ما آخر وصايا رسول الله قبل وفاته ؟

ما آخر وصايا رسول الله قبل وفاته

كان يومًا مشهودًا في حياة البشرية حين اتجه الحبيب محمد للرفيق الأعلى مودعًا دنيانا في يوم الاثنين من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة (11) هـ؛ فقد حزن أهل الأرض من المسلمين لحرمانهم من رؤية أعز الخلق، ومن حَمَل لهم رسائل الوحي والحكمة التي أنارت طريقهم بعد طول ظلام، أما أهل السماء فكانوا فرحين باستقبال الروح الزكية، والتي ما انقطعت عن ذكر ربها ولا عصته، وجاهدت فيه حق الجهاد [شمائل الرسول لابن كثير].


بزغ فجر يوم الاثنين آخر يوم من حياته - صلى الله عليه وسلم- وبينما الصحابة صفوفًا خلف الصدّيق- رضي الله عنه- في صلاة الفجر، فإذا بالحبيب قد كشف سترة حجرته، وتحامل على نفسه، وجعل ينظر إليهم، وتبسم كأن وجهه القمر إذا اكتمل، فلما رآه المسلمون هموا أن يُفتنوا في صلاتهم فرحًا بقدومه، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، فاطمأنوا وسكنت القلوب ولم يعلموا أنها نظرة الوداع.


ولما ارتفع الضحى دعا الرسول ابنته فأسرَّها برحيله[أعلمها سرَّا] وبأنها أول من يلحق به من أهله، فبكت وضحكت، ثم أوصى خيرًا بالحسن والحسين أحفاده، ودعا زوجاته فوعظهن وذكرهن، ولما رأت السيدة فاطمة كرب أبيها، قالت: واكرب أباه! ، فقال «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» [رواه البخاري 4462]


استأذن النبي زوجاته في أن يُمَرَّض[يقضي فترة مرضه] ببيت عائشة رضي الله عنها، وظلت كلماته بين إغماءة وإفاقة، هي نُصح المسلمين، وصدق قول الله {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

ما بعد خطبة الوداع

قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حجة الوداع، التي حوت خطبة الوداع الجامعة لوصايا الرسول قبل الرحيل، وشملت تقوى الله، والتمسك بكتابه وسنة النبي، وأوصاهم بأخوة الدين وحرمة الدماء والمال والعرض، والعدل والأمانة والرفق بالنساء، وبعدها نزل قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3]، فبكى أبو بكر الصديق وقد علم أنها آية نعي رسول الله.


وعاد الرسول وقبل وفاته بـ9 أيام ونزلت آخر آية من القرآن {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]

وصايا رسول الله لصحابته


إمامة أبي بكر: أخذ رسول الله يمهد رحيله لصحابته وهم مشفقون قائلًا: «إن عبدًا خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أن يؤتيَه من زَهرةِ الدنيا ما شاء، وبين ما عِندَه، فاختار ما عِندَه» وحين بكى صاحبه أبوبكر الصديق، علم الصحابة أنه الفراق، وكانت أولى وصايا الرسول بشأن مسجده بألا تبقى فيه إلا خَوْخة أبي بكر، قائلا «ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا من أمتي لاتخَذْتُ أبا بكرٍ، إلا خُلَّةَ الإسلامِ»[ البخاري 3904]


وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه مرضه الشديد، أمر صحابته بالصلاة خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكررها ثلاثًا [رواه البخاري 667]


الوصية بالأنصار: بينما الصحابة يبكون خشية على الحبيب بعد اعتلال جسده، إذا به يخرج إليهم ورأسه الشريف معصب بعصابة سوداء، وصعد المنبر للمرة الأخيرة قائلًا: «أوصيكم بالأنصارِ، فإنهم كَرِشي وعَيبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم وبَقيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنِهم وتجاوَزوا عن مُسيئِهم» (كرشي وعيبتي: أي بطانته وموضع سره وأمانته). [رواه البخاري3799]


إخراج اليهود: وجاء عن النبي أنه أمر بإخراج الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قائلا: «لأُخرجنّ اليهودَ والنصارى من جزيرةِ العربِ . حتى لا أدعُ إلا مسلما» [رواه مسلم 1767]

وصايا الرسول الأخيرة للمسلمين


الصلاة الصلاة
: عن عائشة زوجة الرسول رضي الله عنها، أن آخر وصيَّته عندَ موتِهِ «الصَّلاةَ الصلاة،وما ملَكت أيمانُكم، حتَّى جعلَ يُلَجلجُها في صدرِهِ وما يفيضُ بِها لسانُهُ (أي الحرص على إقامة الصلوات في أوقاتها وحفظ الأمانات وما نحن مستخلفين فيه) [رواه النسائي 7016]


رد الأمانات
: يروي الصحابي الفضل بن عباس أن رسول الله قد جاءه وقد اشتد المرض به، وعصب رأسه، وطلب أن يأخذ بيده، حتى أقعده على المنبر، وأمره بأن ينادي في الناس بالصلاة، فقام الرسول خطيبا مودعا المسلمين، وطلب منهم أن يأخذوا منه حقهم إن كان لهم حق، قائلا: «ألا فمن كنت قد جلدت له ظهرا، فهذا ظهرى فليستقد منه ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى، فليأخذ منه، ومن كنت قد شتمت له عرضا، فهذا عرضى فليستقد منه» وختم بأنه يحب أن يلقى .ربه «وليس لأحد على مظلمة»

وبعدها قام الرسول يدعو الناس لرد ما عندهم من غلول (أخذ أموال الغير بغير حق)، وبالفعل اعترف رجل بأنه حبس ثلاثة دراهم لأنه كان محتاجًا إليها، فقام وردها .


الصبر على الابتلاء
: كثرت الأحاديث الواردة عن الحبيب في أيام مرضه عن ثواب المؤمنين لصبرهم على الابتلاء وقد دخل عبد الله بن مسعود فرأى توعك الرسول صلى الله عليه وسلم، وأشفق عليه، فقال له الرسول: «إنى أوعك كما يوعك الرجلان منكم» فقال ابن مسعود: إن لك أجرين!! قال عليه الصلاة والسلام «أجل، والذى نفسى بيده، ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله عنه خطايا كما تحط الشجرة ورقها.


وجاء عنه صلى الله عليه وسلم فى مرضه أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثال فالأمثل يبتلى؛ الرجل على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلابة شدد عليه.[صححه الألباني في الجامع993]


عدم اتخاذ القبر مسجدًا: جاء عن رسول الله في مرضه أنه قال «لعنةُ اللهِ على اليهودِ والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ» [رواه البخاري 4443] وقال الألباني بزيادة دعائه في خطبته «اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثنًا يُعبد» [غاية المرام126]

تقوى الله: روي عن رسول الله أنه لما دنا الفراق جمع عدد من الصحابة في بيت عائشة، ودعا لهم بأن بالنصر والهدى والرزق والتوفيق والسلامة، وأوصاهم بتقوى الله، وعلمهم كيف يغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه، وأقرأهم السلام على من بايعه على دين الله إلى يوم القيامة [رواه الطبراني في المعجم الأوسط 4/208 ورواه الهيثمي وغيره.]

اللحظات الأخيرة


قبل رحيله، أعتق النبي غلمانه وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب أسلحته للمسلمين، ثم أزف الرحيل، فجعل يدخل يده في ركوة فيها ماء قائلا «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ»[رواه البخاري]


وقد أصغت إليه السيدة عائشة رضي الله عنها، فإذا به يتلو قول الحق: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، ثم قال النبي: «أخرجوا من عندي في البيت» وقال: «ادنو مني يا عائشة»، فنام النبي على صدر زوجته، ويرفع يده للسماء، ويقول: «بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى»

تقول السيدة عائشة: فعرفت أنه يُخَيَّر.