غزوة حنين 8 هـ_13064

غزوة حنين : 8 هـ


غزوة حنين

:

"ثم غزا", أي: قصد "صلى الله عليه وسلم حنينا" أي: أهلها، بالسير لقتالهم "بالتصغير" كما نطق به التنزيل، "وهو واد قرب" نحوه قول الفتح وغيره إلى جنب "ذي المجاز" وهو سوق كان للعرب على فرسخ من عرفة بناحية كبكب، كجعفر جبل وراء الخطيب إذا وقف، كما في القاموس، وبقية هذا القول، كما في الفتح وغيره، قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات، "وقيل: ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف", حكاه في المراصد، قال أبو عبيد البكري: سمي باسم حنين بن قاين بن مهلاييل.

قال الشامي: والأغلب عليه التذكير؛ لأنه اسم ماء، وربما أنثته العرب؛ لأن اسم البقعة، فسميت الغزوة باسم مكانها، وفي المصباح مذكر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، "وتسمى غزوة هوازن، بفتح الهاء وكسر الزاي قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون، ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بمعجمة ثم مهملة ثم هاء مفتوحات, ابن قيس

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة أهلها مشت أشراف هوازن وثقيف بعضهم إلى بعض، وحشدوا وقصدوا محاربة المسلمين، وكان رئيسهم مالك بن عوف النصري.

__________

عيلان بعين مهملة ابن إلياس بن مضر، كما في الفتح وغيره سميت بذلك؛ لأنهم الذين أتوا لقتاله صلى الله عليه وسلم.

روى الواقدي عن أبي الزناد: أن هوازن أقامت سنة تجمع الجموع، وتسير رؤساؤهم في العرب تجمعهم، وغاير المصنف الأسلوب؛ لأن الحاصل منه صلى الله عليه وسلم، لما خرج من مكة مجرد السير، والمناسب له الفعل، والمشار إليه بالتسمية، هو ما حصل للمسلمين مع هوازن ومن معهم، والمناسب له الغزوة، وتسمى أيضا كما في الروض وغيره أوطاس باسم الموضع الذي كانت فيه الوقعة أخيرا، "و" سبب "ذلك" الغزوة "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة أهلها" أي غالبهم لما يأتي أنه خرج معه ثمانون من المشركين، "مشت أشراف هوازن وثقيف بعضهم إلى بعض" بدل من أشراف، "وحشدوا" بمهملة فمعجمة: اجتمعوا "وقصدوا محاربة المسلمين".

قال أهل المغازي: وأشفقوا أن يغزوهم صلى الله عليه وسلم، وقالوا: قد فرغ لنا، فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه، فحشدوا وبغوا، وقالوا: والله إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم، فسيروا في الناس، وسيروا إليه قبل أن يسير إليكم، فأجمعت هوازن أمرها، "وكان رئيسهم مالك بن عوف", وهو ابن ثلاثين سنة، ويقال: مالك بن عبد الله، والمشهور ابن عوف بن سعد بن يربوع بن واثلة، بمثلثة عند أبي عمر وتحتية عند ابن سعد, ابن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن "النصري،" بالصاد المهملة نسبة إلى جده الأعلى نصر المذكور، أسلم بعد غزوة الطائف، وصحب، وشهد القادسية، وفتح دمشق.

ذكر ابن إسحاق: أنه لما انهزم المشركون لحق مالك بالطائف، فلما جاءه صلى الله عليه وسلم وفد هوازن سألهم عنه، فقالوا: هو مع ثقيف، فقال: "أخبروه أنه إن أتاني مسلما، رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل" , فأتى مالك بذلك فركب مستخفيا، فأدركه صلى الله عليه وسلم بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه المائة وأسلم، وحسن إسلامه، وقال حين أسلم هذا الشعر:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عودت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباة جاء ذر في مرصد

فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يوم السبت لست خلون من شوال، في اثني عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان ممن أسلم من أهل مكة. وهم الطلقاء، يعني: الذين خلى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهم طليق -فعيل بمعنى مفعول- وهو الأسير إذا أطلق سبيله.

واستعمل صلى الله عليه وسلم على مكة عتاب بن أسيد.

__________

فاستعمله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل، فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح، إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم، "فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يوم السبت لست خلون من شوال", قاله الواقدي وغيره، وقال ابن إسحاق وعروة: لخمس منه واختاره ابن جرير وروي عن ابن مسعود, فأما إنه للاختلاف في هلال الشهر، أو من قال لست عد ليلة الخروج، ومن قال لخمس لم يعدها؛ لأنه لما خرج في صبيحتها، كأنه خرج فيها وقيل: خرج لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم، كما في الفتح وغيره: بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، ووصل إليها في عاشره، "في اثني عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف" الذين خرج بهم "من أهل المدينة" أربعة آلاف من الأنصار، وألف من جهينة، وألف من مزينة، وألف من أسلم، وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم.

رواه أبو الشيخ عن محمد بن عبيد بن عمير الليثي، "وألفان ممن أسلم من أهل مكة" قاله ابن إسحاق، ومن وافقه في أن جميع من حضر الفتح عشرة آلاف، فزادوا ألفين، "وهم الطلقاء" الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، "يعني الذين خلى عنهم يوم فتح مكة، وأطلقهم، فلم يسترقهم", بل منَّ عليهم بعدما كانوا مظنة لأن يسترقهم، "وأحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول وهو الأسير إذا أطلق سبيله"، فكأنه جعلهم أسرى، مع أنه لم يأسر أحدًا منهم بالفعل، تنزيلا لهم منزلة الأسرى، لقدرته عليهم ومنِّه.

قال الشامي: وعلى قول عروة، والزهري, وابن عقبة: يكون جميع الجيش الذين سار بهم أربعة عشر ألفا؛ لأنهم قالوا: قدم مكة باثني عشر ألفا، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء، قال شيخنا: ولا يتعين، بل يجوز أن الألفين الذين لحقوه بعد خروجه من المدينة رجعوا إلى أماكنهم بعد الفتح، وبقي من خرج معه من المدينة خاصة، وانضم إليهم الطلقاء، "واستعمل صلى الله عليه وسلم على مكة عتاب" بفتح المهملة والفوقية المشددة وبالموحدة, "ابن أسيد" بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون التحتية فمهملة, ابن أبي العيص، بكسر المهملة, ابن أمية الأموي المكي، أمير

وخرج معه صلى الله عليه وسلم ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه مائة درع بأداتها.

__________

مكة في العهد النبوي، وسنه قريب من عشرين سنة، ومعه معاذ بن جبل، يعلمهم السنن والفقه.

وفي الروض قال أهل التعبير: رأى صلى الله عليه وسلم في المنام أسيدا واليا على مكة مسلما، فمات كافرا، فكانت الرؤيا لولده عتاب، حين أسلم ولاه، وهو ابن إحدى وعشرين سن، ورزقه كل يوم درهما، فكان يقول: لا أشبع الله بطنا جاع على درهم في كل يوم، وقال عند موته: والله ما اكتسبت في ولايتي كلها قميصا معقدا كسوته غلامي كيسان.

قال الحافظ: مات عتاب يوم مات الصديق، فيما ذكر الواقدي، لكن ذكر الطبري أنه كان عاملا على مكة لعمر سنة إحدى وعشرين، "وخرج معه صلى الله عليه وسلم ثمانون من المشركين", وابن عقبة والواقدي: خرج معه أهل مكة، لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين، نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم "منهم صفوان بن أمية", وهو يومئذ في المدة التي جعل له عليه السلام الخيار فيها، "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه مائة درع", كما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن إسحاق في رواية يونس عنه، عن جابر وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم لما أجمع السير إلى هوازن، ذكر له أن عند صفوان أدرعا وسلاحا، فأرسل إليه، وهو يومئذ مشرك، فقال: "يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلقى فيه عدونا". فقال صفوان: أغصبا يا محمد، فقال: "بل عارية مضمونة حتى نردها إليك". قال: ليس بهذا بأس فأعطى له مائة درع بما فيها من السلاح، فسأله صلى الله عليه وسلم أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس "بأداتها" الأنسب قول غيره بآلاتها، أي التروس والخوذ ويقال: إنه استعار منه أربعمائة درع بما يصلها، فإن صح، فالمائة داخلة في الأربعمائة، قال في النور: واختلفوا في قوله عارية مضمونة، هل هو صفة موضحة أو مقيدة، فإن قال بالأول كالشافعي، قال: تضمن إذا تلفت، ومن قال: مقيدة، قال: لا إلا الشرط.

قال السهيلي: واستعار صلى الله عليه وسلم من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال صلى الله عليه وسلم: "كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين".

روى ابن إسحاق والترمذي وصححه، والنسائي عن الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حديثو عهد بالجاهلية، فسرنا معه، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة يقال لها: ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، فرأينا ونحن نسير سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر".

فوصل إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.

فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب.

ووجه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فدخل عسكرهم، فطاف به وجاء بخبرهم.

__________

ثلاثا، "قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم". "فوصل إلى حنين" كما رواه أبو نعيم والبيهقي من طريق ابن إسحاق.

قال: حدثني أمية بن عبد الله، أنه حدث أنه صلى الله عليه وسلم انتهى إلى حنين مساء "ليلة الثلاثاء" كأنه جعلها مضت مع إتيانهم فيها، فقال: "لعشر ليال خلون من شوال" ولم يحسب ليلة السبت مما مضى، فتكون سابعة وإلا فتكون ليلة الثلاثاء تاسعة؛ لأنه إذا حسبه ماضية، فالماضي بعدها ثلاث ليال، "فبعث مالك بن عوف" رئيس المشركين "ثلاثة نفر" من هوزان "يأتونه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لفظ رواية أمية المذكور ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر، "فرجعوا إليه، وقد تفرقت أوصالهم" أي مفاصلهم جمع وصل بالكسر "من الرعب" بقية الرواية المذكورة، فقال، أي مالك: ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الأرض إن نقاتل إلا أهل السماء، وإن أطعتنا رجعت بقومك، فإن الناس إن رأوا مثل الذي رأينا، أصابهم مثل ما أصابنا. فقال: أف لكم بل أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل، فخرج، ثم رجع إليه، قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله، قال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالا بيض على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه، "ووجه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد" بمهملات وزان جعفر، واسمه سلامة، وقيل: عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن سنان بن الحارث بن قيس بن هوازن بن أسلم "الأسلمي" الصحابي ابن الصحابي، المتوفى سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة، وما في نسخ ابن حدرد بإسقاط أبي غلط، "فدخل عسكرهم" كما أمره عليه السلام، "فطاف بهم، وجاء بخبرهم".

أخرج ابن إسحاق في رواية الشيباني، عن جابر وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم، أمر عبد الله بن أبي حدرد، فيقيم فيهم، وقال له: اعلم لنا من علمهم، فأتاهم، فدخل فيهم، فأقام فيهم يوما أو يومين، حتى

وفي حديث سهل بن الحنظلية -عند أبي داود بإسناد حسن- أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطنبوا السير، فجاء رجل فارس فقال: إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، وإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم، بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا، إن شاء الله تعالى".

__________

سمع، وعلم ما قد أجمعوا، عليه من حربه صلى الله عليه وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن، وما هم عليه.

وعند الواقدي أنه انتهى إلى خباء مالك، فيجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم، فإذا كان السحر، فصفوا مواشيكم، ونساءكم، وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا، فأقبل حتى أتاه صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال لعمر: "ألا تسمع ما يقول"، فقال: كذب، فقال ابن حدرد: لئن كذبتني يا عمر ربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع ما يقول، فقال صلى الله عليه وسلم: "قد كنت ضالا فهداك الله" وقوله بعشرين ألف سيف صواب، ويأتي تحقيقه قريبا.

"وفي حديث سهل ابن الحنظلية،" هي أمه، أو جدته، أو أم جده، واسم أبيه الربيع، أو عبيد، أو عمر بن عدي، وهو الأشهر, بن زيد بن جشم الأنصاري الأوسي.

قال البخاري: صحابي بايع تحت الشجرة، وكان عقيما، لا يولد له، وقال غيره: شهد المشاهد إلا بدرا، توفي في صدر خلافة معاوية، قاله في الإصابة ملخصا، ووقع في نسخ سعد ابن الحنظلية، وهو خطأ، فالذي في الفتح وغيره سهل، وهو الذي "عند أبي داود بإسناد حسن، أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" يوم حنين، "فأطنبوا السير" بالغوا فيه حتى كان عشيته، حضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فجاء رجل فارس" قال الحافظ: هو عبد الله بن أبي حدرد، كما دل عليه حديث جابر عند ابن إسحاق، يعني الحديث المتقدم، "فقال إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، وإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم" بفتح الموحدة وسكون الكاف، قاله ابن الأثير، وتبعه غيره، فهو الرواية هنا، وإن كان فتح الكاف لغة، "بظعنهم، ونعمهم، وشائهم" جمع شاة "اجتمعوا إلى حنين، فتبسم صلى الله عليه وسلم"، وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى"، وهذا صنعه الله لرسوله، وإن كان قد غيب ذلك على مالك بن عوف، فعند ابن إسحاق وغيره، أن هوازن لما اجتمعت على حرب المصطفى، سألت دريد بن الصمة الرياسة عليها، فقال: وما ذاك، وقد عمي بصري، وما أستمسك على ظهر الفرس، أي لأنه بلغ

وقوله: عن بكرة أبيهم. كلمة للعرب، يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت هنا.

__________

مائة وعشرين، أو خمسين، أو وسبعين سنة، أو قارب المائتين، قال: ولكن أحضر معكم لأشير عليكم رأيي، بشرط أن لا أخالف، فإن ظننتم أني مخالف أقمت ولم أخرج، فقالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك، وكان جماع أمرهم إليه فقال له: لا نخالفك فيما تراه فقال: تريد أنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إما قتلا وإما خروجا عن ذلك وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدا، ما بعده يوم، قال مالك: إني لأطمع أن ترى ما يسرك، قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس رست إليك.

فلما خرج مالك بالظعن والأموال، وأقبل دريد، قال لمالك: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وخوار البقر، قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله، يقاتل عنهم، فانتقص به دريد، وقال: راعي ضأن والله ما له وللحرب وصفق بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فضحت في أهلك ومالك، إنك إن لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل، فارتفع الأموال، والنساء، والذراري إلى ممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل، والرجال بين أصناف الخيل, فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك، وقد أحرزت أهلك ومالك. فقال مالك: والله لا أفعل، ولا أغير أمرا فعلته، إنك قد كبرت، وكبر عقلك، فغضب دريد، وقال: يا معشر هوازن ما هذا برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم، وممكن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا وتركوه، فسل مالك سيفه، وقال: إن لم تطيعوني لأقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: لئن عصيناه ليقتلن نفسه وهو شاب، ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه، فاجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال:

يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع

أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع

وطفاء بفتح الواو وسكون المهملة وبالفاء وبالمد، والزمع بفتح الزاي والميم ومهملة، صفة محمودة في الخيل، "وقوله: عن بكرة أبيهم. كلمة العرب يريدون بها الكثرة، وتوفر العدد", وأنهم جاءوا جميعا، لم يتخلف منهم أحد، "وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت هنا" أي: استعملت، لا المعنى الاصطلاحي، وكان المراد أن اجتماع بني أب على بكرة أبيهم التي يستقى بها، يلزمها الكثرة عرفا، فأطلق العبارة مريدا لازمها، وهو

وقوله: بظعنهم. أي: بنسائهم، واحدها ظعينة، وأصل الظعينة الراحلة التي ترحل ويظعن عليها، أي: يسار، وقيل للمرأة: ظعينة لأنها تظعن مع زوجها حيثما ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. وقيل الظعينة: المرأة التي في الهودج، ثم قيل للمرأة بلا هودج، وللهودج بلا امرأة ظعينة. انتهى.

وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي عن الربيع قال: قال رجل يوم حنين.

__________

مطلق الكثرة، "وقوله بظعنهم" بضم الظاء المعجمة، والعين المهملة، "أي: بنسائهم واحدها ظعينة، وأصل الظعينة" يقال: "للراحلة التي ترحل ويظعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة،" أي سميت "لأنها تظعن" ترحل "مع زوجها حيثما ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت", فهي من تسمية المحمول باسم الحامل، "وقيل: الظعينة المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة بلا هودج، وللهودج بلا امرأة: ظعينة. انتهى".

وبقية حديث سهل ابن الحنظلية، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "من يحرسنا الليلة"؟. قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال: "فاركب". فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة". فلما أصبحنا خرج صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم فارسكم" قالوا ما أحسسناه، فوثب بالصلاة، فجعل صلى الله عليه وسلم يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم، قال: "أبشروا، فقد جاءكم فارسكم". فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف عليه، فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت طلعت الشعبين كلاهما، فنظرت، فلم أر أحدا فقال صلى الله عليه وسلم: "هل نزلت الليلة" قال: لا إلا مصيبا أو قاضي حاجة، فقال له: "قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها".

رواه أبو داود، والنسائي، ونغرن بضم النون، وفتح المعجمة، وشد الراء.

"وروى يونس بن بكير" بن واصل الشيباني، أبو بكر الكوفي، الصدوق، الحافظ، عن ابن إسحاق وهشام وخلف، وعنه ابن معين، وغيره مات سنة تسع وتسعين ومائة، "في زيادة المغازي،"لشيخه ابن إسحاق أي فيما زاده على ما رواه عنه، "عن الربيع" بن أنس البكري أو الحنفي البصري، صدوق له أوهام.

روى له الأربعة, مات سنة أربعين ومائة أو قبلها، "قال: قال رجل يوم حنين" هو غلام من الأنصار، كما في حديث أنس عن البزار، وقيل: هو مسلمة بن وقش، وقيل: هو رجل من بني بكر.

لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ركب صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء "دلدل" لطيفة.

__________

حكاه ابن إسحاق: "لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم" لأن ظاهره الافتخار بكثرتهم والإخبار بنفي الغلبة لانتفاء القلة، فكأنه قال: سبب الغلبة القلة، ونحن كثير فلا نغلب، كما روى الحاكم وصححه، وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم عن أنس، لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم والله نقاتل حين اجتمعنا، فكره صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، ووقع عند ابن إسحاق: حدثني بعض أهل مكة أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال حين رأى كثرة من معه من جنود الله تعالى: "لن نغلب اليوم من قلة" قال الشامي: والصحيح أن قائل ذلك غيره صلى الله عليه وسلم.

وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وبه جزم ابن عبد البر. انتهى، وعلى فرض صحة أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قاله أو الصديق، فليس المراد الافتخار، بل التسليم لله، فالمقصود نفي القلة لا نفي الغلبة، أي إن غلبنا فليس لأجل القلة، بل من الله الذي بيده النصر والخذلان، كما أفاد ذلك الطيبي في حواشي الكشاف، فقال: هذا مثل قوله تعالى: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] الآية، في أن قوله لم يخروا ليس نفيا للخرور، إنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كذلك لن نغلب ليس نفيا للمغلوبية، وإنا هو إثبات ونفي القلة، يعني متى غلبنا، كان سببه عن القلة، هذا من حيث الظاهر، ليس كلمة إعجاب، لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا، "ثم ركب صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء دلدل".

قال الحافظ في الفتح: كذا عند ابن سعد، وتبعه جماعة ممن صنف في السير، وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس، وقد روى مسلم عن العباس: أنه صلى الله عليه وسلم كان على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، وله عن سلمة: وكان على بغلته الشهباء.

قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البلغتين، إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلا فما في الصحيح أصح، وأغرب النووي، فقال: البيضاء والشهباء واحدة، ولا يعرف به بغلة غيرها، وتعقبوه بدلدل، فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل: إن الاسمين لواحدة. انتهى.

وهذا القيل زعمه ابن الصلاح وهو مردود بأن البيضاء التي هي الشهباء أهداها له فروة بن نفاثة، بضم النون وخفة الفاء ومثلثة، ودلدل أهداها المقوقس، "لطيفة" قال القطب الحلبي: استشكلت عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد، فقال لي: كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة، وكنت حينئذ سيريا محضا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف.

ولبس درعين والمغفر والبيضة. فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح.

__________

قال الحافظ: ودل هذا على أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير، وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل تضلعه منها، ولخروج نسخ كتابه، وانتشاره لم يتمكن من تغييره. انتهى.

ووقع في رواية لأحمد، وأبي داود وغيرهما: أنه صلى الله عليه وسلم كان يومئذ على فرس، قال الشامي: وهي شاذة، والصحيح أنه كان على بغلة.

قال الواقدي عن شيوخه: لما كان ثلث الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه، فعبأهم في وادي حنين، وهو واد أجوف خطوط ذو شعاب ومضايق، وفرق الناس فيها، وأوعز إليهم أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة، وعبأ صلى الله عليه وسلم أصحابه، وصفهم صفوفا في الشجر، ووضع الألوية والرايات في أهلها، "ولبس درعين، والمغفر، والبيضة", واستقبل الصفوف، وطاف عليهم بعضا خلف بعض ينحدرون، فحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، وقدم خالد بن الوليد في بني سليم، وأهل مكة، وجعل ميمنة، وميسرة وقلبا كان صلى الله عليه وسلم فيه.

قال ابن القيم: من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها قدرا، وشرعا، فإنه صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق توكلا، وقد دخل مكة، والبيضة على رأسه، ولبس يوم حنين درعين، وقد أنزل الله عليه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .

وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارة بأنه فعله تعليما لأمته، وتارة بأنه قبل نزول الآية، ولو تأمل أن ضمان الله العصمة، لا ينافيه تعاطيه لأسبابها، فإن ضمان ربه لا ينافي احتراسه من الناس، كما أن إخباره تعالى بأنه يظهره على الدين كله ويعليه، لا يناقض أمره بالقتال، وإعداده العدة، والقوة، ورباط الخيل، والأخذ بالجد والحذر، والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد غزوة وارى بغيرها، وذلك لأنه إخبار من الله عن عاقبة حاله وما له بما يتعاطاه من الأسباب، التي جعلها بحكمته موجبة لما وعده من النصر والظفر، وإظهار دينه وغلبة عدوه. انتهى.

"فاستقبلهم من هوازن ما لم يرو مثله قط من السواد والكثرة" لأنهم أزيد من عشرين ألفا، "وذلك في غبش" بفتح المعجمة والموحدة وبالمعجمة قال في القاموس: بقية الليل أو ظلمة آخر، فإضافته إلى "الصبح" الذي هو أول النهار إشارة إلى شدة قربه من الليل حتى كأن ظلمته باقية، وفي حديث جابر عند ابن إسحاق وغيره في عماية الصبح، بفتح المهملة وخفة الميم بقية ظلمته، ولا ينافي هذا ما عند أبي داود وغيره بسند جيد عن أبي عبد الرحمن بن

وخرجت الكتائب من مضيق الوادي، فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مكة والناس.

ولم يثبت معه صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب،

__________

يزيد: أنه أتاه صلى الله عليه وسلم حين زالت الشمس قال: "ثم سرنا يومنا فلقينا العدو"؛ لأنه يجمع بأنهم ساروا بقية اليوم، ونزلوا بحنين ليلا، والتقوا بغبش الصبح، "وخرجت الكتائب من مضيق الوادي،" وكانوا فيه كامنين، "فحملوا حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم مولية" لتقدم كثير ممن لا خبرة له بالحرب، وغالبهم من شبان مكة، "وتبعهم أهل مكة" مؤلفة وغيرهم ممن إسلامه مدخول، قيل: فقالوا: اخذلوه هذا وقته، فانهزموا "والناس" المسلمون.

قال الحافظ: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة، أن العدو كانوا ضعفهم في العدد، وأكثر من ذلك. انتهى، بل في النور أنهم كانوا أضعاف المسلمين، وما وقع في البيضاوي والبغوي ونحوهما: أن ثقيف وهوازن كانوا أربعة آلاف إن صح، فلا ينافيه لأنهم انضم إليهم من العرب ما بلغوا به ذلك، فقد مر أنهم أقاموا حولا يجمعون لحربه عليه السلام، لا أنهم باعتبار ما معهم من نساء ودواب يرون ضعفا وأضعاف المسلمين وإن كانوا في نفس الأمر أربعة آلاف، لأن بعده لا يخفى، كما كتبناه عن شيخنا في التقرير، أي لأن فيه رد كلام الحفاظ الثقات الأثبات بلا دليل، فإن أربعة داخلة في الزائد، فلا يصح رد الزائد إليها، بهذا الحمل المتعسف الذي يأباه قول مالك بن عوف تلقونه بعشرين ألف سيف، فإن البهائم لا سيوف معها، ثم كون هذا سبب انكشافم، وأنهم بمجرد التلاقي ولوا مدبرين، هو ما وقع عند ابن سعد وغيره، ورواه ابن إسحاق وأحمد وابن حبان عن جابر: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعوب، وإنما ننحدر فيه انحدارا، وفي عماية الصبح: وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي، فكمنوا في شعابه، وأجنابه، ومضايقه وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن محيطون إلا الكتائب قد شدو علينا شدة رجل واحد، وكانوا رمة، وانحاز صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: "أيها الناس هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله"، قال: فلأي شيء حملت الإبل بعضه على بعض، فانطلق الناس. وفي حديث البراء عند البخاري، كما يأتي: أن هوازن كانوا رماة، ولما حمل المسلمون عليهم كشفوهم فأكبوا على المغانم، فاستقبلوهم بالسهام، فهذا صريح في أنهم لم يفروا بمجرد التلاقي، بل قاتلوا المشركين حتى كشفوهم، واشتغلوا بالغنيمة وذكر الحافظ السببين ولم يجمع بينهما، "ولم يثبت معه صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب".

قال أنس: وكان يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه، رواه أبو يعلى والطبراني لرجال ثقات،

والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد، في أناس من أهل بيته وأصحابه.

قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو، وفعل ذلك العباس لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتقدم في نحر العدو، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركابه.

__________

"والفضل بن العباس" أكبر ولده، وبه كان يكنى استشهد في خلافة عمر "وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب"، زاد ابن إسحاق في حديث جابر: وأخوه ربيعة وابنه، قال ابن هشام واسمه جعفر، قال: وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس ولا يعد ابن أبي سفيان، ويأتي فيه نظر لأن قثما كان صغيرا يومئذ، "وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه" منهم أيمن ابن أم أيمن وقتل يومئذ.

قال الحافظ: وأكثر ما وقفت عليه قول ابن عمر وما معه عليه السلام مائة رجل.

وللبخاري عن أنس فأدبروا عنه حتى بقي وحده، ويجمع بينهما بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو والذين ثبتوا معه، كانوا وراءه أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره، كانوا يخدمونه في إمساك البغلة وغير ذلك، ولأبي نعيم في الدلائل تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار.

ومن الأنصار من النساء أم سلم وأم حارثة. انتهى، ويأتي مزيد لذلك حيث أعاد الكلام فيه المصنف، "قال العباس" في رواية مسلم وغيره: شهدت يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه ... الحديث, وفيه تولي المسلمين مدبرين، فطفق صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، "وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو، فعل ذلك العباس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتقدم في نحر العدو", أي: صدره، أي: أوله، "وأبو سفيان بن الحارث آخد بركابه".

وفي حديث البراء عند البخاري وغيره وأبو سفيان بن الحارث: آخذ برأس بغلته البيضاء وفي رواية له وابن عمه يقود به. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها، فلما ركضها صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشركين، خشي العباس فأخذ بلجامها يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب، وترك اللجام للعباس، إجلالا له، لأنه عمه. انتهى.

قال ابن عقبة: فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وهو على البغلة يدعو: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا".

وروى أحمد برجال الصحيح عن أنس كان من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم حنين: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم". وعند الواقدي كان من دعائه حين انكشف الناس ولم يبق معه إلا المائة

وجعل عليه الصلاة والسلام يقول للعباس: "ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة". يعني: شجرة بيعة الرضوان التي بايعوا تحتها، أن لا يفروا عنه.

فجعل ينادي تارة يا أصحاب السمرة، وتارة أيا أصحاب سورة البقرة.

__________

الصابرة: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان". فقال له جريل: لقد لقنت الكلمات التي لقن الله تعالى موسى يوم فلق البحر، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه.

وروى البيهقي عن الضحاك قال: فدعا موسى حين توجه إلى فرعون، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: "كنت وتكون، وأنت حي لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم". والجمع أنه دعا بجميع ذلك، وقوله: "لا تعبد بعد اليوم"؛ لأنه أول يوم لقي فيه المشركين بعد الفتح الأعظم، ومعه المشركون والمؤلفة قلوبهم، والعرب في البوادي كانت تنتظر بإسلامها قريشا، فلو وقع والعياذ بالله تعالى خلاف ذلك، لما عبد الله.

وقد روى الواقدي عن قتادة قال: مضى سرعان المنهزمين إلى مكة يخبرون أهلها بالهزيمة، فسر بذلك قوم من أهلها وأظهروا الشماتة، وقال قائلهم: ترجع العرب إلى دين آبائها وقد قتل محمد وتفرق أصحابه، فقال عتاب بن أسيد، إن قتل محمد فإن دين الله قائم، والذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا حتى جاءهم الخبر بنصره صلى الله عليه وسلم فسر عتاب ومعاذ، وكبت الله من كان يسر خلاف ذلك.

وعند اب إسحاق لما رأى من كان معه صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة ما وقع، تكلم رجال بما في أنفسهم، فقال أبو سفيان بن حرب وكان إسلامه بعد مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرخ جبلة بن الحنبل، وقال ابن هشام كلدة بن الحنبل: وأسلم بعد ألا بطل السحر اليوم، فقال له أخوه لأمه صفوان بن أمية، هو حينئذ مشرك: اسكت فض الله فاك، لأن يريني رجل من قريش أحب إلي من أن يريني رجل من هوازن، وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: اليوم أدرك ثأري، أقتل محمدا فأقبل شيء حتى غشي فؤادي فعلمت أنه ممنوع مني، وعند ابن أبي خثيمة، لما هممت به حال بيني وبينه خندق من نار، وسور من حديد فالتفت إليّ صلى الله عليه سلم وتبسم وعرف ما أردت فمسح صدري وذهب عني الشك، "وجعل عليه الصلاة والسلام يقول للعباس: "ناد يا معشر الأنصار ". لأنهم بايعوه ليلة العقبة على عدم الفرار "يا أصحاب السمرة". "يعني: شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها على أن لا يفروا عنه", كما في مسلم، بل في البخاري أنهم بايعوه على الموت.

وجمع الترمذي بأن بعضا بايع على هذا وبعضا بايع على هذا وبعضا على ذاك، كما مر مفصلا "فجعل ينادي تارة يا أصحاب السمرة، وتارة يا أصحاب سورة البقرة" خصت بالذكر

وكان العباس رجل صيتا, فلما سمع المسلمون نداء العباس أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها.

وفي رواية مسلم: قال العباس: فوالله لكأن عطفتهم -حين سمعوا صوتي- عطفة البقر على أولادها. يقولون: يا لبيك، فتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه.

__________

حين الفرار لتضمنها {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} ، أو لتضمنها: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} ، أو {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} ، وليس النداء بها اجتهادا من العباس، بل بأمره صلى الله عليه وسلم ففي مسلم وغيره قال العباس: فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عباس! ناد: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! يا أصحاب سورة البقرة! " , "وكان العباس رجلا صيتا ولذا خصه بالنداء".

قيل: كان يسمع صوته من ثمانية أميال، "فلما سمع المسلمون نداء العباس، أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها" حتى نزل صلى الله عليه وسلم كأنه في حرجة، بفتح المهملة والراء وبالجيم، شجر ملتف كالفيضة.

قال العباس: فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله من رماح الكفار.

أخرج البيهقي وغيره، أي لعلمه بحفظ الله له من رماح الكفار، وبعدهم عنه بخلاف رماح الأنصار، خاف أن يصيبه شيء منها بغير قصدهم، لشدة عطفهم عليه ومجيئهم لديه.

"وفي رواية مسلم" أيضا: أن الذي قبلها روايته عن العباس: شهدت مع رسول الله يوم حنين ... الحديث, وفيه: وكنت رجلا صيتا، فناديت بأعلى صوتي أين الأنصار أين أصحاب السمرة أين أصحاب سورة البقرة، "قال العباس: فوالله لكان عطفهم" أي إقبالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم "حين سمعوا صوتي عطفة"، أي: حنو "البقر على أولادها" وفي السابقة الإبل فتارة شبههم بها، وتارة بالبقر، والمعنى صحيح، لأنه كان حنوا زائدا، وفيه دليل على أنهم لم يبعدوا حين تولوا، "يقولون: يا" عباس "لبيك يا" عباس "لبيك" فالمنادى محذوف نحو: ألا يا اسلمي, "ألا يا اسجدوا" في قراءة، أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوما بطاعتك بعد لزوم، "فتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" وازدحموا "حتى أن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع" أي لكثرة الأحزاب المنهزمين، كما ذكره ابن عبد البر، "انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه".

وفي رواية ابن إسحاق: فأجابوا لبيك لبيك، فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصدقوا الحملة، فاقتتلوا مع الكفار، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى قتالهم فقال: "الآن حمي الوطيس". وهو كما قال جماعة التنور يخبز فيه، يضرب مثلا لشدة الحرب الذي يشبه حرها حره. وهذا من فصيح الكلام الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

وتناول صلى الله عليه وسلم حصيات من الأرض ثم قال: "شاهت الوجوه" أي قبحت.

__________

الصوت حتى ينتهي "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصدقوا الحملة" على المشركين، فامتثلوا أمره، "فاقتتلوا مع الكفار".

وفي رواية ابن إسحاق حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوى أولا للأنصار، ثم خلصت أخيرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، "فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى قتالهم", أسقط من مسلم قوله: وهو على بغلته كالمتطاولة، فقال: "الآن" وفي رواية: "هذا حين". "حمي الوطيس".

قال في الروض: من وطست الشيء إذا كدرته، وأثرت فيه، "وهو كما قال جماعة التنور يخبز فيه" وقال ابن هشام: حجارة توقد العرب تحتها النار، ويشوون فيها اللحم وفي الروض الوطيس نقرة في حجر يوقد حوله النار فيطبخ فيه اللحم والوطيس التنور.

"يضرب مثلا" بعد نطقه عليه السلام به لأنه أول من قاله، "لشدة الحرب الذي يشبه حرها" ألمها الحاصل منها، "حره" التنور الحاصل من ملاقاته إذ ليس فيها حرارة حسية تشبه بحره، وفي السبل الوطيس شيء كالتنور يخبر فيه شبه شدة الحر به، وقيل: حجارة مدورة إذا حميت منعت الوط عليها، فضرب مثلا للأمر يشتد، "وهذا من فصيح الكلام الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم" كما قاله في الروض وغيره، وتناول صلى الله عليه وسلم حصيات من الأرض" بنفسه، كما روى أبو القاسم البغوي والبيهقي وغيرهما عن شبيه، قال صلى الله عليه وسلم: "يا عباس ناولني من الحصباء" فأقعد الله تعالى البغلة، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول من البطحاء، فحثى به في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه حم لا ينصرون".

ووقع عند أبي نعيم بسند ضعيف عن أنس، أنه كان على بغلته الشهباء دلدل، فقال لها: "دلدل البدي" فألزقت بطنها في بالأرض، فأخذ حفنة من تراب، كذا في هذه الرواية الضعيفة اسمها دلدل، والصحيح أنه كان على فضة، كما مر، ثم قال: "شاهت الوجوه". "أي قبحت" خبر بمعنى الدعاء أي اللهم قبح وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" وجوههم ويحتمل أنه خبر، لوثوقه بذلك

ورمى بها في وجوه المشركين فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه من تلك القبضة.

وفي رواية لمسلم: ثم قبض من تراب الأرض. فيحتمل أنه رمى بذا مرة وبذا مرة أخرى. ويحتمل أن يكون أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب.

ولأحمد وأبي داود والدارمي، من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين.

__________

"ورمى بها في وجوه المشركين" زاد مسلم، ثم قال: "انهزموا ورب محمد". ففيه معجزتان: فعلية خبرية، فإنه رماهم بالحصيات وأخبر بهزيمتهم فانهزموا، "فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه" الثنتين "من تلك القبضة".

قال البرهان: بضم القاف الشيء المقبوض، ويجوز فتحها انتهى، لكن المناسب هنا الضم اسم للقبض باليد، وفي بقية رواية مسلم هذه عن العباس فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى جدهم كليلا وأمرهم مدبرا فوالله ما رجع الناس، إلا والأسارى عنده صلى الله عليه وسلم مكتفون.

"وفي رواية لمسلم" أيضا من حديث سلمة بن الأكوع: فما غشوا النبي صلى الله عليه وسلم، نزل عن البغلة، "ثم قبض قبضة من تراب الأرض" ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأت عينه ترابا تلك القبضة، فولوا منهزمين، "فيحتمل" في الجمع بين روايتي العباس وسلمة، "أنه رمى بذا" الحصى "مرة وبذا" التراب "أخرى، ويحتمل أن يكون أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب".

لكن بقي أن في الرواية الأولى أنه لم ينزل عن البغلة، وقد بينا كيف أخذه وهو عليها وفي الثانية أنه نزل وأخذه، ويأتي قريبا أن ابن مسعود ناوله كفا من تراب، وللبزار من حديث ابن عباس أن عليا ناوله التراب يومئذ.

قال الحافظ ويجمع بين هذه الأحاديث: بأنه صلى الله عليه وسلم قال لصاحبه: ناولني, فرماهم ثم نزل عن البغلة فأخذ بيده فرماهم أيضا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب. انتهى. أي وأن كلا من ابن مسعود وعلي ناوله، "ولأ,

نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار

:

"وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر" وهو بحنين "أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء الله على رسوله،" قال الحافظ: "أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم "يوم حنين" وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيأ؛ لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيأً؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طار عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من مال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم، فكأن رجع إليهم بعدما كان لهم انتهى، "فجمع ذلك كله" وأحضر "إلى الجعرانة"، ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل.

وروى أحمد، وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبادة، وابن إسحاق عن ابن عمر: أخذ صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين أصبعه، ثم قال: "يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله في الدنيا والآخرة"، فجاء أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما حقي منها".

وفي رواية: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك"، فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر فيها ذلك، فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده، وروى عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عقيل بن أبي طالب دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطخ دما، فقال:

فكان بها إلى أن انصرف عليه الصلاة والسلام من الطائف.

وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة ألاف أوقية فضة.

واستأنى صلى الله عليه وسلم -أي انتظر وتربص- بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها.

__________

دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل، فأخذها، فألقاها في الغنائم "فكان بها إلى أن انصرف" بها "عليه الصلاة والسلام من الطائف"، وعليها مسعود بن عمر والغفاري عند ابن إسحاق، أو بديل بن ورقاء الخزاعي عند البلاذري، كما مر.

وروى الطبراني عن بديل: أمر صلى الله عليه وسلم أن نحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم، فحبست "وكان" كما قال ابن سعد وتبعه اليعمري، السبي ستة آلاف رأس" من النساء والأطفال.

روى عبد الرزاق عن ابن المسيب: سبى صلى الله عليه وسلم يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام "والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة"، وإطلاق السبي على الإبل والغنم، والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانت معهم أيضا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره أن دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ونعار الشاء وخوار البقر، إما لقلتهما بالنسبة لما ذكر، أو؛ لأنه لم يتحرر عدتهما لابن سعد، "واستأنى" بفوقية مفتوحة فهمزة، ساكنة "صلى الله عليه وسلم" أي انتظر،" أي أخر قسم الغنيمة، "وتربص بهوازن أن يقدموا عليه هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "معي من ترون، وقد استأنينا بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي فاختاروا إما السبي وإما المال"، فاختاروا السبي، فكلم صلى الله عليه وسلم في رد سبيهم عليهم، فردوه كلهم إلا عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا كبيرة.

قال: هذه أم الحي لعلهم أن يغلوا فداءها، ثم ردها بست قلائص، فيما ذكره ابن إسحاق.

وذكر الواقدي ورواه البيهقي عن الإمام الشافعي: أنه ردها بلا شيء فالله أعلم، أي ذلك كان وذكر الواقدي وابن سعد: أنه صلى الله عليه وسلم كسا كل واحد من السبي قبطية، وقال ابن عقبة: كساهم ثياب المعقد، بضم الميم، وفتح العين، وشد القاف ضرب من برود هجر، وتأتي أن

وفي البخاري: وطفق صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة من الإبل

__________

شاء الله تعالى قصتهم في الوفود.

قال ابن القيم ما ملخصه: لما منع الله تعالى الجيش غنائم مكة، وكانوا كثيرا، وفيهم حاجة حرك الله تعالى قلوب هوازن لحربهم، وقذف في قلب قائدهم مالك بن عوف إخراج أموالهم، ونسائهم وذراريهم معهم نزلا وكرامة، وضيافة لحزب الله وجنده، وتمم تقديره بأن أطعمهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولو لم يقذف الله ذلك في قلبه لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه ردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، وقيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا نسائكم ولا ذراريكم، فأوحى الله إلى قلوبهم التوبة، فجاءوا مسلمين فقيل: من شكر إسلامكم، أي يرد عليكم سبيكم، {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70] .

"وفي البخاري" ومسلم عن أنس قال ناس من الأنصار: حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن "وطفق صلى الله عليه وسلم" يعطي رجالا" نحو العشرين ستعلمهم "المائة من الإبل"، زاد في رواية ولم يعط الأنصار شيئا، وفي أخرى قسم في الناس على المؤلفة قلوبهم، قال الحافظ: والمراد بهم ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا ليتمكن الإسلام في قلوبهم، وكان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان. ا. هـ.

وقد سردهم ابن الجوزي في التلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح، والبرهان في النور وهو أحسنهم سياقا، وأكثرهم عددا، فزادوا على الخمسين، وعند كل ما ليس عند الآخر وهم أبي بضم الهمزة، وشد التحتية، وهو الأخنس بن شريق أحيحة بمهملتين مصغرا ابن أمية أسيد بفتح فكسر ابن جارية بجيم وتحتية الثقفي أعطاه مائة، الأقرع بن حابس التميمي أعطاه مائة، جبير بن مطعم الجد بن قيس السهمي أورده في التلقيح الحارث بن الحارث أعطاه مائة، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، ثم وعظه فأخذ المائة الأولى فقط، حكيم بن طليق حويطب بن عبد العزى أعطاه مائة، خالد بن أسيد بفتح فكسر خالد بن هوزة العامري خلف بن هشام، قال الصغاني، قال في النور: ولا أعرفه في الصحابةن ولم يذكره في التجريد قلت: لا في الإصابة وعد في العيون رقيم بن ثابت، وكأنه وهم؛ لأنه استشهد إما بحنين أو الطائف وكلاهما قبل القسم، زهير بن أسيد زيد الخيل عزاه الحافظ لتلقيح ابن الجوزي

..................................................

__________

قال الشامي: ولم أجده في نسختين قلت: سقط من النسختين معا، والحافظ ثقة لا يجازف في النقل السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ سعيد بن يربوع أعطاه خمسين، سفيان بن عبد الأسد المخزومي سهيل بن عمرو أعطاه مائة، أخوه سهل شيبة بن عثمان صخر بن حرب أبو سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة صفوان بن أمية أعطاه مائة، وفي البخاري ومسلم عنه: ما زال صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله تعالى شيئا أحب إلي منه، وفي مسلم أعطاه مائة من النعم ثم مائة.

قال الواقدي: يقال: إن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم إذا مر بشعب مملوءا إبلا وغنما، فأعجبه وجعل ينظر إليه فقال صلى الله عليه وسلم: "أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب"، قال: نعم، قال: "هو لك بما فيه" فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي طليق بن سفيان العباس بن مرداس أعطاه دون مائة، فقال:

أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع

فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع

وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع

وما كنت دون امرئ منهم ... ومن تضع اليو لا يرفع

فأتم له المائة.

رواه مسلم وغيره عبد الرحمن بن يعقوب الثقفي عثمان بن وهب المخزومي أعطاه خمسين، عدي بن قيس السهمي أعطاه خمسين، عكرمة بن عامر العبدري عكرمة بن أبي جهل، قال ابن التيم علقمة بن علاثة بضم المهملة وخفة اللام، ومثلثة عمرو بن الأهتم بفوقية عمرو بن بعكك بموحدة، فمهملة، فكافين وزن جعفر، وهو أبو السنابل جمع سنبلة.

عمرو بن مرداس أخو عباس عمير بالتصغير ابن ودقة، بفتح الواو والدال المهملة عمير بن وهب أعطاه خمسين، العلاء بن جارية، بجيم وتحتية الثقفي أعطاه خمسين عند الواقدي، وقال ابن إسحاق: مائة عيينة بن حصن الفزاري، مائة قيس بن عدي السهمي، مائة ذكره ابن إسحاق والواقدي وقال بعضهم: صوابه عدي بن قيس، وقال الحافظ: لا أدري أهما وأحد أم اثنان.

قال الشامي: والظاهر اثنان لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك.

قيس بن مخرمة كعب بن الأخنس نقله البرهان عن بعض شيوخه، وقال: لا أعرفه أنا، ولا ذكرته في كتاب التجريد قلت: ولا الإصابة لبيد بن ربيعة العامري مالك بن عوف النصري رئيس هوازن أعطاه مائة، مخرمة بن نوفل الزهري أعطاه خمسين، مطيع بن الأسود القرشي معاوية بن

فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!

__________

أبي سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، أبو سفيان بن الحارث الهاشمي النضير، بمعجمة مصغرا ابن الحارث أعطاه مائة، نوفل بن معاوية الكناني هشام بن عمرو العامري خمسين، هشام بن الوليد المخزومي يزيد بن أبي سفيان الأموي أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية، أبو الجهم بن حذيفة بن غنم العدوي فهؤلاء سبع وخمسون نفسا.

قال الحافظ: وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف نظر، وقد قيل أنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة، "فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول صلى الله عليه وسلم" قالوه توطئة وتمهيدا لما بعده من العتاب، كقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، وفي رواية: والله إن هذا لهو العجب "يعطي قريشا، ويتركنا وسيفونا تقطر من دمائهم،" حال مقررة لجهة الأشكال، أي ودماؤهم تقطر من سيوفنا فهو من القلب كقوله:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

هكذا مشاه غير واحد، قال البدر العيني: ويجوز أنه على الأصل والمعنى أن سيوفنا من كثرة ما أصابها من دمائهم تقطر. ا. هـ.

وفي رواية وغنائمها ترد علينا والله إن هذا لهو العجب إذا كانت شديدة، فنحن ندعى وتعطي الغنيمة لغيرنا، ووددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإن كان من الله صبرنا، وإن كان من رأيه صلى الله عليه وسلم استعتبناه.

وفي حديث أبي سعيد عند أحمد بن إسحاق، فقال رجل من الأنصار: لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم غيركم، فردوا عليه ردا عنيفا، وقال حسان يعاتبه في ذلك:

زاد الهموم فماء العين منحدر ... سحا إذا حفلته عبرة درر

وجدا بشماء إذ شاء بهكنة ... هيفاء لا نتن فيها ولا خور

دع عنك شماء إذ كانت مودتها ... نزرا وشر وصال الواصل النزر

وائت الرسول وقل: يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدد البشر

علام تدعى سليم وهي ما برحت ... تأت قدام هم آووا وهم نصروا

سماهم الله أنصارا لنصرتهم ... دين الهدى وجحيم الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترضوا ... للنائبات وما خاروا وما ضجروا

والناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القناوزر

نجالد الناس لا نبقي على أحد ... ولا نضيع ما توحي به السور

قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ثم قال لهم: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال

__________

ولا تهر جنات الحرب نادينا ... ونحن حين تلظى نارها سعر

كما وردنا ببدر دون ما طلبوا ... أهل النفاق ففينا ينزل الظفر

ونحن جندك يوم النصف من أحد ... إذ حزبت بطرا أحزابها مضر

فما ونينا وما خبنا وما خبروا ... منا عثارا وكل الناس قد عثروا

أورده ابن إسحاق وغيره، "قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم".

روى الإمام أحمد وابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري: أن الذي حدثه سعد بن عبادة، ولفظه لما أطى صلى الله عليه وسلم من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت المقالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال: "فأين أنت من ذلك يا سعد" قال: ما أنا إلا من قومي، قال الحافظ: وهذا يعكر عليه رواية الصحيح، ففيها أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا فإن سعدا من رؤسائهم بلا ريب، إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر، وإن المخاطب سعد، ولم يرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل ذلك في اللفظ، وإن رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه.

وفي مغازي التيمي أن سبب حزنهم، أنهم خافوا أن يكون صلى الله عليه وسلم يريد الإقامة بمكة، وما في الصحيح أصح على أنه لا يمنع الجمع وهو أولى، واختلف في أن العطاء من الغنيمة وهو المعتمد، وظاهر الروايات الماضية، وهو المخصوص بهذه الواقعة، وقد ذكر السبب في رواية البخاري حيث قال: "إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أخبرهم، وأتألفهم أو من الخمس"، ورجحه القرطبي في المفهم، واختاره أبو عبيدة، وجزم له الواقدي، لكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل: إنما تصرف في الغنيمة؛ لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يراجعوا حتى هزم الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه، وهذا معنى القول الأول أنه خاص بهذه الوقعة، ا. هـ ملخصا "فأرسل إلى الأنصار" سعد بن عبادة، ففي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق وأحمد قال صلى الله عليه وسلم: "فاجمع لي قومك" فخرج "فجمعهم في قبة" خيمة "من آدم"، بفتح الهمزة المقصورة، والدال جلد مدبوغ، قال في رواية البخاري: ولم يدع معهم، غيرهم فلما اجتمعوا قام صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما حديث بلغني عنكم" فقال فقهاء الأنصار: أما فقهاؤنا، فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم"، ثم قال لهم: "تلو هذا "أما" بخفة الميم "ترضون أن يذهب الناس بالأموال"، وفي رواية: "ألا ترضون أن

وتذهبون بالنبي إلى رجالكم؟! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوأ: يا رسول الله قد رضينا".

__________

"يذهب الناس بالشاة والبعير " وتذهبون بالنبي إلى رحالكم " " بالمهملة، أي بيوتكم، وفي رواية: "أولا ترضون أن يذهب الناس بالغنائم إلى بلدانهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم"؟، "فوالله لما" بفتح لام التأكيد، أي للذي "تنقلبون" ترجعون "به خير مما ينقلبون به" فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية، ومن ثم "قالوا: يا رسول الله قد رضينا".

وذكر الواقدي أنه حين دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا وبقية حديث الصحيح، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "ستجدون إثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض".

وفي حديث أنس عند الشيخين: أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا، فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا".

وفي حديث أبي سعيد عند أبن إسحاق وأحمد من طريقه: "أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتهم وصدقتهم أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك".

وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أنس بلفظ آخر، فلا تقولون: جئتنا خائفا فآمناك، وطريدا فآويناك ومخذولا فنصرناك، قالوا: بل المن علينا لله ورسوله، وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وإنصافا، وإلا فالحجة البالغة والمنة الطاهرة في جميع ذلك له عليهم، فلولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وفي هذا إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة، وتنبيه الكبير الصغير على ما غفل عنه، وإيضاح وجه شبهته ليرجع إلى الحق وحسن أدب الأنصار، ومناقب عظيمة لهم لثناء الرسول البالغ عليهم، والمعاتبة واستعطاف المعاتب وإغنائه عن عتبه إقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار بالاعتراف.

قال ابن القيم ما حاصله: اقتضت حكمة الله أن الغنائم لما حصلت قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه، لما بقي فيه من طبع البشر من حب المال فقسم فيهم لتجتمع قلوبهم على محبته؛ لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قسم فيهم لقصر عليهم بخلاف قسمه.

وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه الناس مقفلة من حنين، علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه.

__________

على المؤلفة؛ لأنه فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسيهم، فيكون سببا لإسلامهم، ولتقوية قلب من دخل فيه قبل، فتبعهم من دونهم في الدخول، فكان فيه مصلحة عظيمة، ولذا لم يقسم من أموال مكة عند فتحها شيء مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه انتهى، ووكل أولئك إلى قوة إيمانهم، كما قال صلى الله عليه وسلم، لمن قال له: أعطيت عيينة والأقرع، وتركت جعيل بن سراقة، فقال: "أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفها ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه".

أخرجه ابن إسحاق رواية يونس، وقد روى البخاري عن سعد مرفوعا: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه" وروي أيضا عن عمرو بن ثعلب مرفوعا: "إني لأعطى أقواما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب"، قال عمرو: فما أحب أن لي بها حمر النعم، "و" في البخاري، أيضا في الجهاد وفرض الخمس "عن جبير بن مطعم" بن عدي القرشي النوفلي": "بينما" بالميم أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه" أي والحال أن معه "الناس مقفله".

قال الحافظ: بفتح الميم وسكون القاف، وفتح الفاء واللام: يعني زمان رجوعه "من حنين" وتبعه المصنف، فالهاء للضمير في مقفله عائد على المصطفى لا تاء تأنيث، كما ظنه من ضبطه، بضم الميم وسكون القاف، وكسر الفاء؛ لأنه خلاف الرواية.

وفي رواية الخمس بدل مقفلة مقفلان، بالنصب على الحال، "علقت" بفتح العين، وكسر الخفيفة، بعدها قاف لزمت "برسول الله صلى الله عليه وسلم" الأعرب" رواية أبي ذر ولغيره، فعلق الناس ولأبي ذر عن الكشميهني فطفقت الناس الأعراب يسألونه أن يعطيهم من الغنيمة، وعند ابن إسحاق رواية يونس من حديث ابن عمر يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيأنا "حتى اضطروه" ألجأوه "إلى سمرة".

قال الحافظ: بفتح المهملة وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب، قاله ابن التين، وقال الداودي هي العضاه، وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكنف، ويقال: هي شجر الطلح، "فخطفت" بكسر الطاء الشجرة "رداءة"، أي علق شوكها به فجبذه، فهو مجاز أو المراد خطفته الأعراب.

قاله المصنف: وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمرو بن شيبة حتى عدلوا ناحية عن

فوقف صلى الله عليه وسلم: فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا"، ورواه مسلم.

__________

الطريق، فمر بسمرات فانتهشن ظهره، وانتزعن رداءه، "فوقف صلى الله عليه وسلم" وقال: "أعطوني" بهمزة قطع "ردائي"، أي خلصوه من السمرة، وناولوه لي.

وفي حديث ابن عمر عند ابن إسحاق: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي" "فلو كان لي عدد هذه العضاه" بكسر المهملة، وفتح المعجمة الخفيفة آخره هاء وصلا، ووقفا قال القزاز: شجر الشوك كالطلح، والعوسج والسدر، قيل: واحدة عضة بفتحتين، والأصل عضهة فحذفت الهاء، وقيل: واحدة عضاهة، وفي حديث ابن عمر: "فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة "نعما" بفتح النون والعين نصب على التمييز، والخبر لي أو على الخبر، والاسم عدد ولأبي ذر نعم بالرفع اسم كان، ونصب عدد خبر مقدم "لقسمته بينكم".

زاد أبو ذر في نسخة عليكم، "ثم لا تجدوني"، بنون واحدة، ولأبي ذر بنونين "بخيلا، ولا كذوبا ولا جبانا"، أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي دل عليها الثلاثة؛ لأن كذوبا من صيغ المبالغة، وجبانا صفة مشبهة، وبخيلا يحتمل الأمرين.

قال ابن المنير: وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين هذه الصفات لطيفة؛ لأنها متلازمة، وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه، فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد؛ لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، وقوله: "لو كان لي مثل هذه العضاة" تنبيه بطريق الأولى؛ لأنه إذا سمح بمال نفسه، فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال ثم هنا بعدما تقدم ذكره ليس مخالفا لمقتضاها، وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم، إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف، كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتعارف أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم، كعطاء البخيل ونحو ذلك. ا. هـ.

"ورواه مسلم" أيضا وعبد الرزاق، ويقع في نسخ رواه بلا واو، وهي خطأ لإبهامها انفراده به عن البخاري مع أنه رواه في محلين كما علمت وفيه ذم الخصال المذكورة، وأن الإمام لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من الحلم وحسن الخلق، وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف، ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون من الفخر المذموم، ورضا السائل للحق بالوعد إذ

وذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال.

قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاثة عشر ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة ودخل مكة.

وفي تاريخ الأزرقي عند مجاهد أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من وراء الوادي، حيث الحجارة المنصوبة.

__________

تحقق من الواعد التنجيز، وأن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب، وإن شاء قبل ذلك.

"وذكر محمد بن سعد": بن منيع، الثقة الحافظ، المشهور بأنه "كاتب الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، المدني الحافظ، المتروك مع سعة علمه، "عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم".

قال أهل المغازي: أمر صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحضار الناس والغنائم، ثم فضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربعة من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل ومائة وعشرين شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له، قالوا: ولما جمعت الغنائم بين يديه صلى الله عليه وسلم جاءه أبو سفيان بن حربش قال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا، فتبسم صلى الله عليه وسلم، "ثم اعتمر منها"، أي الجعرانة، "وذلك لليلتين بقيتا من شوال، قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلًا، وأحرم بعمرة ودخل مكة، فطاف وسعى، وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته، فكأنه كان بائتا بها، "وفي تاريخ" مكة للإمام "اأزرقي" نسبة إلى جده الأزرق، إذ هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عتبة بن الأزرق بن عمرو الغساني، وجده الأدني أحمد من شيوخ البخاري.

"عن مجاهد" مرسلا "أنه صلى الله عليه وسلم" أحرم من وراء الوادي حيث" ظرف مكان "الحجارة المنصوبة.

وعند الواقدي: من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان صلاته عليه الصلاة والسلام إذ كان بالجعرانة به.

والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد، كما قاله الفاكهي، وقال الباجي: ثمانية عشر ميلًا، وسمي بامرأة تلقب بالجعرانة، كما ذكره السهيلي.

قالوا: وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يومًا.

__________

"وعند الواقدي من المسجد الأقصى" إلا بعد الذي تحت الوادي العدوة القصوى من الجعرانة، وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام إذ كان بالجعرانة به" بذلك المسجد.

والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد كما قاله الفاكهي".

قال عياض: وهي بين مكة والطائف وإلى مكة أقرب، "وقال الباجي: ثمانية عشر ميلًا"، ووقع في الصحيح أنها بين مكة والمدينة.

قال الداودي وغيره وهو وهم: إنما هي بين مكة والطائف، وكذا جزم به السيوري، "وسمي الموضع "بامرأة تلقب بالجعرانة"، واسمها ريطة وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا "كما ذكره السهيلي" في الروض، "قالوا: وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة" بعدما استخلف على مكة عتاب بن أسيد ومعه معاذ بن جبل، زاد الواقدي والحاكم وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين.

قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه لما استعمل صلى الله عليه وسلم عتابا على مكة رزقه كل يوم درهمًا، فقام فخطب، فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد، "وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوما"، فقدم المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة، وقال ابن هشام: لست بقين منها، فيما زعمه أبو عمرو المدني ومر عن الفتح أن مدة الغيبة أكثر من ثمانين يوما والله أعلم.

[بعث قيس إلى صداء] :

وبعث صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن.

__________



كلمات دليلية: