فتح مكة_16901

فتح مكة


غزوة الفتح

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا.

ثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة، ولم يزالوا قبل ذلك متعادين، وكان الذى هاج ما بينهم أن حليفا للأسود بن رزن الديلى خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة

__________

(1) العقاب: اسم لراية الرسول صلى الله عليه وسلم.

فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن سلمى وكلثوم وذؤيب وهم منحر بنى كنانة وأشرافهم كانوا فى الجاهلية يودون ديتين ديتين لفضلهم فى قومهم، فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به.

فلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة فى عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش. فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير «1»

- ماء لهم- فأصابوا منهم رجلا وتحاجزوا واقتتلوا ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا.

فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا منهم وكانوا فى عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعى الكعبى حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوقف عليه وهو جالس فى المسجد بين ظهرى الناس فقال:

يا رب إنى ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا

إن سيم خسفا وجهه تربدا ... فى فيلق كالبحر يجرى مزبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لى فى كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا

يقول: قتلنا وقد أسلمنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم» ، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب» «2» . ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبروه بما أصيب منهم

__________

(1) الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة.

(2) انظر الحديث فى: «دلائل النبوة للبيهقى (5/ 6، 7) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 163، 164) .

ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد وليزيد فى المدة» «1» .

ومضى بديل بن ورقاء فى أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد فى المدة وقد رهبوا الذى صنعوا، فلما لقى أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: سيرت فى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى. قال: أو ما جئت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل نجس مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه. قال: والله يا بنية لقد أصابك بعدى شر!

ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج حتى دخل على علىّ بن أبى طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن بن على غلام يدب بين يديها فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما وإنى قد جئت فى حاجة فلا أرجعن كما جئت فاشفع لى، قال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكمله فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر.

قالت: والله ما بلغ بنى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:

يا أبا حسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت على فانصحنى. قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكننى لا اجد لك غير ذلك. فقام أبو

__________

(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 281) .

سفيان فقال: أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد على شيئا ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا. ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو. ويقال:

أعدى العدو، ثم أتيت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بشىء صنعته فو الله ما أدرى هل يغنى شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت.

قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك! والله ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغنى عنك ما قلت. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهى تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أى بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدرى.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال:

«اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها» «1» ؛ فتجهز الناس.

وكتب حاطب بن أبى بلتعة عند ذلك كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر فى السير إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته فى رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة كتب معها حاطب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له فى أمرهم. فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها والتمسا فى رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها على: أحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه استخرجت الكتاب من قرون رأسها فدفعته إليه. فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال: «يا حاطب، ما حملك على هذا؟» قال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكنى كنت امرء ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه؛ فقال عمر: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «2» .

__________

(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 164) . البداية والنهاية لابن كثير (4/ 2883) .

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 79، 80، 105) ، سنن الترمذى (5/ 3305) ، صحيح البخارى فى كتاب الجهاد والسير (6/ 3007) .

فأنزل الله فى حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ الآيات كلها إلى قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 1- 4] إلى آخر القصة.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره حتى نزل بمر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وقيل فى اثنى عشر ألفا، فسبعت سليم وقيل: ألفت وألفت مزينة، وفى كل القبائل عدد وإسلام. وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.

وقد كان ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه وكلمته أم سلمة فيهما وهى أخت عبد الله منهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى وأما ابن عمتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال» . فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان- ومعه بنى له- والله ليأذنن لى أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان:

لعمرك إنى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوانى حين أهدى وأهتدى

هدانى هاد غير نفسى وقادنى ... مع الله من طردت كل مطرد

فزعموا أنه لما أنشده هذا البيت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صدره وقال: «أنت طردتنى كل مطرد» «1» .

وعميت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش، فلا يأتيهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل.

وخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار. وكان العباس بن عبد المطلب قد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض.

__________

(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 165- 167) ، مستدرك الحاكم (3/ 43، 44) .

قال العباس: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت:

لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه. فو الله إنى لأسير عليها والتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمستها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتى فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك فداك أبى وأمى؟! قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة فداك أبى وأمى؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فركب خلفى ورجع صاحباه، فجئت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته. حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلى، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعنى فلأضرب عنقه. قلت: يا رسول الله، إنى قد أجرته؛ ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دونى. فلما أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فائتنى به» ؛ فذهبت به إلى رحلى فبات عندى، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال:

بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول

الله؟» قال: بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما والله هذه فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. قال له العباس: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم.

قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا.

قال: «نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» .

فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس، احبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها» . قال: فخرجت فحبسته حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه «1» . فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟

فأقول: سليم. فيقول: مالى ولسليم. ثم تمر القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة.

فيقول: مالى ولمزينة. حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته بهم قال: مالى ولبنى فلان. حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله، يا عباس من هؤلاء؟

قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قلت يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: النجاء إلى قومك. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم. قال: ويحكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغنى عنا دارك؟

قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس وسط الرحل.

ولما وقف هناك قال أبو قحافة- وقد كف بصره- لابنة له من أصغر ولده: أى بنية

__________

(1) سبق تخريجه.

اظهرى بى على أبى قبيس. فأشرفت به عليه، فقال: أى بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى السواد مقبلا ومدبرا. قال: أى بنية ذلك الوازع الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعى بى إلى بيتى. فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفى عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها.

قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: «هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه!» فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه. قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: «أسلم» . فاسلم. ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة فقال: «غيروا هذا من شعره» «1» . ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام طوق أختى. فلم يجبه أحد، فقال: أى أخية احتسبى طوقك فو الله إن الأمانة اليوم فى الناس لقليل!

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذى طوى الزبير بن العوام أن يدخل فى بعض الناس من كدى، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كدا، فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة» .

فسمعها رجل من المهاجرين، قيل: هو عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فقال: يا رسول الله اسمع ما قال سعد، ما نأمن أن تكون له فى قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية فكن أنت تدخل بها» «2» . ويقال: إنه أمر الزبير بذلك وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين. فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر غير ابن إسحاق أن ضرار بن الخطاب قال- يومئذ- شعرا استعطف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش حين سمع قول سعد، وهو من أجود شعر قاله:

يا نبى الهدى إليك لحاجى قريش ولات حين لجاء

__________

(1) ذكره الحاكم فى المستدرك (3/ 46، 47) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 173، 174) .

(2) انظر الحديث فى: الإصابة لابن حجر (5/ 254) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 169) .

حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء

والتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء

إن سعدا يريد قاصمة الظه ... ر بأهل الحجون والبطحاء

خزرجى لو يستطيع من الغي ... ظ رمانا بالنسر والعواء

فانهينه فإنه الأسد الأس ... ود والليث والغ فى الدماء

فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء

لتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع فى أكف الإماء

فحينئذ انتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية من سعد بن عبادة فيما ذكروا. والله أعلم.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد- وكان على المجنبة اليمنى- فدخل من الليط أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم قريب من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد، وهرب فضضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف.

وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر فى المهاجرين الأولين حتى نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته. ولما علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال: ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدىء بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك ولا ليخالف أمرك. فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون.

واندفع الزبير بن العوام بمن معه حتى وقف بباب الكعبة.

وجرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم: عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وكان قد أسلم وكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركا ففر يومئذ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا ثم قال: «نعم» . فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن

حوله من أصحابه: «لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» . فقال رجل من الأنصار: فهلا أو مأت إلى يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النبى لا يقتل بالإشارة» «1» . وفى رواية: «إن النبى لا ينبغى أن تكون له خائنة أعين» .

ومنهم: عبد الله بن خطل- رجل من بنى تيم بن غالب- كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وكان معه رجل مسلم يخدمه فأمره أن يصنع له طعاما ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه، فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها.

وقيل- يومئذ- لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؛ فقال:

«اقتلوه» . فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الأسلمى اشتركا فى دمه.

ومنهم: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأم كلثوم بنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما إلى الأرض، فقتله يوم الفتح على بن أبى طالب.

ومنهم: مقيس بن صبابة الليثى، وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ فقدم مقيس بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مظهرا الإسلام حتى إذا وجد غرة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركا. وقد تقدم ذكر ذلك فلأجله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله نميلة بن عبد الله- رجل من قومه- فقالت أخت مقيس فى ذلك:

لعمرى لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس

فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس

ومنهم سارة مولاة لبنى عبد المطلب ولعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فاستؤمن لها فأمنها وبقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا فى زمان عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها.

وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا، فيهم حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر، وكان قد أعر سلاحا

__________

(1) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (3/ 2683) . سنن النسائى (7/ 4078) .

وأصلح منها فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد واصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد شىء! قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم! ثم قال:

إن يقبلوا اليوم فما لى عله ... هذا سلاح كامل وأله

وذو غرارين سريع السله «1»

ثم شهد الخندمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد كانا فى خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقاتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهنى من خيل خالد، وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته: أغلقى على بابى.

قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه

واستقبلتهم بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه

ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه

لم تنطقى فى اللوم أدنى كلمه «2»

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: «لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟» قال: هم بدأونا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضاء الله خير» .

وفر- يومئذ- صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبى جهل عامدا لليمن، فأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه فى البحر فأمنه صلى الله عليك فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدرك ابن عمك فهو آمن» . قال: يا رسول الله، فأعطنى آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التى دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان فداك أبى وأمى! الله الله فى نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به قال: ويلك اغرب عنى فلا تكلمنى.

__________

(1) ذو غرارين: أى بها سيفا، والغرار: الحد.

(2) النهيب: نوع من صياح الأسد. والهمهمة: صوت فى الصدر.

قال: أى صفوان فداك أبى وأمى! أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك.

قال: إنى أخافه على نفسى. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتنى. قال: «صدق» . قال:

فاجعلنى فيه بالخيار شهرين. قال: «أنت بالخيار أربعة أشهر» «1» .

وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبى جهل وهى مسلمة- يومئذ- فقالت: يا رسول الله، آمن زوجى وائذن لى فى طلبه. فأذن لها وأمنه فأدركته ببعض تهامة وقيل: باليمن فأقبل معها وأسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء.

وكانت فاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية، وكانت أسلمت أيضا، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحدة منهما عند زوجها على النكاح الأول.

وقالت أم هانىء بنت أبى طالب وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلى رجلان من أحمائى من بنى مخزوم فدخل على أخى على بن أبى طالب فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بيتى ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ثم انصرف إلى فقال: «مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر على فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء وأمنا من أمنت فلا يقتلهما» «2» .

قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة.

ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ليستلم الركن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:

«لا إله إلا الله، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة

__________

(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 97) ، موطأ مالك (2/ 543، 544/ 44) .

(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب المسافرين (1/ 498/ 82) ، سنن أبى داود (3/ 2763) ، سنن الترمذى (4/ 1579) .

أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب» . ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] .

ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «1» .

ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد فقام إليه على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ومفتاح الكعبة فى يديه، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة» ؟ فدعى له فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» . وقال لعلى فيما حكى ابن هشام: «إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزأون» «2» .

وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال: «لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقياتهم لنزعت منها بيدى» . ثم انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم- وكان المقام لاصقا بالكعبة- فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويعجبون ويقولون: ما راينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به!

وذكر ابن هشام- أيضا- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله! جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام؟! ما شأن إبراهيم والأزلام» ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [آل عمران: 67] ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست «3» .

__________

(1) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 612) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 118) .

(2) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 177) .

(3) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (2/ 2027) ، سنن البيهقى (5/ 158) ، المطالب العالية لابن حجر (4/ 4364) .

وعن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبى يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعى:

وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا

وأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثى قتل النبى صلى الله عليه وسلم وهو بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله قال: «ماذا كنت تحدث نفسك؟» فقال: لا شىء، كنت أذكر الله. فضحك النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: «استغفر الله» ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شىء أحب إلى منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث: فقلت لا. وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام

لو ما رأيت محمد وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن، وكان دخل معه، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب:

لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصباء! فخرج عليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «قد علمت الذى قلتم» «1» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.

وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها.

فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شىء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى

__________

(1) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (3/ 132) .

أخبروه فقال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم» «1» .

وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له: ابن الأثوع فقتلوه وهو مشرك برجل من أسلم يقال له: أحمر بأسا وكان رجلا شجاعا وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه فكان يبيت فى حيه معتنزا، فإذا بيت الحى صرخوا: يا أحمر. فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شى. فأقبل غزى من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلى: لا تعجلوا حتى أنظر فإذا كان فى الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفى. فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف فى صدره ثم تحامل عليه حتى قتله. ثم أغاروا على الحاضر فصرخوا: يا أحمر ولا أحمر لهم! فلما كان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلى حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون: أنت قاتل أحمر؟ قال: نعم أنا قاتل أحمر فمه. إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف فقال: هكذا عن الرجل.

قال بعض من حضرهم: وو الله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه، فلما تفرجوا حمل عليه فطعنه بالسيف فى بطنه، فو الله لكأنى أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه وإن عينيه لترنقان فى رأسه وهو يقول: أقد فعلتموها يا معشر خزاعة! حتى انجعف فوقع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ما صنع خراش بن أمية: «إن خراشا لقتال» . يعيبه بذلك.

وقام صلى الله عليه وسلم فى الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلى ولا تحل لأحد يكون بعدى، ولم تحل لى إلا هذه الساعة غضبا على أهلها؛ ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله قد قاتل.

فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل أن يقع لقد قتلتم قتيلا لأدينه؛ فمن قتل بعد مقامى هذا فهم بخير النظرين إن شاؤا فدم قاتله وإن شاؤا فعقله» «2» .

ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذى قتلت خزاعة.

__________

(1) انظر الحديث فى: سنن الدار قطنى (3/ 232/ 59، 60) ، مسند الإمام أحمد (2/ 538) .

(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 987، 988، 446) ، سنن الترمذى (3/ 809) .

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. وكان فتحها لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.

وكان مما قيل من الشعر فى فتح مكة قول حسان بن ثابت، وذكر ابن هشام أنه قالها قبل الفتح:

عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء «1»

ديار من بنى الحسحاس قفر ... تعفيها الروماس والسماء «2»

وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء

فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقنى إذا ذهب العشاء

لشعثاء التى قد تيمته ... فليس لقلبه منه شفاء

كأن سيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء

إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء

نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء

ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء

عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء

ينازعن الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء «3»

تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يغر الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء

شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء

وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا فى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء

فنحكم بالقوافى من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء

__________

(1) عفت: أى درست وتغيرت.

(2) الحسحاس: الرجل الجواد الذى يطرد الجوع بسخائه. والروامس: الرياح التى تثير التراب فترمى به الآثار.

(3) مصغيات: أى مستمعات. والأسل: أى الرماح.

ألا أبلغ أبا سفيان عنى ... مغلغلة فقد برح الخفاء

هجوت محمدا وأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخير كما الفداء

هجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء

أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء

فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء

لسانى صارم لا عيب فيه ... وبحرى لا تكدره الدلاء

وقول ابن هشام: إن حسان قال هذا الشعر قبل الفتح ظاهر فى غير ما شىء من مقتضياته، ومن ذلك: مقاولته لأبى سفيان وهو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أسلم قبل الفتح فى طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة كما تقدم.

وكذلك ذكر ابن عقبة أن حسان قاله فى مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى أبى بكر فتبسم لقول حسان فى ذلك: يلطمهن بالخمر النساء.

وقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى:

وأنت الذى تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد

وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد

أحث على خير وأسبغ نائلا ... إذ راح كالسيف الصقيل المهند

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد

تعلم رسول الله أنك مدركى ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد

تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد

تعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفون كل موعد

ونبوا رسول الله أنى هجوته ... فلا حملت سوطى إلى إذن يدى

سوى أننى قد قلت ويلم فتية ... أصيبوا بنحس لائط وبأسعد

ذويب وكلثوم وسلمى تتابعوا ... جميعا فإن لا تدمع العين أكمد

أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء فعزت عبرتى وتبلدى

وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى فى يوم الفتح:

نفى أهل الحبلق كل فج ... مزينة غدوة وبنو خفاف

ضربناهم بمكة يوم فتح الن ... بى الخير بالبيض الخفاف

صبحناهم بسلع من سليم ... وألف من بنى عثمان واف

نطا أكتافهم ضربا وطعنا ... ورشقا بالمريشة اللطاف «1»

ترى بين الصفوف لها حفيفا ... كما انصاع الفواق من الرصاف

فرحنا والجياد تجول فيهم ... بأرماح مقومة الثقاف

فأبنا غانمين بما اشتهينا ... وآبوا نادمين على الخلاف

وأعطينا رسول الله منا ... مواثقنا على حسن التصافى

وقد سمعوا مقالتنا فهموا ... غداة الروع منا بانصراف

وقال عباس بن مرداس السلمى فى فتح مكة:

منا بمكة يوم فتح محمد ... ألف تسيل به البطاح مسوم «2»

نصروا الرسول وشاهدوا أيامه ... وشعارهم يوم اللقاء مقدم

فى منزل ثبتت به أقدامهم ... ضنك كأن الهام فيه الحنتم

جرت سنابكها بنجد قبلها ... حتى استعاد لها الحجاز الأدهم

الله مكنه له وأذله ... حكم السيوف لنا وجد مزحم

وقال نجيد بن عمران الخزاعى:

وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا ... ركام صحاب الهيدب المتراكب

وهجرتنا فى أرضنا عندنا بها ... كتاب أتى من خير ممل وكاتب

ومن أجلنا حلت بمكة حرمة ... لندرك ثأرا بالسيوف القواضب

ولما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو إلى الله، ولم يأمرهم بقتال.

وكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فقال رجل منها يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد! والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحى أبدا. فأخذه رجال من قومه

_____



كلمات دليلية: