غزوة تبوك من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

غزوة تبوك من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

اسم الكتاب:
مرويات الإمام الزهري في المغازي
المؤلف:
محمدمحمد العواجي

الفصل الخامس: غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها

,

المبحث الأول: في تاريخ الغزوة

...

المبحث الأول: في تاريخ الغزوة.

183- قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك1، وكان يحب أن

__________

1 تبوك: - بفتح المثناة فوق، وضم الموحدة، وبعد الواو كاف ـ، وهي: موضع بين وادي القرى والشام، وقد أصحبت اليوم إحدى مدن شمال الحجاز الرئيسية، لها إمارة تعرف بإمارة تبوك، وهي تبعد عن المدينة شمالاً بـ (778) كيلاً على طريق معبدة تمر بخيبر وتيماء، معجم المعالم الجغرافية (59) ، وانظر: معجم البلدان (2/14-15) ، والقاموس المحيط (تبك) ، وفتح الباري (8/ 111) .

قال الحافظ: "وتبوك، المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وقد وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها حديث مسلم رقم (706) : إنكم ستأتون غداً عين تبوك، وقد أخرجه أحمد (36/ 387 رقم [22068] أرناؤوط) ، والبزار (كشف الأستار رقم 1845) من حديث حذيفة، قال ابن قتيبة: فبذلك سميت عين تبوك، والبوك الحفر، فتح الباري (8/ 111) .

ويسمى جيشها بجيش العسرة، انظر: البخاري مع الفتح (8/ 110 رقم (4415)

وقد كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع، بلا خلاف.

وانظر: ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 515ـ 516) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 165) ، وخليفة بن خياط في تاريخه (92) ، والطبري في التاريخ (3/ 100) ، وابن سيد الناس في عيون الأثر (2/ 292) ، وابن كثير في البداية (5/ 2) ، وابن القيم في زاد المعاد (3/ 526) ، وابن حجر في الفتح (8/ 111) ، وقال: ... فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف.

ثم قال: "وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفاً لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة". الفتح (8/ 111) .

وقد ذكر ابن سعد في الطبقات السبب الذي من أجله غزا صلى الله عليه وسلم تبوك وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن هرقل جمع الجموع من الروم ولخم وجذام وعاملة وغسان لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأعلمهم بالخروج إلى تبوك. انظر: الطبقات (2/ 165) بدون إسناد.

أما اليعقوبي فد ذكر أن السبب في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إنما هو المطالبة بدم جعفر بن أبي طالب، انظر: تاريخ اليعقوبي (2/ 67) ، وقيل: بل السبب: أن اليهود أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك المدينة، فغزا صلى الله عليه وسلم تبوك، وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره (3/ 53) ، ثم رجح أن السبب هو امتثال لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} ولقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه والله أعلم".أ. هـ. المصدر السابق.

يخرج يوم الخميس"1.

__________

1 صحيح البخاري مع الفتح (6/ 113) رقم (2950) .

وقد ذكر الواقدي أن خروجه إلى تبوك كان يوم الخميس، مغازي الواقدي (3/ 997) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 167) ، والبخاري في التاريخ الكبير (5/ 304) ، والطبراني في الأوسط (2/ 74) رقم (1291) ، والبغوي في شرح السنة (11/ 18ـ19) رقم (2672) .

المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك

,

المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.

...

,

المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.

184- قال البخاري1:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر2، وإن كانت بدر أذكر3 في

__________

1 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 113) رقم (4418) .

2 قوله: وما أحب أن لي بها مشهد بدر: أي أن لي بدلها، الفتح (8/ 117) .

3 أذكر: أي أعظم ذكراً، الفتح (8/ 117) .

الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى1 بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً2 وعدواً كثيراً فجلَّى3 للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة4 غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد5، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ6 - يريد الديوان - قال

__________

1 ورَّى بغيرها: أي أوهم بغيرها، والتورية أن يذكر لفظاً يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد. الفتح (8/ 117) .

2 المفاز والمفازة: البرية القفر، والجمع: مفاوز، سميت بذلك لأنها مهلكة. النهاية (3/ 478) .

3 فجلّى: - بالجيم وتشديد اللام ويجوز تخفيفها ـ، أي: أوضح. الفتح (8/ 117)

4 أهبة غزوهم: الأهبة - بضم الهمزة وسكون الهاء - ما يحتاج إليه في السفر والحرب، الفتح (8/ 117) .

5 من قوله: "ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بها" إلى هنا أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 167) من طريق الزهري.

6 ورد عددهم عند مسلم (بشرح النووي 17/ 100) من رواية معقل: يزيدون على عشرة آلاف.

وعند الحاكم في (الإكليل) من حديث معاذ: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفاً، فتح الباري (8/ 117) ، وجزم ابن إسحاق بهذا العدد، انظر: دلائل البيهقي (5/ 219) ، ومغازي الذهبي (631) ، والبداية والنهاية (5/ 7) ، وذكر الواقدي في المغازي (3/ 1002) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 166) : أنه كان معه عشرة آلاف فرس، قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لكلام الواقدي: فتحمل رواية معقل على إرادة الفرسان، الفتح: (8/ 118) ، وقال الحافظ: "وقد نُقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفاً، ولا تخالف الرواية التي في (الإكليل) أكثر من ثلاثين ألفاً لاحتمال أن يكون من قال أربعين ألفاً جبر الكسر".اهـ. المصدر السابق.

كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد1، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن انفصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً2 عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني

__________

1 حتى اشتد الناس بالجد: الجد - بكسر الجيم -: وهو الجد في الشيء والمبالغة فيه. الفتح (8/ 118) .

2 مغموصاً: - بالغين المعجمة والصاد المهملة -: أي مطعوناً عليه في دينه متهماً بالنفاق، وقيل معناه: مستحقراً. الفتح (8/ 118) .

رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سَلِمة1: يا رسول الله حبسه برداه ونَظَرُه في عِطفه2.

فقال معاذ بن جبل3: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً؟

واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه4، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً5،

__________

1 فقال رجل من بني سلمة: - بكسر اللام - واسمه: عبد الله بن أنيس كما ذكر الواقدي في المغازي (3/ 997) قال الحافظ: "وهذا غير الجهني الصحابي المشهور، وقد ذكر الواقدي فيمن استشهد باليمامة عبد الله بن أنيس السلمي، فهو هذا" الفتح (8/ 118) .

2 ونظره في عطفه: - بكسر العين المهملة - وكني بذلك عن حسنه وبهجته. الفتح (8/ 118) .

3 قال الواقدي في المغازي (3/997) : "ويقال: الذي رد عليه المقالة أبو قتادة، ومعاذ ابن جبل أثبتهما عندي".

4 فأجمعت صدقه: أي جزمت بذلك وعقدت عليه قصدي. الفتح (8/ 119) .

5 ذكر ابن سعد في الطبقات (2/ 167) أن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك كان في شهر رمضان سنة تسع.

وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ "

فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً1، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد2 علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار3 رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون

__________

1 ولقد أعطيت جدلاً: أي فصاحة وقوة كلام، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي بما قيل ولا يرد. الفتح (8/ 119) .

2 تجد علي فيه: - بكسر الجيم - أي تغضب. الفتح (8/ 119) .

3 فقمت وثار رجال: أي وثبوا. الفتح (8/ 119) .

اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يُؤَنِّبونَني1 حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟

قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْرِي2 وهلال بن أمية الواقفي3، فذكروا لي رجلين قد شهدا بدراً4 فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما

__________

1 ما زالوا يؤنبونني: - بنون ثقيل ثم موحدة - من التأنيب وهو اللوم العنيف، الفتح (8/ 119) .

2 مُرارة بن الربيع: - بضم الميم ورائين الأولى خفيفة -، العَمْرِي - بفتح المهملة وسكون الميم - نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. الفتح (8/ 119) .

3 هلال بن أمية الواقفي: - بقاف ثم فاء - نسبة إلى بني واقف بن امرؤ القيس بن مالك بن الأوس. الفتح (8/ 120) .

4 قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري، وقد قررت ذلك واضحاً في غزوة بدر (بعد حديث رقم: 3989) ، وممن جزم بأنهما شهدا بدراً أبو بكر الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب، واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدراً بما وقع في قصة حاطب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جَسَّ عليه، بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قلت: وليس ما استدل به واضح، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب فقد جلد قدامة بن

__________

مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري كما تقدم (شرح الحديث رقم: 4011) ، وإنما لم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً ولا هجره، لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشية على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً، فعذره بذلك، بخلاف تخلف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلاً، والله أعلم".اهـ. الفتح (8/ 120) .

قلت: ولعل الحافظ ابن حجر يرد هنا على ابن القيم وهو المقصود بقوله: واستدل بعض المتأخرين، والله أعلم، فقد قال ابن القيم: وقوله: "فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة" هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة، ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألاّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر حاطباً ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأين ذنب التخلف من ذنب الجس" زاد المعاد (3/ 577) .

ثم نقل كلام ابن الجوزي قوله: "ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه وأنه لا يكاد يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدراً، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان" زاد المعاد (3/ 577) .

وقد أخرج ابن الجوزي حديث كعب، ثم قال عقبة: وقوله: "رجلين شهدا بدراً" وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدراً، المنتظم (3/ 371) .

قلت: والحديث يرد عليهم جميعاً فإنه ظاهر أنه من كلام كعب بن مالك رضي الله عنه كما ذكر الحافظ.

والحق أن تعليل ابن القيم ليس في محله فقد ذكر أن من بين المتخلفين في غزوة تبوك أبا لبابة بن عبد المنذر، انظر: الرواية رقم [185] . وقد ثبت أن أبا لبابة عد من أهل بدر، انظر: مسند أحمد (6/ 3) ، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وانظر: الحاكم (3/20) ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وانظر: مجمع الزوائد (6/ 68) ، وابن إسحاق (ابن هشام 1/ 612) ، والواقدي في المغازي (1/ 101) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 12) ، والبداية والنهاية (3/ 360) ، ومع ذلك فقد ربط نفسه في سارية من سواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تاب الله عليه، فكون من شهد بدراً وجنى جناية لا يعاقب عليها - كما هو واضح من كلام ابن القيم رحمه الله كما قال الحافظ في الكلام السابق - لا يُسّلَّم له في ذلك، والله أعلم

لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه فأسارقه1 النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة2 الناس مشيت حتى تسورت3 جدار

__________

1 فأسارقه: - بالسين المهملة والقاف - أي: أنظر إليه في خفية. الفتح (8/ 120) .

2 من جفوة الناس: - بفتح الجيم وسكون الفاء -، أي: إعراضهم. الفتح (8/ 120) .

3 حتى تسورت: أي علوت سور الدار. الفتح (8/ 120) .

حائط أبي قتادة1 وهو ابن عمي2 وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت:

يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسولَه؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطي من أنباط أهل الشام3 ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان4 فإذا فيه:

أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعة5، فالحق بنا نُواسِك6.

__________

1 أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، اسمه الحارث ... وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكلبي بأن اسمه: النعمان، وقيل: اسمه عمرو، وأبو ربعي هو ابن بلدهة بن خُناس ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، الإصابة (4/ 158) .

2 وهو ابن عمي: ليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب وإنما لكونهما معاً من بني سلمة، الفتح (8/ 120) .

3 إذا نبطي من أنباط أهل الشام: النبطي - بفتح النون والموحدة،، نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، ويقال: إن النبط ينسبون إلى نبط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. الفتح (8/ 121) .

4 من ملك غسان: - بفتح المعجمة وسين مهملة ثقيلة - هو: جَبَلَة بن الأيهم. الفتح (8/ 121) .

5 ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة: بسكون المعجمة ويجوز كسرها، أي: حيث يضيع حقك. الفتح (8/ 121) .

6 فالحق بنا نواسك: بضم النون وكسر المهملة؛ من المواساة، المصدر السابق.

فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت1 بها التنور2 فسجرته3 بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول4 رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك"5، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

__________

1 فتيممت بها: أي قصدت، المصدرالسابق.

2 التنور: ما يخبز فيه، المصدر السابق.

3 فسجرته: - بسين مهملة وجيم -: أي أوقدته، وأنث الكتاب على معنى الصحيفة، المصدر السابق.

قال الحافظ: ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينك، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب. أ. هـ. المصدر السابق.

4 ذكر الواقدي في المغازي (3/ 1052) : أنه خزيمة بن ثابت.

5 هي: عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، ويقال: إن اسم امرأته التي كانت يومئذ عنده: خَيرة - بالمعجمة المفتوحة ثم تحتانية - الفتح (8/ 121) .

قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية1 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.

فقال لي بعض أهلي2: لو استأذنت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ سمعت صوتَ صارخ أوفى3 على جبل سلع4 بأعلى صوته:

__________

1 اسمها: خولة بنت عاصم. المصدر السابق.

2 فقال لي بعض أهلي، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويشكل مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام الثلاثة، ويجاب بأنه لعله بعض ولده، أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو الذي كلمه بذلك كان منافقاً، أو كان ممن يخدمه ولم يدخل في النهي، الفتح (8/ 121) .

3 أوفى: - بالفاء مقصور - أي أشرف وأطلع. الفتح (8/ 121) .

4 على جبل سلع - بفتح المهملة وسكون اللام - وهو جبل صغير يحيط به عمران المدينة من كل اتجاه، وهو يقع إلى الشمال الغربي من المسجد النبوي الشريف، معجم المعالم الجغرافية (ص: 160) ، والدر الثمين لغالي الشنقيطي (232) .

يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن1 رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليّ رجل2 فرساً، وسعى ساعٍ من أسلم3 فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ4، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً5 يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن

__________

1 وآذن: - بالمد والفتح المعجمة - أي: أعلم. الفتح (8/ 121) .

2 وركض إليّ رجل فرساً: قال الحافظ: "لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو حمزة بن عمرو الأسلمي" المصدر السابق.

3 وسعى ساع من أسلم: هو حمزة بن عمرو الأسلمي، المصدر السابق، وكذلك ذكر الواقدي، المغازي (3/ 1054) .

وذكر الواقدي: أن الذي أوفى على سلع هو: أبو بكر الصديق، والذي خرج على فرسه الزبير بن العوام. المغازي (3/ 1054) .

4 والله ما أملك غيرهما يومئذ: يريد من جنس الثياب، وإلا فقد تقدم أنه كان عنده راحلتان. الفتح (8/ 122) .

5 فوجاً فوجاً: أي جماعة جماعة. المصدر السابق.

عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة1.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك".

قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟

قال: "لا، بل من عند الله"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه2، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي3 صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله4 في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك

__________

1 ولا أنساها لطلحة: قالوا سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بينه وبين طلحة لما آخى بين المهاجرين والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنه كان آخى الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه. الفتح (8/ 122) .

2 قال الحافظ: فيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم. الفتح (8/ 122) .

3 أنخلع من مالي صدقة: أي أخرج من جميع مالي. الفتح (8/ 122) .

4 ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله: أي أنعم عليه. المصدر السابق.

لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {لقَدْ تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمهاجِرين والأنصارِ} إلى قوله: {وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِين} ، فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: {سَيَحْلِفُوْنَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُم} إلى قوله: {فَإِنَّ اللهَ لا يرضَى عنِ القَومِ الفَاسِقِين} قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ1 رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك قال الله: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفُوا} 2 وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه3.

__________

1 وأرجأ: - مهموز - أي أخر.

2 سورة التوبة، آية (118) .

3 والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع مختصراً ومطولاً، انظر: رقم (2947) و (2948) و (3889) و (4673) و (4676) و (4677) و (6255) و (6690) و (7225) .

ومسلم رقم (2769) ، وأبو داود رقم (2773) و (4600) ، والترمذي رقم: (3102) ، والنسائي (7/ 22) رقم (2824) و (4822) ، وابن ماجه رقم (1393) ، وابن إسحاق (ابن هشام 2/ 531) ، وعبد الرزاق رقم (19744) ، وابن أبي شيبة (14/ 540) ، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (239) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/ 66) رقم (2012) مختصراً، والطبري في التفسير، رقم (17091) ، ورقم (17447) ، و (17448) ، و (17449) ، و (17450) ، وفي التاريخ (3/ 101) والطبراني في الكبير (19/ 42) رقم (90ـ103) ، وفي الأوسط (8/ 246) رقم (8535) ، وابن حبان في صحيحه رقم (3370) ، والبيهقي في السنن (2/ 460، و7/ 343، و9/ 33، و9/ 150، و9/ 147) ، وفي الدلائل (5/ 273) ، والبغوي في شرح السنة (5/ 224) رقم (108) و (11/ 41) رقم (1676) و (2691) كلهم من طرق عن الزهري.

ا,

لمطلب الثاني: في تخلف أبي لبابة رضي الله عنه.

185- عبد الرزاق1عن معمر عن الزهري قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال الزهري: فربط نفسه بسارية، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، قال: فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتى كان يخرُّ مغشياً عليه، قال: ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك

__________

1 تفسير عبد الرزاق (1/ 286) القسم الثاني.

يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحِلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني، قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده.

ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إنَّ من توبتي أن أهجر داري في قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "يجزيك الثلث يا أبا لبابة"1.

__________

1 ومن طريق معمر عن الزهري أخرجها الطبري في التفسير (14/ 542) رقم (17149) تحقيق شاكر؛ وهي رواية صحيحة إلى الزهري لكنها مرسلة.

وقد أخرج البيهقي في الدلائل (5/ 270) رواية مطولة في قصة أبي لبابة مع بني قريظة حين أشار إليهم أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، وذكر تخلفه عن غزوة تبوك، فربط نفسه في سارية المسجد بعد غزوة تبوك حتى تاب الله عليه، وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب فذكرها بطولها.

وقد تقدمت هذه الرواية في غزوة بني قريظة.

وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (14/ 446) آثاراً كثيرة كلها لا تخلو من مقال تدل على أن أبا لبابة كان من المتخلفين في غزوة تبوك ومن الذين اعترفوا بذنوبهم، وذلك تحت قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} التوبة، آية رقم: (102) .

ثم ذكر كلام أهل التأويل في ذلك واختلافهم فيها، ثم قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده، فإذا كان ذلك كذلك وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار، وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صح ما قلناه في ذلك، وقلنا: (كان أبو لبابة) لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك) .

وقد أخرج أحمد في المسند (25/ 27 رقم [15750] أرناؤوط) من طريق الزهري عن حسين بن أبي السائب بن أبي لبابة أن جده حدثه أن أبا لبابة حين تاب الله عليه في تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما كان سلف قبل ذلك من أمور، وجد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث، ومن نفس الطريق أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/ 385) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 448،رقم (1898) والبيهقي في السنن (4/ 181) ، وهذه الآثار تدل على أن أبا لبابة كان ممن تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية المسجد ليتوب من ذلك ومن إشارته لليهود في غزوة بني قريظة.

المطلب الثالث: في تخلف بعض المسلمين من أسلم وغِفار.

186- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أخي أبي رهم2 أنه سمع أبا رُهْم الغفاري، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

__________

1 مصنف عبد الرزاق (11/ 49 رقم 19882) .

2 اسمه: كلثوم بن الحصين الغفاري، كما في رواية البخاري في الأدب المفرد رقم (755) من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب به.

الذين بايعوه تحت الشجرة يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما سرى1 ليلة سرت قريباً منه إليه، وألقي عليَّ النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته، فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز، فأؤخر راحلتي، حتى غلبتني عيني بعض الليل، فزحمت راحلتي رجله في الغرز، فأصابت رجله، فلم أستيقظ إلا لقوله: (حَسِّ) 2، فقلت: استغفر لي يا رسول الله، قال: سر، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يستخبرني عمن تخلف من بني غفار فأخبرته، فقال إذ هو يسألني: ما فعل الحمر الطوال الثطاط3؟ فحدثته بتخلفهم، قال: فما فعل النفر السود؟ أو قال: القصار الجعاد القطاط4- الذين لهم نعم بشبكة

__________

1 فلما سرى ليلة: السرى: السير بالليل، النهاية (2/ 364) ، أراد أنهم مشوا بالليل ذات ليلة.

2 قوله: حَسِّ: هي - بكسر السين والتشديد - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّه أو أحرقه غفلة، كالجمْرة والضَّربَة ونحوها. النهاية (1/ 385) .

3 قوله: ما فعل الحمر الطوال الثطاط: هي جمع ثطّ، وهو الكوسج الذي عَرَى وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، رجل ثطّ وأثط. النهاية (1/ 211) ، قال ابن الأثير: في حديث أبي رهم (النطاط) جميع نطناط، وهو الطويل، المصدر السابق.

4 قوله: الجعاد القطاط: الجعد في صفات الرجال يكون مدحاً وذماً، فالمدح معناه أن يكون شديد الأسْرِ والخلق، أو يكون جعد الشعر، وهو ضد السَّبط لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضاً. النهاية (1/ 275) .

والقطاط: القطط: الشديدة الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر، المصدر السابق (4/ 81) .

شرخ1، فتذكرت في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت رهطاً من أسلم، قال:

فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم وقد تخلفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما يمنع أحد أولئك حين يتخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأً نشيطاً في سبيل الله، فإن أعز أهلي عليَّ أن يتخلف عني المهاجرون من قريش، والأنصار، وغفار، وأسلم2".

__________

1 قوله: "بشبكة شرخ: هو موضع بالحجاز في ديار غفار". النهاية (2/ 441) .

وقال ياقوت: "شبكة شدخ: اسم ماء لأسلم من بني غفار". معجم البلدان (3/ 322) .

وذكر البكري رواية أبي رهم وفيها: " ... لهم نعم بشبكة شدخ ... " معجم ما استعجم (3/ 783ـ 784) .

2 ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في المسند (31/ 422ـ 423 رقم [19072] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الجهاد رقم _106) وفي الآحاد والمثاني له (2/ 237) رقم (991) ، والطبراني في الكبير (19/ 183) ، رقم (415) ، وأخرجه من طريق حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري به.

انظر: المصدر السابق (418) .

وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 528) فقال: (وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي رهم فذكره) .

وأخرجه من طريق عبد الرزاق ابن حبان في صحيحه (الإحسان 16/ 246 رقم 7257) .

وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (755) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.

وأخرجه الفسوي في المعرفة رقم (1/ 394) من طريق حجاج عن جده عن الزهري به.

انظر: مختصر زوائد البزار لابن حجر رقم (1403) وأسد الغابة (6/ 117) .

والحديث فيه ضعف من أجل ابن أخي أبي رهم؛ فإنه مقبول كما ذكر ابن حجر في التقريب رقم (8493) .

أما الذهبي فقد قال في الميزان (4/ 598) : "لا يعرف، تفرد عنه الزهري.

,

المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة

,

المطلب الأول: في نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر

...

المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة.

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: في نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر.

187- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجْر1 قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّع2 رأسه

__________

1 الحجر: - بكسر المهملة وسكون الجيم - منازل ثمود. الفتح 8/125.

ويقع شمال مدينة العُلا بـ (22) كيلاً، وتبعد العُلا عن المدينة بـ (322) كيلاً، من جهة الشمال، والحجر وادٍ يأخذ مياه جبال مدائن صالح ثم يصب في صعيد وادي القرى. انظر: معجم المعالم الجغرافية 93.

2 ثم قنَّع رأسه: أي غطاه. النهاية (4/ 164)

وأسرع السير حتى أجاز1 الوادي2.

188- وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق قال: فذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: "لا تشربوا من مائها شيئاً ولا

__________

1 حتى أجاز الوادي: أي قطعه. الفتح (8/125)

2 صحيح البخاري مع الفتح (8/125 رقم 4419) .

والحديث أخرجه مسلم أيضاً رقم (2980) من طريق يونس عن ابن شهاب وعبد الرزاق في التفسير 1/231، والمصنف رقم (1624) وأحمد في المسند رقم (5342) تحقيق شاكر، ورقم (5705) من طريق معمر عن الزهري، وأخرجه من غير طريق الزهري رقم (5225) و (5404) و (5441) و (5645) و (5931) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

وأخرجه الطبري في التفسير (14/59-50) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم 6199) كلاهما من طريق الزهري به، والبيهقي في الدلائل (5/233) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

وأخرجه البغوي في معالم التنزيل (3/156) ،وشرح السنة رقم (4165) من طريق الزهري به.

وأخرجه ابن هشام في السيرة (2/522) بلاغاً عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر..فذكر نحوه، وأخرجه الفزاري في السير (101) رقم (4) عن الزهري مرسلاً.

تتوضؤوا للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً"، وقال: "لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحبه"، قال: ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه1، وأما الذي ذهب في طلب بعير له فاحتملته الريح وطرحته بجبلي طيء2 فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟

ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئاً أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة3.

__________

1 فخنق على مذهبه: الخناق والخناقة: داء أو ريح يأخذ الناس والدواب في الحلوق، والمذهب المكان الذي ذهب إليه لقضاء الحاجة. انظر: القاموس: (ذهب) واللسان (خنق) .

2 بجبليّ طيء: هما أجأ وسلمى، وعرف أجأ بأجأ بن عبد الحيّ، كان صلب في ذلك الجبل، ويقعان في حائل. المعالم الأثيرة (176) .

وسلمى: صلبت في الجبل الآخر فعرف بها، وهي سلمى بنت حام. الروض الأنف (4/196) .

3 دلائل النبوة رقم (453) .

وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق (ابن هشام 2/521) عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ليس فيها ذكر الزهري، وهي ضعيفة، لعنعنة ابن إسحاق، قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم مثل ما أصابهم. المصدر السابق، وهي ضعيفة أيضاً.

ولكن يشهد لها ما أخرجه البخاري رقم (3378) من حديث ابن عمر، وفيه (..أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء) .

وما أخرجه مسلم (1392) من حديث أبي حميد، وفيه " ... انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستهبّ عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم منكم أحدٌ، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله، فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء" وهذه الرواية ذكرت أن الريح هبت في تبوك، وليس في الحجر، والله أعلم. وقد أخرج ابن كثير في البداية والنهاية 5/11 رواية ابن إسحاق عن العباس بن سهل بن سعد أو عن العباس بن سعد.

,

المطلب الثاني: في صلاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم.

189- قال مسلم1: حدثني محمد بن رافع وحسن بن علي الحُلواني جميعاً عن عبد الرزاق - قال ابن رافع - حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني ابن شهاب عن حديث عباد بن زياد، أن عروة ابن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره؛ أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال المغيرة: فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط، فحَمَلْتُ معه إداوة2 قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ أخذت أهريق

__________

1 صحيح مسلم (1/318) رقم (274) .

2 الإداوة - بالكسر ـ: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. النهاية (1/33) .

على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يُخرجُ جُبته عن ذراعيه فضاق كُمَّا جُبَّتِهِ، فأدخل يديه في الجُبّة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدّمُوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلّم عبدُ الرحمن بنُ عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع1 ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: "قد أصبتم" يغبطهم أن صلَّوا الصلاة لوقتها2.

__________

1 الفزع في الأصل: الخوف. النهاية (4/443) ،والمراد: أن سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة أوقعهم في الفزع.

2 وأخرجه مالك في الموطأ (كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين رقم 41) .

والشافعي في المسند (1/ 144) ، وعبد الرزاق رقم (847) ، ومن طريقه أحمد في المسند (30/ 130، رقم [18194] أرناؤوط) ، وأبو عوانة (2/ 215) ، وأبو داود رقم (149) ، والطبراني في الكبير (20/ 376ـ 377) ، رقم (880) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 5/ 602 رقم: 2224) ، والبيهقي في السنن (2/ 295) ، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (1642) من طريق يونس عن الزهري به، والبيهقي في السنن (3/ 123) .

المطلب الثالث: في إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم سرَّه لحذيفة في شأن بعض المنافقين.

190- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن1 علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد2 بن عبيد، ثنا عبيد3 بن شريك، وأحمد4 بن إبراهيم بن ملحان، قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا تبوك نزل عن راحلته فأوحي إليه وراحلته باركة، فقامت تجر زمامها، حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها، حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فأناخها ثم جلس عندها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال: من هذا؟ فقال: حذيفة بن اليمان5،

__________

1 علي بن أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج بن سعيد بن عبدان، أبو الحسن، قال الخطيب: قدم بغداد حاجاً في سنة 396هـ وكان ثقة. تاريخ بغداد 11/329.

2 هو أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار، أبو الحسن. قال الخطيب: روى عنه الدارقطني، وكان ثقة ثبتاً. تاريخ بغداد (4/261) .

3 عبيد بن عبد الواحد بن شريك، أبو محمد البزار، وكان ثقة صدوقاً، ت سنة 285 هـ. انظر: تاريخ بغداد 11/99-100.

4 هو أحمد بن إبراهيم، لم أعثر على ترجمته.

5 حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (7/ 90 رقم: 3742) ، ومسلم بشرح النووي (6/ 109ـ 110) .

وقال الحافظ في الفتح (7/ 92) : "والمراد بالسر ما أعلمه به صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أسر إليك أمراً فلا تذكره: " إني قد نهيت أن أصلي على فلان وفلان) ؛ رهط ذوي عدد من المنافقين، لم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرهم لأحد غير حذيفة بن اليمان، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فاقتاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه وإن انتزع حذيفة يده فأبى أن يمشي معه انصرف عمر معه فأبى أن يصلي عليه وأمر عمر رضي الله عنه أن يصلى عليه1.

__________

1 السنن (8/ 200) ، وسنده صحيح إلى عروة، وقد أخرجه البيهقي أيضاً في السنن (8/ 200) من طريق معمر عن الزهري مرسلاً.

وسنده صحيح إلى الزهري. وقد أخرجه الواقدي في المغازي (3/ 1045) من طريق معمر عن الزهري مرسلاً نحوه.

,

المطلب الرابع: في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال تقع قبل قيام الساعة.

191- قال الطبراني: حدثنا حفص1 بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا عمرو2 بن عثمان الكلابي، ثنا عبد الله3 بن عمرو - والصواب عبيد الله - عن إسحاق بن راشد4، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب5، عن عوف بن مالك الأشجعي6 رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في آخر السحر وهو في

__________

1 هو: حفص بن عمر بن الصباح الرقي الجزري، ويلقب بسنْجة. قال الذهبي: قال أبو أحمد الحاكم: حدث بغير حديث لم يتابع عليه. قلت: احتج به أبو عوانة. أ. هـ. السير (13/ 405ـ 406) ، ثم قال الذهبي: "وتوفي سنة ثمانين ومائتين، وهو صدوق في نفسه وليس بمتقن". المصدر السابق.

2 هو: عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مولاهم، الرقي، ضعيف، وكان قد عمي، من كبار العاشرة، مات سنة سبع عشرة أو تسع عشرة، ق، التقريب (424) .

3 هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه، ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين، عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (373) ، وانظر: تهذيب الكمال (19/ 136ـ137 و22/ 147، و2/ 419) .

4 تقدم في الرواية رقم [146] .

5 هو: عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، ثقة، من الرابعة، توفي بحرَّان في خلافة هشام، ع، التقريب (334) .

6 هو: عوف بن مالك الأشجعي أبو حمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، ع، التقريب (433) .

فسطاطه فسلمت عليه وقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: ادخل، فقلت: كلي؟ قال: كلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ست قبل الساعة: أولهن: موت نبيكم، قل: إحدى، قلت: إحدى، والثانية: فتح بيت المقدس، قل: اثنتين، قلت: اثنتين، قال: والثالثة: مُوتان1 يأخذكم كقعاص2 الغنم، قل: ثلاثاً، قلت: ثلاثاً، قال: والرابعة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى مائة دينار فيظل يتسخطها3، قل: أربعاً، قلت: أربعاً، والخامسة: فتنة تكون بينكم فلا يبقى فيكم بيت مدر ولا وبر إلا دخلته، قل: خمساً، قلت: خمساً، والسادسة: هدنة4 تكون بينكم وبين بني الأصفر5 فيجتمعون لكم قدر حمل المرأة ثم يغدرون بكم فيقبلون في ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً"6.

__________

1 الموتان: - بوزن البطلان - الموت الكثير الوقوع. النهاية (4/ 370) .

2 كقعاص الغنم، القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه، يقال: قعصته وأقعصته إذا قتلته قتلاً سريعاً. النهاية (4/ 88) ، وقال الحافظ ابن حجر: (هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة) . انظر: الفتح (6/ 288) تحت رقم (3176) .

3 يتسخطها: السَّخْط والسُّخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به، النهاية (2/ 350)

4 هدنة: الهدنة: السكون، والهدنة، الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار. النهاية (5/ 252) .

5 بنو الأصفر: الروم، فتح الباري (6/ 278) .

6 المعجم الكبير (18/54 رقم (98) . وهي ضعيفة من هذا الطريق، لكن قد صحّت الرواية من غير طريق الزهري كماسيأتي.

وذكر الحافظ أنه وقع أكثر هذه العلامات، فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وحصلت الفتنة في عهد عثمان وأدت إلى قتله، وحصل طاعون عمواس الذي فتك بالناس، وفتح بيت المقدس في عهد عمر. فتح الباري (6/278) .

والحديث من طريق إسحاق بن راشد أخرجه الحاكم في المستدرك (3/546-547) .

وأخرجه البخاري من غير طريق الزهري، فقد أخرجه عن الحميدي رقم (3176) ، وأبو داود رقم (5000) ، وأحمد في المسند (39/392، رقم [2371] أرناؤوط) ، وابن ماجه رقم (4042) ، والطبراني في الكبير (18/ 41رقم 71 و 72 و 119 و 122 و 148 و 150) وابن حبان في صحيحه (الإحسان 15/66 رقم (6675) من طريق عوف بن مالك الأشجعي.

,

المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع لتلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من تبوك

...

المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع1 لتلقي النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من تبوك

194- قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، عن السائب بن يزيد، يقول: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان - مرة -: "مع الصبيان"2.

__________

1 ثنية الوداع: ثنية الوداع هي الواقعة في بداية طريق أبي بكر الصديق (سلطانة) ، فإذا كنت خارجاً من المدينة باتجاه الشمال يكون يسارك اليوم جبل سلع، وإلى يمينك بداية طريق العيون فإذا كنت داخلاً المدينة من الشمال فإن جبل سلع على يمينك وعلى يسارك بداية طريق العيون، ثم بداية طريق سيد الشهداء المؤدي إلى أُحد. انظر: المعالم الأثيرة 81.

2 صحيح البخاري مع الفتح (8/126-127) رقم (4426) .

والحديث أخرجه أبو داود رقم (2779) والترمذي رقم (1718) وأحمد في المسند (24/498 رقم [15721] أرناؤوط) ، ,ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/224-225 رقم (681، 682) تحقيق السلمي، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (1/358) وأبو زرعة في تاريخه (1/418) رقم 998) ،وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/379) رقم (2421) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 11/113، رقم: 4792) ، والطبراني في الكبير (7/148) رقم (6653) ، والبيهقي في السنن (9/175) ، وفي الدلائل (5/265) كلهم من طريق الزهري به.

المبحث السادس: في سرية أسامة بن زيد إلى أُبْنَى1.

195- قال أبو داود الطيالسي: حدثنا صالح بن أبي الأخضر2، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة، قال: "أمرني3 النبي صلى الله عليه وسلم

__________

1 بضم الأول، وسكون الباء وفتح النون، وفي آخره ألف مقصورة، بوزن (حُبْلى) قيل: هي موضع بناحية البلقاء من الشام، وقيل هي بين فلسطين والبلقاء، قالوا: وهي التي بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً أبا أسامة مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فاستشهدوا بمؤتة من أرض البلقاء، وعلى هذا يكون موقعها الآن في شرقي الأردن، قرب مؤتة، وفي فلسطين قرية تدعى (يبنة، أو يبنى) على الساحل، فهل تكون هي؟ انظر: هذا الكلام في المعالم الأثيرة لمحمد شراب 16-17.

2 هو صالح بن أبي الأخضر اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك، نزل البصرة، ضعيف يعتبر به، من السابعة، مات بعد الأربعين، ع، التقريب 271.

3 كان هذا البعث كما قال ابن إسحاق (ابن هشام 2/66) في شهر صفر بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع،,ذكر ابن حجر: أن تجهيز هذا الجيش كان يوم السبت في آخر شهر صفر، الفتح (8/125) ومما يجدر ذكره أن هذا الجيش لم يخرج إلا في شهر ربيع الأول في عهد أبي بكر. انظر: تاريخ خليفة 7.

أن أُغير على أُبْنَى صباحاً وأحرِّق"1.

__________

1 مسند أبي داود الطيالسي 87 رقم (625) .

وقد أخرج هذه الرواية من طريق صالح بن أبي الأخضر: ابن أبي شيبة في المصنف ج12 ص663 رقم (41018) و12/391 رقم (41097) وابن سعد في الطبقات 4/66، وأحمد في المسند (36/118 رقم [21785] أرناؤوط) وأبو داود في السنن رقم (2616) وابن ماجه رقم (2843) والبيهقي في السنن (9/83) ، وفي معرفة السنن والآثار له (13/238 رقم 18032) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/208) .

قال الألباني في ضعيف سنن أبي داود رقم (562) : "ضعيف"، وقال في ضعيف سنن ابن ماجه رقم (624) : "ضعيف". وأخرجه الشافعي في الأم (4/174) من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، فقال: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد، قال: ... فذكره. وفيه ضعف لإبهام من أخبر الشافعي، وقد أخرجه من غير طريق صالح الأخضر الواقدي في المغازي (3/1118) ، عن عروة مرسلاً، ومن طريق الواقدي أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/248) .

وعَقدُ النبي صلى الله عليه وسلم الإمرة لأسامة بن زيد على هذا البعث ثابت في صحيح البخاري رقم (4469) ومسلم رقم (2426) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إلا أنه لم يذكر في الحديث وجهة هذا البعث، لا إلى أُبنى ولا إلى غيرها، لكن لا شكّ أن البعث هو البعث الذي كان رسول الله يريد أن يوجهه إلى أُبْنى من أرض الشام، ولذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (8/152) عند شرحه لهذا الحديث: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأَغِر صباحاً على أُبنى وحرِّق عليهم..".

الخاتمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن كل أعمال الورى يعتريها النقص والتقصير إلا ما رحم ربي، وحسبي أني اجتهدت فلم آلُ، وسأذكر في هذه الخاتمة مقتطفات تشتمل على أهمّ ما ورد في الرسالة:

1- بعد جمعي لمرويات الإمام الزهري وضعت لها أرقاماً متسلسلة بلغت (195) روايةً من غير المكرر، وهذا العدد من المرويات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول من الروايات مسندة إلى النبيصلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة الذين عاشوا تلك الأحداث، وعدد تلك الروايات (79) رواية.

القسم الثاني من الروايات موقوفة على التابعين، وعددها (38) رواية.

القسم الثالث من الروايات موقوفة على الزهري نفسه وعددها (73) رواية.

2- أن الروايات المرسلة سواء تلك التي أرسلها كبار التابعين أو التي أرسلها الزهري كثير منها قد وصلها كبار المحدثين من غير طريق الزهري، وقد ذكرت أمثلة لذلك في المبحث الأخير من الباب الأول مما يدل على القيمة العلمية الكبيرة لمرويات الزهري.

3- أن مرويات الزهري شملت جزءاً كبيراً من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه؛ فقد قارنتها بمغازي ابن إسحاق فوجدتها تمثل 90% تقريباً من المغازي، وقرابة 80% من السرايا.

4- عندما تعرضت لمدلول كلمتي (السير والمغازي) عند المؤرخين تبين لي - والله أعلم - أن كلمة (السيرة) إذا أطلقت فإنه يراد بها العهدين المكي والمدني، أما كلمة (المغازي) فيراد بها في الغالب عند إطلاقها مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.

5- عندما تعرضتُ لتعريف الغزوة والسرية والبعث في القرون الأولى تبين لي أنهم لم يكونوا يفرقون بين الغزوة والسرية، وأنهم قد يطلقون على السرية غزوة، وأن التعريف الذي يفرق بينهما إنما هو اجتهاد من المتأخرين، وأن المعنى المقصود عند المتقدمين هو المعنى اللغوي وهو القصد والطلب.

6- أن الإمام الزهري كان آية في الحفظ والذكاء والتمسك بالسنة مما جعله يتبوأ مكانة عالية بين أقرانه.

7- أنه قد استقى علمه من بعض الصحابة رضي الله عنه وكبار التابعين الثقات الأثبات الذين كان لهم دور كبير في تنمية ثقافته وغزارة علمه، كما أن تلاميذه الذين أخذوا عنه كانوا أيضاً من كبار العلماء كمعمر، وموسى بن عقبة وابن إسحاق والأخيران إمامان في المغازي.

8- أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربع قد نقلوا كثيراً من مرويات الزهري في المغازي لإمامته في الحديث

والمغازي.

9- أن روايات محمد بن عمر الواقدي يستشهد بها في غير الأحكام الشرعية لإمامته في هذا الفنّ.

10- أنه بعد الاستقراء لمرويات الزهري وجدتها موافقة لما عند غيره من أهل المغازي والحديث، إلا ثلاث مسائل:

الأولى: تتعلق بقتلى المشركين وأسراهم يوم بدر، فقد ذكر الزهري أن القتلى أكثر من السبعين، والأسرى مثل ذلك، ورواية الصحيحين تذكر سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً، وما في الصحيحين أصحّ، علماً بأنه قد وافق ما في الصحيحين في بعض رواياته.

الثانية: تتعلق بتاريخ غزوة بني النضير، فقد ذكر المؤرخون أنها كانت في السنة الرابعة، تبعاً لابن إسحاق، أما الزهري فقد ذكر أنها كانت قبل أحد، وذكرت أن الصواب هو قول الزهري.

الثالثة: تتعلق بمقتل مرحب اليهودي، فقد أخرج مسلم أن الذي قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بينما الزهري يذكر في رواية مرسلة أن الذي قتله هو محمد بن مسلمة، وما في صحيح مسلم أصحّ، علماً بأن الزهري قد ذكر في رواية أخرجها سعيد بن منصور عنه أن قاتل مرحب علي بن أبي طالب، ولكنها رواية ضعيفة السند.

11- أن الزهري قد ذُكر عنه التدليس، ولذلك وضعه الحافظ ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين بحيث لا يقبل إلا إذا صرّح بالتحديث، ولكن بالرجوع إلى الكتب القديمة تبين أن العلماء قد قبلوا

عنعنته وذلك لإمامته وجلالة قدره، وقد أخرج له البخاري ومسلم وجميع المحدثين دون أن ينظروا في عنعنته مما يدلّ على أن وضع الحافظ له في هذه المرتبة فيه نظر.

12- أن الزهري كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، يدل على ذلك مقولته المشهورة أمام الخليفة الوليد بن عبد الملك في قصة الذي تولى كبر الإفك على عائشة رضي الله عنها.

13- براءة الزهري مما اتهم به من النصب ومحاباته لبني أمية.

14- لم يثبت لدي أن للزهري كتاباً مفرداً للمغازي ينسب إليه، لكنه أحد الأئمة الثقات في رواية السيرة والمغازي. رحمه الله رحمة واسعة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


تحميل : غزوة تبوك من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

كلمات دليلية: