كرم الحبيب صلى الله عليه وسلم _3912

كرم الحبيب صلى الله عليه وسلم


الباب العاشر في كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم

وروي عن الشيخين والإمام أحمد وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا» [ (1) ] ، ولله در الفرزدق حيث قال:

ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده ... لولا التّشهّد كانت لاؤه نعم

وروى الخرائطي، والطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن شيء فأراد أن يفعله قال: «نعم» وإن أراد ألا يفعله سكت، وكان لا يقول لشيء لا [ (2) ] .

وروى أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي في دلائله عن محمد بن السّري العسقلاني [قال] : كنت أنا ورجل من أهل عسقلان نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن فرأيت كأني وصاحبي اختلفنا في آية وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب 68] وقال صاحبي: كثيرا، فلقيت آدم بن أبي إياس فقلنا: نسألك، فقال: وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان،

فقلت: يا رسول الله ادع لي، فسكت، فقلت: يا رسول الله، ما لك لا تدعو لي؟

فو الله لقد حدثني سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر عن جابر أنك ما سئلت عن شيء قط فقلت: لا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا لي، فقلت: يا رسول الله: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب 68] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «كبيرا كبيرا كبيرا» .

وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما سئل رسول الله شيئاً إلا أعطاه ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى أهله فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً صلّى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما بينها [ (3) ] ، ويرحم الله تعالى أبا عبد الله محمد المعروف بابن جابر حيث قال:

هذا الّذي لا يخش فقرا إذا ... يعطي ولو كثر الأنام وداموا

هذا من الأنعام أعطى أملا ... فتحيّرت لعطائه الأفهام

وأعطاه صلى الله عليه وسلّم ذلك، لأنه عليه الصلاة والسلام علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء، وهو الإحسان، فعالجه به حتى برأ من داء الكفر، وهذا من كمال شفقته، ورحمته ورأفته صلى الله عليه وسلّم، أي

__________

[ (1) ] أخرجه من حديث جابر البخاري 10/ 455 (6034) ومسلم 4/ 1805 (56/ 2311) .

[ (2) ] انظر المجمع 9/ 10213/ 171.

[ (3) ] أخرجه مسلم 4/ 1806 (58/ 2312) .

عامله بكمال الإحسان، وأبعده من حر النيران، إلى برد لطيف الجنان.

وروى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى [ (1) ] ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:.

يروى حديث النّدى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهلّ ومنسجم

من وجه أحمد لي ندى ومن يده ... بحر ومن فمه درّ لمنتظم

يمّم نبيا يباري الرّيح نافلة ... والمزن من كل هامي الورد خير همي

لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحرا منه أن تعم

يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كلّ طامي الموج ملتطم

لو لم تحط كفّه بالبحر ... ما اشتملت كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي

وروى الترمذي عن الربيع بن عفراء قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقناع من رطب، وجرو زغب، فأعطاني ملء كفي حليّا، أو ذهبا، ويرحم الله ابن جابر حيث قال:.

لقد كان فعل الخير قرّة عينه ... فليس له فيما سواه مجال

فلو سألوا من كفّه ردّ سائل ... أجابهم هذا السؤال محال

ولو عرف المحتاج قبل سؤاله ... كفاه، وأغنى أن يكون شؤال

يبادر للحسنى ويبذل زاده ... ولو بات مسّ الجوع منه ينال

وروى البخاري، وابن ماجة، وابن سعد، والطبراني، والإسماعيلي والنّسائي عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلّم ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال سهل: أتدرون ما البردة؟ قالوا، الشّملة، قال: نعم، قالت نسجتها بيدي لأكسوكها فخذها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلّم محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال الأعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وفي لفظ، فقال: «نعم» ، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه، ثم سأله، وعلم أنه لا يرد سائلا، وفي لفظ: لا يسأل شيئا فيمنعه قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، رجوت بركتها حين لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سهل: فكانت كفنه، زاد الطبراني: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن تنزع [ (2) ] .

وروى الطبراني عن أم سنبلة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهدية، فأبى أزواجه أن يقبلنها، فأمرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذنها، ثم أقطعها واديا.

__________

[ (1) ] انظر أخلاق النبوة (40) .

[ (2) ] أحمد في المسند 5/ 333.

وروى الدّارمي عن هارون بن أبان قال: قدّم للنبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألف درهم، وهو أكثر مال أتي به قط، فوضع على حصير من المسجد، ثم قام بنفسه، فما رد سائلا، حتى فرغ منه، قالوا: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قسم بين رجلين من النّعم والشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث، وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: أنّه في يوم حنين جاءت امرأة، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذ، وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود ...

وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمال من البحرين فقال: انظروا يعني صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فأديت نفسي، وفأديت عقيلا، فقال: «خذ» فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إليّ قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت، قال: «لا أستطيع» ، ثم نثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله: مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت» ، قال: «لا» ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وثمّ منها درهم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا

أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول مال حمل إليه.

وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي صلى الله عليه وسلّم فضربه، ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، قلت: لا، ثم قال:

«بعنيه بوقيّة» ، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل، ونقد لي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك»

وفي لفظ البخاري قال صلى الله عليه وسلّم لجابر في سفر: «بعني جملك» ، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي وأمي، فقال:

«بعنيه» فباعه إياه، وأمر بلالا أن ينقده ثمنه، فأنقده ثم قال صلى الله عليه وسلم: «اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما» ،

انتهى، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم مكافأة لقوله: بل هو لك، فأعطاه الثمن، ورد عليه الجمل، وزاد الدعاء بالبركة.

وروى الشيخان عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقى جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان،

فيدارسه في القرآن. فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة [ (1) ] .

وروى التّرمذي والخرائطي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض، حتى يأتينا شيء فنعطيك، فقال عمر: ما كلفك الله هذا، أعطيت ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف، قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، حتى عرف في وجهه،

فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي وأمي أنت، فأعط، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال: «بهذا أمرت» .

وروى ابن سعد عن أنس والتّرمذي عن علي قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس [ (2) ] .

وروى بقي بن مخلد وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل تعلم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل» [ (3) ] .

وروى ابن أبي خيثمة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان أجود الناس كفا.

وروى ابن أبي شيبة عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس [ (4) ] .

وروى بزّار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل [ (5) ] .

وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: دخل رجلان على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسألانه عن ثمن بعير فأعانهما بدينارين، فخرجا من عنده، فلقيا عمر بن الخطاب، فأثنيا خيرا، وقالا معروفا، وشكرا ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهما، فدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لكن فلانا أعطيته ما بين العشرة والمائة فلم يقل ذلك، إن أحدهم يسألني فينطلق بمسألته يتأبّطها، وما هي إلا نار» ، فقال عمر يا رسول الله، فلم تعطهم ما هو نار؟ فقال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» [ (6) ] .

وروى الإمام والخمسة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، وقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدّخره

__________

[ (1) ] سيأتي في الصيام.

[ (2) ] أخرجه ابن سعد 1/ 2/ 93 والترمذي في الشمائل (190) .

[ (3) ] ذكره الحافظ الهيثمي في المجمع 1/ 166، 92/ 13 وفي المطالب (3077) والكنز (28771) وأخرجه ابن حبان في المجروحين 2/ 301 وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 123.

[ (4) ] ابن أبي شيبة 9/ 102 ابن سعد 1/ 2/ 99 وانظر المجمع 3/ 150.

[ (5) ] وبنحوه أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصفهان 1/ 23.

[ (6) ] أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد 849، 2074) وانظر جمع الجوامع للسيوطي 1/ 1095، 2/ 657.

عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير، وأوسع من الصبر» .

وروى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا ولا بخيلا» [ (1) ] .

وروى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومعه الناس، مقبلا من حنين علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة نعم لقسمته عليكم لا بخيلا، ولا كذابا، ولا جبانا» [ (2) ] .

وروى أبو جعفر بن جرير الطبري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: حكيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلّة أنمار صوف أسود، فجعل حاشيتها بيضاء، وقام فيها إلى أصحابه، فضرب بيده إلى فخذه فقال: «ألا ترون إلى هذه ما أحسنها!» فقال أعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يسأل شيئاً أبدا فيقول: لا، فقال:

«نعم» ، فأعطاه الجبة.

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما لأناس، فقلت: يا رسول الله لغير هؤلاء كانوا أحقّ بهذا القسم، فقال: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل» [ (3) ] .

وروى ابن الأعرابي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين سأله الناس، فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ماذا تريدون؟ أتريدون أن تبخّلوني؟ فو الله ما أنا ببخيل، ولا جبان، ولا كذوب» ، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، فكأنما أنظر- حين مدّ يدا من منكبه- شقة القمر من بياضه [ (4) ] .



كلمات دليلية: