غزوة بني قريظة _14661

غزوة بني قريظة


القضاء على بني قريظة

:

استطاع رجال بني النضير الذين نزلوا في خيبر أن ينالوا منزلة كبيرة فيها، واستطاعوا أن يغزوا قريشًا بحرب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يجمعوا لها الأحزاب من القبائل العربية، حتى هاجموا المدينة بجيش قوي عدته عشرة آلاف به قوة كبيرة من الفرسان؛ لكن النبي استطاع أن يتجنب القتال المواجه، كما استطاع أن يوقف تقدم العدو بالخندق الذي حفره حول المنطقة التي تمكن منها اقتحام المدينة، وهي الناحية الشمالية والشمالية الغربية والشرقية، أما باقي الجهات فكان حرارًا يصعب منها الهجوم، وأعانت بنو قريظة بما قدمت للمسلمين من أدوات الحفر من مساح وكرازين ومكاتل، وتركت ناحية العوالي لم يخندق من ناحيتها اعتمادًا على الحصون اليهودية بها، إذ إن قريظة بقيت على ولائها ولم يبد منها ما يكشف عن نية سيئة، ولم تستطع جيوش الأحزاب اجتياز الخندق، ولم يكن الوقت يسمح بالحصار الطويل، إذ كان الوقت شتاء باردًا وليس للقبائل المهاجمة من الاستعداد ما تتقي به البرد للقيام على حصار طويل، لذلك تباحثوا في خطة للظفر السريع أو الانسحاب وخاف حيي بن أخطب النضري مجمِّع الأحزاب أن تفشل خطته، فعمد إلى بني قريظة يغريهم بفتح الطريق أمام جيوش الأحزاب ولم يقبل كعب بن أسد زعيم قريظة في أول الأمر أن ينقض عهده مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن حييًّا ما زال به يقول له: "ويلك يا كعب! قد جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أُحد، قد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه"1. وقال كعب: "جئتني والله بذُل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء! ويحك يا حيي!! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً2. ولم يزل حيي به حتى نقض كعب عهده مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن بعد أن أعطاه حيي عهدًا وميثاقًا لئن رجعت الأحزاب ليدخلن معه حصنه فيصيبه ما أصابه.

__________

1 ابن هشام 3/ 236.

2 نفسه.

خافت قريظة، وبدأت تتحرش بالمسلمين وتتوسل رجالها لإخافتهم وتهديد حصونهم التي كان فيها نساؤهم وذراريهم حتى تشغلهم عن مواجهة العدو1. لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- استطاع أن يبث بذور الشك بين رجال الأحزاب وأن يفرق بينهم، وحتى فسدت نفوسهم واضطروا إلى رفع الحصار عن المدينة.

وما كاد النبي -صلى الله عليه وسلم- يتأكد من رجوع جيوش الأحزاب حتى أمر رجاله بحصار بني قريظة، واندفع المسلمون يحكمون الحصار عليهم ليوقعوا بهم الجزاء الطبيعي، لقومٍ نقضوا عهدهم واتصلوا بالعدو وعرضوا الدولة للزوال.

واعتصم اليهود بحصونهم، فلم يستطيعوا أن يخرجوا منها ولو مرة واحدة للقاء المسلمين، وحاول كعب بن أسد أن يغريهم بقتال المسلمين ولكن نفوسهم كانت قد ضعفت وقلوبهم خلعت، فقد رأوا مصير من كان أقوى منهم من قبائل اليهود، وعرض عليهم أن يسلموا ويبايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم رفضوا وصمموا على النزول على حكم محمد ظنًّا منهم أن حلفاءهم من الأوس لن يسلموهم إن أراد بهم محمد شرًّا، وأنهم لن يكونوا أسوأ حظًّا من غيرهم من بني قينقاع أو بني النضير، وفاتهم أن جنايتهم أكبر من أن تغتفر وأنه لا عقوبة على الخيانة العظمى إلا الإعدام، كما فاتهم أنهم لم يقبلوا نصح الأوس حين ذهبوا إليهم يطلبون منهم التمسك بالعهد، وأنهم أهانوا زعيمهم سعد بن معاذ الذي بلغ به الحقد عليهم أن تمنى على الله ألا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة. وحين نزلوا على حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- رضوا بأن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وحين كلم الأوس سعدًا في أن يحسن في مواليه، كما فعل عبد الله بن أبي مع بني قينقاع، قال: "لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم"2.

وأصدر سعد حكمه بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء3، ونفِّذ حكم سعد فقتل من الرجال كل من بلغ الحلم وسبيت الذراري وقسمت الأموال. وقتل مع القوم حيي بن أخطب الذي وفى لكعب بن أسد بما شرط على نفسه.

إن تبعة دم بني قريظة تقع على رأس حيي وعليهم معه، فقد نقضوا العهد

__________

1 ابن هشام 3/ 246.

2 ابن هشام 3/ 258.

3 نفسه 258، 259.

وعرضوا الدولة للضياع، والمسلمين للفناء، وهو حكم داخل فيما نسميه الآن بالخيانة العظمى، فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاسيًا عليهم قسوة ليس ما يبررها، ولقد وفَّى لهم بعهدهم من قبل وأحسن إليهم ولو استمروا على الوفاء لما أصابهم ما أصابهم.

وبالانتهاء من بني قريظة انتهت كل المشاكل الداخلية في المدينة وأصبح النبي -صلى الله عليه وسلم- يعمل حر الإرادة مطمئنًا إلى سلامة جبهته الداخلية اطمئنانًا يكفل له أن يولي المجال الخارجي كل عنايته.

وهكذا انتهى الموقف العصيب الذي واجهته المدينة بنجاح تام غير ميزان القوى تغيرًا تامًّا، وأتاح النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفكر في خطوات يقرر بها مبدأ السلم الذي يسعى إليه.



كلمات دليلية: