غزوة تبوك_16441

غزوة تبوك


غزوة تبوك

هذه آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وكان رجوع النبى صلى الله عليه وسلم من عمرته بعد حصار الطائف- كما ذكرنا- فى آخر ذى القعدة من سنة ثمان.

__________

(1) فى الأصل: الأعراب.

فأقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفرا، وربيعا الأول، وربيعا الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة. فلما كان فى رجب من سنة تسع من الهجرة، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو الروم؛ وذلك فى حر شديد حين طاب أول الثمر، وفى عام جدب.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يغزو إلى وجه إلا ورى بغيره، إلا غزوة تبوك، فإنه صلى الله عليه وسلم بينها للناس، لمشقة الحال فيها، وبعد الشقة، وقوة العدو المقصود.

فتأخر الجد بن قيس أخو بنى سلمة وكان متهما، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البقاء، وهو غنى قوى، فأذن له وأعرض عنه، ففيه نزلت: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا «1» .

وكان نفر من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، عند جاسوم يثبطون الناس عن الغزو. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله فى نفر، وأمرهم أن يحرقوا عليهم البيت، ففعل ذلك طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة، وكان فى البيت، فوقع فانكسرت رجله. وفر أيضا ابن أبيرق، وكان معهم.

وأنفق ناس كثير من المسلمين واحتسبوا. فأنفق عثمان رضى الله عنه نفقة عظيمة، روى أنه حمل فى هذه الغزوة على تسعمائة بعير، ومائة فرس، وجهز ركابها، حتى لم يفقدوا عقالا ولا شكالا «2» . وروى أيضا أنه أنفق فيها ألف دينار.

وهذه الغزوة أتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاءوه، وهم سبعة: سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى

__________

(1) سورة التوبة الآية 49.

(2) الشكال: هو حبل تربط به قوائم الدابة.

عبد الرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام أخو بنى سلمة، وعبد الله بن المغفل المزنى، وقيل: هو عبد الله بن عمرو المزنى، وهرمى بن عبد الله أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى. فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا عنده ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. فذكر أن ابن يامين بن عمرو بن كعب النضرى حمل أبا ليلى وعبد الله بن مغفل على ناضح «1» له يعتقبانه «2» وزودهما تمرا.

واعتذر المخلفون من الأعراب، فعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونهض عليه صلوات الله وسلامه، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل:

بل سباع بن عرفطة، وقيل: بل على بن أبى طالب.

وضرب عبد الله بن أبى بن سلول عسكره بناحية غازية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عسكره فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين؛ وهذا باطل، لأنه لم يتخلف معه إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، وإنما وقع هذا يوم فى أحد، وفيه أيضا نظر؛ وقد قيل: إنه لم يكن يومئذ من معه أقل العسكرين.

والصحيح: أنه كان فى دون ما معه صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وأما من كان مع عبد الله بن أبى فى غزوة تبوك، ممن تخلف معه بعد مسيره عليه السلام، فأهل النفاق وأصحاب الريب فى العدة المذكورة.

وخطر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر بلاد ثمود، فأمرهم ألا يتوضأ أحد من مائهم، ولا يعجنوا منه، وما عجنوا منه فليعلفوه الإبل، وأمرهم

__________

(1) الناضح: البعير الذى يستقى عليه الماء.

(2) يعتقبابه: يركب أحدهم مرة والثانى مرة.

أن يستعملوا فى كل ذلك من ماء بئر الناقة، وأمر ألا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يدخلوها باكين.

ونهاهم صلى الله عليه وسلم أن يخرج أحد منهم منفردا دون صاحبه، فخرج رجلان من بنى ساعدة متفرقين، أحدهما للغائط، فخنق على مذهبه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له فشفى. والآخر خرج فى طلب بعير له فرمته الريح فى أحد جبلى طيئ فردته طيئ بعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعطش الناس فى هذه الغزوة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، فأرسل سبحانه سحابة فأمطرت.

وأضل عليه السلام ناقته، فقال بعض المنافقين: محمد يدعى أنه يعلم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ فأتى الوحى بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموضع ناقته، فأخبر أصحابه بذلك، وابتدروا المكان الذى وصف، فوجدوها هنالك. قيل: إن قائل هذا القول زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، وقيل: إنه تاب بعد ذلك، وقيل: لم يتب.

وفى هذه الغزوة ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وقد رأى أبا ذر يتبع أثر الجيش قاصدا اللحاق به صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» . وكان كذلك كما قال صلى الله عليه وسلم.

وفضح الله تعالى بالوحى قوما من المنافقين، فتوا فى أعضاد المسلمين بالتخذيل لهم، فتاب منهم مخشن بن حمير، ودعا إلى الله تعالى أن يكفر عنه عنه بشهادة يخفى بها مكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يوجد له أثر.

وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم يحنة بن رؤبة صاحب أيلة على الجزية.

وبعث صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندى، صاحب دومة، وأخبره أنه يجده يصيد البقر، فاتفق أن قرب خالد، من حصن أكيدر فى الليل، وقد أرسل الله تعالى بقر الوحش، فباتت تحك القصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها، فخرج فى الليل، فأخذه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنه ورده وصالحه على الجزية.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة، ولم يتجاوزها.

وكان فى طريقه ماء قليل، فنهى أن يسبق أحد إلى الماء، فسبق رجلان فاستنفدا ماءه، فسبهما صلى الله عليه وسلم، ثم وضع يده فيه، وتوضأ بماء يبض منه، ثم صبه فيه ودعا بالبركة، فجاشت بماء عظيم غزير، كفى الجيش كله.

وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك الموضع يصير جنانا، فكان كذلك.

وفى منصرفه صلى الله عليه وسلم أمر بهدم مسجد الضرار. وأمر مالك بن الدخشم أخا بنى سالم، ومعن بن عدى أو أخاه عاصم بن عدى أخا بنى العجلان-:

بهدم المسجد وحرقه. فدخل مالك بن الدخشم منزله فأخرج منه شعلة نار، فأحرقا المسجد وهدماه.

وكان الذين بنوه:

خذام بن خالد، من بنى عبيد بن زيد، أحد بنى عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الضرار.

ومعتب بن قشير، من بنى ضبيعة بن زيد.

وأبو حبيبة بن الأزعر، من بنى ضبيعة بن زيد.

وعباد بن حنيف، من بنى عمرو بن عوف.

وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية، وزيد بن جارية.

ونبتل بن الحارث، من بنى ضبيعة.

وبخرج، من بنى ضبيعة.

وبجاد بن عثمان، من بنى ضبيعة.

ووديعة بن ثابت، من بنى أمية بن زيد.

وقد ذكر بعضهم فيه: ثعلبة بن حاطب، وهذا خطأ، لأن ثعلبة بدرى.

ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مساجد بين تبوك والمدينة مسماة: مسجد تبوك، ومسجد بثينة مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالأخضر، ومسجد بذات الخطمى، ومسجد بألاء، ومسجد بطرف البتراء من ذنب كواكب، ومسجد بشق تارا، ومسجد بذى الجيفة، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بوادى القرى، ومسجد بالرقعة فى شقة بنى عذرة، ومسجد بذى المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذى خشب.

وفى هذه الغزاة تخلف كعب بن مالك من بنى سلمة، ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفى، وكانوا صالحين، فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كلامهم مدة خمسين يوما، ثم نزلت توبتهم.

وكان المتخلفون لسوء نياتهم من أهل المدينة نيفا وثمانين رجلا.

وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك فى رمضان سنة تسع.



كلمات دليلية: