مشروعية الأذان_12996

مشروعية الأذان


باب بدء الأذان

:

هو لغة الأعلام، قال:

آذتنا ببينها أسماء ... ليت شعري متى يكون اللقاء

وشرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، وهو كالإقامة من خصائص الأمة المحمدية، واستشكل بما رواه لحاكم وابن عساكر وأبو نعيم بإسناد فيه مجاهيل: إن آدم لما نزل الهند استوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان، وأجيب بأن مشروعيته للصلاة هو الخصوصية، واستطرد بعض هنا بعض خصائص سيذكرها المصنف في المقصد الرابع، واستأنف فقال:

"وكان الناس كما في السير وغيرها، إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين" بكسر اللام وفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية مضافا إلى "مواقيتها" ففي المختار: الحين الوقت، وربما أدخلوا عليه التاء، فقالوا: تحين بمعنى حين، فضبطه بفتح الحاء وشد التحتية مضمومة يخالفه مع عدم ظهور المعنى؛ إذ التحيين ضرب الحين، أي: الوقت، إلا أن يوجه بأنهم لا يحضرونها حتى يطلبوا لها وقتا يعرفون به دخولها بمعنى: إن كان واحد منهم يتخذ له علامة

من غير دعوة.

وأخرج ابن سعد في الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب: أن بلالا كان ينادي للصلاة بقوله: الصلاة جامعة.

وشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة -ذلك فيما قيل في السنة الثانية-

__________

يهتدي بها لدخول الوقت "من غير دعوة" بل إذا عرفوا دخوله بعلامة أتوا المسجد، وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: كان المسلمون لما قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: نتخذ ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا بلال قم فناد بالصلاة".

"وأخرج ابن سعد في الطبقات" للصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد فيه وأحسن، قاله الخطيب "من مراسيل سعيد بن المسيب" بفتح الياء على المشهور وبكسرها، قاله عياض وابن المديني ابن حزن القرشي المخزومي التابعي الكبير، فقيه الفقهاء ابن الصحابي، مات سنة أربع أو ثلاث وتسعين، "أن بلالا كان ينادي للصلاة" قبل التشاور والرؤيا وبعد قول عمر: تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فاستحسن عليه السلام ذلك فأمر بلالا أن ينادي: "الصلاة جامعة" بنصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال ورفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأول ورفع الثاني، وعكسه قاله الحافظ وغيره.

وعن الزهري ونافع بن جبير وابن المسيب: وبقي، أي: بعد فرض الأذان ينادي في الناس الصلاة جامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به وإن كان في غير وقت صلاة، "وشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة" لما كثر المسلمون، وروى أبو داود بإسناد صحيح: اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، "وذلك فيما قيل في السنة الثانية" مرضه لقول الحافظ الراجح: إنه شرع في السنة الأولى من الهجرة. وروي عن ابن عباس: أن فرض الأذان نزل مع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ، رواه أبو الشيخ.

وذكر أهل التفسير: أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: يا محمد! لقد أبدعت شيئا لم يكن فيما مضى، فنزلت: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا} [المائدة: 58] ، الآية، وعدى النداء في الأولى باللام، وفي الثانية بإلى؛ لأن صلات الأفعال يختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الاختصاص، وفي الثانية معنى الانتهاء، قاله الكرماني. ويحتمل أن اللام بمعنى إلى أو العكس، انتهى.

فقال بعضهم: ناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعه فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة.

فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه في منامه رجلا فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى،.......................................

__________

"فقال بعضهم" الذي يجمع به "ناقوس" وفي أبي داود: قيل له: أنصب راية فإذا رأوها أذن بعضهم بعض، فلم يعجبه ذلك، فذكر له ناقوس "كناقوس النصارى" الذي يعلمون به أوقات صلاتهم وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فيخرج منهما صوت، كما في الفتح والنور وغيرهما. وقال في مقدمة الفتح وتبعه الشامي: آلة من نحاس أو غيره تضرب، فتصوت. ولأبي الشيخ في كتاب الأذان، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا، فقال عليه السلام: "ذلك للنصارى". ولأبي داود: فقال: "هو من أمر النصارى".

"وقال آخرون: بوق" بضم الموحدة قرن ينفخ فيه، "كبوق اليهود" ولأبي الشيخ فقالوا: لو اتخذنا بوقا، فقال: "ذاك اليهود". ولأبي داود: فذكر له القنع -يعني الشبور- فلم يعجبه ذلك، وقال: "هو من أمر اليهود"، القنع بضم القاف وسكون النون ومهملة، وروي بموحدة مفتوحة، وروي بفوقية ساكنة، وروي بمثلثة ساكنة بدل النون والنون أشهر. قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، والشبور بفتح المعجمة وضم الموحة مشددة، كما في الفتح وغيره وقول النور بفتحهما سبق قلم ففي القاموس وكتنور البوق.

"وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة" ولأبي الشيخ فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: "ذاك للمجوس" وعند أبي داود: فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه" أبو محمد الأنصاري العقبي البدري، قال الترمذي لا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وكذا قال ابن عدي: قال في الإصابة: وأطلق غير واحد أنه ما له غير وهو خطأ، فقد جاءت عنه أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وصلى عليه عثمان، قاله ولده محمد بن عبد الله، نقله المدائني.

وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، فالروايات عنه كلها منقطعة وخالف ذلك في المستدرك، انتهى. "في منامه رجلا" يحمل ناقوسا "فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى" وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: أن عبد الله بن زيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، وجمع باحتمال أن المراد: فلما قارب الصباح.

وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد قال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم -ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت- رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران.

فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان.

الحديث، فقال عليه السلام: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتا".........................................

__________

"وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد، قال" عبد الله بن زيد: ففيه من للطائف رواية صحابي عن صحابي فليس معاذ رائيا ولا قائلا "يا رسول الله، إني رأيت فيما" أي: الحالة التي "يرى النائم" فيها، أشار من أول كلامه إلى أنه غير حقيقي وأفصح بذلك في قوله: "ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت" لقرب نومه من اليقظة، فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة، قال السيوطي: يظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رءوس أرباب الأحوال.

"رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران" زاد في رواية ابن إسحاق الآتية: يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله1 أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، "فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر" بكون الراء وضمها عامي، لأنه روي موقوفا، قاله ابن الأثير والهروي، وزاد: وكان المبرد يقول: الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، والأصل إسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت، كقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو} [آل عمران: 1، 2] ، وفي المطالع: اختلف في فتح الراء الأولى وضمها وتسكينها، وأما الثانية فتضم أو تسكن "مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ... الحديث" وفيه:"فقال عليه السلام: "إنها الرؤيا حق" بالرفع صفة رؤيا والجر بإضافة رؤيا إليه لأدنى ملابسة: أي: إنها مخصوصة بكونها حقا لمطابقتها للواقع، "إن شاء الله قم مع بلال، فألق" بفتح الهمزة ثلاث مزيد "عليه ما رأيت فيؤذن به" ولأبي داود عن أبي بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان مريض لجعله صلى الله عليه وسلم مؤذنا وكأنه عبر بلفظ تزعم؛ لأنه مناف بحسب الظاهر لقوله: "فإنه أندى منك صوتا" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أرفع وأعلى أو أحسن وأعذب أو أبعد حكاها ابن الأثير، ولا مانع من إرادة الثلاثة. والظاهر كما قال شيخنا: تساوي الأول والثالث بحسب التحقيق؛ إذ يلزم من كونه أرفع وأعلى أن يكون أبعد. وفي هذا رد للحديث المشهور على الألسنة: "سين بلال عند الله شين"، وقد قال الحافظ المزي: لم نره في شيء من الكتب، وذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان أنه لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان

قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن.

قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أرى.

ووقع في الأوسط للطبراني: أن أبا بكر أيضا رأى الأذان.

وفي الوسيط للغزالي، أنه رآه بضعة عشر رجلا.

وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر.

وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، وفي سيرة مغلطاي: أنه رآه سبعة من الأنصار.

__________

المشتمل على التوحيد من ابتدائه وانتهائه.

"قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه" استعجالا فرحا بصحة منامه وموافقة غيره لرؤياه، "يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيت مثل ما أرى" وكأنه أخبر بذلك في طريقه قبل وصوله له عليه السلام، قال الحافظ: ولا يخالفه ما راه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، قال: وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ما منعك أن تخبرني"؟ فقال له: ما صنعك أن تخبرني، فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بن زيد بل متراخيا عنه لقوله: "ما منعك أن تخبرني"؟ أي: عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء فدل على أنه لم يخبره على الفور، "ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضا رأى الأذان" أخرجه من طريق زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه: أن رجلا من الأنصار مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حزين لأمر الأذان بالصلاة، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آت في النوم، فقال: قد علمت ما حزنت له، فذكر قصة الأذان، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر"، فأمر بلالا بالأذان. قال الطبراني: لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة.

"وفي الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا وعبارة الجيلي في شرح التنبيه،" رآه "أربعة عشر" فيمكن أن يفسر بها قول الغزالي ضعة عشر "وأنكره ابن الصلاح" فقال: لم أجد هذا بعد إمعان البحث، "ثم النووي" في تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عمر يجر رداءه "وفي سيرة مغلطاي" عن بعض كتب الفقهاء، "أنه رآه سبعة من الأنصار،

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله: ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق.

قال السهيلي: فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه. ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية. وفي قوله عليه السلام: "إنها لرؤيا حق". ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحي من الله له أم لا؟

وأجاب: بأنه صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن علي قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب،

__________

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله" في فتح الباري: "ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد وقصة عمر جاءت في بعض الطرق" في سنن أبو داود.

"قال السهيلي" في الروض: "فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه، ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية" فإنها كلها عن وحي، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] ، ولا يرد هذا على القول بأنه يجتهد؛ لأنه مأذون فيه من ربه، ولا يقول إلا حقا، فكأنه وحي "وفي قوله عليه السلام: "إنها لرؤيا حق"، ثم بنى حكم عليه السلام، وهل كان ذلك" أي: بناؤه حكم الأذان على الرؤيا، "عن وحي، من الله له" عليه السلام، يعني أن ابن زيد حين رأى ولم يكن عن وحي، هل أوحي إليه بعد حتى بنى حكم الأذان عليها، "أم لا؟ " فهذا الاستفهام راجع لابتناء حكم الأذان، فلا ينافي جزمه أولا بأنه لم يكن عن وحي؛ لأنه بخصوص الرؤيا وجدت من ابن زيد

"وأجاب بأنه صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء، فروى البزار" في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد، قال: حدثنا أبي علي بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، "عن علي" بن أبي طالب، "قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق،" بضم الموحدة، "فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن" وهذا يأتي على أنه عرج به على البراق، كظاهر حديث البخاري.

والصحيح أن العروج إنما كان على المعراج، قال النعماني: ولا مانع أنه ركب البراق فوق المعراج، "فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب" بالنسبة للمخلوق، أما الخالق تبارك

فقال: "يا جبريل من هذا" قال: والذي بعثك بالحق، إني لأقرب الخلق مكانا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.. وذكر بقية الأذان.

قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى"، وعلم حينئذ أن مراد الله بما رآه في السماء أن يكون سنة في الأرض وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري. انتهى.

__________

وتعالى فلا يحجبه شيء، "فقال: "يا جبريل من هذا"؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا" في العالم العلوي "وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر ... وذكر بقية الأذان" وفي هذا أنه شرع بمكة قبل الهجرة، قال الحافظ: ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأما قول القرطبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروع في حقه، ففيه نظر، لقوله أوله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحب الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام فيه نظر أيضا، لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه، انتهى.

"قال السهيلي" بعد ميله إلى صحة هذا الخبر مائلا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء: "وهذا أقوى من الوحي؛ لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، لما تأخر فرض" أو مشروعية "الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي،" أي: تأخر نزوله "حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى صى الله عليه وسلم، فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله" قاله تبركا أو قبل الوحي اعتمادا على رؤيته في السماء إن ثبت ولم يفهمه إنها وحي جبرا له ابتداء مع العزم على إخباره بحقيقة الأمر بعد لا تعليقا فينا في العلم بحقيقتها حيث كانت عن وحي "وعلم حينئذ" أي: حين أقر المصطفى رؤياه، وقال: "إنها لرؤيا حق" "إن مراد الله بما أراده" له، وفي نسخة: بما رآه، أي: النبي عليه السلام بإرادة الله تعالى إياه ذلك، "في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري" قال السهيلي: لأن السكينة تنطق على لسان عمر، "انتهى" كلام السهيلي.

وتعقب: بأن حديث البزار في إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك.

وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي:

وأجيب: باحتمال مقارنة الوحي لذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثي -أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد جاءه وفي نسخة قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقك بذل الوحي".

__________

قال في الفتح: وحاول بذلك الجمع بين حديث كونه رؤيا وبين الأحاديث الدالة على أنه شرع بمكة قبل الهجرة، فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى.

"وتعقب بأن حديث البزار" لا يصح الاحتجاج به؛ لأن "في إسناده زياد بن المنذر" وهو "أبو الجارود" الأعمى الكوفي الرافضي المتوفى بعد الخمسين ومائة، "وهو متروك" وإن خرج له الترمذي، بل قال ابن معين: هو كذاب عدو الله. وقال الذهبي وابن كثير: هذا الحديث من وضعه، قال السهيلي أيضا، ما ملخصه: والحكمة أيضا في إعلام الناس به على غير لسانه صلى الله عليه وسلم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. قال الحافظ: وهذا حسن بديع ويؤخذ منه حكمة عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها ولم يقتصر على عمر ليصير في معنى الشهادة.

"وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي" بل ورؤيا الشخص للنبي كذلك، وإن كان حقا؛ لأن النائم لا يضبط ما يقال له، "وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك" لم يجزم به لعدم وقوفه على التصريح به، "ويؤيده ما رواه عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني "وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير" بن قتادة "الليثي أحد كبار التابعين" المكي قاضيها ولد في حياة النبوة، وقيل له رؤية ومات قبل ابن عمر، "أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد جاءه" وفي نسخة: قد ورد، بذلك، فما راعه إلا أذان بلال" أي ما أشعر عمر، أي: ما أعلمه، قال الشامي: فحقيقة الروع هنا منتفية واستعمل في البيان ففسره لغة ثم مرادا، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقك بذلك الوحي"،" فهذا يؤيد احتمال المقارنة وليس نصا فيه، لجواز أن الوحي إنما جاء بعد إذنه في الأذان اعتمادا على ماظهر له عند الإخبار بالرؤيا، فيكون مقررا للأمر به.

وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بن عمر بثمانية أيام.

وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق وغيره وذلك أنه قال:

"طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟.........................................................................

__________

"وهذا" المرسل "أصح مما حكمى الداودي" أحمد بن نصر اليشكري، أبو جعفر الأسدي الطرابلسي وبها ألف شرح الموطأ، وسماه النامي العالم الفاضل المالكي الفقيه المفنن المجيد له حظ من اللسان، والحديث والنظر ثم انتقل إلى تلمسان وألف الواعي في الفقه وشرح البخاري وسماه النصيحة وغير ذلك، وحمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد وتوفي بتلمسان سنة ثلاثين وأربعمائة، "عن ابن إسحاق" محمد إمام المغازي "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام" ولو صح أمكن حمله، كما قال شيخنا: على أنه أوحي إليه بإعلام الناس بوقت الصلاة من غير بيان ما يعلم به، وبهذا الإجمال وقعت المشاورة فيما يعلم به، ثم بعدها جاء الوحي بخصوص كلمات الأذان ليلة الرؤيا فلما أخبر بها، قال: "سبقك الوحي بهذه الكلمات". وأجاب في الفتح أيضا عن الإشكال بأنه عليه السلام أمر بمقتضى الرؤيا لينظر: أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأحكام، وهو المنصور في الأصول. انتهى.

"وقد عرفت" بالبناء للمفعول زيادة على ما مر، "رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق" وليس عرفت بالخطاب، كما ضبط بالقلم إذ لم تتقدم رواية ابن إسحاق "وغيره" كأبي داود والترمذي وابن ماجه، كلهم من طريقه "وذلك أن" أي: عبد الله، كما أخرجه ابن إسحاق، فقال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: حدثني أبي، "قال:" لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعلم ليضرب به للناس لجمع الصلاة "طاف بي" أي: دار حولي "وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله! " ليقال لمن لا يعرف اسمه على أصل معناه الحقيقي؛ لأن الكل عبيد الله، "أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو" أنا ومن معي من المسلمين "به" الناس "إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك" ولم يقل أفاد لك مع أن القصد الدلالة لا عدمها لأنه لما رآه راغبا في طلب الناقوس نزله منزلة المعرض عن غيره الراغب في نفي إرادة الدلالة فاستفهمه عن النفي والهمزة داخلة على مقدر،

فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة". ورواه أبو داود بإسناد صحيح.

ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى.

وفي مسند الحارث: أول من أذن الصلاة جبريل أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم فأخبره بها، فقال عليه السلام لبلال: "سبقك بها عمر"، وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة.

وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرح بمكة قبل الهجرة.

منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر،...............................

__________

أي: أأعرض عنك فلا أدلك أم لا، فأدلك، ولذا أجاب بقوله: "فقلت: بلى" الذي هو لرد النفي "قال" بعد أن استقبل القبلة، كما مر، "نقول: الله أكبر الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة، ورواه أبو داود" وفيه عند ابن إسحاق وهو ثقة يدلس، لكنه صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه، ولذا قال: "بإسناد صحيح" وقال الترمذي بعد إخراجه من طريقه: حسن صحيح، وأخرجه من طريقه أيضا ابن حبان وابن خزيمة ناقلا عن الذهلي باللام أنه ليس في طرقه أصح منه، "ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى" وغاية ما تفيده المثلية المشاركة في أصل رؤيا الأذان ولا يستلزم أنه رأى رجلا يطوف، إلى آخر ما وقع لابن زيد.

"وفي مسند الحارث" بن أبي أسامة بسند واه عن كثير الحضرمي: "أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بها" ثم جاء بلال "فقال عليه السلام لبلال: "سبقك بها عمر" وهذا لو صح لم يدل على تقدمها على رؤيا عبد الله، لاحتمال سماعهما ذلك بعد رؤياه، "وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة" بفتحات: ضد النوم، ولا مانع من ذلك كرامة لهما، "وقد وردت أحايث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة" لكن لا يصح منها شيء "منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر" بن الخطاب أحد الفقهاء أشبه ولد أبيه به، مات في ذي القعدة

عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا.

وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك.

ومنها: للدارقطني في "الأفراد" من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حيث فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف.

ومنها: حديث البزار عن علي، المتقدم.

قال في فتح الباري: والحق أنه لا يصح شيء من هذا الأحاديث.

وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك. والله أعلم.

__________

أو الحجة سنة ست أو خمس أو سبع أو ثمان ومائة، "عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه الأذان فنزل" ملتبسا "به" حيث علمه "وعلمه بلالا، وفي إسناده طلحة بن زيد" القرشي، أبو مسكين أو أبو محمد الرقي، وأصله دمشقي، روى له ابن ماجه، "وهو متروك" كما في الفتح والتقريب، وزاد فيه: قال أحمد وعلي وأبو داود: كان يضع.

"ومنها: ما للدارقطني في الأفراد" بفتح الهمزة "من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة وإسناده ضعيف" فلا حجة فيه. "ومنها: حديث البزار عن علي المتقدم" قريبا، وأن فيه زياد بن المنذر متروك، وغفل الشارح فنقل كلام ابن كثير في زياد هذا في قول المصنف في إسناده طلحة. ومنها حديث عائشة عند ابن مردويه مرفوعا: "لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت"، وفيه من لا يعرف، كما في الفتح.

ومنها: ما عند ابن شاهين عن زياد بن المنذر المتروك، قال: قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا والله باطل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به بعث إليه ملك علمه الأذان، قال الذهبي: هذا باطل.

"قال في فتح الباري" أيضا إذا الذي قبله كله منه: "والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث" الدالة على مشروعية الأذان بمكة ومر قوله أيضا: لا يصح شيء من ذلك، أي: رؤيا الأذان لأحد من الصحابة إلا لعبد الله بن زيد وهذا غير ذاك، كما هو واضح جدا.

"وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك" فأمر به بعد رؤيا ابن زيد في السنة الأولى أو الثانية، فجزمه بذلك دليل على ضعف تلك الأحاديث عنده، "والله أعلم".

فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط؟

أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح، قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام أذن بنفسه. انتهى.

وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة.

وكذا جزم النووي بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه.

ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال السهيلي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.

__________

يضعفها في نفس الأمر وعدمه، فإن الحكم إنما هو على ظاهر الأسانيد.

"فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط" فقد كثر السؤال عنه، "أجاب السهيلي بأن قد روى الترمذي من طريق يدور" يرجع وإن تعدد طرقه، "على عمر بن الرماح" هو ابن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخي أبي علي، وسعد هو الرماح، كما في التقريب فنسبه لجده الأعلى "قاضي بلخ" المتوفى سنة إحدى وسبعين ومائة، روى الترمذي ووثقه ابن معين وأبو داود فلا يقصر حديثه عن درجة الحسن، ولو انفرد به؛ لأنه ثقة "يرفعه إلى أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم..الحديث، قال" السهيلي: "فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام أذن بنفسه" وتبع بهذا البعض النووي، "انتهى".

"وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو" عند الترمذي والدارقطني "من حديث يعلى بن مرة" بن وهب الثقفي ممن بايع تحت الشجرة، فسبق السهيلي حفظه أو سبق مستمليه قلمه؛ لأنه كان ضريرا، فقال أبو هريرة: "وكذا جزم النووي" في شرح المهذب وغيره "بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه" فقال في الخلاصة: حديث صحيح، وفي المجموع: قد ثبت فذكره، انتهى.

وقال الترمذي: غريب تفرد به عمر بن الرماح، ولا يعرف إلا من حديثه. "لكن روى الحديث الدارقطني" بسند الترمذي ومتنه" وقال في أمر بالأذان" وفيه بعده، فقام المؤذن فأذن "ولم يقل أذن،" كما قاله في رواية الترمذي، "قال السهيلي: والمفصل يقضي على المجمل المحتمل" فلا يصح تمسك بعض الناس به وجزمه، وإن تبعه النووي، وعجبت كيف لم يقف

وفي مسند أحمد من الوجه الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث: فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن قوله أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى.

__________

على كلام السهيلي مع أنه متأخر عنه، وجواب الشهاب الهيثمي بأن هذا إنما يصار إليه لو لم يحتمل تعدد الواقعة، أما إذا أمكن فيجب المصير إليه إبقاء الإذن على حقيقته عملا بقاعدة الأصول أنه يجب إبقاء اللفظ على حقيقته مردود بأن ذاك إنما يصح إذا اختلف سند الحديث ومخرجه، أما مع الاتحاد فلا، ويجب رجوع المجمل للمفصل، كما هو قاعدة المحدثين وأهل الأصول. وقد قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه لاختلاف الرواة في إسناده وألفاظه، وليس كل احتمال يعمل به خصوصا في الحديث، فهذه قصة المعراج والإسراء وردت عن نحو أربعين صحابيا مع اختلاف أسانيدها ومتونها إلى الغاية، ومع ذلك فالجمهور على أنها واحدة، حتى قال ابن كثير وغيره: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب، وحديث الأذن من هذا القبيل، لقوله في رواية الدارقطني: فقام المؤذن فأذن.

"و" لقوله "في مسند أحمد من الوجه" أي: الطريق "الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف" من روايتي أحمد والدارقطني "أن في رواية الترمذي اختصارا وأن قوله: أذن،" معناه: "أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء" اسم من الإعطاء ولم يعبر به؛ لأنه لا وجود لشيء من المصادر في الخارج بل آثارها، "غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى" كلام فتح الباري. وهذا سائغ شائع. نعم قال السيوطي في شرح البخاري: قد ظفرت بحديث آخر مرسل أخرجه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة، قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، فقال: "حي على الفلاح" وهذ رواية لا تقبل التأويل، انتهى.

فهذا الذي يجزم فيه بالتعدد لاختلاف سنده، وانظر ما أحسن قوله آخر، ولذا قال في شرحه للترمذي: من قال إنه صلى الله عليه وسلم لم يباشر هذه العبادة بنفسه وألغز في ذلك بقوله: ما سنة عمل بها ولم يفعلها فقد غفل، انتهى.

وفي التحفة: أذن مرة، فقال: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، انتهى. هذا وإنما لم يواظب صلى الله عليه وسلم على الأذان مع فضله المنوه عليه، بنحو قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" أخرج مسلم. وفي شعب البيهقي عن داود السجستاني: "المؤذنون لا يعطشون يوم

فإن قلت هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أحد من أصحابه؟ قلت:

نعم، ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك،...............................

__________

القيامة" فأعناقهم قائمة لاشتغاله، كما قال العز بن عبد السلام في الفتاوي الموصلية بالقيام بأعباء الرسالة ومصالح الشريعة، كالقتال والفصل بين الناس وغير ذلك التي هي خير من الأذان وأفضل. لذا قال عمر: لولا الخليفي لأذنت، ولأنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه، وقول بعضهم مخافة أن يعتقد أن محمدًا غيره، إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، انتهى ملخصا.

وفي الفتح: اختلف في الجمع بين الإمامة والأذان، فقيل: يكره. وفي البيهقي عن جابر مرفوعا: "النهي عن ذلك"، لكن سنده ضعيف وصح عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصححه النووي، انتهى. وقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شرح الترغيب تبعا للنيسابوري وغيره؛ لأن فيه ثناء وتزكية وشهادة للنفس وهي غير مقبولة، ولأن في حي على الصلاة أمر إيجاب، فإن معناه: أقبلوا، فلو أذن لوجبت الإجابة مردود بأن النهي عن تزكية النفس إنما هو إذا كان افتخارا وهو منه عليه السلام ليس كذلك، بل تحدثا بالنعمة وعدم قبول الشهادة للنفس إنما هو في نحو حق ما لي على غيره، وهذا ليس منه، بل هي سهادة أريد بها طلب ما أوجبه الله على الناس إنقاذا لهم من الضلال، ولا يزيد قوله في الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، على قوله للناس: أدعوكم إلى وحدانية الله وشهادة أني رسوله، فلم يخرج عن قوله تعالى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] على أن من خصائصه أن يشهد ويحكم لنفسه، وليس القصد بحي على الصلاة في الأذان خصوص لطلب الحضور، بل الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه شرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة.

"فإن قلت: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أحد من الصحابة؟ قلت: نعم،" كذا في نسخ، وهو حسن. وفي أكثرها إسقاط السؤال والاقتصار على نعم، وليس استدراكا على ما قبله، بل تقريرا لسؤال نشأ منه تقديره هذا ما تقرر في الأذان، ومعلوم أنه كان يؤم فهل أمه أحد، أو هو استدراك من جهة نفيه أذانه مع تقرر إمامته فقد يتوهم أنه لم يقتد بغيره، فنفاه بقوله: نعم، "ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف" وهذا السؤال سئل عنه الصحابي قديما، فأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن المغيرة بن شعبة: أنه سئل هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الأمة غير أبي بكر؟ قال: نعم فذكر الحديث.

"ولفظه" أي: مسلم "عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك" بعدم

فتبرز صلى الله عليه وسلم قبل الغائط، فحملت معه إدواة قبل صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح،

__________

الصرف على المشهور للتأنيث والعلمية، كذا قال النووي وتبعه في الفتح، ورد بأنه سهو؛ لأن علة منعه كونه على مثال الفعل كنقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، ومن صرف أراد الموضع، "فتبرز" بالتشديد "صلى الله عليه وسلم" أي: خرج لقضاء حاجته، وعند ابن سعد: لما كنا بين الحجر وتبوك ذهب لحاجته "قبل" بكسر ففتح، أي: جهة "الغائط" أي: المكان المطمئن الذي تقضي فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية، فليس المراد الفضلة، والظاهر: أن تبرز معمول لقال مقدرة ليظهر قوله: "فحملت" وفي نسخة: فحمل، وهو أنسب بما قبله، "معه أدواة قبل صلاة الفجر" أي: الصبح، ولابن سعد: وتبعته بماء بعد الفجر ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، "الحديث، إلى أن قال" أسقط منه: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت أهريق على يديه من الأدواة وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته، فأدخل يديه على الجبة حتى أخرج ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفية، ثم اقبل قال المغيرة: "فأقبلت معه حتى نجد" بمعنى الماضي، أي: وسرنا إلى أن وجدنا "الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف" ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن "فصلى بهم" أي: أحرم، ولابن سعد: فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع ركعة، فسبح الناس له حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادوا يفتنون فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه صلى الله عليه وسلم أن أثبت، فليس المراد فرغ من صلاته، والأنافي أيضا قوله: "فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين" أي: الثاني، لقوله "فصلى مع الناس الركعة الآخرة" ودفع به توهم أن معنى أدرك: حضر، ولا يلزم منه الاقتداء، لجواز صلاته مفردا أو بجماعة لم يصلوا أو انتظر سلامه، فأتى بها كاملة.

وعند ابن سعد: فصلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، "فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين" لسبقهم النبي صلى الله عليه وسلم "فأكثروا التسبيح" رجاء أن يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؟ وليس لظنهم أنه أدرك الصلاة من أولها وأن قيامه لأمر حدث، كأنهم ظنوا الزيادة في الصلاة لتصريحه في رواية ابن سعد بأنهم علموا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين دخل معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتتنون، ويحتمل أن الفاء في: فأفزع، بمعنى الواو، لرواية ابن سعد: أن التسبيح حين رأوا النبي، كما رأيت.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنهم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها.

ورواه أبو داود في السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته. الحديث.

قال النووي: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته.

وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم،...................................................

__________

"فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتم"، أو قال: "أصبتم"، شك الراوي قال ذلك، "يغبطهم" بالتشديد، أي: يحملهم على الغبط لأجل "أن صلوا لوقتها" ويجعل هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه، وإن رُوي بالتخفيف فيكون قد غبطهم لتقدمهم وسبقهم إلى الصلاة، قال في النهاية: "ورواه أبو داود" سليمان بن الأشعث السجستاني "في السنن بنحوه، ولفظه: ووجدنا" فأفاد هذا أن رواية مسلم: نجد، من استعمال المضارع بمعنى الماضي، "عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من الفجر" الصبح، "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف" نفسه "مع المسلمين" بأن دخل معهم في الصف، أو هو لازم بمعنى: اصطف، أي: دخل معهم فيه وصف جاء لازما ومتعديا، "فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية" ففي هذا بيان للمعية في رواية مسلم وتصريح بأنه صلى خلفه، "ثم سلم عبد الرحمن فقام النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ... الحديث بنحوه، والمراد من سوق هذا منه إيضاح ما قد يخفى في رواية مسلم، فالروايات تفسر بعضها.

"قال النووي" في شرح مسلم "فيه" من الفوائد "جواز اقتداء الفاضل بالمفضول" وإن كان تقديم الفاضل أفضل "وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته وأما بقاء عبد الرحمن بن وف في صلاته، وتأخر أبي بكر ليتقدم لنبي صلى الله عليه وسلم فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم" قال شيخنا: لأنه إذا قام لإتمام



كلمات دليلية: