غزوة بني قريظة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

غزوة بني قريظة   من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

غزوة بني قريظة

ولمّا رجع عليه الصلاة والسلام بأصحابه، وأراد أن يخلع لباس الحرب، أمره الله باللحوق ببني قريظة «2» ، حتى يطهّر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم العهود، ولا تربطهم المواثيق، ولا يأمن المسلمون جانبهم في شدّة، فقال لأصحابه: «لا يصلينّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة» فساروا مسرعين، وتبعهم عليه الصلاة والسلام راكبا على حماره، ولواؤه بيد علي بن أبي طالب، وخليفته على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان عدد المسلمين ثلاثة الاف، وقد أدرك جماعة من الأصحاب صلاة العصر في الطريق فصلّاها بعضهم حاملين أمر الرسول بعدم صلاتها على قصد السرعة، ولم يصلّها الاخرون إلّا في بني قريظة بعد مضي وقتها حاملين الأمر على حقيقته فلم يعنّف فريقا «3» منهم. ولمّا رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم، وأرادوا التنصّل من فعلتهم القبيحة وهي الغدر بمن عاهدوهم وقت الشغل بعدو اخر، ولكن أنّى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم، فلمّا رأوا ذلك تحصّنوا بحصونهم وحاصرهم

__________

(1) اية 9 إلى 13.

(2) وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت لما رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من الخندق، وضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فأخرج إليهم «قال فإلى اين» قال: هاهنا وأشار إلى قريظة فخرج إليهم

(3) رواه البخاري ومسلم وفي هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع أن المجتهد فيه مصيب. وقد رواه أيضا البيهقي من طريقين ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف.

المسلمون خمسا وعشرين ليلة، فلمّا رأوا ألامناص من الحرب، وأنهم إن استمرّوا على ذلك ماتوا جوعا وطلبوا من المسلمين أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير سلاح فلم يرض أيضا، بل قال: لا بدّ من النزول والرضا بما يحكم عليهم خيرا كان أو شرّا، فقالوا له: أرسل لنا أبا لبابة نستشيره، وكان أوسيا من حلفاء بني قريظة، له بينهم أولاد وأموال، فلمّا توجّه إليهم استشاروه في النزول على حكم الرسول. فقال لهم: انزلوا وأومأ بيده إلى حلقه يريد أن الحكم الذبح، ويقول أبو لبابة «1» : لم أبارح موقفي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، فنزل من عندهم قاصدا المدينة خجلا من مقابلة رسول الله، ولما سأل عنه عليه الصلاة والسلام أخبر بما فعل، فقال: أما أنه لو جاءني لاستغفرت له، أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه «2» . ثم إن بني قريظة لمّا لم يروا بدّا من النزول على حكم رسول الله فعلوا، فأمر برجالهم فكتّفوا، فجاءه رجال من الأوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل بني قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج، فقال لهم: ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم؟ فقالوا: نعم. واختاروا سيدهم سعد بن معاذ الذي كان جريحا من السهم الذي أصيب به في الخندق، وكان مقيما بخيمة في المسجد معدة لمعاملة الجرحى، فأرسل عليه الصلاة والسلام من يأتي به، فحملوه على حماره، والتفّ عليه جماعة من الأوس يقولون له: أحسن في مواليك ألا ترى ما فعل ابن أبيّ في مواليه؟ فقال رضي الله عنه: لقد ان لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم. ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس، قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه، ففعلوا وقالوا له: إن رسول الله قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم. وقال له الرسول: احكم فيهم يا سعد فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ فقالوا: نعم، فالتفت إلى الجهة التي فيها الرسول وقال: وعلى من هنا كذلك؟ وهو غاضّ طرفه إجلالا فقالوا: نعم، فقال: فإني أحكم أن تقتلوا الرجال، وتسبوا النساء والذرية، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد حكمت فيهم

__________

(1) هو بشير بن عبد المنذر بن المدني أحد النقباء، عاش إلى خلافة علي.

(2) رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة كما ذكره محمد بن اسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري وقد ذكره المؤلف باختصار.

بحكم الله» «1» لأن هذا جزاء الخائن الغادر. ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ عليهم، وجمعت غنائمهم، فكانت ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وجحفة، ووجد أثاثا كثيرا وانية وجمالا نواضح «2» وشياها فخمس ذلك كله مع النخل والسبي للراجل ثلث الفارس، وأعطى النساء اللاتي يمرضنّ الجرحى، ووجد في الغنيمة جرار خمر فأريقت. وبعد اتمام هذا الأمر انفجر جرح سعد بن معاذ فمات «3» رضى الله عنه وأرضاه، كان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين. وقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق، وكان عليه الصلاة والسلام يحبّه كثيرا وبشّره بالجنّة على عظيم أعماله.

وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي لبابة بقوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «4» وقد عاهد الله أن يهجر ديار بني قريظة التي حصلت فيها هذه الزلّة.

وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين من شرّ مجاورة اليهود الذين تعودوا الغدر والخيانة، ولم تبق إلّا بقية من كبارهم بخيبر وأهلها وهم الذين كانوا السبب في إثارة الأحزاب. وسيأتي للقارىء قريبا اليوم الذي يعاقبون فيه.


ملف pdf

كلمات دليلية: