مأساة بئر معونة _13023

مأساة بئر معونة


بئر معونة

:

"سرية المنذر" بضم فسكون، وكسر الذال المعجمة وراء "ابن عمرو -بفتح العين المهملة" الخزرجي العقبي، البدري، النقيب، من أكابر الصحابة، له حديث رواه عنه سهل بن سعد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد سجدتي السهو قبل التسليم. أخرجه الدارقطني وغيره. "إلى" أهل "بئر معونة" ليدعوهم إلى الإسلام، أو مددًا لهم على عدو لهم، ويجيء بسطه "بفتح الميم، وضم المهملة، وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان" هذا لفظ الفتح تبعًا للمطالع، وفي ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم, كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.

قال شيخنا: والظاهر أنه لا تنافي؛ لجواز أن يكون ذلك الموضع المنسوب لهذيل بين مكة وعسفان, وبجواره أرض بني عامرة وحرة بني سليم. "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة, على رأس أربعة أشهر من أُحد" عند ابن إسحاق، وجعلها بعضهم في المحرّم، وقدمها على بعث الرجيع، "وبعث" -صلى الله عليه وسلم "معه" أي: المنذر, خصَّ بالذكر لأنه الأمير، وفي نسخة معهم، أي: السرية "المطلب السلمي" بضم السين وفتح اللام، نسبة لبني سليم, صحابي له ذكر في هذه الغزوة، "ليدلهم على الطريق, وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم" بلفظ التصغير "ينسبو إلى رعل بن عوف" بالفاء "بن مالك" بن امرئ القيس بن نهية بن سليم، "و" مع "ذكوان" بفتح المعجمة وسكو الكاف، وواو وألف ونون "بطن من بني سليم" أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة" بن نهية بن سليم "فنُسِبَت الغزوة إليها،" أي: بئر معونة لنزولهم بها.

وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها -كما قاله ابن إسحاق: أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر, المعروف بملاعب الأسنّة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم

__________

"وهذه الوقعة" كما تعرف بسرية المنذر وبئر معونة "تعرف بسرية القرّاء" جمع قارئ؛ لكثرة قراءة السبعين الذين ذهبوا فيها، "وكان من أمرها كما قاله ابن إسحاق" عن شيوخه: "أنه قدم أبو براء" بفتح الموحدة وبالراء والمد "عامر بن مالك بن جعفر" العامري. اختُلِفَ في إسلامه، فذكره جماعة في الصحابة.

وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم.

وقال في الإصابة: ليس في شيء من الأخبار ما يدل على إسلامه، وعمدة من ذكره في الصحابة ما عند ابن الأعرابي وغير عنه، أنه قال: بعثت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ألتمس منه دواء، فبعث إليّ بعكة عسل، وليس ذلك بصريح في إسلامه، بل ذكر أبو حاتم السجستاني عن هشام الكلبي، أن عامر بن الطفيل، لما أخفر ذمّة عمه عامر بن مالك، عمد إلى الخمر فشربها صرفًا حتى مات.

نعم، ذكر عمرو بن شبة، عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة وعشرون رجلًا من بني جعفر، ومن بني بكر, فيهم عامر بن مالك، فنظر -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال: "قد استعملت عليكم هذا" , وأشار إلى الضحاك بن سفيان الكلابي، وقال لعامر بن مالك: "أنت على بني جعفر"، وقال للضحاك: "استوص به خيرًا", فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلمًا، انتهى. "المعروف بملاعب الأسنة،" جمع سنان، وهو نصل الرمح، كما في القاموس, عبَّر به لكونه المقصود من الرمح.

قال في الرض: سمي بذلك في يوم سوبان، وهو يوم كان بين قيس وتميم, وجبلة اسم لهضبة عالية؛ لأن أخاه طفيلًا الذي يقال له فارس قرزل، أسلمه ذلك اليوم وفرّ، فقال الشاعر:

فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع

فسمِّي ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة، وهم عم لبيد بن ربيعة. انتهى. "على رسول الله -صلى الله عليه وسلم".

وفي رواية: أنه أهدى إليه فرسين وراحتلين، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لا أقبل هدية مشرك".

وفي رواية: "إني نهيت عن زبد المشركين" بفتح الزاي، وسكون الموحدة وبالدال المهملة: الرفد والعطاء.

قال السهيلي في غزوة تبوك: ولم يقل من هديتهم؛ لأنه إنما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حراب له؛ لأن الزبد مشتق من الزبد، كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فعاد المعنى إلى معنى اللين ووجود الجد في حربهم والمخاشنة، وقد ردَّ هدية أبي براء، وكان أهدى إليه فرسًا،

فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد, وقال: يا محمد, لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك, فقال -عليه الصلاة والسلام: "إني أخشى أهل نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم.

فبعث -عليه الصلاة والسلام- المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون -وقيل: أربعون, وقيل: ثلاثون.

وقد بَيِّنَ قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل

__________

وأرسل إليه أنني قد أصابني وجع، أحسبه قال: يقال له الدبلة، فابعث إلي شيء أتداوى به، فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفي به, وردَّ عليه هديته، وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين" انتهى. وهذا قبل ما تقدَّم بلا ريب لا بعده؛ لموته أسفًا على ما صنع عامر سريعًا. "فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد" بفتح أوله وضم العين, بل قال: يا محمد, إني أرى أمرك هذا حسنًا شريفًا، وقومي خلفي، فلو أنك بعث معي نفرًا من أصحابك؛ لرجوت أن يتبعوا أمرك، فإنهم إن اتبعوك فما أعز أمرك، "وقال: يا محمد, لو بعثت رجال من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم" بفتح التاء خطابًا، أي: بواسطة من ترسله إليهم، "إلى أمرك لرجوت" بضم التاء على التكلم "أن يستجيبوا لك، فقال -عليه الصلاة والسلام: "إني أخشى أهل نجد عليهم" هو في الأصل ما أشرف من الأرض.

"قال أبو براء: أنا لهم جار" أي: هم في ذمامي وعهدي وجواري، "فابعثهم، فعث -عليه الصلاة والسلام- المنذر بن عمرو، ومعه القراء" وانفصل المصنف عن رواية ابن إسحاق التي هو فيها دون بيان، فقال: "وهم سبعون" كما في البخاري ومسلم من طرق عن أنس.

قال السهيلي: وهو الصحيح، "وقيل: أربعون،" كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة.

قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنّ الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة أتباعًا "وقيل: ثلاثون".

قال الحافظ: هو وهم، لكن قال في الغرر: إن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، وكذا قول من قال ثلاثين، انتهى.

"وقد بَيِّنَ قتادة" بن دعامة "في روايته", عن أنس في الصحيح "أنهم كانوا يحتطبون،" يجمعون الحطب "بالنهار، ويصلون بالليل", ولفظه: استمدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فأمدَّهم بسبعين من الأنصار, كنَّا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل, وادَّعى الدمياطي أن هذه الرواية وهم، فإنهم لم يستمدوه -صلى الله عليه وسلم, وإنما الذي استمدَّهم عامر بن الطفيل على الصحابة.

قال الحافظ: ولامانع أن يستمدوه -صلى الله عليه وسلم- في الظاهر, وقصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن

وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل.

فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا -وليس هو عامر بن

__________

الذي استمدوه غير الذين استمدهم عامر، والكل من بني سليم.

وفي رواية عاصم عن أنس عند البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- بعث أقوامًا إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء للإسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحاق، فذكر ما نقله المصنف عنه، وقيل في تأويله أيضًا، أي: طلبوا منه مدة يمهلهم فيها، أي: للتروي في الإسلام؛ لأنهم لم يسلموا ولم يظهروا إسلامًا.

"وفي رواية ثابت" البناني، عن أنس في الصحيح: "ويشترون به،" أي: الحطب, "الطعام لأهل الصفة" وللفقراء.

وفي رواية: ويأتون به إلى حجر أزواجه -صلى الله عليه وسلم، "ويتدارسون القرآن بالليل"، ويصلون كما هو بقية رواية ثابت، والجمع بين هذه الروايات سهل, بأنهم كانوا يصلون بعض الليل، ويدرسون بعضه، ويحتطبون ويبيعون بعضه، يشترون به طعامًا لأهل الصُّفَّة والفقراء، وبعضه يأتون به الحجر الشريفة, أو بعضهم يفعل كذا، والآخر كذا، أو يفعلون ذا مرة وذا مرة، وقوله: لأهل الصفة, لا يفهم أنهم ليسوا من أهلها.

وقد نصَّ المصنف في بناء المسجد على أنهم من أهل الصفة، فبعض أهل المحل يشتري لبعض، كما هو مشاهد في كثير من الزوايا والربط, فلا حاجة لحمله على النفي والإثبات وتعسف الجمع، بأن من عدهم من أهلها نظر إلى إعراضهم عن نحو: التجارة والزراعة ومخالطة أهلها إلّا وقت الحاجة, ومن لم يعد بناه على أن أهلها هم الملازمون للمسجد الذين لم يتعلقوا بشيء غير العبادة، أو أمر ضروري يخرجون له ويعودون سريعًا.

"فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام" بمهملة وراء "ابن ملحان" بكسر الميم أشهر من فتحها، أخو أم سليم, خال أنس بن مالك "بكتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل" ابن مالك بن جعفر الكلابي "العامري", وهو ابن أخي أبي براء، "ومات كافرًا" بإجماع أهل النقل، وعدَّه المستغفري صحابيًّا غلط، قاله البرهان.

وقال الحافظ: هو خطأ صريح، فإن عامرًا مات كافرًا، وقصته معروفة -يريد في الصحيح وغيره, من قدومه على النبي -صلى الله عليه وسلم، وقوله: لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بألف أشقر وألف شقراء، فقال -صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامرًا"، فطعن في بيت امرأة فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، "وليس هو عامر بن

الطفيل الأسلمي الصحابي -فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية

__________

الطفيل الأسلمي الصحابي.

قال الحافظ: وسبب وهم المستغفري: أنه أخرج عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل، أنه قال: يا رسول الله, زودني كلمات، قال: "يا عامر, أفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من الله، وإذا أسأت فأحسن" في ترجمة العامري، والحديث إنما هو للأسلمي, كما أخرجه البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: حدثني عمّي عامر بن الطفيل فذكره.

وفي رواية الطبري: فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة, إني رسولُ رسولِ الله إليكم, فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر.

وفي الصحيح: فجعل يحدثهم فأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح، قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، قال الحافظ: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه.

وفي سيرة ابن إسحاق ما ظاهره، أنه عامر بن الطفيل؛ لأنه قال: "فلما أتاه لم ينظر في كتابه،" بل أعرض عنه، واستمرّ في طغيانه، "حتى عدا على الرجل فقتله".

لكن في الطبراني من طريق ثابت عن أنس, قاتل حرام بن ملحان أسلم، وعامر بن الطفيل مات كافرًا كما تقدَّم، انتهى من الفتح. فكان نسبة ذلك إليه على سبيل التجوّز؛ لكونه رأس القوم، كما قاله نفس الحافظ بعد في ابن فهيرة.

وفي الصحيحين، عن أنس: لما طُعِنَ حرام بن ملحان قال: فزت ورب الكعبة.

واتفق أهل المغازي على أنه استشهد يوم بئر معونة المذكور.

وحكى أبو عمر عن بعض أهل الأخبار أنه ارتثّ يومئذ.

فقال الضحاك ابن سفيان الكلابي، وكان مسلمًا يكتم إسلامه، لامرأة من قومه: هل لك من رجل إن صح كان نعم الراعي، فضمته إليها, فعاجته, فسمعته يقول:

أيا عامر ترجو المودة بيننا ... وهل عامر إلا عدو مداهن

إذا ما رجعنا لم يك وقعة ... بأسيافنا في عامر أو تطاعن

فوثبوا عليه فقتلوه. "ثم استصرخ" استغاث "عليهم من بني عامر" قومه، "فلم يجيبوه، وقالوا: لن نخفر" بضم أوله وكسر الفاء، "أبا براء" أي: لن ننقض عهده وذمامه. "و" الحال أنه "قد عقد لهم عقدًا وجوارًا" بكسر الجيم وضمها، فالأجانب راعوه, وابن أخيه نقض عقده، "فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية،" بدل من قبائل بضم العين، وفتح الصاد

ورعلًا, فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد, فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق شهيدًا.

وأسرَّ عمرو بن أمية الضميري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل

__________

المهملتين، وشد التحتية وتأنيث, "ورعلًا" بكسر فسكون، وذكوان هكذا هو ثابت في سيرة ابن إسحاق، وكأنه سقط من قلم المصنف كابن سيد الناس، وبه يستقيم ضمير الجمع في قوله، "فأجابوه إلى ذلك", ولا حاجة إلى أنه نظرًا لإفراد القبيلتين، أو الضمير للقبائل "ثم خرجوا" وساروا "حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم" حين أتوهم "في رحالهم،" أي: في منازلهم التي نزلوا بها، "فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، وقاتلوهم حتى قتلوا،" مبتدئًا القتل من أولهم، منتهيًا "إلى آخرهم" يعني استأصلوهم.

ولفظ ابن إسحاق: من عند آخرهم "إلّا كعب بن زيد" بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة ابن دينار بن النجاري الأنصاري البدري، "فإنهم تركوه" لظنّهم موته، "وبه رمق" بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة، فارتثّ من بين القتلى، "فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق" قتله ضرار بن الخطاب، قاله الواقدي.

وقال ابن إسحاق: أصابه سهم غرب، فقتله "شهيدًا" رضي الله عنهم، ناس اتخذ الله منهم شهداء بكثرة.

قال قتادة: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا، أعز يوم القيامة من الأنصار، قال: وحدثنا أنس أنه قتل منهم يوم أُحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون يوم قتال مسيلمة الكذاب. رواه البخاري.

"وأسرَّ عمرو" استثناء في المعنى، كأنه قال: قتلوا إلّا كعبًا وعمرو "بن أمية الضميري" بفتح فسكون.

قال ابن إسحاق: كان في سرح القوم هو ورجل من الأنصار.

قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلّا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنًا، فاقبلا لينظرا, فإذا القوم في دمائهم والخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى، قال: أرى أن نلحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ماكنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل حتى قُتِلَ وأخذ عمرو أسيرًا، "فلمَّا أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل".

وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.

فلمَّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ ذلك أبا براء, فمات أسفًا على ما صنع عامر بن الطفيل.

وقُتِل عامر بن فهيرة يومئذ, فلم يوجد جسده -رضي الله عنه، دفنته الملائكة.

__________

قال ابن إسحاق: وجزّ ناصيته، أي: الشعر المجاور لها مجازًا، "وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فلمَّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرهم" قال الحافظ: قد ظهر من حديث أنس أن الله أخبره بذلك على لسان جبريل.

وفي رواية عروة: فجاء خبرهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة، "قال: هذا" سببه "عمل أبي براء"؛ حيث أخذهم في جواره، "قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ أبا براء فمات" عقب ذلك كما في الفتح، "أسفًا على ما صنع" ابن أخيه "عامر بن الطفيل", ومات عامر بعد ذلك كافرًا بدعائه -عليه السلام- كما مَرَّ، وذكر أبو سعيد السكريّ في ديوان حسان, روايته عن أبي جعفر بن حبيب.

قال حسان لربيعة بن عامر: ملاعب الأسنة يحرضه بعامر بن الطفيل بإخفاء ذمة أبي براء:

ألا من مبلغ عني ربيعًا ... فما أحدثت في الحدثان بعدي

أبوك أبو الفعال أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد

بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد

تحكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطا كعمد

فلما بلغ ربيعة هذا الشعر، جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله, أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامًا ضربة أو طعنة، قال: نعم، فرجع, فضرب عامرًا ضربة أشواه بها، فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر: اقتصّ، فقال: قد عفوت.

قال في الإصابة: لم أر من ذكر ربيعة في الصحابة إلّا ما تفيده هذه القصة، ورأيت له رواية عن أبي الدرداء، فكأنه عمَّر في الإسلام.

"وقتل عامر بن فهيرة" بضم الفاء وفتح الهاء، وسكون التحتية، وراء وتاء تأنيث- أحد السابقين, مولى أبي بكر "يومئذ", وهو ابن أربعين سنة, "فلم يوجد جسده -رضي الله عنه، دفنته الملائكة، كما رواه ابن المبارك عن عروة.

وفي الصحيح عنه: لما قتلوا وأُسر عمر، وقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فقال: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع, وفي هذا تعظيم لعامر، وترهيب للكفّار وتخويف، ومن ثَمَّ تكرَّرَ سؤال

قال ابن سعد عن أنس بن مالك ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.

وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا: دعا -صلى الله عليه وسلم- على الذين قتلوا أصحب بئر معونة ثلاثين صباحًا،

__________

ابن الطفيل عن ذلك.

روى يونس عن ابن إسحاق عن هشام، عن أبيه، لما قدم عامر بن الطفيل عليه -صلى الله عليه وسلم- قال له: من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض، حتى رأيت السماء دونه ثم وضع، فقال: هو عامر بن فهيرة.

وفي رواية ابن المبارك عن عروة: وكان الذي قتله رجلًا من بني كلاب جبار بن سلمى، ذكر أنه لما طعنه، قال: فزت والله، قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت، فأتيت الضحاك بن سفيان، فسألته فقال، بالجنة، قال: فأسلمت, ودعاني إلى ذلك ما رأيت من عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوًّا.

قال البيهقي: يحتمل أنه رفع، ثم وضع، ثم فقد بعد ذلك، ثم روي عن عائشة موصولًا بلفظ: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء, حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ولم يذكر فيها ثم وضع، ورواه بنحوه ابن سعد وعنده مرفوعًا: أن الملائكة وارت جثته، وأنزل في عليين.

قال السيوطي: فقويت الطرق وتعدّدت بمواراته في السماء، وجبار -بالجيم والموحدة: مثقل بن سلمى بضم المهملة، وقيل: بفتحها وسكون اللام والقصر، صحابي كما في الإصابة. ووقع في الاستيعاب أن عامر بن الطفيل قتل عامر بن فهيرة.

قال الحافظ: وكأنّ نسبة ذلك له على سبيل التجوّز لكونه كان رأس القوم.

"قال" أي: روى "ابن سعد" بسند صحيح "عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجد" بجيم، أي: حزن، "على أحدٍ ما وجد على أهل بئر معونة"؛ لعل حكمته أنه لم يرسلهم لقتال, إنما هم مبلغون رسالته، وقد جرت عادة العرب قديمًا بأن الرسل لا تقتل.

"وفي صحيح مسلم" لا وجه لقصر عزوه له، كابن سيد الناس، فإنه في صحيح البخاري أيضًا كلاهما، "عن أنس أيضًا, دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا.

وفي البخاري أيضًا: فدعا -صلى الله عليه وسلم شهرًا في صلاة الغداة بعد القراءة، وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت.

يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه ثم نسخ بعد -أي: نسخت تلاوته- بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه.

__________

وفي البخاري في الجهاد: فدعا عليهم أربعين صباحًا, والأخبار بالأقل لا ينفي الزائد.

"يدعو على رعل، ولحيان وعصية" بيان لتعيين المدعو عليهم، فلا يتكرر مع قوله أولًا دعا، "عصت الله ورسوله" ليس حكمة التسمية, بل بيان لما هم عليه من الفعل القبيح.

"قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا ثم نسخ بعد،" بالبناء على الضم.

وفي رواية: ثم رفع، ذلك ولا حمد.

ثم نسخ ذلك، "أي: نسخت تلاوته" وبقي معناه.

قال في الروض: فإن قيل هو خبر، والخبر لا ينسخ، قلنا: لم ينسخ منه الخبر، وإنما نسخ الحكم، فإن حكم القرآن أن يتلى في الصلاة، ولا يمسّه إلا طاهر، ويكتب بين اللوحين, وتعلمه فرض كفاية، فما نسخ رفعت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ, فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولًا به، وإن تضمَّن خبرًا بقي ذلك الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسخوة عنه، كما نزل: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف بن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب. ويروى: ولا يملأ عيني ابن آدم وفم ابن آدم، وكلها في الصحاح.

وكذا روي من مال, فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، وإنما نسخت أحكام تلاوته، قال: وكانت هذه الآية في سورة يونس بعد قوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] الآية. كما قال ابن سلام، انتهى.

وفي رواية البخاري في الجهاد: فأخبر جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم قد لقوا ربهم, فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: "بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا, فرضي عنا ورضينا عنه".

وفي رواية: فرضي عنا وأرضانا.

وسبب نزوله أنهم قالوا: اللهمَّ بلغ عنا نبينا، وفي لفظ: إخواننا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، فأخبره جبريل، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "إن إخوانكم" إلخ.

قال الإمام السهيلي: ثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الإعجاز، فيقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجم كنظم القرآن، انتهى.

كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأمَّا بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. والله أعلم. خاتمة.

__________

قال الحافظ اليعمري في العيون تبعًا لشيخه الدمياطي: "كذا وقع في هذه الرواية" يدعو على رعل، ولحيان وعصية، "وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء" القراء "رعل، وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم،" كزعب بكسر الزاي، وسكون العين المهملة والموحدة, "وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع" كما مَرَّ، "وإنما أتى الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم كلهم في وقت واحد"، أي: في ليلة واحدة، كما قاله الواقدي، "فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا", فيحمل على ذلك الحديث، ويندفع الإيهام "والله أعلم".

"خاتمة" ذكر صاحب شرف المصطفى، أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمَّى إليه فقال لها: "اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية الله ورسوله"، فأتتهم، فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة.

قال شيخنا: وإنما لم يخبره -سبحانه وتعالى- بما ترتَّب على ذهاب القراء، وأهل الرجيع قبل خروجهم، كما أخبره بنظير ذلك في كثير من الأشياء؛ لأنه سبق في علمه تعالى إكرامهم بالشهادة، وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء، ومن جاء في طلب أصحاب الرجيع.

حديث بني النضير:

ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.

__________

حديث بني النضير:

"ثم غزوة بني النضير -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة فتحتية فراء- قبيلة كبيرة من اليهود, دخلوا في العرب وهم على نسبتهم إلى هارون -عليه السلام, "في ربيع الأول سنة أربعة، وذكرها" محمد "بن إسحاق" بن يسار, إمام أهل المغازي "هنا"، أي: بعد أُحد وبئر معونة مجزومًا به في مغازيه, وعنه حكاه البخاري, ووقع في رواية القابسي للصحيح إسحاق.

قال عياض: وهو وهم، يعني: إن الصواب ابن إسحاق، ووقع في شرح الكرماني محمد بن

قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد.

ورجَّح الداودي ما قاله ابن إسحاق، من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] .

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

__________

إسحاق بن نصر.

قال الحافظ: وهو غلط، إنما اسم جده يسار.

"قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل" بضم العين وفتح القاف "ابن خالد" الإيلي, "وغيره" كمعمر "عن الزهري", وصدَّر به البخاري تعليقًا جزمًا عنه عن عروة، "قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد".

قال الحافظ: وصله عبد الرزاق في مصنَّفه عن معمر، عن الزهري, أتمّ من هذا، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود, على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة, فحاصرهم -صلى الله عليه وسلم- حتى نزلوا على الجلاء, وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة والأموال إلّا الحلقة، يعني السلاح, فأنزل الله فيهم: {سَبَّحَ لِلَّه} [الحديد: 1] الآية، إلى قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْر} [الحشر: 2] الآية، وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، انتهى. وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة، وصحَّحه وقال في آخره: فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} سورة الحشر. الآية.

"ورجَّح الداودي" أحمد بن نصر الطرابلسي في شرح البخاري "ما قاله ابن إسحاق, من أنَّ غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} [الأحزاب: 26] الآية، أي: عاونوا الأحزاب، {مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب} [الأحزاب: 26] الآية، وهم قريظة، {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] الآية. حصونهم.

"قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى.

وقد تقدَّم قريبًا أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة, فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من

__________

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب" وهي بعد بني النضير بلا ريب.

"وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع" بلا واو على الصواب المذكور في الفتحِ؛ لأنه اسم كان, ولا تدخل عليه الواو، فنسخة الواو تحريف "من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي" بلفظ تصغير "حي ابن أخطب" بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة، "وهو الذي حسَّن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب, حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا، انتهى" كلامه في الفتح, ومنازعته إنما هي في الدليل فقط؛ لقوله بعد نحو ورقة، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير همهم بالفتك به، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمر، وتعين ما قاله ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، وأغرب السهيلي، فرجَّح ما قاله الزهري، انتهى. لكن يقويه السبب الآتي صحيحًا مسندًا، وقد قدم البخاري قول الزهري عن عروة، وجرى عليه وضعًا، فذكر بني النضير عقب بدر فلم يغرب السهيلي في ترجيحه، لا سيما وقد ثبت عن عائشة عند الحاكم وصحَّحه، وأما كون سببها ما ذكره ابن إسحاق فهو مرسل كما يجيء، "وقد تقدَّم قريبًا".

وذكره ابن إسحاق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره من أهل العلم، "أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف" بالقرقرة من صدر قتادة، كما في ابن إسحاق بفتح القاف، والنون "رجلين من بني عامر" ثم من بني كلاب.

قال ابن هشام: وذكر أبو عمرو المدني أنها من بني سليم.

قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان "معهما عقد وعهد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر،

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك, فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما".

قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج -عليه الصلاة والسلام- إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان -صلى الله عليه وسلم- عقده لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف.

فلمَّا أتاهم -عليه الصلاة والسلام- يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان -صلى الله عليه وسلم- إلى جنب جدار من بيوتهم.

قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت

__________

فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر بثأر" بالهمز، وتركه "بعض أصحابه، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك" لما قدم عليه" فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما"، أي: لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد.

"قال ابن إسحاق وغيره" الواقدي، وابن سعد، وعائذ: وجل أهل المغازي في سبب هذه الغزوة، "ثم خرج -عليه الصلاة والسلام" إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان -صلى الله عليه وسلم- عقده لهما" كما حدثني يزيد بن رومان، "وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف" بكسر الحاء وسكون اللام.

قال شيخنا: ولعل سؤالهم لسهولة الإعطاء عليهم لكون المدفوع لهم من حلفائهم؛ إذ لو كانوا أعداءهم لشق عليهم الإعطاء لهم، فاندفع ما قيل هذا يقتضي أن الحليف يلزمه دية من قتل من محالفيه، "فلما أتاه -عليه الصلاة والسلام- يستعينهم في ديتهما، قالوا:" نعم "يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه" يحتمل أنهم قالوا ذلك ليتمكنوا من تدبير ما أرادوه، ويحتمل أنه إنما طرأ لهم الغدر بعد, حين رأوه جنب الجدار.

وفي رواية: إنهم قالوا: نفعل ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئنتنا به. "ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال" منفردًا ليس معه من أصحابه إلّا نحو العشرة، "وكان -صلى الله عليه وسلم" قاعدًا "إلى جنب جدار من بيوتهم، قالوا: من" بفتح الميم "رجل يعلو على هذا البيت, فيلقي هذا الصخرة عليه" هكذا في نقل المصنّف كالفتح عن ابن إسحاق، وظاهره أنه معينة.

فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليقي عليه الصخرة, ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي.

قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه.

قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام -عليه الصلاة والسلام- مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة.

واستبطأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فقاموا في طلبه

__________

وفي سيرة ابن هشام عنه: وجرى عليه اليعمري فيلقي عليه صخرة، وظاهره أن المراد، أي: صخرة "فيقتله ويريحنا منه, فانتدب لذلك عمرو بن جحاش" بفتح الجيم وشد الحاء المهملة آخره شين معجمة "بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة".

وفي رواية: فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه, "ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي" زاد عكرمة وغيره: وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. رواه ابن جرير، وزاد غيره: والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة.

"قال ابن سعد: فقال سلّام" بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره، ورجَّح الحافظ التخفيف مستندًا لوقوعه في أشعار العرب كقول أبي سفيان:

سقاني فرواني كميتًا مدامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم

"ابن مشكم" بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف "لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ" بفتح اللام جوابًا للقسم والبناء للمفعول, مؤكَّد بالنون الثقيلة، أي: ليخبره ربه "بما هممتم به، ونه لنقض العهد الذي بيننا وبينه".

وفي رواية قال لهم: يا قوم أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به, وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه.

"قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء" مع جبريل، "بما أراد القوم, فقام -عليه الصلاة والسلام- مظهرًا،" أي: موهمًا، "أنه يقضي حاجته" ويرجع, مخافة أن يفطنوا فيجتمعوا عليهم وهم قليل, فقد يؤذون أصحابه, "و" لذا "ترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأ النبي أصحابه فقاموا في طلبه." فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم, كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء -بضم الصاد

حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أردت يهود من الغدر به.

قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] .

__________

المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: والله ما ندري وما تدري أنت؟ فقال: والله أُخْبِرَ بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله إنه لرسول الله "حتى انتهوا إليه" فقالوا: قمت ولم نشعر، "فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به".

"قال" موسى بن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] الآية. وهكذا قاله عكرمة ويزيد بن أبي زياد ومجاهد وعاصم بن عمر وغيرهم في سبب النزول، كما أخرج عنهم ابن جرير، وكله مرسل أو معضل، وقيل: نزلت لما أراد بنو ثعلبة وبنو محارب الفتك به -صلى الله عليه وسلم, فعصمه الله.

وقال ابن عقبة في سبب الغزوة: وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتاله -صلى الله عليه وسلم, فحضوهم على القتال, ودلوهم على العروة.

وروى ابن مرديه بسند صحيح, وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري, أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجمع العرب، فهمَّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ماكادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم"، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرّقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إليه -صلى الله عليه وسلم- أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثالثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النصير إلى أخٍ لها من الأنصار مسلم, تخبره بأمرهم، فأخبر أخوها النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يصدر إليهم، فرجع وصبَّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إلّا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها, ويحملون ما يوافقهم من خشبه، وكان جلاؤهم ذلك أوّل حشر الناس إلى الشام.

قال في الفتح: وفي هذا ردّ على زعم ابن التين، أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد،

قال ابن إسحق: فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالتيهؤ لحربهم والسير إليهم.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

ثم سار بالناس حتى نزل بهم, فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل وحرقها

__________

فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير طلبه -صلى الله عليه وسلم- أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافقه جلّ أهل المغازي.

"قال ابن إسحاق: فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم".

"قال ابن هشام: واستعمل على المدينة، ابن أمّ مكتوم" إمامًا على الصلاة، ولم يستعمل على أمرها أحدًا لقربها؛ لأن بينها وبين المدينة ميلين، كما قال البيضاوي، "ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال".

وقال ابن سعد والواقدي وأبو معشر والبلاذري وابن حبان: خمسة عشر يومًا.

وقال التيمي: قريبًا من عشرين.

وقال ابن الطلاع: ثلاثًا وعشرين ليلة.

وعن عائشة: خمسًا وعشرين.

وفي تفسير مقاتل: إحدى وعشرين ليلة.

وجمع شيخنا بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب طمعًا فيما منَّاهم به المنافقون، وما زاد إلى الخمسة عشر كانوا آخذين في أسباب الخروج، وفيما بعد خرجوا في أوقات مختلفة، فكان آخر خروجهم خمسًا وعشرين، وقد يؤيده ما في الشامية، أنه لما ولّى إخراجهم محمد بن مسلمة، قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال -صلى الله عليه وسلم: "تعجلوا وضعوا" , فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل. انتهى.

"قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل،" أي: أمر بقطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة, وابن سلام يقطع اللين، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم.

وقال ابن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فلمّا قطعت العجوة شقّ النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، "وحرَّقها" بشد الراء كما ضبط به المصنف قول ابن عمر: حرَّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير وقطع. ويجوز

وخرب. فنادوا: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها.

قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء, حتى أنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} إلى قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني

__________

التخفيف, وهو بمعناه كما في القاموس.

وذكر المصباح أن حرَّق إذا أكثر الإحراق.

قال شيخنا: وعليه فالأنسب التخفيف لقول البغوي، قيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: جملة ما قطع وحرق ست نخلات، وكتبنا عنه في التقرير أن المناسب هنا التشديد، كأنه بولغ في التحريق والقطع حتى أنكاهم، ونادوه: يا محمد، وشق النساء الجيوب إلخ، ولا ينافي ذلك قول البغوي بفرض صحته؛ لأنهم ظنوا أنه -عليه السلام- يديم ذلك. "وخرب" أماكنهم، أي: تسبَّب في خرابها بقطع نخيلهم التي هي قوام أمرهم، وهذا لم يقع في ابن إسحاق، ولا في نقل الفتح والعيون عنه، ولا يحمل على يخربون بيوتهم؛ لأنه إنما وقع بعد موافقتهم على الجلاء، "فنادوه: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه"، أي: تعده عيبًا "على من صنعه, فما بال" أي: حال "قطع النخل وتحريقها" أهو فساد أم صلاح؟ توبيخ على قطعه.

"قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء" فخافوا أن يكون فعلهم فسادًا، وبعض المسلمين قال: بل نقطع لنغيظهم بذلك، وكان أولئك لم يسمعوا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى بالقطع والتحريق، فاعتقدوا أنه باجتهاد من القاطعين، أو زيادة المباشر على أمره، أو أنه للتهديد، فلا يلزم القطع بالف



كلمات دليلية: