتين إذا ظهر الفجر، وأربع ركعات إذا زالت الشمس، ومثلها إذا ضوعف ظلّ الشيء، وثلاثا إذا غربت، وأربعا إذا غاب الشفق الأحمر. وكان عليه الصلاة والسلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثلهما مساء كما كان يفعل إبراهيم عليه السلام.


تحميل : معجزة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

كلمات دليلية: