غزوة تبوك_16904

غزوة تبوك


غزوة تبوك

«1»

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه عن عمرة الجعرانة ما بين ذى الحجة إلى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك فى زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج فى غزوة إلا ورى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يعمد إليه، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو فى جهازه للجد بن قيس أحد بنى سلمة:

«ياجد هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن ولا تفتنى، فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت

__________

(1) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 362) ، المغازى للواقدى (3/ 989) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 118، 119) ، تاريخ الطبرى (3/ 100) ، البداية والنهاية (5/ 2) ، الكامل (2/ 149) .

نساء بنى الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» ، ففيه نزلت: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: 49] «1» أى إن كان إنما خشى الفتنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: وإن جهنم لمن ورائه «2» .

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا فى الحر: زهادة فى الجهاد وشكا فى الحق وإرجافا بالرسول، فأنزل الله فيهم: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: 81، 82] .

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، يثبطون الناس عنه فى غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت وفعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا «3» فقال الضحاك فى ذلك:

وكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق

وظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرا ومرفقى

سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد فى سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان فى سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض» «4» .

ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤن وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، سالم بن عمير «5» ، وعلبة بن زيد «6» ، وأبو ليلى بن كعب «7» ، وعمرو

__________

(1) انظر الحديث فى: زاد المسير لابن الجوزى (3/ 305) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 213) .

(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 182) .

(3) ذكره ابن كثير فى التاريخ (5/ 3) .

(4) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (11/ 593/ 32841) ، جامع الجوامع للسيوطى (1/ 381) .

(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (885) ، الإصابة الترجمة رقم (3053) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1900) ، الطبقات الكبرى (3/ 480) ، الوافى بالوفيات (15/ 89) ، تاريخ الإسلام (1/ 60) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 27) .

(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2056) ، الإصابة الترجمة رقم (5673) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3761) .

(7) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3184) ، الإصابة الترجمة رقم (10477) .

ابن حمام، وهرمى بن عبد الله «1» ، وعبد الله بن مغفل المزنى «2» ، ويقال: عبد الله بن عمرو المزنى «3» ، وعرباض بن سارية الفزارى «4» ، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حاجة فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون «5» .

فذكر أن ابن يامين بن عمير النضرى لقى أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» . وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله، وذكر أنهم نفر من بنى غفار «7» .

__________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2737) ، الإصابة الترجمة رقم (9048) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5365) .

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1685) ، الإصابة الترجمة رقم (4988) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3202) ، تاريخ ابن معين (333) ، سير أعلام النبلاء (4/ 206) ، الوافى بالوفيات (7/ 628) ، تهذيب الكمال (745) ، تهذيب التهذيب (6/ 42) ، خلاصة تذهيب الكمال (215، 216) ، شذرات الذهب (1/ 65) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1640) ، الإصابة الترجمة رقم (4873) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3097) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 326) ، تهذيب التهذيب (5/ 341) ، تهذيب الكمال (2/ 717) ، تاريخ الإسلام (3/ 107) ، الثقات (3/ 238) .

(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2049) ، الإصابة الترجمة رقم (5517) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3630) ، معرفة الرجال (2/ 203) ، سير أعلام النبلاء (3/ 419) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (231) ، المعين وطبقات المحدثين (24) ، مرآة الجنان (1/ 156) ، تقريب التهذيب (2/ 17) ، خلاصة تذهيب التهذيب (269) ، شذرات الذهب (1/ 82) .

(5) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 218) ، أسباب النزول (212) ، تفسير الطبرى (10/ 145، 146) ، فتح القدير للشوكانى (2/ 551) .

(6) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 5) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 182) .

(7) انظر: السيرة (4/ 143) .

ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم، وكانوا نفر صدق لا يتهمون فى إسلامهم.

فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبى معه على حده عسكره أسفل منه نحو ذباب «1» ، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبى فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.

وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قالوا ذلك أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى أنك استثقلتنى وتخففت منى، فقال: «كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» «2» . فرجع علىّ إلى المدينة رضى الله عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره.

ثم إن أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما رجع إلى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الضح والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى ماله مقيم! ما هذا بالنصف ثم قال: والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل بتبوك.

وقد كان أدرك أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحى يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

(1) ذباب: ذكره الحازمى بكسر أوله وباءين وقال: جبل بالمدينة له ذكر فى المغازى والأخبار، وعن العمرانى: ذباب بوزن الذباب الطائر جبل بالمدينة. انظر: معجم البلدان (3/ 3) .

(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى باب غزوة تبوك (7/ 4416) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علىّ (4/ 31، 32) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 220) ، تاريخ ابن كثير (5/ 7) .

فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير: إن لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» . قالوا: هو والله أبو خيثمة يا رسول الله، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة!» ثم أخبره خبره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير «1» . ويروى أن أبا خيثمة! قال فى ذلك «2» :

ولما رأيت الناس فى الدين نافقوا ... أتيت التى كانت أعف وأكرما

وبايعت باليمنى يدى لمحمد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما

تركت خضيبا فى العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما

وكنت إذا شك المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسى شطره حيث يميما

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له» .

ففعل الناس ما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتمله الريح حتى طرحته بجبلى طىء، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه؟ ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الذى وقع بجبلى طىء، فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة «3» .

ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «4» .

فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال محمود بن لبيد «5» :

__________

(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 53/ 2120- 2122) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 223) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 193) .

(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 146) .

(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 240) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 11) .

(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (6/ 3381) ، صحيح مسلم (4/ 39، 2286) .

(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2375) ، الإصابة الترجمة رقم (7838) ، أسد-

لقد أخبرنى رجال من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا فأرسل الله الصحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شىء؟ قال: سحابة مارة. قيل لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال:

نعم، والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفى عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك «1» .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عم بنى عمرو بن حزم وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، فقال زيد وهو فى رحل عمارة وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده:

«إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يبدى أين ناقته وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله وقد دلنى الله عليها وهى فى الوادى من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتونى بها» ؛ فذهبوا فجاؤا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه. للذى قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى، فأقبل عمارة على زيد يجأ فى عنقه ويقول: يا عباد الله! إن فى رحلى لداهية وما أشعر! اخرج أى عدو الله من رحلى فلا تصحبنى «2» .

فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض: لم يزل متهما بشر حتى مات «3» .

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد

__________

- الغابة الترجمة رقم (4780) ، طبقات ابن سعد (5/ 77) ، طبقات خليفة الترجمة رقم (2039) ، المعرفة والتاريخ (1/ 356) ، تهذيب الكمال (1310) ، تذهيب التهذيب (4/ 26) ، تهذيب التهذيب (10/ 65) ، خلاصة تذهيب الكمال (317) ، شذرات الذهب (1/ 112) .

(1) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (6/ 194، 195) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 9) .

(2) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (5/ 223) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 9) .

(3) انظر: السيرة (4/ 149) .

أراحكم الله منه» حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» ، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر» . فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبوذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده» «1» .

فقضى الله سبحانه أن أباذر لما أخرجه عثمان رضى الله عنه إلى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى ثم ضعانى على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينوننا على دفنه فلما مات فعلا ذلك وأقبلو عبد الله بن مسعود فى رهط من العراق عمار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينوننا على دفنه. فاستهل عبد الله يبكى ويقول: صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فواروه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسيره إلى تبوك «2» .

وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف وحليف لبنى سلمة من أشجع يقال له: نخشن بن حمير، ويقال: مخشى، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأننا بكم غدا مقرنين فى الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير، والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا لعمار بن ياسر:

«أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا» ، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون، فقال وديعة بن ثابت

__________

(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 50، 51) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 222) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 8) ، صحيح ابن حبان (8/ 234) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 331، 332) .

(2) انظر: السيرة (4/ 149- 150) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عز وجل فيهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: 65] ، وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله قعد بى اسمى واسم أبى.

فكان الذى عفى عنه فى هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر «1» .

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك اتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الجزية. وأتاه أهل جرباء «2» وأذرح «3» فأعطوا الجزية، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم [فكتب ليحنّة بن رؤبة] «4» : «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبى ومن كان منهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر «5» .

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر ابن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد:

«إنك ستجده يصيد البقر» . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له:

حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟ فو الذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى

__________

(1) ذكره ابن كثير فى تفسيره (2/ 381، 382) ، ابن حجر فى الإصابة (6/ 75) .

(2) جرباء: كأنه تأنيب الأجرب، موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبال السراة من ناحية الحجاز. انظر: معجم البلدان (2/ 112) .

(3) أذرح: اسم بلد فى أطراف الشام من أعمال السراة، ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. انظر: معجم البلدان (1/ 129) .

(4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.

(5) ذكر البيهقى فى الدلائل (5/ 247، 248) .

الجنة أحسن من هذا» «1» . ثم قدم خالد بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيىء يقال له: بجير ابن يجرة، يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تبارك سائق البقرات إنى ... رأيت الله يهدى كل هادى

فمن يك حائدا عن ذى تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد «2»

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.

وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له: وادى المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه شيئا، حتى نأتيه» ، فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا، فقال: «من سبقنا إلى هذا؟» فقيل: يا رسول الله فلان وفلان، فقال:

«أو لم أنهكم أن تستقوا منه شيئا حتى آتيه؟» ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب فى يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيتم أو من بقى منكم لتسمعن بهذا الوادى وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» «3» .

ومات فى هذه الغزوة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الله ذو البجادين المزنى، وإنما سمى ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد: الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين لذلك «4» .

__________

(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 1916/ 127) ، سنن النسائى (7/ 5715) ، مسند الإمام أحمد (3/ 111) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 166) ، دلائل النبوة للبيهقى (45/ 250، 251) .

(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 152) .

(3) انظر الحديث فى: موطأ مالك (1/ 2/ 143) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 18) ، صحيح مسلم (4/ 10/ 1784، 1785) .

(4) انظر: السيرة (4/ 154) .

فكان عبد الله بن مسعود يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدليا إلى أخاكما فدلياه، فلما هيأه لشقه قال: «اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» يقول عبد الله ابن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب الحفرة! «1» .

وقال أبو رهم الغفارى، وكان ممن بايع تحت الشجرة: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه قريبا منه وألقى علينا النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتى من راحلته عليه السلام فيفزعنى دنوها منه مخافة أن أصيب رجله فى الغرز فما استيقظت إلا لقوله: حس، فقلت: يا رسول الله استغفر لى: قال: «سر» . فجعل يسألنى عمن تخلف من بنى غفار فأخبره به، فقال وهو يسألنى: «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط» «2» ، فحدثته بتخلفهم، قال: «فما فعل النفر السود الجعاد القصار؟» قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: «بلى، الذين هم نعم بشبكة شدخ» ، فتذكرتهم فى بنى غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت:

يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرء نشيطا فى سبيل الله؟! إن أعز أهلى علىّ أن يتخلف عنى المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم» «3» .

قال ابن إسحاق «4» : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: «إنى على جناح سفر، وحال شغل» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه» ، فلما نزل بذى أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن

__________

(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 369) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 18) .

(2) الثطاط: جمع ثط، وهو قليل شعر اللحية والحاجبين.

(3) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 180) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 192) ، مسند الإمام أحمد (4/ 350) .

(4) انظر: السيرة (4/ 155- 156) .

عدى، أو أخاه عاصم بن عدى، أخا بنى العجلان، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه» ، فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف رهط مالك فقال مالك لمعن: انظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 107] إلى آخر القصة «1» .

وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين، وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة» ، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعذرهم الله ولا رسوله، فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.

فحدث «2» كعب بن مالك قال: ما تخلفت عن رسول الله فى غزوة غزاها قط، غير أنى تخلفت عنه فى غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها.

وكان من خبرى حين تخلفت عنه فى غزوة تبوك أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة، والله ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعنا لى فى تلك الغزوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذى يريد، والمسلمون من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، يعنى بذلك الديوان، فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك ما لم ينزل فيه وحى من الله تعالى، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس إليها صعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول فى نفسى: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك

__________

(1) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (4/ 149) .

(2) انظر: السيرة (4/ 157- 158) .

يتمادى بى حتى شمر بالناس الجد وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئا فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا وتفرط الغزو فههمت أن أرتحل فأدركهم، وليتنى فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتبوك: ما فعل كعب ابن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر فى عطفيه.

فقال له معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلا حضر لى بثى فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذى رأى من أهلى، فلما قيل لى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدق.

وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الأعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لى: تعاله. فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى: «ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك؟» قلت: يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عنى وليوشكن الله أن يسخط علىّ، ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد على فيه إنى أرجو عقباى من الله فيه، ولا والله ما كان لى عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى فيك. فقمت.

وثار معى رجال من بنى سلمة فاتبعونى فقالوا: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فو الله ما زالوا حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى؟ قالوا:

نعم، رجلان قالا مثل ذلك وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى، فذكروا لى رجلين صالحين فيهما أسوة حسنة، فقمت حين ذكروهما لى، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى نفسى والأرض فما هى بالأرض التى كنت أعرف.

فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا فقعدا فى بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين واطوف بالأسواق لا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا! ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى.

حتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة وهو ابن عمى وأحب الناس إلى فسلمت عليه فو الله ما رد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلم أنى أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت فنا شدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناى ووثبت فتسورت الحائط. ثم غدوت إلى السوق فبينا انا أمشى بالسوق إذا نبطى «1» يسأل عنى من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له إلى، حتى جاءنى فدفع إلى كتابا من ملك غسان فى سرقة من حرير فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نوسك. قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضا قد بلغ لى ما وقعت فيه أن طمع فى رجل من أهل الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته بها.

فأقمنا على ذلك حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينى فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبى بمثل ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك وكونى فيهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ما هو قاض.

وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع إلا خادم، أفتكره ان أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك. قالت: يا

__________

(1) النبطى: واحد النبط وهم قوم من الأعاجم.

رسول الله، والله ما به من حركة، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ولقد تخوفت على بصره. فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدرى ما يقول لى فى ذلك إذا استأذنته وأنا رجل شاب، قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون من حين نهى رسول الله المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح خمسين ليلة على طهر بيت من بيوتنا على الحال التى ذكر الله، هنا قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت على نفسى، وقد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر سلع، فكنت اكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أو فى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاءنى الفرج.

قال: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب نحو صاحبى مبشرون، وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت ثوبى فكسوتهما إياه بشارة، وو الله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقانى الناس يبشروننى بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله فحيانى وهنأنى، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره. فكان كعب لا ينساها لطلحة.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.

قال: فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتى إلى الله أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت:

إنى ممسك سهمى الذى بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله قد نجانى بالصدق، فإن من توبتى إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلانى، والله ما تعمدت من كذبة مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى.

وأنزل الله تبارك وتعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 177- 119] .

قال كعب: فو الله ما أنعم الله على نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام كانت أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تبارك وتعالى قال فى الذين كذبوه شر ما قال لأحد: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: 95- 96] .

قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى، فلذلك قال الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذى ذكر من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة، ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عن من حلف له واعتذر إليه فقبل منه «1» .



كلمات دليلية: