مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم 11هـ

مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم 11هـ

في أواخر شهر صفر من هذه السنة كان بداية مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر: تاريخ الطبري]، وبدأ -صلوات ربي وسلامه عليه- يشعر بالسُّم الذي وضعته له اليهودية بخيبر، فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أكلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي[الأبهر: عِرقٌ إذا قُطِع لم تبقَ معه حياة ] مِنْ ذلِكَ السُّمّ» (رواه البخاري).

ثم شعر النبي صلى الله عليه وسلم بصداع في رأسه، تحكي عن ذلك السيدة عائشة -رضي الله عنها- فتقول: «رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه!» فقال: «بل أنا والله يا عائشة وا رأساه» قالت: ثم قال: «وما ضرَّكِ لو مِتِّ قبلي، فقمتُ عليك وكفَّنتك وصلَّيْتُ عليكِ ودفنتكِ؟ »

قالت: قلتُ: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرستَ فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتامَّ [اشتدَّ] به وجعه، وهو يدور على نسائه، حتى استعزَّ [اشتدَّ] به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذنهنَّ أن يُمرَّض في بيتي فأذِنَّ له[السيرة النبوية، لابن هشام].

وقبل أن يُتوفَّى صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، خطب في الناس وبيَّن فضل أبى بكر -رضي الله عنه- للناس, وأوصى بالأنصار خيرًا، كما حذَّر من اتخاذ القبور مساجد.

فعن جُنْدَب -رضي الله عنه- قَالَ: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إلى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُم خَلِيلٌ، فَإنَّ الله تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبلَكُم كَانُوا يتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَساجِدَ إِني أَنْهَاكُم عَنْ ذَلِكَ»(رواه مسلم).

ثُمَّ إنه صلى الله عليه وسلم اشْتَدَّ بِهِ مرضه، وأصابته حمى شديدة، فأمر أهله أن يصبوا عليه سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتَّى حتى يفيق ويستطيع أن يخرج ليصلي بالناس في المسجد.

لكنه صلى الله عليه وسلم من شدة مرضه لم يستطع أن يقوم، فكان لا يكاد أن يفيق حتى يغمى عليه -صلوات ربي وسلامه عليه- وهو الذي قال: «إِنِّي أُوعَكُ [أمرض] كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» (رواه البخاري)، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يغمى عليه وكلما أفاق سأل من حوله: أصلى الناس؟ فيقولون: لا، هم ينتظرونك!

حتى أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وأمره أن يصلي بالناس، في إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى اختصاص أبي بكر بالصلاة واستخلافه من بعده، وقد كان -رضي الله عنه- أقرب الناس إلى رسول الله وأكثرهم شعورًا به، كيف لا وهو الذي فطن إلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخبر الناس بدنو أجله؟! فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا [قال أبو سعيد الخدري] فَعَجِبْنَا لَهُ! وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا!! فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ» (رواه البخاري).

فقام أبو بكر فصلى بالناس، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة، فخرج مستندًا على رجلين أحدهما العباس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر. فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد[انظر: صحيح البخاري، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، حديث].



كلمات دليلية: