غزوة حنين 8 هـ_15850

غزوة حنين : 8 هـ


ثالثا: غزوة حنين

,

استعداد المشركين للحرب

:

خرجت القبائل من ديارها، وتجمعت في وادي "أوطاس" واصطحبوا معهم أموالهم ونساءهم وأطفالهم لدفع الرجال للقتال دفاعًا عن كل ما لهم.

سأل دريد بن الصمة قائدهم مالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء؟

قال مالك: يا أبا قرة إني سقت مع الناس أموالهم وذراريهم، وأردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله يقاتل عنه.

فقال دريد: رويعي ضأن! وهل يرد المنهزم شيء؟

وصل جيش المسلمين إلى وادي "حنين" وعسكر فيه، فأخذ مالك بن عوف يبعث رسله ليعرف خبر رسول الله وجنوده بعد استقرارهم بـ"حنين" فبعث ثلاثة رجال

وكلهم رجعوا إليه، وهم في حالة خوف ورعب، وقالوا: رأينا رجالا بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى وقد اتفق الثلاثة على هذا.

وقالوا له: ما تقاتل أهل الأرض إنما تقاتل أهل السماء، وإذا أطعتنا رجعت بالناس فسبهم وحبسهم, وعبأ جنوده، ونظمهم في وادي حنين1.

__________

1 بلوغ الأماني ج2 ص168.

2- استعداد المسلمين للقتال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفًا من أصحابه، عشرة منهم من المهاجرين والأنصار، وألفين من مسلمي مكة، وسار بهم حتى نزل في "وادي حنين" وعبأ قواته من السحر ووضع الألوية والرايات في أهلها، فحمل رايات المهاجرين: علي، وسعد ابن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

وحمل رايات الأنصار الحباب بن المنذر، وقيل: كان لواء الخزرج الأكبر مع سعد بن عبادة، ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن لواء أو راية.

وكانت رايات المهاجرين سودًا وألويتهم بيضًا، ورايات الأنصار خضرًا وحمرًا، وكانت في قبائل العرب رايات، وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد.

ولما تجمع المسلمون بهذا العدد أعجبتهم كثرتهم، وانتظروا النصر وقالوا بلسان الحال، والمقال: لن نغلب اليوم عن قلة.

وانحدر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في وادي حنين، وهو على تعبئته، وقد ركب بغلته البيضاء "دلدل" ولبس درعين والمغفر والبيضة، وحض على القتال، وبشر بالفتح إن صدقوا وصبروا.

وقد أرسل رسول الله عبد الله بن أبي حدرد ليأتي بخبر القوم، فطاف بهم، وسمع كلامهم، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وسمع وبمدى استعداد القوم للقاء، وبعلمهم بجيش المسلمين كما نقلته العيون إلى مالك بن عوف1.

__________

1 المغازي ج3 ص895-900.

3- ,

القتال

:

بدأت الحرب بهجوم شديد من "هوازن" قبيل مطلع الشمس على المسلمين، وقد كانوا في كثرة عجيبة أدهشت المسلمين، وحيرتهم لأنهم لم يتوقعوها.

حملت هوازن على المسلمين حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم، وولت الأدبار، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينًا وشمالا، والناس منهزمون حتى بلغوا مكة، فلم يرجع آخرهم إلا والأسارى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "يا أنصار الله. يا أنصار رسول الله أنا عبد الله ورسوله"!. ثم تقدم بحربته أمام الناس، وانهزم المشركون، وما ضرب أحد من المسلمين بسيف ولا طعن برمح، ورجع صلى الله عليه وسلم إلى العسكر، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه من المشركين، وقد ولت هوازن, وثاب من انهزم من المسلمين.

ولم يكن معه صلى الله عليه وسلم وقت هزيمة هوازن إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أخذ بثفر البغلة، والعباس آخذ بحكمتها، وهو يركضها إلى وجه العدو، وينوه باسمه فيقول:

أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب1

وقال صلى الله عليه وسلم: "يا عباس! اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة"!. فنادى بذلك، وكان رجلا صيتًا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك!! يا لبيك، فأشرف صلى الله عليه وسلم كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: "الآن حمي الوطيس". ثم أخذ بيده من الحصا فرماهم بها وهو يقول: "شاهت الوجوه، حم، ثم لا ينصرون". ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة". فما زال أمرهم مدبرًا، وانهزموا، فانحاز صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، وهو على بغلته قد جرد سيفه، وثبت معه سوى من ذكرنا: علي، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد, وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهم2.

__________

1 بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج21 ص174.

2 سيرة النبي ج2 ص443.

ولما انكشف الناس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحارثة بن النعمان الأنصاري: "كم ترى الناس الذين ثبتوا"؟.

فحزرهم مائة، وهذه المائة هي التي كرت بعد الفرار، فاستقبلوا هوازن واجتلدوا والرسول يدعو: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان".

ويقال إن المائة الصابرة يومئذ: ثلاثة وثلاثون من المهاجرين, وسبعة وستون من الأنصار، وكان علي، وأبو دجانة، وعثمان بن عفان، وأيمن بن عبيد رضي الله عنهم يقاتلون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وكانت أم عمارة في يدها سيف صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها وهي يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث، حين انهزم الناس، يقاتلن، وأم عمارة تصيح بالأنصار: أية عادة هذه! ما لكم وللفرار! وشدت على رجل من هوازن فقتلته وأخذت سيفه1.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم مصلت السيف بيده، وقد طرح غمده ينادي: "يا أصحاب سورة البقرة". فكر المسلمون، وجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان صلى الله عليه وسلم قد سمى خيله خيل الله، وكان شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وشعار الأوس بني عبيد الله، وشعار الخزرج بني عبد الله، فكرت الأنصار ووقفت هوازن حملة ناقة، ثم كانت هزيمتهم أقبح هزيمة، والمسلمون يقتلون ويأسرون.

وأم سليم بنت ملحان تقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت هؤلاء الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك!! لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، تقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين! فقال: "يا أم سليم! قد كفى الله، عافية الله أوسع" 2.

وحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى شرعوا في قتل الذرية، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية! ألا لا تقتل الذرية". فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين! فقال: "أوليس

__________

1 بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج21 ص175.

2 المغازي ج3 ص903، 904.

خياركم أولاد المشركين؟! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها وأبواها يهودانها أو ينصرانها! " 1.

وكان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطست: له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك، ولما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الكف من الحصا، لم يبق أحد من المشركين إلا وهو يشكو القذى في عينه، ورأوا رجالا بيضًا على خيل بلق، عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وهم بين السماء والأرض: كتائب، كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأملوهم من الرعب منهم2.

واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم، وقتل ذو الخمار، وهربت ثقيف.

واستشهد من المسلمين أربعة رجال جميعهم من الأنصار3.

__________

1 المغازي ج3 ص905.

2 المغازي ج3 ص609.

3 البداية والنهاية ج4 ص337.

4- ,

تعقب الفارين

:

لما انهزمت هوازن فرت إلى الطائف وإلى أوطاس، وإلى نخلة، فسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه لتعقب الفارين، وقتالهم.

فذهب الربيع بن ربيعة في عدد من المسلمين على خيلهم إلى نخلة فأدركوا دريد بن الصمة، وقتلوه.

وذهب أبو عامر الأشعري إلى أوطاس ومعه عدد من المسلمين، وقد جرى بين الفريقين قتال فقتل من المشركين تسعة، وأصيب بعض المسلمين واستشهد أبو عامر، فخلفه أخوه أبو موسى وقد فتح الله على يديه.

ولحق مالك بن عوف وأكثر من كان معه إلى الطائف، ولذلك ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت غزوة الطائف1.

__________

1 البداية والنهاية ج5 ص338.

5-



كلمات دليلية: