withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram


غزوة بنى النضير _14660

غزوة بنى النضير


إجلاء بني النضير

كان بنو النضير أقوى القبائل اليهودية بالمدينة، وكانت حصونهم غاية في المناعة والقوة وكانوا يعتدون بها ويعتقدون أنها قادرة عل حمايتهم، وكان العرب من حولهم يرون أنها أمنع من أن تقتحم، كما كانوا يملكون أفضل الأراضي الزراعية وأفضل النخيل، وكان زعماؤهم قد أظهروا العداوة للنبي -صلى الله عليه وسلم- من يوم قدومه إلى المدينة، وظهر الحسد والبغضاء والإصرار على العداوة منهم1.

فلما انتصر المسلمون يوم بدر انطلق شاعرهم كعب بن الأشرف يرسل الأشعار في هجاء المسلمين والتحريض عليهم، وذهب إلى مكة يرثي أصحاب القليب -قتلى قريش- ويحرض قريشًا على المسلمين، حتى فاضت نفوس المسلمين بالغيظ منه والحقد عليه؛ لذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله. ثم إن زعيم بني النضير سلام بن مشكم آوى أبا سفيان في غزوة السويق وأطلعه على أسرار المسلمين، فكأن الخيانة في بني النضير قد ولدت مبكرة حتى إذا ما كانت معركة أحد وهزم فيها المسلمون، وبدأت القبائل العربية تتحرش بهم، حتى استدرجت عددًا منهم، وقتلتهم في الرجيع وبئر معونة -كما سنشير إليه فيما بعد - بدأ يهود بني النضير يدبرون مؤامرة خطيرة للتخلص من النبي -صلى الله عليه وسلم-

__________

1 هشام 2/ 26 "هامش الروض".

والقضاء على الوضع القائم في يثرب كله، مستعينين في ذلك بتلك الجماعة المنافقة بزعامة عبد الله بن أبي، وقد بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- يحس بهذا الموقف في المدينة، لذلك فكر تفكيرًا سياسيًّا بعيدًا عن مرامي الرأي، فرأى ألا شيء خير من أن يستدرجهم ليكشف عن نياتهم.

حين قتل عامر بن الطفيل زعيم بني عامر رجال النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين ذهبوا إلى منطقة نجد للدعوة إلى الإسلام في بئر معونة -مكان بين حرة بني سليم وبلاد بني عامر شرقي المدينة- نجا منهم رجل هو عمرو بن أمية الضمري الذي قابل في طريقه رجلين من بني عامر فقتلهما ثأرًا بأصحابه، ولم يعلم أن معهما كتاب عهد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقتضاه أن يدفع ديتهما. وذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى منازل بني النضير- وكانوا حلفاء لبني عامر- في عشرة من كبار أصحابه، وطلب إليهم أن يعاونوا في دفع دية القتيلين، وأظهر اليهود الغبطة لقدومه إليهم، والاستعداد للتعاون، ولكن حين تبسط معهم وجلس إلى جوار بيت من بيوتهم، ائتمروا بينهم أن يصعد أحدهم إلى أعلى الدار فيلقي على النبي -صلى الله عليه وسلم- صخرة تقتله، وأحس النبي بدقة ملاحظته روح التآمر فيهم، فقام يوهمهم أنه ذاهب لبعض حاجته وترك أصحابه وذهب توًّا إلى المدينة، وحين أبطأه أصحابه رجعوا إلى المدينة وقد أدرك اليهود أن تآمرهم قد اكتشف.

وما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصل إلى المدينة ويجتمع بأصحابه حتى أرسل اليهود أحد رجاله وهو محمد بن مسلمة الأوسي يقول لهم: "اخرجوا من بلادي. لقد نقضتم العهد الذي جعلت بينكم بما هممتم به من الغدر بي، لقد أجلتكم عشرًا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه" وأبلست بنو النضير فلم يجدوا لهذا الكلام دفعًا.

لكن عبد الله بن أبي -رأس المنافقين وكبيرهم- أرسل إليهم يقول: "لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين ممن أطاعني من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم".

وهنا نقف على أبواب مؤامرة خطيرة يدبرها اليهود والمنافقون في المدينة.

ها هم بنو النضير يأتمرون بالنبي -صلى الله عليه وسلم ليقتلوه غدرًا، فلما انكشفت خطتهم، أعلن المنافقون عن المؤامرة كاملة، فإذا جبهة متكاملة تعلن خروجها، وتستعد للحرب، وتعلن في صراحة أن لديها القوة الكافية من عشائرها ومن غيرها من العرب الآخرين، وأن لديها الحصون والقلاع تحتمي بها، وأنها على استعداد لخوض غمار الحرب حتى الفناء.

إذن فقد كان تقدير النبي -صلى الله عليه وسلم- صادقًا وكانت شكوكه في محلها، أن المدينة مهددة بالحرب الأهلية يثيرها اليهود والمنافقون ومن ينضم إليهم من الأعراب القريبين، وإذن فهو الخطر الداهم الذي لو سكت عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- لكان في ذلك القضاء على دولته، فقد أصبح الأعداء يحيطون بها في الداخل والخارج، ولكي يتغلب على هذا الموقف فلا بد من العمل السريع الحاسم، ولا بد من شجاعة وشدة يتذرع بها المسلمون، فقد أخذت اليهود في التجهز للحرب، فرمت حصونها ونقلت إليها الحجارة وشحنتها بالمؤن والذخيرة، واطمأنت إلى قوتها وإلى القوة الخارجية التي يعدها عبد الله بن أبي.

وأسرع النبي -صلى الله عليه وسلم- فحاصرهم، واشتبك معهم في القتال عشرين يومًا أظهر فيها اليهود كثيرًا من البسالة، واستماتوا في الدفاع عن حصونهم ودورهم، ولم ينسحبوا من دار إلا بعد أن ييأسوا من الدفاع عنها فيخربوها. وطال حصار الحصون حتى ظن المسلمون استحالة إخراجهم منها، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقطع نخيلهم وتحريقها حتى ييئسهم من فائدة المقاومة أو يضطرهم للخروج لقتال المسلمين في معركة مكشوفة.

أما عبد الله بن أبي ومن معه، فقد استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحول بينهم وبين الاتصال باليهود، فقد أحكم الحصار، فلم يجرؤ عبد الله على التقدم لتنفيذ وعده لليهود، وأذهلته وأصحابه القوة التي واجه بها المسلمون الموقف، وملأ الرعب نفوسهم حينما رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يأخذ اليهود بالشدة فيحرق بيوتهم ويقطع نخيلهم وينكل بهم؛ لذلك جبنوا عن أن يتقدموا للمشاركة في القتال، بعد أن حيل بينهم وبين الوصول إلى حصون اليهود، ويئس اليهود من عونهم، فطلبوا مصالحة النبي -صلى الله عليه وسلم- فصالحهم على الخروج، لكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال وطعام وشراب ليس لهم غيره.

وارتحل اليهود فمنهم من نزل بخيبر ومنهم من ارتحل إلى الشام وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من غلال وسلاح، ولكن الأرض التي تركوها كانت أفضل ما غنم المسلمون وأنفع، فقد جعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- للمهاجرين دون الأنصار الذين لم يجدوا في صدورهم حرجًا وآثروا بها المهاجرين، وبذلك استغنى المهاجرون عن معونة الأنصار فتحسنت الحالة الاقتصادية عند الطرفين.

أما المنافقون، فقد ضعف أمرهم بعد أن انكشف أمرهم ودمغوا بالجبن والعار، ولم يعاقبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه لم يعد يفكر في أمرهم كثيرًا. وفي شأن بني النضير وتآمر المنافقين معهم نزلت سورة كاملة من سور القرآن هي سورة الحشر.

وبخروج بني النضير، ضعف شأن اليهود بالمدينة، ولكن بقيت لهم جولة أخرى يدبرها بنو النضير بتجميع الأحزاب1.

__________

1 عن إجلاء بني النضير: انظر ابن هشام 3/ 191- 197. الواقدي 282- 290. ابن سعد 3/ 98- 100.



كلمات دليلية: