مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم_6483

مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم


المبحث السادس: بداية مرضه - صلى الله عليه وسلم - وأمره لأبي بكر أن يصلي بالناس

رجع - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقية الشهر, والمحرم, وصفراً, وجهز جيش أسامة بن زيد - رضي الله عنه - , فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بشكواه في ليال بقين من صفر: قيل في الثاني والعشرين منه, وقيل: في التاسع والعشرين , وقيل: بل في أول شهر ربيع الأول, وقد صلى على شهداء أحد، فدعا لهم كما تقدم, وذهب إلى أهل البقيع، وسلّم عليهم، ودعا لهم مودعاً لهم, ثم رجع مرة من البقيع، فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها، وهي تقول: وارأساه. فقال: ((بل أنا واللَّه يا عائشة وارأساه))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: ثم قال: ((وما ضرَّكِ لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك, وصلّيت عليك, ودفنتك)) قالت: قلت: واللَّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست ببعض نسائك، قالت: ((فتبسَّم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -)) (1)، وتتامّ به وجعه حتى استعزبه (2)، وهو في بيت ميمونة, فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي (3).

_________

(1) ابن هشام بسند ابن إسحاق, انظر: سيرة ابن هشام، 4/ 320, وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، 5/ 224, وفتح الباري، 8/ 129 - 130, وأخرجه أحمد، 6/ 144، و228، وابن ماجه، والبيهقي, وقال الألباني: إن ابن إسحاق قد صرح بالتحديث في رواية ابن هشام فثبت الحديث والحمد للَّه. أحكام الجنائز، ص 50.

(2) استعزبه: اشتد عليه، وغلبه على نفسه.

(3) انظر: سيرة ابن هشام، 4/ 320، والبداية والنهاية لا بن كثير، 5/ 223 - 231, وقيل: كان ذلك في التاسع والعشرين من شهر صفر يوم الأربعاء, فبقي في مرضه ثلاثة عشر يوماً وهذا قول الأكثر. انظر: الفتح، 8/ 129.

وأول ما اشتدَّ برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وجعه في بيت ميمونة - رضي الله عنها -، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة - رضي الله عنها - (1) , فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما ثقل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، واشتدَّ به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر (2)، وكانت عائشة - رضي الله عنها - تحدث أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لما دخل بيتي واشتدّ به وجعه، قال: ((هَرِيقوا (3) عليَّ من سبع قرب (4) لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد (5) إلى الناس, فأجلسناه في مِخضَب (6) لحفصة زوج النبي

- صلى الله عليه وسلم -، ثم طفقنا (7) نصبُّ عليه من تلك القرب, حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن, ثم

_________

(1) صحيح مسلم، برقم 418, وانظر: فتح الباري 8/ 129.

(2) هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما قال ابن عباس في آخر حديث البخاري، برقم 687، ومسلم، برقم 418.

(3) وفي رواية: أهريقوا: أي أريقوا وصبوا. الفتح، 1/ 303.

(4) هذا من باب التداوي؛ لأن لعدد السبع دخولاً في كثير من أمور الشريعة, وأصل الخلقة, وفي رواية لهذا الحديث عند الطبراني: (( ... من آبار شتى)) 1/ 303 و8/ 141.

(5) أعهد: أي أوصي. الفتح، 1/ 303.

(6) المخضب: هو إناء نحو المركن الذي يغسل فيه، وتغسل فيه الثياب من أي جنس كان. النووي، 4/ 379، والفتح، 1/ 301، و303.

(7) طفقنا: أي شرعنا: يقال: طفق يفعل كذا إذا شرع في فعل واستمر فيه. الفتح، 3/ 303.

خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم)) (1).

وعنها - رضي الله عنها - قالت: ((ثقل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ (2) فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) قالت: ففعلنا [فقعد] فاغتسل. ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس))؟ فقلنا: لا , هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، ففعلنا [فقعد] فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة, قالت: فأرسل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر؛ ليصلي بالناس, فأتاه الرسول (3) فقال: إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - يا عمر! صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -

_________

(1) البخاري، برقم 198 وذكر هنا له ستة عشر موضعاً, وقد جمع بين هذه المواضع الألباني في مختصر البخاري، 1/ 170, ومسلم، برقم 418.

(2) لينوء: أي لينهض بجهد. الفتح، 2/ 174.

(3) أي الذي أرسله إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي بالناس.

وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين - أحدهما العباس (1) - لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس, فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر, فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يتأخر, وقال لهما: ((أجلساني إلى جنبه))، فأجلساه إلى جنب أبي بكر, فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يأتم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد)) (2)، وهذا صريح في أن هذه الصلاة هي صلاة الظهر (3)، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على أن يكون أبو بكر هو الإمام، وردد الأمر بذلك مراراً, فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما ثَقُل

رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - جاء بلال يؤذنه بالصلاة, فقال: ((مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، فقلت: يا رسول اللَّه

_________

(1) والآخر علي - رضي الله عنه - كما تقدم.

(2) البخاري، برقم 687، ومسلم، برقم 418 وقد اخترت بعض الألفاظ من البخاري، وبعضها من مسلم.

(3) وزعم بعضهم أنها الصبح, واستدل برواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: ((وأخذ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - القراءة من حيث بلغ أبو بكر, وهذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسن؛ لكن في الاستدلال به نظر؛ لاحتمال أن يكون - صلى الله عليه وسلم - سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي انتهى إليها أبو بكر خاصة, وقد كان هو يسمع الآية أحياناً في الصلاة السرية، كما في حديث أبي قتادة, ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم الفضل قالت: <سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً, ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه اللَّه"، البخاري، برقم 763، و4429, ومسلم، برقم 462، قال ابن حجر: لكن وجدت في النسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرح الشافعي أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصلِّ بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى فيها قاعداً، وكان أبو بكر فيها أولاً إماماً، ثم صار مأموماً، يسمع الناس التكبير. انظر: الفتح، 2/ 175.

إن أبا بكر رجل أسيف (1)، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقال: ((مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر, فقالت له: فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((إنكنَّ لأنتنَّ صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، فقالت حفصة لعائشة: [ما كنت لأصيب منك خيراً]، قالت عائشة: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خِفَّة, فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخر, فأومأ إليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((قم مكانك))، فجاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر, فكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)) (2).

والسبب الذي جعل عائشة - رضي الله عنها - تراجع النبي - صلى الله عليه وسلم - في إمامة أبي بكر بالصلاة هو ما بيَّنَتْه في رواية أخرى، قالت - رضي الله عنها -: ((لقد راجعت رسول

اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في

_________

(1) أسيف: شديد الحزن: والمراد أنه رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء، فلا يقدر على القراءة. فتح، 2/ 152, و165, و203.

(2) البخاري، برقم 713 , 2/ 204 ومسلم، برقم 418, وقول حفصة - رضي الله عنها -: ما كنت لأصيب منك خيراً. البخاري، برقم 679.

قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً, ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به, فأردت أن يعدل ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن أبي بكر)) (1)؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - لها ولحفصة: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف)) (2).

قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: ((وتقديمه - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة, وأقرؤهم لما ثبت في الصحيح: ((يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه .. )) (3) الحديث. نعم قد اجتمعت في أبي بكر هذه الصفات - رضي الله عنه - ... (4).

وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:

1 - استحباب زيارة قبور الشهداء بأحُدٍ، وقبور أهل البقيع،

والدعاء لهم بشرط عدم شد الرحال, وعدم إحداث البدع.

_________

(1) البخاري، برقم 198, و4445, ومسلم، برقم 418، رواية 93.

(2) البخاري، برقم 713, مسلم، برقم 418، وتقدم تخريجه.

(3) مسلم، برقم 673.

(4) البداية والنهاية، 5/ 234، وروى البيهقي عن أنس - رضي الله عنه - أنه كان يقول: ((آخر صلاة صلاها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مع القوم في ثوب واحد ملتحفاً به خلف أبي بكر)) قال ابن كثير رحمه اللَّه في البداية والنهاية، 5/ 234: ((وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح))، ورجح العلامة ابن باز - رحمه الله - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلِّ خلف أحد من أمته إلا عبد الرحمن بن عوف. قلت: أما الصلاة التي صلاها مع أبي بكر؛ فإنه هو الإمام، كما تقدم، واللَّه أعلم.

,

المبحث الثامن: اشتداد مرضه - صلى الله عليه وسلم - ووصيته في تلك الشدة

عن عائشة - رضي الله عنها - "أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات (1)، وينفث، فلمّا اشتدّ وجعه [الذي توفي فيه] كنت أقرأ، [وفي رواية أنفث] عليه بهن، وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها"، قال ابن شهاب: ((ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه)) (2). وفي صحيح مسلم قالت: ((كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جَعلْتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي)) (3)، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: اجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((مرحباً بابنتي))، فأجلسها عن يمينه أو عن شماله, ثم إنه أسرَّ إليها حديثاً فبكت فاطمة، ثم إنه سارّها فضحكت أيضاً, فقلتُ لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حُزْنٍ، فقلت حين بكت: أخصَّك

رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بحديثه

_________

(1) المراد بالمعوذات: قل هو اللَّه أحد, وقل أعوذ برب الفلق, وقل أعوذ برب الناس. انظر: الفتح، 8/ 131، و9/ 62.

(2) البخاري، برقم 4439, و5016, و5735, و5751, ومسلم، برقم 2192، وكان يفعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - أيضاً إذا أوى إلى فراشه "فيقرأ بقل هو اللَّه أحد, وبالمعوذتين جميعاً ثم يمسح يهما وجهه وما بلغت من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات"، البخاري، برقم 5748.

(3) مسلم، برقم 2192.

دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - , فلما توفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قلت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: أما الآن فنعم: أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وإنه عارضه به في العام مرتين ولا أُراني (1) إلا قد حضر أجلي، فاتقي اللَّه واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك, قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت, فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: ((يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين, أو سيدة نساء هذه الأمة))؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت)) (2)، وفي رواية: ((فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت)) (3).

وسبب ضحكها - رضي الله عنها - أنها سيدة نساء المؤمنين, وأول من يلحق به من أهله, وسبب الكباء أنه أخبرها بموته - صلى الله عليه وسلم - , قال ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: ((وروى النسائي في سبب الضحك الأمرين)) (4)، أي بشارتها بأنها سيدة نساء هذه الأمة, وكونها أول من يلحق به من أهله. وقد اتفقوا على أن فاطمة - رضي الله عنها - أول من مات من أهل بيت

_________

(1) أي لا أظن.

(2) البخاري، برقم 4433, و4434, ومسلم، برقم 2450, واللفظ لمسلم.

(3) البخاري، برقم 4433, و4434, ومسلم، برقم 2450.

(4) انظر: فتح الباري، 8/ 138.

النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده، حتى من أزواجه (1).

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((ما رأيتُ أحداً أشدَّ عليه الوجع (2) من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -)) (3).

وعن عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال: دخلت على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك (4)، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه إنك توعك وعكاً شديداً, فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((أجلْ، إني أُوعك كما يوعك رَجُلان منكم))، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حطَّ اللَّه بها سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (5).

وعن عائشة، وعبد اللَّه بن عباس - رضي الله عنهم - قالا: لمَّا نُزِلَ (6) برسول

اللَّه

_________

(1) انظر: فتح الباري، 8/ 136.

(2) المراد بالوجع: المرض, والعرب تسمي كل مرض وجعاً. انظر: الفتح، 10/ 111, وشرح النووي، 16/ 363.

(3) البخاري، برقم 5646, ومسلم، برقم 2570.

(4) يوعك: قيل: الحمى, وقيل: ألمها, وقيل: إرعادها الموعوك، وتحريكها إياه. الفتح، 10/ 111.

(5) البخاري مع الفتح، 10/ 111 برقم 5647, و5648, و5660, و5661, و5667, ومسلم، 4/ 1991، برقم 2571، واللفظ له إلا ما بين المعقوفين.

(6) نُزِل: أي لما حضرت المنية والوفاة. انظر: شرح السنوسي على صحيح مسلم بهامش الأبي، 2/ 425, وفتح الباري، 1/ 532.

- صلى الله عليه وسلم - طفق (1) يطرح خميصة (2) له على وجهه، فإذا اغتم (3) كشفها عن وجهه، وهو كذلك يقول: ((لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يُحذِّرُ ما صنعوا (4).

وعن عائشة - رضي الله عنها - أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في مرضه، فذكرت أمُّ سلمة، وأمُّ حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة)) (5).

وعن عائشة - رضي الله عنها - أيضاً قالت: ((قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت: فلولا ذلك لأبرزوا قبره, غير أني أخشى أن يُتخذ مسجداً)) (6).

_________

(1) طفق: أي شرع، وجعل, انظر: شرح النووي، 5/ 16, وشرح الأبي، 2/ 425, حاشية السنوسي, وفتح الباري، 1/ 532.

(2) خميصة: كساء له أعلام.

(3) اغتم: تسخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحرارة.

(4) البخاري مع الفتح، 8/ 140، برقم 4443، و4444, ومسلم، برقم 531.

(5) البخاري، برقم 427، و434, و1341, و3878, ومسلم، برقم 528.

(6) البخاري، برقم 435, و1330، و1390, و3453, و4441, و4443, 5815, ومسلم، برقم 529، ولفظ مسلم: ((غير أنه خُشِيَ)) , وعند البخاري، برقم 1390: ((غير أنه خَشِيَ أو خُشِيَ)).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً, ولا تجعلوا قبري عيداً, وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (1).

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يتغشاه (2) , فقالت فاطمة - رضي الله عنها -: واكرب أباه (3)، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))، فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه, يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه إلى جبريل ننعاه (4)، فلما دُفن قالت فاطمة - رضي الله عنها -: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - التراب))؟ (5).

وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:

,

2 - عناية النبي - صلى الله عليه وسلم - ببنته فاطمة، ومحبته لها

؛ ولهذا قال: ((مرحباً بابنتي))، وقد جاءت الأخبار أنها كانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبَّلها, وأجلسها في مجلسه, وإذا دخل عليها فعلت ذلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, فلما مرض دخلت عليه، وأكبت عليه تقبله (2).

3 - يؤخذ من قصة فاطمة - رضي الله عنها - أنه ينبغي العناية بالبنات, والعطف عليهن, والإحسان إليهن, ورحمتهن, وتربيتهن التربية الإسلامية, اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - , وأن يختار لها الزوج الصالح المناسب.



كلمات دليلية: