غزوة بني لحيان من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

غزوة بني لحيان  من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

اسم الكتاب:
مرويات الإمام الزهري في المغازي
المؤلف:
محمدمحمد العواجي

المبحث السابع: في غزوة بني لحيان

88- وأخرج الواقدي1 عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً2 شديداً فخرج في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبرداً فمر على غرابات3 ثم على بَيْن4 حتى خرج على صخِرات الثمام5، فلقي الطريق هناك، ثم أسرع حتى انتهى إلى بطن غُران6 حيث كان مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئاً لكم الشهادة،

__________

1 مغازي الواقدي 2/ 535- 537.

2 وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) : (أنه خرج إلى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع ... ) .

3 غراب: جبل أسود غرب المدينة يمر به طريق الشام الرئيسي يسمى اليوم (حَبَشي) لأن لونه أسود بصفار كلون الحبش، يبعد حبشي سبعة أكيال عن المدينة. معجم المعالم الجغرافية 223.

4 بَيْن: هي أرض على الضفة اليسرى لوادي مَلَلْ على (45) كيلاً من المدينة جنوباً يمين طريق السيارات اليوم. معجم المعالم الجغرافية 224.

5 هكذا عند الواقدي (صخيرات الثمام) وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) صخيرات اليمامة. وقد كانت محطة على طريق مكة من المدينة على قرابة (50) كيلاً من المدينة، وقبل السيالة بثلاثة أكيال فقط. معجم المعالم الجغرافية 224.

6 غُران: على وزن غراب. وادٍ فحل بين أَمَج وعسفان، وأمج يعرف اليوم بخليص وعسفان يبعد (80) كيلاً من مكة. معجم المعالم الجغرافية 224 و208.

فسمعت به لحيان فهربوا رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوماً أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: (إن قريشاً قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان وهم يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة1 فوارس) ، فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم2، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق أحداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا يبلغ قريشاً فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم"، وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم، فبلغ قريشاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص خبيباً، وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا: قد بلغ محمد ضَجنان3 يريدكم، فقال خبيب: وهَل؟ قالت: نعم، قال خبيب: يفعل الله ما يشاء، قالت: والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك،

__________

1 عند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 280) : ثم بعث فارسين.

2 الغميم: قال البلادي (معجم المعالم الجغرافية 263) : "قلت: هي نعف من حرة ضجنان، تقع جنوب عسفان بستة عشر كيلاً، على الجادة إلى مكة"، أي على (64) كيلاً من مكة على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم، ذلك أنها برقاء في تكوينها.

3 ضجنان: هي حرة شمال مكة، يمر الطريق بنصفها الغربي على مسافة (54) كيلاً على طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية. معجم المعالم الجغرافية 183.

ويقولون: أترى محمداً غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام؟ وكان مأسوراً عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يقول:" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم بلِّغنا بلاغاً صالحاً يبلغ إلى خير، مغفرة منه ورضواناً"1 وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم2. وهذا

__________

1 لم أعثر على هذا النص في كتب الحديث، ولكن قد ثبت عند البخاري حديث رقم (2295) ومسلم حديث رقم (1344) من حديث ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ويقول: " ... آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".

وأخرج ابن حبان في صحيحه حديث رقم (2712) من حديث البراء: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفر قال: (آيبون تائبون لربنا حامدون".

وأخرج أحمد 4/ 156 رقم [2311] أرناؤوط وابن أبي شيبة (10/ 358- 359 و12/ 517) ، والبيهقي في السنن 5/ 250 من حديث ابن عباس وفيه: ... "فإذا أراد الرجوع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا ساجدون، فإذا دخل بيته قال: توباً توباً لربنا أوباً لا يغادر علينا حوباً".

2 وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) خرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، وعند ابن سعد في الطبقات (2/ 78) بدون إسناد: أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.

أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم1.

__________

1 وهذه الرواية ضعيفة لورودها من طريق الواقدي. وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279- 280) بسند مرسل، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرجها ابن سعد 2/ 79 عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق عنده بالتحديث، لكن لم يذكر ابن سعد في سنده (عبد الله بن كعب) .

المبحث الثامن: في سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم

89- ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وبعث1 رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في غزوة الجموم2، فأصاب زيد نعماً وشاءً وأسر جماعة من المشركين3.

__________

1 كان هذا البعث في ربيع الآخر سنة ست، ابن سعد، الطبقات الكبرى 2/ 86، بدون إسناد، ودلائل البيهقي 4/ 84.

2 هو - بفتح الجيم وميمين بينهما واو -، وهو ماء وقيل: أرض لبني سُليم. انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان 2/ 163، ومعجم المعالم الجغرافية للبلادي 85. قلت الجموم: يبعد عن مكة من جهة الشمال قرابة (30) كيلاً وهي منطقة واسعة جداً.

3 عيون الأثر لابن سيد الناس 2/ 151، وذكرها البيهقي في الدلائل 5/ 463- 464، ضمن المغازي والسير التي رواها عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، حيث أخرج من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قالوا: هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها ... وذكر منها بعث زيد إلى بني سُليم، فقال: " ... وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أربع مرار، مرة نحو بني قرد من هذيل، ومرة نحو حذام من نحو الوادي، ومرة نحو مؤتة، وغزوة الجموم من بني سُليم ... ".

وذكره ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 612) مختصرة جداً بدون إسناد.

المبحث التاسع: في سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة لقتل أم قِرْفة

90- أخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة من بني فزارة يقال لها: أم قرفة1، قد جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اثكلها بولدها، وبعث2 إليهم زيد بن حارثة، فالتقوا بالوادي3، وقُتل أصحابُ زيد فارتث4 جريحاً، وقدم المدينة فعاهد أن لا يمس ماءً حتى يرجع إليهم، فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً، فالتقوا، فَقَتَل بني فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وقتل أم قرفة، وبعث بدرعها5 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصبه بين رمحين، وأقبل زيد حتى قدم المدينة، قالت عائشة رضي الله عنها: ورسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب: فخرج إليه يجر ثوبه حتى

__________

1 أم قرفة: اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر، انظر: الواقدي في المغازي 2/ 564، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 90.

2 كان هذا البعث في شهر رمضان سنة ست. الطبقات الكبرى 2/ 90.

3 أي: بوادي القرى، ابن هشام 2/ 617، والطبقات الكبرى 2/ 90.

4 ارتث: الارتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. النهاية 2/ 95.

5 درع المرأة: قميصها. النهاية 2/ 114.

اعتنقه وقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم) 1.

91- وقال الواقدي: فحدثني محمد، عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه عرياناً2، ما رأيته عرياناً قبله حتى اعتنقه وقبله، ثم سأله فأخبره بما ظفره الله3.

__________

1 دلائل النبوة رقم (426) وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق.

وقد ذكر هذه الرواية الذهبي في سير أعلام النبلاء 1/ 226- 227. عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيها عنعنة ابن إسحاق، وذكرها ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 617) بدون إسناد وبألفاظ مغايرة قليلاً وفيها زيادات يسيرة، وكذلك ذكرها ابن سعد في الطبقات، 2/ 90.

2 وقولها: عرياناً، أي عاري الصدر والظهر، بدليل قول عائشة رضي الله عنها في حديث آخر: (ما رأيت منه ولا رأى مني) .

3 مغازي الواقدي 2/ 565 و3/ 1126. والواقدي متروك.

المبحث العاشر: في سرية عبد الله بن رواحة إلى اليُسير بن رزام اليهودي بخيبر

92- أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: بعث1 رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبد الله بن أنيس السلمي إلى اليسير بن رزام اليهودي2، فأتوه بخيبر، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قَرقَرة ثبار3، وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليسير4، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن له عبد الله فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليسير

__________

1 كان ذلك البعث في شوال سنة ست، انظر: مغازي الواقدي (2/ 566) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/ 92) .

2 وقيل: اسمه: أسير بن رزام بالزاي، انظر: مغازي الواقدي (2/ 566) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 92) ، قال ابن هشام: ويقال ابن رازام (السيرة 2/ 618) .

3 قرقرة ثبار: بالفتح وتكرير القاف والراء، معجم البلدان (4/ 326) وهو: قاع جنوب خيبر بين الحرة والصهباء المعروفة اليوم باسم (جبل عطوة) وهو على (6) أكيال من خيبر يقسمه الطريق إلى المدينة. معجم المعالم الجغرافية 253.

4 في المطبوع من الدلائل: البشير بالشين المعجمة، والصواب ما أثبته.

وفي يده مِخْرَش1 من شَوْحَط2 فضرب به وجه عبد الله شجة مأمومة3، كل4 رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شداً، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. لفظ حديث موسى بن عقبة5.

__________

1 المِخرش والخراش: عصا معوجة الرأس كالصولجان. النهاية (2/ 22) .

2 الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. القاموس (شحط) .

3 هي الشجة التي تبلغ أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. النهاية (1/ 68) .

4 هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي (4/ 294) ، ويظهر أن في الكلام سقطاً، ولعله "ومال كل رجل"؛ لأن ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 612- 619) ذكر في روايته: "..ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود، فقتله..".

5 دلائل النبوة (4/ 294) وهو حديث مرسل.

وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق بدون إسناد (السيرة النبوية 2/ 618)

والواقدي من طريق أبي الأسود عن عروة، المغازي (2/ 566) وابن سعد في الطبقات (2/ 92) بدون إسناد، وأبي نعيم في الدلائل (2/ 516- 517) رقم (444) من طريق أبي الأسود عن عروة.


تحميل : غزوة بني لحيان من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

كلمات دليلية: