غزوة حمراء الأسد _17067

غزوة حمراء الأسد


(13) غزوة حمراء الأسد

(وبعدها) أي: بعد غزوة أحد (غزوة حمراء الأسد) قال المناوي: تأنيث أحمر مضافة إلى الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.

سبب هذه الغزوة:

وأشار الناظم إلى سببها بقوله:

(كانت لإرهاب) أي: تخويف للعدو؛ ليبلغهم: أنّه خرج في طلبهم؛ ليظنوا بالمسلمين قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم (صبيحة أحد) فكانت يوم الأحد لست عشر ليلة مضت من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة.

قلت: وهذا الذي ذكره تبع فيه ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة وغيره، كما في «السيرة الشامية» وغيرها في

وأمر النّبيّ أن لا يخرجا ... إلّا الّذي بالأمس كان خرجا

سببها: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه: أنّ أبا سفيان وأكثر من معه يريدون أن يرجعوا؛ ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على الخروج في طلب العدوّ، ويؤيد هذا ما رواه النسائي والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال:

(لمّا رجع المشركون من أحد قالوا: لا محمّدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب المسلمين، فانتدبوا، فخرج بهم.. حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ وخرج صلى الله عليه وسلم وهو مجروح، وفي وجهه أثر الحلقتين، ورباعيته مكسورة، وشفته السفلى مشقوقة، وركبتاه مجروحتان من وقعة الحفيرة، وأمر أن لا يخرج إلّا من خرج معه يوم أحد) .

كما قال الناظم:

(وأمر النبيّ أن لا يخرجا ... إلّا الذي بالأمس كان خرجا)

وفي «البداية» : (أنّه صلى الله عليه وسلم قال:

«لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال» والذين شهدوه في أحد سبع مئة، قتل منهم سبعون، وخرج الباقون إلى حمراء

ولابن عبد الله جابر سمح ... بالغزو إذ لأخواته جنح

بالأمس، إذ قال أبوه يا بنيّ ... ما كنت أؤثرك بالغزو عليّ

الأسد، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، حين ذكر أنّ أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته التسع) وإليه أشار بقوله:

(ولابن عبد الله جابر سمح) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالغزو إذ لأخواته) يتعلق بقوله: (جنح) أي: مال لهنّ (بالأمس) في غزوة أحد، (إذ قال أبوه) عبد الله بن عمرو بن حرام: (يا بنيّ ما كنت أوثرك) أي: أقدمك (بالغزو عليّ) .

قال في «الإمتاع» : (ولمّا صلّى الصبح يوم الأحد صبيحة أحد ومعه عليه الصّلاة والسّلام وجوه الأوس والخزرج، وقد باتوا في المسجد على بابه.. أمر بلالا فنادى: إنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم، ولا يخرج معنا إلّا من شهد القتال بالأمس، فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريح، فقال: إنّ رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوّكم، فقال أسيد بن حضير وبه سبع جراحات يريد أن يداويها: سمعا وطاعة لله ولرسوله، وأخذ سلاحه، ولم يعرّج على دواء، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء سعد بن عبادة قومه، وجاء أبو قتادة إلى طائفته، فبادروا جميعا وخرج من بني سلمة أربعون جريحا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا، وبخراش بن الصّمة عشرة جراحات

حتى وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لمّا رآهم:

«اللهمّ؛ ارحم بني سلمة» .

وخرج عبد الله ورافع ابنا سهل الأنصاريّان يزحفان لجراحهما الكثيرة فضعف رافع فحمله عبد الله على ظهره عقبة، ومشى عقبة، فدعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم» وكانت عامة زادهم التمر) .

قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فأقام بها الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثمّ رجع إلى المدينة، وكان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قاله ابن هشام.

,

تخذيل معبد الخزاعي قريشا عن الرجوع للحرب:

قال ابن إسحاق: (وقد مرّ به- كما حدّثني عبد الله بن أبي بكر- معبد «1» بن أبي معبد الخزاعيّ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة «2» نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد «3» يومئذ مشرك، فقال- أي: معبد-: يا محمّد؛ أما والله لقد

__________

(1) فاعل مر.

(2) بفتح العين المهملة: موضع السر والأمانة.

(3) قال في «الشامية» : (وجزم أبو عمر، وابن الجوزي في «التلقيح» بإسلام معبد) اهـ

عزّ علينا ما أصابك في نفسك، وفي أصحابك، ولوددنا أنّ الله عافاك فيهم.

ثمّ خرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، حتّى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا- أي-: أصبنا حدّ أصحابه، وقادتهم، وأشرافهم، ثمّ نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرّنّ على بقيتهم، فلنفرغنّ منهم، فلمّا رأى أبو سفيان معبدا.. قال: ما وراءك يا معبد؟

قال: محمّد قد خرج في أصحابه يطلبكم، في جمع لم أر مثله قطّ، يتحرّقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قطّ، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم؛ لنستأصل شأفتهم. قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت، على أن قلت فيه أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:

كادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل «1»

__________

(1) الجرد: قصيرة شعر الجلد، والأبابيل: جماعة في تفرقة، وتردي الخيل: إذا ضربت الأرض بحوافرها في سيرها، والتنابلة: القصار، واحدها تنبال، والميل: الذي يميل على السرج ولا يستوي عليه، والمعازيل، واحده معزال: القوم ليس معهم سلاح.

تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل

فظلت غدوا أظنّ الأرض ماثلة ... لمّا سموا برئيس غير مخذول

فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل «1»

إنّي نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله

وليس يوصف ما أنذرت بالقيل

قال: فثنى ذلك أبا سفيان، ومن معه، ومرّ به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة، قال:

ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمّدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمّل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه..

فأخبروه أنّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم فمرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، وأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حسبنا الله ونعم الوكيل» .

__________

(1) من الغطمة: وهو صوت غليان القدر، وفي نسخة (بالخيل) ، والوحش: أرذال الناس وسقاطهم، والقنابل: الطائفة من الناس ومن الخيل، الواحد: قنبل وقنبلة.

وفتكوا بجدّ عبد الملك ... لأمّه سبط أبي العاص الذّكي

وهو الممثّل بعمّ أحمد ... وبمعاوية يعرف الرّدي

,

مقتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص لتجسسه لقريش:

ثمّ أشار إلى حادثة وقعت حين قفولهم للمدينة، فقال:

(وفتكوا) أي: انتهز الصحابة في رجوعهم من حمراء الأسد فرصة، ففتكوا فيها (بجدّ عبد الملك) بن مروان (لأمه) عائشة بنت معاوية المفتول (سبط أبي العاص) بكسر المهملة، هو ولد الولد، ومعاوية هو ابن المغيرة بن أبي العاص (الذكي) بالذال؛ أي: سريع الفطنة، صفة لأبي العاصي.

(وهو) أي: جد عبد الملك المذكور (الممثّل) أي:

المنكّل يوم أحد (بعم أحمد) صلى الله عليه وسلم؛ يعني سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه (وبمعاوية) يتعلق بقوله:

(يعرف) مبنيا للمجهول؛ أي: يعرف (الرّدي) أي:

الهالك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس.

وحاصل قصته: أنّه لما رجع المشركون من أحد.. ذهب معاوية على وجهه، ثمّ أتى عثمان فدقّه، فقالت أم كلثوم بنت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها: من أنت؟ قال:

ابن عم عثمان، فقالت: ليس هو ههنا، قال: أرسلي إليه فله عندي ثمن بعير كنت اشتريته منه.

وبالّذي عليه قبل أشفقا ... نبيّنا ثمّ ارتجى أن يطلقا

فجاء عثمان رضي الله عنه، فلمّا نظر إليه.. قال:

أهلكتني، وأهلكت نفسك، فقال: يا بن عمّ؛ لم يكن أحد أمسّ بي منك رحما، فأجرني، فأدخله عثمان رضي الله عنه منزله، وجعله في ناحية.

ثمّ خرج عثمان رضي الله عنه؛ ليأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنّ معاوية بالمدينة، فاطلبوه» فدخلوا منزل عثمان رضي الله عنه، فأشارت إليهم أمّ كلثوم بأنّه في ذلك المكان، بعد أن علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، فأخرجوه، وأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتله، فقال عثمان: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق، ما جئت إلّا لآخذ له أمانا، فهبه لي، فوهبه له، وأجّله ثلاثا، وأقسم أنّه إن وجده بعدها.. قتله، وخرج صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، فأقام معاوية ثلاثا؛ ليستعلم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليأتي بها قريشا، فلمّا كان باليوم الرابع.. عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فخرج معاوية هاربا، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّكم ستجدونه بموضع كذا وكذا، فاقتلوه» فأدركه زيد بن حارثة، وعمّار بن ياسر، فقتلاه.

مقتل أبي عزة الجمحي الهجّاء للرسول صلّى الله عليه وسلّم:

(وبالذي) معطوف على قوله: (بجد عبد الملك) أي:

ثانية أن كان ذا بنات ... وهو أبو عزّة ذو الهنات

وفتكوا أيضا بأبي عزة الذي (عليه) يتعلق بقوله: (أشفق) (قبل) أي: قبل هذا اليوم (أشفقا نبيّنا) نبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلم، وذلك: أنّه عليه الصّلاة والسّلام ظفر به يوم بدر، وأسره، فقال: يا رسول الله؛ إنّي فقير ذو عيال وحاجة كما تعلم، فامنن عليّ.. منّ الله عليك، فرحمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطلقه من غير فداء، وكان شاعرا يشتغل بسبب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويستفزّ الناس للقتال، وكان عاهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم بدر أن لا يعود إلى شيء من ذلك، فلمّا منّ عليه.. رجع إلى مكة، ونقض العهد، واشتغل بما كان مشتغلا به قبل من السبّ، والهجاء، فلمّا كان يوم أحد.. خرج مع المشركين وهو على ذلك الحال، فلمّا نزل المشركون بحمراء الأسد.. نزل معهم، ثمّ ساروا، وتركوه نائما، فأدركه المسلمون، وأسروه، وكان الذي أسره عاصم بن ثابت رضي الله عنه، فلمّا ظفر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. قال: يا رسول الله؛ أقلني، وامنن عليّ، ودعني لبناتي، وأعاهدك أن لا أعود، هذا ما أشار له بقوله: (ثمّ ارتجى) أي: أمّل (أن يطلقا) مرة (ثانية) لأجل (أن كان ذا بنات وهو) أي: صاحب تلك الفعلة القبيحة، والحالة الشنيعة (أبو عزّة) عمرو بن عبد الله بن وهب الجمحيّ (ذو الهنات) جمع هنة، بفتح الهاء فيهما: الأخبار المكروهة.

ولمّا قال ذلك أبو عزة.. قال صلى الله عليه وسلم:

«والله لا تمسح عارضيك بمكّة، تقول: خدعت محمّدا مرتين وفي رواية: «تمسح لحيتك، تجلس بالحجر تقول:

خدعت محمّدا» وفي لفظ: «سحرت محمّدا مرتين» - إنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين»

، اضرب عنقه يا زبير» وفي رواية: «يا عاصم» فضربت عنقه، وأنزل الله فيه: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ.

قيل: ولمّا قتل.. حمل رأسه على رمح إلى المدينة، هو أول رأس حمل في الإسلام؛ أي: على رمح؛ فلا ينافي أنّ أول رأس حمل في الإسلام إلى المدينة رأس كعب بن الأشرف: وهذا المثل لم يسمع من غيره صلى الله عليه وسلم.

(14) غزوة بني النّضير

بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة: قبيلة من اليهود، ينسبون إلى سيدنا هارون أخي سيدنا موسى، عليهما وعلى نبينا الصّلاة والسّلام، سكنوا مع العرب، ودخلوا فيهم،

__________

(1) ذكره ابن هشام بلاغا عن سعيد بن المسيب، وقال في «الشامية» : (رواه البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا، وعزاه الحافظ السيوطي للإمام أحمد، والشيخين وأبي داوود، وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه لكن بلفظ: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» ) .

ثمّ النّضير هاجها أن جاءهم ... مستوهبا من دية ما نابهم

واختلف أهل السّير في السنة التي كانت فيها هذه الغزوة فذهب الزّهريّ وجماعة، وصدّر به الإمام البخاريّ تعليقا جزما: أنّها كانت بعد غزوة بدر، وقبل أحد، وقال في (الهدي) :

(الصحيح الذي عليه أهل السير: أنّها بعد غزوة أحد، وللنّبيّ صلى الله عليه وسلم مع اليهود أربع غزوات: أوّلها: غزوة قينقاع بعد بدر، والثّانية: غزوة بني النّضير بعد أحد، والثّالثة: غزوة بني قريظة، بعد الخندق، والرابعة: خيبر، بعد الحديبية، وذهب ابن إسحاق إلى أنّها كانت بعد أحد وبئر معونة، ورجّح المحققون من الحفّاظ قوله، قالوا: وكانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة، على رأس خمسة أشهر من غزوة أحد، وإيّاهم تبع النّاظم فقال:



كلمات دليلية: