غزوة خيبر _14662

غزوة خيبر


فتح خيبر والقضاء على قوة اليهود في جزيرة العرب

:

لقد كان يعادي محمدٌ قوتين كبيرتين تلتف حولهما كل القوى في شبه جزيرة العرب، فأما القوة الأولى فهي قريش في مكة، بما لها من نفوذ أدبي ومادي، وأما القوة الثانية فهي قوة اليهود بما لها من نفوذ وذكاء وقدرة على الدس والوقيعة، وقد اتحدت مصالح القوتين على حربه والقضاء عليه. وقد استطاع محمد أن يثبت أمام القوتين وأن يخرج من حربه معهما -مجتمعينِ- قويًّا، حتى لقد أصبح زمام المبادأة في يده، وقد استطاع ببعد نظره، وحسن سياسته، وما أظهر من مرونة وكياسة أن يعقد مع قريش عهد الحديبية، فأمِن به قريشًا وأمن الجنوب كله؛ لكنه لم يأمن من ناحية الشمال، حيث تجمعت فلول اليهود في خيبر، وأخذت تسعى لتأليف كتلة يهودية منهم، ومن يهود وادي القرى وتيماء لغزو يثرب، وإذا كان اليهود قد استطاعوا تأليف الأحزاب حتى ساقوا لحرب المدينة عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق؛ فليس ببعيد عليهم ولا ممتنع أن يستعينوا بقبائل الشمال، أو أن يستعينوا بقوى خارجية فارسية أورومية لضرب المسلمين ضربة ساحقة نهائية. واليهود أشد من قريش عداوة لمحمد؛ لأنهم أحرص على دينهم من قريش، ولأنهم أكثر منها مكرًا ودسيسة، وليس من اليسير أن يوادعهم محمد بصلح كصلح الحديبية ولا أن يطمئن إليهم، وقد سبقت بينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها؛ فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا وجدوا فرصة مناسبة أو استطاعوا أن يستعينوا بقوى خارجية. وإذن فلا بد من القضاء على قوة اليهود قضاء أخيرًا حتى لا تقوم لهم من بعد قائمة ببلاد العرب، ولابد من أن يسارع محمد إلى ذلك، حتى لا يتاح لهم الوقت للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية لهم. وكذلك

فَعَلَ، فإنه لم يقم بالمدينة بعد عودته من الحديبية إلا قليلا حتى أمر الناس بالتجهز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية إلا أن يكون غازيًا متطوعًا ليس له من الغنيمة شيء1.

وقد حرص محمد على ذلك حتى لا يكون معه أحد غير مطمئن إلى قوة نفسه وسمو روحه، وبعد تفكيره عن الكسب المادي؛ فليس الغنيمة قصده، وأن ما ينتظر من قتال أمام حصون خيبر لا تثبت له إلا النفوس المطمئنة المؤمنة، التي تسامت عن المادة والرغبة فيها، فإن النفوس المتعلقة بالمادة لا تثبت أمام الامتحان العسير. ولقد كانت تجربة الأحزاب كافية ليدرك الناس أن النفوس لا تباع رخيصة أمام متاع الحياة، فإن غطفان وغيرها من الأعراب يوم الأحزاب لم يثبتوا على حصار يثرب، فقد كانوا يريدون غنيمة سهلة، فلما لم يستطيعوا تحقيقها، أو لما بدا لهم أن تحقيقها أمر يحتاج إلى الصبر وبذل النفس، تضعضعت قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، ورضوا أن يعودوا من الغنيمة بالإياب، ومحمد لا يريد أن يضم إلى صفوفه مثل هؤلاء الناس من طلاب الغنيمة، وهو يتوقع الحصار الطويل، والقتال أمام خيبر أشد القتال.

انطلق المسلمون في ألف وأربعمائة ومعهم مائتا فرس2 مسرعين نحو خيبر، فقطعوا الطريق بينها وبين المدينة في ثلاثة أيام، لم تكد خيبر تحس بهم أثناءها حتى باتوا أمام حصونها.

على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون من جانبهم أن يغزوهم محمد، ولذلك كانوا دائمي النشاط والتدبير، ولقد عرض بعضهم أن يسارعوا إلى تكوين كتلة يهودية منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء، ويهاجموا المدينة مستميتين دون اعتماد على البطون العربية التي فشلت من قبل في اقتحامها، وعرض آخرون أن يدخلوا في حلف مع محمد لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين والأنصار منهم بنوع خاص بعد ما قام به حيي واليهود من تأليب العرب للقضاء على المدينة؛ لكن النفوس من الجانبين كانت ملأى، حتى لقد سبق المسلمون قبل الخروج لخيبر بقتل سلام بن أبي الحقيق واليسير بن رزام من زعماء خيبر تمهيدًا للغزو، وحرمانًا لليهود من زعيمين كبيرين لهما رأي وتدبير، ولذلك كان اليهود على اتصال دائم بغطفان، وكان هؤلاء حلفاء دائمين لهم كحلف قريش مع الأحابيش، ولذلك استعانوا بهم أول ما ترامى إليهم اعتزام محمد غزوهم، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان سريعًا إلى الحيلولة دون اتصال

__________

1 الواقدي 312. ابن سعد 3/ 152.

2 إمتاع 1/ 327.

غطفان باليهود، فقد سارعت جيوش المسلمين، فحالت بين غطفان وبين خيبر، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعد الغطفانيين بشيء من الغنائم إن تم له النصر على اليهود. على أن غطفان كانت قد بدأت تعيد النظر في موقفها من عداء محمد بعد الأحزاب، وبعد أن تأكد لديها أن الموقف قد تحول إلى جانبه وبخاصة بعد الحديبية حيث سالمته قريش، فلم يكن زعماء غطفان جادين في معاونة خيبر، ولم يعودوا حريصين على الارتباط بها، كذلك كانت القبائل العربية كلها في منطقة الحجاز ونجد قد بدأت تنظر إلى الموقف نظرة جديدة، وكان موقفها في غزوة خيبر موقف تربص وانتظار لما تسفر عنه نتيجة المعركة، فلقد انتصر محمد على قريش وثَبَتَ لها ولكل حلفائها، وأجبرها آخر الأمر على قبول الأمر الواقع وتوقيع صلح الحديبية. ومهما بدت قريش في ثوب من العزة بأن حالت بين محمد وبين دخول مكة؛ فإنها قد انكشفت حين اشترطت على نفسها أن تخلي له مكة من العام القادم ثلاثة أيام يطوف بالبيت فيها، ولم يبق من عدو شديد البأس غير خيبر ذات الحصون المنيعة.

كانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأسًا وأوفرها مالًا، وأكثرها سلاحًا، وأعظمها دربة على القتال، لذلك وقفت شبه الجزيرة العربية كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها، ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون يتوقون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها على الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال، وكان المسلمون يدركون هذا الموقف تمام الإدراك، ويقدرون نتائجه حق التقدير، لذلك ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردد سبيلًا إلى نفوسهم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله والهجوم عليه، ثم إنه كان يدرك أنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه جزيرة العرب فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلًا دون تمام الغلب له، وحائلًا دون تمام الوحدة التي يعمل لها ويسعى لإقرارها، ومن أجل ذلك حرص على ألا يدخل في صفوفه رجل يخشى أن ينخذل أو يُشِيع الضعف في نفوس المسلمين، ومع أنه كان يستطيع أن يزيد عدد جيشه لو أباح لراغبي الغنيمة من الأعراب أن ينضموا إلى صفوفه، فقد كان فتح خيبر يبشر بمغنم كبير، لكنه ما كان يهتم بكثرة العدد الذي لا غناء فيه، وإنما كان يريد جيشًا مؤمنًا بأهدافه مقدرًا للظروف، وموطنًا النفس على الصبر والشدة، يريد سيوفًا تحركها قوة النفس وتمنعها عزة الإيمان أن تغمد أو تنتصر، ولا يريد سيوفًا يسلها جشع النفس، ثم يغمدها الحرص على الحياة.

وكان جيش محمد كما أراد، قليلًا بعدده، كثيرًا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم.

وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق حربية: منطقة الوطيح والسلالم وفيها أدخل اليهود أموالهم وعيالهم، ومنطقة الكتيبة وأدخلوا فيها ذخائرهم، ومنطقة النطاة وفيها دخل المقاتلة ورجال الحرب وحولهم دار القتال الأول.

استبسل اليهود استبسالًا عظيمًا في القتال، ولم يرتدوا عن شبر من الأرض بعد قتال شديد عنيف، واستمر القتال أيامًا عديدة حتى قلَّت المئونة عند المسلمين وأجهدوا إجهادًا شديدًا، مما جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجه إلى الحصون التي بها الأموال والمؤن، وفي هجمات قوية استطاع أن يوفر لرجاله ما هم في حاجة شديدة إليه من التموين بفتح بعض الحصون مثل حصن الصعب بن معاذ، فقد وجدوا فيه كثيرًا من التموينات أغنت المسلمين ومكنتهم من مواصلة القتال.

وبعد قتال عنيف سقطت حصون خيبر وسلمت منطقة الكتيبة منها دون قتال، ووقع كثير من السبي والغنائم في أيدي المسلمين.

لم يُجْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر عنها بل أبقاهم للقيام على زراعة أرضها مناصفة؛ لأنه لم يكن لديه من العمال الزراعيين من يقوم على زراعة أرضها، وكانت منطقة غنية خصيبة، ولا شك أن اليهود أقدر على زراعتها والقيام على استثمارها، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في حاجة إلى رجاله؛ لأن الدولة مازالت تحوطها المخاطر وهي في أشد الحاجة إلى كل قادر على حمل السلاح. كما أنه لا يصح أن تترك مثل هذه الأرض الخصبة بدون استغلال، بينما الدولة في حاجة إلى المئونة والمال، ثم إن قوة اليهود قد قضى عليها بعد هذا النصر، ولم تعد لهم شوكة يخاف منها.

فقد سالم يهود فدك، ويهود وادي القرى، على ما سالم عليه يهود خيبر، أما يهود تيماء فقد أذعنوا وقبلوا دفع الجزية بدون قتال، وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبي -صلى الله عليه وسلم- وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة1.

وبانتهاء سلطان اليهود تغير الموقف تغيرًا نهائيًّا في جزيرة العرب لصالح المسلمين، وأتم النبي -صلى الله عليه وسلم- خطته لإحكام الحصار حول مكة، والحقيقة أن مكة بعد غزوة خيبر أصبحت كالثمرة الناضجة تستعد للسقوط.

__________

1 انظر عن غزوة حنين: ابن هشام 3/ 378- 410. الواقدي 312- 320. ابن سعد 3/ 152- 163. إمتاع 1/ 310- 332.

الفصل الثالث:



كلمات دليلية: