فضائل أخرى له صلى الله عليه وسلم_16864

فضائل أخرى له صلى الله عليه وسلم


ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وكيف طهره الله نفسا وخيما وشرفه حديثا وقديما وألقى إلى آبائه الأقدمين من الدلائل على اصطفائه إياه فى الآخرين وابتعاثه له رحمة للعالمين ما صيره لديهم قبل وجوده بطوائل السنين معلوما

فى الصحيح من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» «1» .

وفى حديث عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يزل الله عز وجل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، صفيا مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» «2» .

وخرج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى، من حديث المطلب بن أبى وداعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال: «من أنا» ؟ فقالوا: «أنت رسول الله عليك السلام» قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلنى فى خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا» . وفى رواية:

«فأنا خيرهم نفسا، من خيرهم بيتا» «3» .

__________

(1) أخرجه الترمذى (3605) ، الإمام أحمد فى المسند (4/ 107) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (163) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (9/ 89) ، السيوطى فى الدر المنثور (3/ 294، 4/ 274) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (11/ 478) .

(2) أخرجه السيوطى فى الدر المنثور (3/ 294، 5/ 98) .

(3) أخرجه الترمذى (1/ 76) باب ما جاء فى فضل النبى، البيهقى فى السنن الكبرى (7/ 387، 388، 10/ 57) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 64، 3/ 258) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (11/ 20) ، الطبرانى فى الكبير (7/ 383، 17/ 136) ، الهيثمى فى المجمع (1/ 22، -

وصدق صلى الله عليه وسلم، والصدق شيمته، وفوق العالمين طرا قدره الرفيع وقيمته، هو أشرفهم حسبا وأفضلهم نسبا وأكرمهم أما وأبا.

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «1» بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصى- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب، ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

هذا الصحيح المجتمع عليه فى نسبه، وما فوق ذلك مختلف فيه.

ولا خلاف فى أن عدنان من ولد إسماعيل نبى الله، ابن إبراهيم خليل الله، عليهما السلام، وإنما الاختلاف فى عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء. فمقلل ومكثر.

وكذلك من إبراهيم إلى آدم عليهما السلام، لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله.

روى عن ابن عباس قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك ثم يقول:

«كذب النسابون» ، قال الله تعالى: «وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» [الفرقان: 38] .

ومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل.

فولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان.

فصارت عك فى دار اليمن، لأن عكا تزوج فى الأشعريين منهم وأقام فيهم، فصارت الدار واللغة واحدة.

والأشعريون هم بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب ابن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «2» .

وقحطان هو عند جمهور العلماء بالنسب أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، والعرب كلها عندهم من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب كلها. والله أعلم.

__________

4/ 238، 244، 10/ 375) ، شرح السنة للبغوى (3/ 239، 9/ 246) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (2/ 206، 7/ 194) ، المتقى الهندى فى الكنز (29687) .

(1) قال ابن إسحاق فى السيرة: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم. وانظر ذكر نسب النبى فى: السيرة (1/ 23، 24) ، والبداية والنهاية كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه (2/ 257) .

(2) انظر: السيرة (1/ 27) ذكر نسب ولد إسماعيل.

وأما معد، فذكر الزبير بن أبى بكر رحمه الله، أن بختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب وإدخال الجنود عليهم فيها، وقتل مقاتلهم لانتهاكهم معاصى الله، واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياءه، وردهم رسالاته، أمر أرميا بن حلقيا، وكان فيما ذكر نبى بنى إسرائيل فى ذلك الزمان: أن ائت معد بن عدنان الذى من ولده محمد خاتم النبيين، فأخرجه عن بلاده واحمله معك إلى الشام، وتول أمره قبلك.

ويقال: بل المحمول عدنان، والأول أكثر.

وفى حديث عن ابن عباس، أن الله بعث ملكين، فاحتملا معدا، فلما أدبر الأمر رده فرجع إلى موضعه من تهامة، بعدما دفع الله بأسه عن العرب، فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم، وبها منهم بقية هم ولاة البيت يومئذ، فاختلط بهم وناكحهم.

فولد معد بن عدنان نفرا، منهم قضاعة، وكان بكره الذى به يكنى فيما يزعمون، وقنص، ونزار، وإياد.

فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ وانتمت إلى ابنه مالك بن حمير، حتى قال قائل منهم يفخر بذلك:

نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير

النسب المعروف غير المنكر ... فى الحجر المنقوش تحت المنبر «1»

وأنكر كثير من الناس منتماهم هذا، وجرت بينهم وبين من قال به من القضاعيين فى ذلك أقاويل معروفة وأشعار محفوظة.

قال الزبير: ولم يجتمع رأى قضاعة على الانتساب فى اليمن، بل أهل العلم منهم والدين مقيمون على نسبهم فى معد.

وأما قنص بن معد، فهلكت بقيتهم فيما زعموا، وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة «2» .

واحتج من قال ذلك بأن عمر- رضى الله عنه- حين أتى بسيف النعمان بن

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 28) .

(2) انظر: السيرة (1/ 28) .

المنذر، دعا جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى «1» ، فسلحه إياه، ثم قال: ممن كان يا جبير النعمان بن المنذر؟.

فقال: كان من أشلاء، قنص بن معد.

وكان جبير أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر الصديق.

وكان أبو بكر رضى الله عنه، أنسب العرب «2» .

وقد قيل فى نسب النعمان غير ذلك، مما سيأتى ذكره عند تأدية الحديث إليه، إن شاء الله تعالى.

وقد ذكر أيضا فى بنى معد الضحاك بن معد.

ذكر الزبير بإسناد له إلى مكحول قال: أغار الضحاك بن معد على بنى إسرائيل فى أربعين رجلا من بنى معد، عليهم دراريع الصوف خاطمى خيلهم بحبال الليف، وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى، إن بنى معد أغاروا علينا، وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت نبينا؟ فادع الله عليهم.

فتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله صلى، ثم قال: يا رب إن بنى معد أغاروا على بنى إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا، وسألونى أن أدعوك عليهم.

فقال الله تعالى: يا موسى لا تدع عليهم، فإنهم عبادى، وإنهم ينتهون عند أول أمرى، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته.

قال: يا رب، ما بلغ من محبتك له؟.

قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته؟.

__________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (1/ 303) ، الإصابة ترجمة رقم (1094) ، أسد الغابة ترجمة رقم (698) ، نسب قريش (201) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (43) ، التاريخ الكبير (2/ 223) ، المعارف (485) ، الجرح والتعديل (2/ 512) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (35) ، جمهرة أنساب العرب (116) ، العقد الثمين (3/ 408) .

(2) انظر: السيرة (1/ 28) .

قال: يستغفرنى مستغفرهم فأغفر له، ويدعونى داعيهم فأستجيب له.

قال: يا رب فاجعلهم من أمتى.

قال: نبيهم منهم.

قال: يا رب فاجعلنى منهم.

قال: تقدمت واستأخروا.

قال الزبير: وحدثنى على بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى عليه السلام، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثم أغاروا، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثلاث مرات.

فقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء.

فقال: يا موسى، دعوتنى على قوم منهم خيرتى فى آخر الزمان.

وأما نزار بن معد، واسمه مشتق من النزر وهو القليل، فيقال: إن أباه معدا لما ولد له نظر إلى نور بين عينيه، ففرح لذلك فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إن هذا كله لنزر فى حق هذا المولود.

وما كان الذى رآه إلا نور النبوة، الذى لم يزل ينتقل فى الأصلاب، حتى انتهى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فطبق الأرض نورا، وهدى الله به من أراد سعادته من عباده، صراطا مستقيما.

وكل هذه الأنوار والآثار شاهدة له- عليه السلام- بعظيم عناية الله، وكريم المكانة عنده، فلم تزل بركته صلى الله عليه وسلم متعرفة فى آبائه الماضين، وظاهرة على أسلافه الأكرمين، تشير المخايل اللائحة فيهم إليه، وتدل الدلائل الواضحة فى أوليتهم عليه، صلوات الله وبركاته عليه.

فولد نزار بن معد: مضر وربيعة وأنمارا وإيادا، وإليه دفع أبوه حجابة الكعبة فيما ذكر الزبير. وأمه سودة بنت عك بن عدنان.

وقيل هى أم مضر خاصة، وأم إخوته الثلاثة أختها شقيقة ابنة عك بن عدنان.

وقد قيل: إن إيادا شقيق لمضر، أمهما معا سودة.

فإنمار هو أبو بجيلة وخثعم، وقد تيامنت بجيلة إلا من كان منهم بالشام والمغرب، فإنهم على نسبهم إلى أنمار بن نزار.

وجرير بن عبد الله «1» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سادات بجيلة وله يقول القائل:

لولا جرير هلكت بجيلة ... نعم الفتى وبئست القبيلة

وكذلك تيامنت الدار أيضا بخثعم، وهم بنو أقيل بن أنمار، وإنما خثعم جبل تحالفوا عنده فسموا به، وهم بالسراة على نسبهم إلى أنمار.

وإذا كان بين مضر واليمن فيما هنالك حرب، كانت خثعم مع اليمن على مضر «2» .

ويروى أن نزارا لما حضرته الوفاة، قسم ماله بين بنيه الأربع: مضر وربيعة وإياد وأنمار.

فقال: هذه القبة لقبة كانت له حمراء من أدم، وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء، وما أشبها لإياد. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه.

وقال لهم: إن أشكل عليكم الأمر فى ذلك واختلفتم فى القسمة، فعليكم بالأفعى الجرهمى. وكان بنجران.

فاختلفوا بعده وأشكل أمر القسمة عليهم، فتوجهوا إلى الأفعى. فبينا هم فى مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذى رعى هذا لأعور.

فقال ربيعة: وهو أزور. وقال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار: وهو شرود.

فلم يسيروا إلا قليلا، حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال له مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر؟ قال نعم. قال أنمار: وهو شرود؟ قال: نعم، هذه والله صفة بعيرى دلونى عليه. فحلفوا له ما

__________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (326) ، الإصابة الترجمة رقم (1139) ، أسد الغابة الترجمة (730) ، طبقات ابن سعد (6/ 22) ، طبقات خليفة (116، 138) ، تاريخ خليفة (218) ، التاريخ الكبير (2/ 211) ، الجرح والتعديل (2/ 502) ، تهذيب الكمال (191) ، تاريخ الإسلام (2/ 274) ، العبر (1/ 57) ، تهذيب التهذيب (2/ 73) ، خلاصة تذهيب الكمال (61) ، شذرات الذهب (1/ 57، 58) .

(2) انظر: السيرة (1/ 78) .

رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته!! فساروا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمى، فنادى صاحب البعير: بعيرى، وصفوا لى صفته، ثم قالوا: لم نره!

فقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه، ولم تروه؟

فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور.

وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعلمت أنه أفسدها لشدة وطئه لازوراره.

وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به.

وقال أنمار: عرفت أنه شرود، أنه كان يرعى فى المكان المتلف نبته، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث.

قال الشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه.

ثم سألهم من هم؟

فأخبروه، فرحب بهم وقال: تحتاجون إلى وأنتم كما أرى!

فدعا لهم بطعام، فأكل وأكلوا وشرب وشربوا.

فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر.

وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربى بلبن كلبة.

وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا سرنى لولا أنه ليس لأبيه الذى يدعى له.

وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع فى حاجتنا.

وسمع صاحبهم كلامهم، فقال: ما هؤلاء؟! إنهم لشياطين.

ثم أتى أمه، فسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها، فوطئها، فجاءت به.

وقال للقهرمان: الخمر التى شربناها ما أمرها؟

قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك.

وسأل الراعى عن اللحم، فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، ولم يكن ولد فى الغنم غيرها. فأتاهم، فقال: قصوا على قصتكم، فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم، وما كان من اختلافهم.

فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير والإبل، وهى حمر، فسميت مضر الحمراء.

قال: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة. فصارت له الخيل، وهى دهم، فسمى ربيعة الفرس.

قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال فيه بلق، فهو لإياد. فصارت له الماشية البلق. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.

وكان يقال: مضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل.

وروى ميمون بن مهران، عن عبد الله بن العباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين» «1» .

وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه: «إذا اختلف الناس فالحق مع مضر» «2» .

وسمع عليه السلام قائلا يقول:

إنى امرؤ حميرى حين تنسبنى ... لا من ربيعة آبائى ولا مضرا

فقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك أبعد لك من الله ومن رسوله» «3» .

ومما يؤثر من حكم مضر بن نزار ووصاياه: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق.

فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان بن مضر.

قال الزبير: وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد.

__________

(1) أخرجه ابن حجر فى الفتح (7/ 146) ، المتقى الهندى فى الكنز (23987) .

(2) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (33989) ، ابن حجر فى المطالب العالية (4188) ، ابن عدى فى الكامل فى الضعفاء (1456) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (12/ 198) .

(3) أخرجه أبو داود فى السنن كتاب البيوع باب (88) ، البيهقى فى السنن الكبرى (6/ 174) ، الزيلعى فى نصب الراية (4/ 128) .

وقال ابن هشام: أمهما جرهمة. ولما أدرك إلياس بن مضر، أنكر على بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم، حتى جمعهم على رأيه، ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد.

فردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنتهم تامة على أولها.

وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، أو فى زمانه.

وأول من وضع الركن للناس بعد هلاكه، حين غرق البيت وانهدم زمن نوح عليه السلام.

فكان أول من سقط عليه إلياس، أو فى زمانه، فوضعه فى زاوية البيت للناس.

ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وهو الأشبه، إن شاء الله.

ولم تبرح العرب تعظم إلياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كلقمان وأشباهه.

فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة، وطابخة، وقمعة.

وأمهم خندف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمها ليلى، واسم مدركة عامر، واسم طابخة عمرو، واسم قمعة عمير.

وإنما حالت أسماؤهم إلى الذى ذكرنا أولا عنهم، فيما ذكروا، أن أرنبا أنفرت إبل إلياس بن مضر، فصاح ببنيه هؤلاء أن يطلبوا الإبل والأرنب.

فأما عمير فاطلع من المظلة ثم قمع. فسمى قمعة.

وخرج عامر وعمرو فى آثار الإبل، وخرجت أمهم ليلى تسعى خلفهم.

فقال لها زوجها إلياس: أين تخندفين؟ أى أين تسعين. فسميت خندف «1» .

ومر عامر وعمرو بظبى، فرماه عمرو فقتله، ويقال: بل رمى الأرنب التى أنفرت الإبل، فقال له عامر: اطبخ صيدك، وأنا أكفيك الإبل. فطبخ عمرو، فسمى طابخة.

وأدرك الإبل عامر، فسمى مدركة.

__________

(1) قال ابن حجر فى فتح البارى (6/ 633) : خندف هى بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء، وهو اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها: ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها والخندف: الهرولة.

واشتهر بنو خندف هؤلاء بأمهم خندف للذى سار من فعلها فى الناس.

وذلك أنه لما مرض زوجها إلياس وجدت لذلك وجدا شديدا، ونذرت إن هلك، ألا تقيم فى بلد مات فيه، ولا يظلها بيت بعده، وأن تسيح فى الأرض. وحرمت الرجال والطيب.

فلما هلك إلياس خرجت سائحة فى الأرض حتى هلكت حزنا.

وكانت وفاته يوم الخميس، فكانت كلما طلعت الشمس من ذلك اليوم تبكيه حتى تغيب، فصارت خندف وما صنعت عجبا فى الناس، يتحدثون به ويذكرونه فى أشعارهم.

فقيل لرجل من إياد، أو همدان، وقد هلكت امرأته: ألا تبكى عليها؟

فقال: لو كان ذلك يردها لفعلت كما فعلت خندف على إلياس. ثم اندفع يقول:

لو أنه يغنى بكيت كخندف ... على إلياس حتى ملها الشر تندب

إذا مونس لاحت خراطيم شمسه ... بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب

ولم تر عيناها سوى الدفن قبره ... فساحت وما تدرى إلى أين تذهب

فلم يغن شيئا طول ما بلغت به ... وما طلها دهر وعيش معذب

وفقدت امرأة من غسان أخاها ثم أباها، فمكثت دهرا تبكى عليهما، فنهاها قومها، فقالت:

تلحون سلمى أن بكت أباها ... وقبل ما قد ثكلت أخاها

فحولوا العذل إلى سواها ... عصتكم سلمى إلى هواها

كما عصت خندف من نهاها ... خلت بنيها أسفا وراها

تبكى على آلياس فما أتاها

فولد مدركة بن إلياس نفرا، منهم خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة.

وأمهما امرأة من قضاعة، قيل: هى سلمى بنت سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقيل غير ذلك.

فولد خزيمة بن مدركة كنانة وأسدا وأسدة والهون.

وأم كنانة منهم، عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. وقيل: هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. قرأته بخط أحمد بن يحيى بن جابر.

فولد كنانة بن خزيمة جماعة منهم: النضر، وبه كان يكنى، ونضير، ومالك، وملكان، وعمرو، وعامر، وأمهم برة بنت مر، خلف عليها كنانة بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله، إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها.

فنهى الله عن ذلك بقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: 22] «1» .

ويقال: إن برة هذه، لما أهديت أولا إلى خزيمة بن مدركة، قالت له: إنى رأيت فى المنام كأنى ولدت غلامين من خلاف بينهما سابياء، فبينا أنا أتأملهما إذا أحدهما أسد يزأر وإذا الآخر قمر ينير.

فأتى خزيمة كاهنة بتهامة، فقص عليها الرؤيا، فقالت: لئن صدقت رؤياها لتلدن منك غلاما يكون لولده قلوب باسلة، ثم لتموتن عنها فيختلف عليها ابن لك، فتلد منه غلاما يكون لولده عدل وعدد وقروم مجد وعز إلى آخر الأبد.

ثم توفى خزيمة، فخلف عليها كنانة بعد أبيه، فولدت له النضر وإخوته، وإنما سمى النضر، لنضارة وجهه وجماله.

وأتى أبوه كنانة بن خزيمة وهو نائم فى الحجر، فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر.

فقال: كل يا رب.

فصار هذا كله فى قريش.

والنضر هو جماع قريش فى قول طائفة من أهل العلم بالنسب، والأكثر على أن فهر بن مالك بن النضر هو قريش.

فمن كان من ولده فهو قرشى، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى.

وذكر الزبير أن هذا هو رأى كل من أدرك من نساب قريش.

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 93) .

فولد النضر بن كنانة مالكا، ويخلد، والصلت «1» .

فولد مالك فهر بن مالك. وأمه جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعيد بن الحارث بن مضاض الجرهمى. وهو جماع قريش عند الأكثر.

قال الزبير: قد اجتمع النساب من قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت عن فهر.

ويقال: إن قريشا هو اسمه الذى سمته به أمه، ولقبته فهرا.

فولد فهر بن مالك غالبا ومحاربا والحارث وأسدا، وأختهم جندلة. وأم جميعهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة «2» .

ولما حضرت الوفاة فهر بن مالك، قال لابنه غالب: يا بنى، إن فى الحزن إقلاق النفوس قبل المصائب، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما القلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك وعن شمالك، وبما ترى من آثارها فى محيى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك.

فولد غالب بن فهر لؤيا وتيما، وهو الأدرم، كان منقوص الذقن.

ويقال لقومه: بنو الأدرم.

وأمهما فى قول ابن إسحاق «3» : سلمى بنت عمرو الخزاعى.

وفى قول الزبير: عاتكة بنت يخلد بن النضر.

وروى أن لؤى بن غالب قال لأبيه، وهو غلام حديث: يا أبت، من رب معروفة قل إخلاقه، ونضر ماؤه. ومن أخلقه أخمله، وإذا أخلق الشىء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.

فقال له أبوه غالب: إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك، وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول فعد على قومك بفضلك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل ولم تعل به درجة على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 94- 95) .

(2) انظر: السيرة (1/ 95) .

(3) انظر: السيرة (1/ 95) .

فولد لؤى بن غالب كعبا وعامرا، وسامة، وعوفا وسعدا، وخزيمة «1» .

فدخل بنو خزيمة فى شيبان، ويسمون فيهم بعائذة، وهى امرأة من اليمن، كانت أم بنى عبيد بن خزيمة فنسبوا إليها.

وكذلك دخل بنو سعد، فى شيبان، ويسمون فيهم ببنانة حاضنة كانت لهم من قضاعة، وقيل من النمر بن قاسط، فنسبوا إليها.

وأما سامة بن لؤى، فخرج إلى عمان، ويزعمون أن عامر بن لؤى أخرجه.

وذلك أنه كان بينهما شىء، ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عمان.

فيزعمون أن سامة بن لؤى بينا هو يسير على ناقته، إذ وضعت رأسها ترتع، فأخذت حية بمشفرها، فهصرتها «2» حتى وقعت الناقعة لشقها، ثم نهشت ساقه فقتلته. فقال سامة حين أحس بالموت، فيما يزعمون:

عين فابكى لسامة بن لؤى ... علقت ما بسامة العلاقة

لا أرى مثل سامة بن لؤى ... يوم حلوا به قتيلا لناقة

بلغا عامرا وكعبا رسولا ... أن نفسى إليهما مشتاقة

إن تكن فى عمان دارى فإنى ... غالبى خرجت من غير فاقة

رب كأس هرقت يا بن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة

رمت دفع الحتوف يا بن لؤى ... ما لمن رام ذاك بالحتف طاقة

وخروس السرى تركت رديا ... بعد جد وحدة ورشاقة «3»

قال ابن هشام: وبلغنى أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى سامة بن لؤى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألشاعر؟» فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:

رب كأس هرقت يابن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة

قال: «أجل» «4» .

__________

(1) انظر: السيرة (96) .

(2) الهصر: هو الكسر، هصر الشىء يهصره هصرا: جبذه وأماله وأهتصره، وقال أبو عبيدة: هصرت الشىء ووقصته إذا كسرته. انظر: اللسان (مادة هصر) .

(3) خروس السرى: يعنى ناقة صموتا صبورا. السرى: هو سير الليل، وقيل: سير الليل كله.

(4) ذكره الأصفهانى فى كتاب الأغانى (9/ 104) ، وليس له إسناد يعرف.

قال ابن إسحاق «1» : وأما عوف بن لؤى، فإنه خرج فيما يزعمون فى ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطئ به، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، فحبسه والتاطه وآخاه وزوجه، فانتسب بتلك المؤاخاة إلى سعد بن ذبيان أبى ثعلبة.

وثعلبة، يزعمون، هو القائل له:

احبس على ابن لؤى جملك ... تركتك القوم ولا مترك لك

ويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: لو كانت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لا دعيت بنى مرة بن عوف، إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع؛ يعنى عوف بن لؤى.

وهم فى نسب غطفان مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهم يقولون إذا ذكر لهم النسب: ما ننكره ولا نجحده، وإنه لأحب النسب إلينا.

وقيل: إن عمر بن الخطاب قال لرجال من بنى مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. وكان القوم أشرافا فى غطفان هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان ابن أبى حارثة، وأخوه خارجة بن سنان، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهشام بن حرملة، قوم لهم صيت وذكر فى غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم.

على أن الحصين بن الحمام قد تحير فى هذا واختلف رأيه، فلما سمع قول الحارث ابن ظالم، أحد بنى مرة بن عوف، حين هرب من النعمان بن المنذر ولحق بقريش:

وما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا «2»

فقومى إن سألت بنو لؤى ... بمكة علموا مضر الضرابا

سفهنا باتباع بنى بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا

سفاهة مخلف لما تروى ... هراق الماء واتبع السرابا «3»

فلو طوعت عمرك كنت فيهم ... وما ألفيت انتجع السحابا «4»

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 98- 99) .

(2) الشعر: جمع أشعر، وهو الكثير الشعر.

(3) المخلف: الذى يسقى الماء. هراق: أى صبه.

(4) انتجع: أى ذهب فى طلب الكلاء فى موضعه. وذكره ابن إسحاق فى السيرة وزاد فى آخره بيت هو:

وخش رواحة القرشى رحلى ... بناحية ولم يطلب ثوابا

انظر: السيرة (1/ 98- 99) .

قال الحصين بن الحمام يرد عليه وينتمى إلى غطفان:

ألا لستم منا ولسنا إليكم ... برئنا إليكم من لؤى بن غالب

أقمنا على عز الحجاز وأنتم ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب

يعنى قريشا.

ثم ندم الحصين على ما قال، وعرف صدق الحارث، فأكذب نفسه وقال:

ندمت على قول مضى كنت قلته ... تبينت فيه أنه جد كاذب

فليت لسانى كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب

أبونا كنانى بمكة قبره ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب

لنا الربع من بيت الحرام وراثة ... وربع البطاح عند دار ابن حاطب

يعنى أن بنى لؤى كانوا أربعة، كعبا، وعامرا، وسامة، وعوفا.

وفى بنى مرة بن عوف كان البسل، وذلك ثمانية أشهر حرم لهم من كل سنة من بين العرب، يسيرون به إلى أى بلاد العرب شاؤا، ولا يخافون منهم شيئا، قد عرفوا ذلك لهم لا يدفعونه ولا ينكرونه.

وكان سائر العرب إنما يأمنون فى الأشهر الحرم الأربعة فقط.

وذكر الزبير عن أبى عبيدة، أنه كانت لقريش فى هذا مزية على سائر العرب قاطبة، وذلك أن العربى لم يكن ليخرج من داره فى غير الأشهر الحرم إلا فى جماعة، وكان القرشى يخرج حيث شاء وأنى شاء، فيقال: رجل من أهل الله فلا يعرض له عارض، ولا يريبه أحد بمكروه، ويعظمه من لقيه أو ورد عليه، ولذلك قال من قال منهم:

القرشى بكل بلد حرام.

وأما كعب بن لؤى، وعامر بن لؤى، فهما أهل الحرم وصريح ولد لؤى.

وكان كعب منهما عظيم القدر فى العرب، وأرخوا بموته إعظاما له، إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به «1» .

وكان بين موته والفيل، فيما ذكروا، خمسمائة سنة وعشرون سنة. وكان يوم الجمعة يسمى العروبة، فسماه كعب الجمعة لاجتماع قومه فيه يخطبهم ويذكرهم.

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 102) .

فيقول فيما يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار ضاح، والسماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عن أمرها صفحا، الآخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم وتمسكوا به فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج به نبى كريم. ثم ينشد أبياتا منها:

صروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقدة ما يستحيل مريرها

على غفلة يأتى النبى محمد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها

ثم يقول:

يا ليتنى شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغى الحق خذلانا

أما والله لو كنت ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الفحل، ولأرقلت فيها إرقال الجمل، فرحا بدعوته جذلا بصرخته.

فولد كعب بن لؤى بن مرة، وهصيصا، وعديا «1» .

وأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك.

وقيل: إن أم عدى وحده امرأة من فهر، وهى حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

فولد مرة بن كعب كلابا، وتيما، ويقظة «2» .

فولد كلاب رجلين: قصيا وزهرة. وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل، أحد الجدرة من خثعمة الأسد من اليمن، حلفاء فى بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويقال خثعمة الأسد «3» .

واسم سيل: خير، وإنما سمى سيلا لطوله. وسيل اسم جبل، وهو خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن خثعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد.

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 102) .

(2) انظر: السيرة (1/ 102) .

(3) انظر: السيرة (1/ 103) .

وسمى عامر الجادر لأنه بنى جدارا للكعبة، كان وهى من سيل أتى أيام ولاية جرهم البيت.

وكان عامر تزوج منهم بنت الحارث بن مضاض، وقيل لولده الجدرة لذلك.

وذكر الشرفى بن القطامى، أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة ويأخذون من طينها وحجارتها تبركا بذلك، وأن عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ما شعث من جدرها، فسمى الجادر. والله أعلم.

وسعد بن سيل جد قصى بن كلاب، وهو أول من حلى السيوف بالفضة والذهب، وأهدى إلى كلاب بن مرة مع ابنته فاطمة سيفين محليين، فجعلا فى خزانة الكعبة.

وقصى هو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا لما جمع من أمرها. وسمى قصيا لتقصيه عن بلاد قومه مع أمه فاطمة بعد وفاة أبيه كلاب بن مرة.

وحديثه فى ذلك طويل، وسنذكره إن شاء الله عند ذكر ولايته البيت، وهناك نذكر مآثره وعظيم غنائه فى إقامة أمر قومه، إن شاء الله، فإن القصد هنا الإيجاز ما أمكن فى إيراد هذا النسب المبارك، لتحصل لسامعه الفائدة بانتظامه واتصاله، ولا يضل ذلك عليه بما تخلل أثناءه من القواطع التى تباعد بين أطرافه.

فولد قصى بن كلاب أربعة نفر وامرأتين «1» :

عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبدا، وتخمر، وبرة.

وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى.

وساد عبد مناف فى حياة أبيه، وكان مطاعا فى قريش، وهو الذى يدعى القمر لجماله، واسمه المغيرة.

ذكر الزبير عن موسى بن عقبة، أنه وجد كتابا فى حجر، فيه: أنا المغيرة بن قصى، آمر بتقوى الله وصلة الرحم.

وإياه عنى القائل بقوله:

كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف

فولد عبد مناف أربعة نفر: هاشما، وعبد شمس، والمطلب، ونوفلا «2» .

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 103- 104) .

(2) انظر: السيرة (1/ 104) .

وكلهم لعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.

إلا نوفلا فليس منهم، فإنه لوافدة بنت عمرو المازنية. مازن بن منصور بن عكرمة.

فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة «1» .

عبد المطلب، وأسدا، وأبا صيفى، ونضلة، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية، وأم عبد المطلب أمهم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار.

فولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة «2» .

العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبا طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، والحارث، وهو أكبرهم، والحجل، والمقوم، وضرارا، وعبد العزى أبا لهب، وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبرة.

فأم عبد الله وأبى طالب وجميع النساء غير صفية، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى.

فولد عبد الله بن عبد المطلب، محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، ونخبة الخلق أجمعين، فنسبه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنساب، وسببه إلى الله سبحانه باصطفائه إياه واختياره له أفضل الأسباب، وبيته فى قريش أوسط بيوتها الحرمية، وأعرق معادنها الكرمية، لم تخل قط مكة من سيد منهم أو سادات، يكونون خير جيلهم ورؤساء قبيلهم، حتى إذا درجوا سما قسماؤهم فى المجد الصميم، وشركاؤهم فى النسب الكريم إلى ذلك المقام، فعرجوا فصحبوا على ذلك الزمان.

لواؤهم على من ناوأهم منصور، وسؤدد البطحاء عليهم مقصور، والعيون إليهم أية سلكوا صور.

ثم أتى الوادى فطم على القرى، وشد الله أركان مجدهم العريق العتيق بهذا النبى الأمى، فاحتازوا المجد عن آخره. وفازوا من شرف الدين والدنيا بما تعجز ألسنة البلغاء عن أدنى مفاخره.

__________

(1) انظر: السيرة (1/ 104) .

(2) انظر: السيرة (1/ 105) .

وأمه صلى الله عليه وسلم هى آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب «1» ، قسمية أبيه من هذا الأب، وكريمة قومها أولى المكان النبيه والحسب.

وحسبها من الشرف المتين والكرم المبين والفخر الممكن غاية التمكين، أن كانت أما لخاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.

فكيف ولها من نصاعة الحسب المحسب، وعتاقة المنسب والمنصب، ما يقف عند البطاح، وتعترف له قريش البطاح.

فرسول الله صلوات الله وبركاته عليه، خيرة الخير من كلا طرفيه، وقد اعتنى الناس بنسبه الكريم نثرا ونظما، ونقبوا عن آبائه الأمجاد، وأمهاته الطاهرات الميلاد أبا فأبا وأما فأما.

فرادوا من ذلك الفخار حدائق غلبا، وسادوا من شرف تلك الآثار مراقى شمّا.

وقد تقدمت من ذلك نبذ منثورة أثناء الكلام، وستأتى إن شاء الله منظومة مع أشكالها، تفوق العقد فى النظام، فى قصيدة فريدة مفيدة، لأبى عبد الله بن أبى الخصال، خاتمة رؤساء الآداب، والعلماء المبرزين فى هذا الباب، سماها «معراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب، فى ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ومناقب أصحابه» ، قرأتها على شيخنا الخطيب أبى القاسم بن حبيش، عنه فقد رأيت أن أورد منها هنا ما يختص بهذا النسب الكريم على اختصار، يفى إن شاء الله بالغرض المروم، إذ الكلام المنظوم أعذب جريا على الألسان وأهذب رأيا فى الإفادة بالمستحسن.

وأولها:

إليك فهمى والفؤاد بيثرب ... وإن عاقنى عن مطلع الوحى مغربى

أعلل بالآمال نفسا أغرها ... بتقديم غاياتى وتأخير مذهبى

ودينى على الأيام زورة أحمد ... فهل ينقضى دينى ويقرب مطلبى

وهل أردن فضل الرسول بطيبة ... فيا برد أحشائى ويا طيب مشربى

وهل فضلت من مركب العمر فضلة ... تبلغنى أم لا بلاغ لمركب

ألا ليت زادى شربة من مياهها ... وهل مثلها ريا لغلة مذنب

__________

(1) انظر نسبها فى: السيرة (1/ 105) ، وذكرها هناك من جهة الأب، ومن جهة الأم وقال بعد نسبها من جهة الأب: وأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.

ويا ليتنى فيها إلى الله صائر ... وقلبى عن الإيمان غير مقلب

وإن امرؤ وارى البقيع عظامه ... لفى زمرة تلقى بسهل ومرحب

وفى ذمة من خير من وطئ الثرى ... ومن يعتلقه حبله لا يعذب

وما لى لا أشرى الجنان بعزمة ... يهون عليها كل طام ويسبسب

وماذا الذى يثنى عنانى وإننى ... لجواب آفاق كثير التقلب

أفقر ففى كفى لله نعمة ... وبين فقد فارقت قبل بنى أبى

وقد مرنت نفسى على البعد وانطوت ... على مثل حد السمهرى المدرب

وكم غربة فى غير حق قطعتها ... فهلا لذات الله كان تغربى

وكم فاز دونى بالذى رمت فائز ... وأخطأنى ما ناله من تغرب

أراه وأهوى فعلة البر قاعدا ... فيا قعدى البر قم وتلبب

أمانى قد أفنى الشباب انتظارها ... وكيف بما أعيى الشباب لأشيب

وقد كانت أسرى فى الظلام بأدهم ... فهأنا أغدو فى الصباح بأشهب

فمن لى وأنى لى بريح تحطنى ... إلى ذروة البيت الرفيع المطنب

إلى الهاشمى الأبطحى محمد ... إلى خاتم الرسل المكين المقرب

إلى صفوة الله الأمين لوحيه ... أبى القاسم الهادى إلى خير مشعب

إلى ابن الذبيحين الذى صيغ مجده ... ولما تصغ شمس ولا بدر غيهب

إلى المنتقى من عهد آدم فى الذرى ... يردد فى سر الصريح المهذب

إلى من تولى الله تطهير بيته ... وعصمته من كل عيص مؤشب

فجاء برىء العرض من كل وصمة ... فما شئت من أم حصان ومن أب

كروض الربا كالشمس فى رونق الضحى ... كناشئ ماء المزن قبل التصوب

عليه من الرحمن عين كلاءة ... تجنبه إلمام كل مجنب

إذا أعرضت أعراقه عن قبيلة ... فما أعرضت إلا لأمر مغيب

وما عبرت إلا على مسلك الهدى ... ولا عثرت إلا على كل طيب

فمن مثل عبد الله خير لداته ... وآمنة فى خير ضنء ومنصب

إذا اتصلت جاءتك أفلاذ زهرة ... كأسد الشرى من كل أشوس أغلب

ولا خال إلا دون سعد بن مالك ... ولو كان فى عليا معد ويعرب

ومن ذا له جد كشيبة ذى الندى ... وساقى الحجيج بين شرق ومغرب

له سؤدد البطحاء غير مدافع ... وحومة ما بين الصفا والمحصب

أبو الحارث السامى إلى كل ذروة ... يقصر عن إدراكها كل كوكب

به وبما فى برده من أمانة ... حمى الله ذاك البيت من كل مرهب

وأهلك بالطير الأبابيل جمعهم ... فيا لهم من عارض غير خلب

وفيما رآه شيبة الحمد آية ... تلوح لعين الناظر المتعجب

وفى ضربه عنه القداح مروعا ... ومن يرم بين العين والأنف يرهب

وما زال يرمى والسهام تصيبه ... إلى أن وقبه الكوم من نسل أرحب

وكانوا أناسا كلما أمهم أذى ... تكشف عن صنع من الله معجب

وعاش بنو الحاجات فيهم وأخصبوا ... وإن أصبحوا فى منزل غير مخصب

وعمرو المعالى هاشم وثريده ... بمكة يدعو كل أغبر مجدب

بمثنى جفان كالجواب منيخة ... ملئن عبيطات السنام المرعب

هو السيد المتبوع والقمر الذى ... على صفحته فى الرضا ماء مذهب

بنى الله للإسلام عزا بصهره ... إلى منتهى الأحياء من آل يثرب

وعبد مناف دوحة الشرف الذى ... تفرع منها كل أروع محرب

مطاع قريش والكفيل بعزها ... ومانعها من كل ضيم ومنهب

وزيد ومن زيد قصى مجمع ... سمعت وبلغنا وحسبك فاذهب

به اجتمعت أحياء فهر وأحرزت ... تراث أبيها دون كل مذبذب

وأصبح حكم الله فى آل بيته ... فهم حوله من سادنين وحجب

وما أسلمته عن تراخ خزاعة ... ولكن كما عض الهناء بأجرب

ولاذت قريش من كلاب بن مرة ... بجذل حكاك أو بعذق مرحب

ومرة ذو نفس لدى الحرب مرة ... وفى السلم نفس الصرخدى المذوب

وكعب عقيد الجود والحكم والنهى ... وذو الحكم الغر المبشر بالنبى

خطيب لؤى واللواء بكفه ... لخطبة ناد أو لخطة مقنب

وأول من سمى العروبة جمعة ... وصدر أما بعد يلحى ويطبى

وأرخ آل الله دهرا بموته ... سنين سدى يتعبن كف المحسب

وأضحى لؤى غالبا كل ماجد ... ومن غالب يمينه للمجد يغلب

وفهر أبو الأحياء جامع شملها ... وكاسبها من فخره خير مكسب

تقرش فامتازت قريش بفضله ... وسد فسدوا خلة المتأوب

وغادره اسما فى الكتاب منزلا ... يمر به فى آية كل معرب

ومالك المربى على كل مالك ... فتى النضر حابته السيادة بل حبى

هو الليث فى الهيجاء والغيث فى الندى ... وبدر الدياجى حين يسرى ويحتبى

تردى بفضفاض على المجد نسجه ... وليس عليه، فليجر ويسحب

وللنضر يا للنضر من كل مشهد ... هو الشمس صعد فى سناها وصوب

وأعرض بحر من كنانة زاخر ... يساق إلى أمواجه كل مذنب

وخير حكما فى الصهيل أو الوغا فلم ... أو البيت أو عز على الدهر مصحب

يقتصر واختار كلا فحازه ... إلى غاية العزم المديد المعقب

له البيت محجوبا وعز مخلد ... وأجرد يعبوب إلى جانب أصهب

وخزم آناف العتاة خزيمة ... فلاذوا بأخلاق الذلول المغرب

عظيم لسلمى بنت سود بن أسلم ... لكل قضاعى كريم مصعب

ومدركة ذو اليمن والنجح عامر ... وخير مسمى فى العلا وملقب

تراءى مطلا إذ تقمع صنوه ... ففاز بقدح ظافر لم يخيب

لأم الجبل الشم والقطر والحصى ... لخندف إن تستركب الأرض تركب

وإلياس مأوى الناس فى كل أزمة ... ومهربهم فى كل خوف ومرهب

وزاجرهم إذ بدلوا الدين ضيلة ... وأضحوا بلا هاد ولا متحوب

وجاءهم بالركن بعد هلاكه ... وقد كان فى صدع من الرض أنكب

وما هو إلا معجز لنبوة ... وبشرى وعقبى للبشير المعقب

وحج وأهدى البدن أول مشعر ... لها وفروض الحج لم تترتب

وكم حكمة لم تسمع الأذن مثلها ... له إن تلح فى ناظر العين تكتب

إلى قنص تنميه سوداء نبته ... كلا طرفيه من معد لمنسب

وفى مضر تاه الكلام وأقبلت ... مآثر سدت كل وجه ومذهب

وحينا وكاثرنا النجوم بجمعها ... بأكثر منها فى العديد وأثقب

هنالك آتى الله



كلمات دليلية: