غزوة بدر الكبرى_3278

غزوة بدر الكبرى


الباب السابع في بيان غزوة بدر الكبرى

ويقال لها: العظمى، وبدر القتال، ويوم الفرقان، كما رواه ابن جرير وابن المنذر، وصحّحه والحاكم عن ابن عباس، قال: لأن الله تعالى فرّق فيه بين الحق والباطل. وهي الوقعة العظيمة التي أعزّ الله تبارك وتعالى بها الإسلام، ودفع الكفر وأهله، وجمعت الآيات الكثيرة والبراهين الشهيرة، وليحقق الله تعالى ما وعدهم من إحدى الطائفتين، وما أخبرهم به من ميلهم إلى العير دون الجيش، ومجيء المطر عند الالتقاء، وكان للمسلمين نعمة وقوة، وعلى الكفار بلاء ونقمة. وإمداد الله تعالى المؤمنين بجند من السماء حتى سمعوا أصواتهم حين قالوا: أقدم حيزوم، ورأوا الرؤوس تتساقط من الكواهل من غير قطع ولا ضرب، وأثر السّياط في أبي جهل وغيره، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصا والتّراب حتى عمّت رميته الجميع، وتقليل المشركين في أعين المسلمين، ليزيل عنهم الخوف، ويشجعهم على القتال، وإشارة المصطفى صلّى الله عليه وسلم إلى مصارع المشركين بقوله: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فرأى المسلمون ذلك على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم وذكره، وقوله لعقبة بن أبي معيط: إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرا، فحقق الله تعالى ذلك، وإخبار عمه العباس بما استودع أم الفضل من الذهب، فزالت شبهة العباس في صدقه وحقيقة نبوته، فازداد بصيرة ويقينا في أمره، وتحقيق الله تبارك وتعالى وعده للمؤمنين، إذ يقول: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال 70] فأعطى العبّاس بدل عشرين أوقية عشرين غلاما يتّجرون له بماله.

واطلاع الله تعالى رسوله على ائتمار عمير بن وهب وصفوان بن أمية بمكة على قتله صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله تعالى من ذلك وجعله سببا لإسلام عمير بن وهب، وعاد إلى مكة داعيا إلى الإسلام. إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراها من معه من المؤمنين فزادتهم بصيرة ويقينا.

وردّ عين قتادة بعد ما سالت عن خدّه، والصحيح أن ذلك كان في أحد. وكانت غزوة بدر الكبرى أكرم المشاهد.

والسبب في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إليها أنه سمع إن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في ألف بعير لقريش، فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشيّ ولا قرشيّة له مثقال فصاعدا إلا بعث به في العير، فيقال: إن فيها خمسين ألف دينار، ويقال أقلّ. وفيها سبعون رجلا كما ذكر ابن عقبة وابن عائذ. وقال ابن إسحاق: ثلاثون أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص، وأسلما بعد ذلك، وهي التي خرج لها حتى بلغ العشيرة فوجدها قد مضت. وندب المسلمين

للخروج معه وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا، لعل الله تعالى أن يغنمكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعض، وثقل بعض، وتخلف عنه بشر كثير، وكان من تخلف لم يلم، وذلك أنهم لم يظنّوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، ولم يحتفل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفالا بليغا، فقال: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علوّ المدينة، قال: لا، ألا من كان ظهره حاضرا، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه على عشرين جملا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام، يتحسّسان خبر العير، فبلغا أرض الخوار، بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة وبالراء- فنزلا على كثيّر بن مالك الجهني رضي الله عنه فأجارهما، وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرّت العير، ثم خرجا، وخرج معهما كثيّر خفيرا، حتى أوردهما ذا المروة، فقدما ليخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه قد خرج. ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبع أقطعها لكثيّر، فقال: يا رسول الله، إنّي كبير ولكن اقطعها لابن أخي، فأقطعه إياها، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. رواه عمر بن شبة.

وأدرك أبا سفيان رجل من جذّام بالزّرقاء من ناحية معان، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان عرض لعيره في بدايته، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، وقد خالف عليهم أهل الطريق ووادعهم، فخرج أبو سفيان ومن معه خائفين للرّصد. ولما دنا أبو سفيان من الحجاز جعل يتحسّس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: إن محمدا قد استنفر لك ولعيرك، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ بعشرين مثقالا، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يجدع بعيره، ويحول رحله، ويشقّ قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، ويأتي قريشا، ويستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وفعل ما أمره به أبو سفيان.

,

ذكر ابتداء الحرب وتهييج القتال يوم بدر

ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش ورسوله الله صلى الله عليه وسلم يصفّ أصحابه ويعدّلهم، كأنما يقوّم بهم القدح ومعه يومئذ قدح، يشير إلى هذا: تقدّم، وإلى هذا: تأخّر، حتى استووا، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب، وجعل الشمس خلفه، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدوة الشاميّة، ونزلوا بالعدوة اليمانية، فجاء رجل فقال: يا رسول الله: إني أرى أن نعلو الوادي، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي، وإني أراها بعثت بنصرك،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد صففت صفوفي ووضعت رايتي، فلا أغيّر ذلك» ، ولما عدل

رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف تقدّم سواد بن غزيّة أمام الصف فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه وقال: «استو يا سواد» ، قال: يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق، أقدني. فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد فاعتنقه وقبله» فقال: ما حملك على ما صنعت، فقال: حضر من أمر الله ما قد ترى، وخشيت أن أقتل فأردت أن أكون آخر عهدي بك، وأن أعتنقك.

وخطب صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني أحثّكم على ما حثّكم الله عز وجل عليه وأنهاكم عمّا نهاكم الله عز وجل عنه، فإن الله عز وجل عظيم شأنه، يأمر بالحقّ، ويحبّ الصّدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغي به وجهه وإن الصّبر في مواطن البأس ممّا يفرّج الله عز وجل به الهمّ، وينجّي به من الغمّ، وتدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبيّ الله يحذّركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطّلع الله عز وجل على شيءٍ من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله عز وجلّ يقول: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر 10] انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته وأعزّكم بعد الذّلّة، فاستمسكوا به يرض به ربّكم عنكم، وأبلوا ربّكم في هذه المواطن أمرا، تستوجبوا الّذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإنّ وعده حقّ، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحيّ القيّوم، إليه ألجأنا ظهورنا وبه اعتصمنا، وعليه توكّلنا، وإليه المصير، يغفر الله لنا وللمسلمين» .

وتعبّت قريش للقتال، والشّيطان لا يفارقهم.

قال ابن سعد: وكان معهم ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، وكلهم من عبد الدار، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، وكان رجلا شرسا سيّء الخلق فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضكم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض يريد بزعمه أن تبرّ يمينه- وفي لفظ: في جوف الحوض- فاتّبعه حمزة حتى قتله دون الحوض، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه.

قال ابن سعد: وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم، ولم يزولوا، وشدّ عليهم عامر بن الحضرميّ، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع- بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرميّ.

وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال: قتله حبّان بن عرقة- بفتح

العين وكسر الراء، ويقال: بفتحها، فقاف مفتوحة- ويقال: عمير بن الحمام- بضم الحاء المهملة- قتله خالد بن الأعلم العقيلي- بضمّ العين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم بالنّبل، ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم» .

فقال أبو بكر: يا رسول الله قد دنا القوم وقد نالوا منّا، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله تعالى إيّاهم في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، وكان ذلك تثبيتا لهم.

وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبّان بن واسع عن أشياخ من قومه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، ورجع إلى العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع» .

وخرج عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فضل من الصفّ دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- وعبد الله بن رواحة.

قال ابن عقبة وابن سعد وابن عائذ: ولما طلب القوم المبارزة وقام إليهم الثلاثة استحى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم، فأحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة لبني عمه وقومه فقالوا: من أنتم؟ قالوا:

رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ما لنا بكم من حاجة، ثم نادوا، يا محمد أرج إلينا أكفاءنا من قومنا،

فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى مصافّكم وليقم إليهم بنو عمّهم» .

قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ- وكان عليّ معلما بصوفة بيضاء- فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيّكم إذ جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله» ،

فلما قاموا ودنوا معهم قالوا: من أنتم؟ تكلّموا، فقال عبيدة: أنا عبيدة، وقال حمزة: أنا حمزة،

وقال علي: أنا عليّ.

قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة، بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه.

وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا عليه واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه، ولما جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف النبي صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريفة، وقال عبيدة: يا رسول الله لو أن أبا طالب حيّ لعلم أني أحق بقوله:

كذبتم وبيت الله نبزى ... محمّدا ولمّا نطاعن حوله ونناضل

ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أنك شهيد» .

رواه الإمام الشافعي [ (1) ] وعن قيس بن عباد- بضم العين وتخفيف الموحدة- فقال:

سمعت أبا ذرّ يقسم قسما: أن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج 19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، رواه الشيخان.

وعن علي رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.

قال عليّ: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله عز وجل يوم القيامة.

وروى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: فينا نزلت هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ

[ (2) ] .

قال أبو العالية: ولما قتل هؤلاء ورجع هؤلاء قال أبو جهل وأصحابه: لنا العزّى ولا عزّى لكم، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» . رواه ابن أبي حاتم، وقلّل الله تعالى المشركين في أعين المسلمين، وقلّل المسلمين في أعين المشركين، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور.

قال ابن عتبة: وعجّ المسلمون إلى الله تعالى بالدعاء حين رأوا القتال قد نشب.

,

ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ونزول الملائكة لنصره

قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العريش، ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليس معه غيره،

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربّه ما وعده من النصر، يقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض»

[ (3) ] وأبو بكر رضي الله عنه يقول: «يا رسول الله بعض مناشدتك ربّك، فإن الله منجز لك ما وعدك» . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن عبد الله بن رواحة قال: «يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من أن يشار عليه، وإن الله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم من أن ينشد وعده»

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 3/ 113.

[ (2) ] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (3967) .

[ (3) ] أخرجه مسلم (1383- 1384) وأحمد في المسند 1/ 32.

رواحة لأنشدنّ الله وعده، إن الله لا يخلف الميعاد» [ (1) ] .

وروى ابن سعد وابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنظر ما فعل، فإذا هو ساجد يقول: «يا حي يا قيّوم» ،

لا يزيد عليهما، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثم ذهبت إلى القتال. ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك [ففتح الله عليه] [ (2) ] .

وروى البيهقي بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما سمعت مناشدا ينشد مقالة أشدّ مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لربّه يوم بدر، جعل يقول: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» ، ثم التفت كأنّ وجهه شقّه قمر، فقال: «كأنما أنظر إلى مصارع القوم العشية» [ (3) ] .

وروى البيهقي، عن ابن عباس وحكيم بن حزام، وإبراهيم التيميّ قالوا: لما حضر القتال رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يسأل الله النصر وما وعده، ويقول: «اللهمّ إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشّرك، وما يقوم لك دين» .

وأبو بكر يقول له: «والله لينصرنّك الله وليبيّضنّ وجهك» . وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فأنزل الله عز وجل ألفا من الملائكة مردفين عند أكناف العدوّ

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر يا أبابكر، هذا جبريل متعمّم بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيّب عني ساعة، ثم طلع على ثناياه النقع يقول: «أتاك نصر الله إذ دعوته» . [ (4) ] .

وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان في يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلّى الله عليه وسلم القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف، بربّه يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ،

فما زال يهتف بربّه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه وألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ردائه، فقال:

يا نبي الله كفاك تناشد ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك» فانزل الله تعالى:

__________

[ (1) ] أخرجه الطبراني في الكبير 4/ 210 وذكره السيوطي في الدر 3/ 263 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.

[ (2) ] أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 222 وقال: هنا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وليس في إسناده مذكور بجرح، وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 49 والذهبي في الميزان (5378) .

[ (3) ] أخرجه البخاري 6/ 116 (2915) .

[ (4) ] ذكره السيوطي في الدر 3/ 172 وعزاه للبيهقي في الدلائل وأخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 336، 3/ 54.

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال 9] فأمدّه الله تعالى بالملائكة [ (1) ] .

وروى سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلّهم، فركع ركعتين، وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته: «اللهم لا تودّع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم أنشدك ما وعدتني» [ (2) ] .

وروى البخاري والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» ،

فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، لقد ألححت على ربّك [ (3) ] . فخرج وهو يثب في الدّرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [القمر 45، 46] وأنزل الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال 9] أي متتابعين يتبع بعضهم بعضا، وأنزل الله عز وجل: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران 124] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال 12] ، قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل الآدميّين فعلّمهم الله تعالى بقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي الرّؤوس وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي مفصل.

وروى أبو يعلى والحاكم والبيهقي عن علي رضي الله قال: بينما أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة ما رأيت مثلها قطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قطّ إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، قال: فكانت الريح الأولى جبريل صلى الله عليه وسلم، نزل في ألف من الملائكة، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في الميسرة، فلما هزم الله تعالى أعداءه حملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه، فجمزت بي، فلما جمزت خررت على عنقها فدعوت ربّي فأمسكني، فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى خضبت هذا، وأشار إلى إبطه.

__________

[ (1) ] أخرجه مسلم (1384) والطبري 9/ 127 وأحمد في المسند 1/ 30 وذكره السيوطي في الدر المنثور 3/ 170.

[ (2) ] أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2872) .

[ (3) ] تقدم.

وروى البخاري والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب» [ (1) ] .

وروى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عمّ لي بدرا ونحن على شركنا فإنا لفي جبل ننظر الوقعة على من تكون الدّبرة فننتهب، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة وسمعنا فيها فارسا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع عليه، فمات، وأما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت بعد ذلك.

وروى محمد بن عمر الأسلمي، عن أبي رهم الغفاريّ [ (2) ] ، عن ابن عم له قال: بينا أنا وابن عمّ على ماء ببدر فلما رأينا قلّة من مع محمد وكثرة قريش قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانطلقنا نحو المجنّبة اليسرى من أصحابه، ونحن نقول: هؤلاء ربع قريش، فبينا نحن نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم، وسمعناهم يقولون: رويدا تتامّ أمراكم. فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت أخرى مثل ذلك، فكانت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإذا هم على الضّعف من قريش، فمات ابن عمّي، وأما أنا فتماسكت، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمت.

وروى مسلم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدّ في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسّوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط فاخضرّ ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة» [ (3) ] .

وروى ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه، عن ابن أسيد الساعديّ أنه قال بعد ما عمي: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشكّ فيه ولا أتمارى.

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 363 (3995) والبيهقي في الدلائل 3/ 54 والطبراني في الكبير 11/ 343.

[ (2) ] (أبو رهم) الغفاري اسمه كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن الغفار وقيل ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري مشهور باسمه وكنيته ... كان ممن بايع تحت الشجرة واستخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة في غزوة الفتح. [الإصابة 7/ 68] .

[ (3) ] جزء من حديث أخرجه مسلم 3/ 1384 (58- 1763) والبيهقي في الدلائل 3/ 52.

وروى الإمام أحمد والبزّار والحاكم برجال الصحيح، عن علي قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر، قيل لأحدنا: معك جبريل، وقيل للآخر: معك ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل يكون في الصف.

روى إبراهيم الحربيّ، عن أبي سفيان بن الحارث قال: لقينا يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض وروى الحاكم وصححه البيهقي وأبو نعيم، عن سهيل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك، فيقع رأسه قبل أن يصل إليه.

وروى البيهقي عن الرّبيع بن أنس قال: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممّن قتلوه بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق.

وروى البيهقي وابن عساكر عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، معلمين، يقتلون ويأسرون.

وروى البيهقي عن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة: أقدم حيزوم؟

فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف.

وروى البيهقي عن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بوادي خلص بجاد من السّماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا فوقع في نفسي إن هذا شيء أيّد به محمد صلى الله عليه وسلم، فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة.

وروى محمد بن عمر الأسلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: «هذا جبريل يسوق الريح كأنّه دحية الكلبيّ، إنّي نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .

وروى محمد بن عمر الأسلمي وابن عساكر، عن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت يوم بدر رجلين: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشدّ القتال، ثم ثلّثهما ثالث من خلفه، ثم ربّعهما رابع أمامه.

وروى ابن سعد عن حويطب بن عبد العزّى، قال: لقد شهدت بدرا مع المشركين فرأيت عبرا، رأيت الملائكة تقتتل وتأسر بين السماء والأرض.

وروى البيهقي عن السّائب بن أبي حبيش رضي الله عنه إنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس، فيقال: فمن؟ فيقول: لمّا انهزمت قريش انهزمت معها فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهى بي

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا بن أبي حبيش من أسرك؟» فقلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال: «أسرك ملك من الملائكة» .

وروى محمد بن عمر الأسلمي والبيهقي، عن أبي بردة بن نيار رضي الله عنه قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بثلاثة رؤوس فقلت له: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلاً أبيض طويلاً ضربه فأخذت رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك فلان من الملائكة» [ (1) ] .

وروى البيهقي، عن ابن عباس قال: كان الملك يتصوّر في صورة من يعرفون من الناس يثبّتونهم، فيقول: إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء، إلى غير ذلك من القول.

وروى ابن راهويه وأبو نعيم والبيهقي بسند حسن عن ابن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون، مثل البجاد الأسود مبثوث، حتى امتلأ الوادي، فلم أشكّ أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم.

وروى الإمام أحمد وابن سعد وابن جرير عن ابن عباس، والبيهقي عن علي رضي الله عنهما، قال: كان الذي أسر العبّاس أبو اليسر [ (2) ]- بالمثناة التحتية والسين المهملة- وكان رجلا مجموعا وكان العبّاس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا اليسر كيف أسرت العبّاس؟» قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .

وروى ابن سعد وأبو الشيخ عن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال بدر جاء جبريل على فرس أنثى أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألّا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: «نعم، رضيت، فانصرف» [ (3) ] .

وروى أبو يعلى عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر إذ تبسّم في صلاته، فلما قضى صلاته قلنا يا: رسول الله رأيناك تبسمت، قال: «مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إليّ فتبسّمت إليه» [ (4) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 58 وانظر البداية والنهاية 3/ 281.

[ (2) ] (أبو اليسر) بفتحتين الأنصاري اسمه كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة وقيل كعب بن عمرو بن غنم بن كعب بن سلمة وقيل كعب بن عمرو بن غنم بن شداد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي بفتحتين مشهور باسمه وكنيته شهد العقبة وبدرا [الإصابة 7/ 218] .

[ (3) ] أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/ 20.

[ (4) ] أخرجه أبو يعلى في مسنده 4/ 49 وذكره الهيثمي في المجمع 6/ 283 وعزاه لأبي يعلى وقال: وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.

وروى البخاري عن رفاعة بن رافع الزّرقيّ قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟» قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها.

قال جبريل: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة [ (1) ] .

وروى ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربه.

وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: مُرْدِفِينَ وقال: وراء كل ملك ملك.

وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: متتابعين، أمدّهم الله تعالى بألف ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف.

وروى ابن إسحاق والبيهقي عن أبي واقد الليثيّ قال: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قتله.

وروى البيهقي عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: ما أدري كم يد مقطوعة أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر، وقد رأيتها.

وروى أبو نعيم عن أبي دارة قال: حدثني رجل من قومي من بني سعد بن بكر قال: إني لمنهزم يوم بدر إذ أبصرت رجلا بين يديّ منهزما، فقلت: ألحقه. فأستأنس به، فتدلّى من جرف ولحقته، فإذا رأسه قد زايله ساقطا، وما رأيت قربه أحدا.

وروى الطبراني عن رفاعة بن رافع، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس قال: أمدّ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف، فكان جبريل في خمسمائة مجنّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنّبة، وجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإنّي جار لكم، وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه- وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزع إبليس يده. ثم ولّى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، ألست تزعم أنك جار لنا، فقال: إني أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله، والله شديد العقاب، فذلك حين رأى الملائكة، فتشبّث به الحارث بن هشام، وأسلم بعد ذلك، وهو يرى أنه سراقة لما سمع كلامه، فضرب الشيطان في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يلوي، حتى سقط في البحر، ورفع يديه وقال: يا ربّ، موعدك الذي وعدتني، اللهم إني أسألك نظرتك

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 362 (3992) .

إيّاي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فقال أبو جهل: يا معشر النّاس لا يهمّنّكم خذلان سراقة، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشيبة، فإنهم قد عجلوا. فو الّلات والعزّى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه بالحبال، ولا ألفينّ رجلا منكم قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم أخذا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. ويروى أنهم رأوا سراقة بمكة بعد ذلك فقالوا له: يا سراقة أخرمت الصفّ، وأوقعت فينا الهزيمة، فقال: والله ما علمت بشيء من أمركم حتى كانت هزيمتكم، وما شهدت وما علمت، فما صدّقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله تعالى فيه. فعلموا أنه كان إبليس تمثّل لهم.

وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين فشقّ ذلك عليهم، فانزل الله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران 124، 125] فبلغ كرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم فلم يمددهم الله بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدّوا بألف من الملائكة. وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله مُرْدِفِينَ قال: متتابعين، أمدّهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم بخمسة آلاف.

,

ذكر سيماء الملائكة يوم بدر

وروى ابن سعد عن عباد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها.

وروى البيهقي عن ابن عباس قال: كان سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم خيبر عمائم حمرا.

وروى الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً في قوله تعالى:

مُسَوِّمِينَ قال: معلّمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر.

وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.

وروى الطبراني بسند صحيح، عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتجر بعمامة صفراء.

وروى ابن إسحاق: حدثني من لا أتّهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.

وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير إنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة صفراء [ (1) ] .

قال ابن سعد: وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر من نور، والصّوف من نواصي خيلهم،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن الملائكة قد سوّمت فسوّموا، فأعلموا بالصّوف في مغافرهم وقلانسهم وكانت الملائكة على خيل بلق» ..

وروى ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصّوف ليوم بدر،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت، فهو أول يوم وضع الصوف» [ (2) ] .

وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن علي رضي الله عنه قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنّا بها

[ (3) ] .

وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: مُسَوِّمِينَ قال: بالعهن الأحمر.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتوا- أي الملائكة- مسوّمين فسوّم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.

وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن سيماهم- أي الملائكة- يومئذ الصوف بنواصي خيلهم، وأذنّا بها، وأنهم على خيل بلق.

,

ذكر سحب كفار قريش إلى بدر وما وقع في ذلك من الآيات

روى مسلم والنسائي عن عمر بن الخطاب، والشيخان عن أبي طلحة، وابن إسحاق، والإمام أحمد، ومسلم عن أنس، والشيخان من طريق عروة، عن ابن عمر، والطبراني برجال الصحيح، عن ابن مسعود، والإمام أحمد برجال ثقات، عن عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريهم مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله- ووضع يده بالأرض- وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله.

قال عمر:

فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلوا يصرعون عليها فجعلوا في طويّ من أطواء بدر، خبيث مخبث بعضهم على بعض.

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في كتاب الخمس (3139) .

قال أبو طلحة: وكانوا بضعة- وفي رواية أربعة- وعشرين.

قالت عائشة: إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحرّكوه فتزايل، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة. وقال أبو طلحة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أظهره الله على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال.

وقال أنس: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم. قال أبو طلحة: فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم براحلته فشدّ عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفا البئر، وفي لفظ على شفير الرّكيّ.

وفي بعض الروايات عن أنس: أن ذلك كان ليلا، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان،

وفي رواية: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقّا، بئس عشيرة النّبيّ كنتم لنبيّكم، كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فجزاكم الله عني من عصابة شرّا، خوّنتموني أمينا، وكذّبتموني صادقا» . فقال عمر: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ وفي لفظ: كيف يسمعون أو أني يجيبون وقد جيّفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا علينا شيئا»

[ (1) ] .

قال قتادة: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله، توبيخا لهم، وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة.

قال عروة: فبلغ عائشة قول ابن عمر، فقالت: ليس هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،

إنما قال: «إنهم ليعلمون الآن الذي كنت أقول لهم حقّا، إنهم تبوّؤوا مقاعدهم من جهنم»

[ (2) ] أن الله تعالى يقول: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل 80] وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر 22، 23]

وفي رواية عند الإمام أحمد من طريقين رجالهما ثقات، عن عائشة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم بأفهم لقولي منهم» ، أو «لهم أفهم لقولي منكم»

[ (3) ] .

وروى البزار والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما جيء بأبي جهل يجرّ إلى القليب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّ أسيافنا قد التبست

__________

[ (1) ] الجزء الأخير أخرجه البخاري 2/ 122 ومسلم 4/ 2203 (76- 2873) .

[ (2) ] أخرجه البخاري 3/ 274 (1371) ومسلم في كتاب الجنائز (26) .

[ (3) ] أخرجه أحمد في المسند 6/ 170 وذكره الهيثمي في المجمع 6/ 90.

بالأنامل» [ (1) ] ،

ولفظ الطبرانيّ وغيره. ولذلك يقول أبو طالب:

كذبتم وبيت الله نخلي محمّدا ... ولمّا نطاعن حوله ونناضل

ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الرّوايا تحت ذات الصّلاصل

وحتّى يرى ذا الضّغن يركب درعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل

وإنّا لعمر الله إن جدّ ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت:

عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخطّ الوحي في الورق القشيب

تداولها الرّياح وكلّ جون ... من الوسميّ منهمر سكوب

فأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب

فدع عنك التّذكّر كلّ يوم ... وردّ حرارة الصّدر الكئيب

وخبّر بالّذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب

بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النّصيب

غداة كأنّ جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب

فلاقيناهم منّا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب

أمام محمّد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب

بأيديهم صوارم مرهفات ... وكلّ مجرّب خاظي الكعوب

بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النّجّار في الدّين الصّليب

فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب

وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب

يناديهم رسول الله لمّا ... قذفناهم كباكب في القليب

ألم تجدوا كلامي كان حقّا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب

فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب

قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم أن يلقوا في القليب أخد عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما بلغني- في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغيّر فقال: «يا أبا حذيفة، لعلك قد داخلك من شأن أبيك شيء»

- أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا، والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكن كنت

__________

[ (1) ] ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 83 وعزاه للبزار وقال: فيه حيان بن علي وهو ضعيف.

أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيرا.

,

ذكر إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين لأهل المدينة بوقعة بدر: الأول لأهل السافلة والثاني لأهل العالية

روى الحاكم عن أسامة بن زيد، والبيهقي عن محمد بن عمر الأسلمي، والبيهقيّ أيضاً، عن ابن إسحاق: قال أسامة بن زيد رضي الله عنه: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم أيام بدر، وقالوا: وقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل فجاءا يوم الأحد حين اشتد الضحى، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة بالعقيق، فجعل عبد الله ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجّاج، وأبو جهل، وزمعة بن الأسود، وأميّة بن خلف. وأسر سهيل بن عمرو. قال عاصم بن عدي: فقمت إليه فنحوته، فقلت: أحقّا ما تقول يا ابن رواحة؟ فقال: إى والله، وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مقرّنين، ثم اتّبع دور الأنصار بالعالية يبشّرهم دارا دارا والصبيان يشتدّون معه ويقولون:

قتل أبو جهل الفاسق، حتى انتهى إلي بني أمية بن زيد.

وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء- قال الواقديّ: وقال أسامة:

العضباء- يبشّر أهل السافلة، فلما أن جاء المصلّى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أبو جهل، وأبو البختري، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل [بعض] الناس لا يصدّقون زيد بن حارثة ويقولون: ما جاء زيد إلّا فلّا، حتى غاظ ذلك المسلمين وخافوا.

قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد على العضباء جاء بالبشارة، فو الله ما صدّقته حتى رأيت الأسارى، وقدم زيد حين سوّوا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم التراب بالبقيع، فقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر: قد تفرّق أصحابكم تفرّقا لا يجتمعون بعده أبدا، وقد قتل علية أصحابه، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرّعب، وجاء فلّا. قال أبو لبابة: يكذّب الله تعالى قولك. وقالت اليهود: ما جاء إلا فلّا. قال أسامة بن زيد: فجئت حتى خلوت بأبي، فقلت: يا أبه، أحق ما تقول؟ قال:

إي والله حقّا ما أقول يا بنيّ، فقويت في نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، لنقدّمنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم فليضربنّ

عنقك، فقال: يا أبا محمد إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه.

قال: فجيء بالأسرى وعليهم شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم.

,

ذكر وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهليهم ومهلك أبي لهب

روى قاسم بن ثابت في دلائله، عن سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن أبيه قال:

كانت خوالف قريش تخرج إلى الأبطح وذي طوى، حين خرجت قريش تمنع عيرها، يتحسّسون الأخبار، فسمعوا هاتفا بأعلى مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون، وهو ينشد بأنفذ صوته ولا يرى شخصه:

أزار الحنيفيّون بدرا وقيعة ... سينقضّ منها ركن كسرى وقيصرا

أبادت رجالا من لؤيّ وأبرزت ... خرائد يضربن التّرائب حسّرا

فيا ويح من أمسى عدوّ محمّد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا

وقال قائلهم: من الحنيفيّون؟ فقالوا: هو محمد وأصحابه يزعمون أنّهم على دين إبراهيم الحنيف، فحسبوا فوجدوا الليلة التي أوقع فيها المسلمون أهل بدر في صبيحتها.

وكان أول من قدم [مكة] . بمصابهم الحيسمان- وهو بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وضم المهملة- ابن إياس الخزاعيّ- وأسلم بعد ذلك- فقالوا: ما وراءك؟ قال:

قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وأبو البختريّ بن هشام، فلما جعل يعدّد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا، لقد طار قلبه، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك قاعدا في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

وروى ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلاما للعبّاس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أمّ الفضل، وكان

العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله تعالى وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزّة، وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم، فو الله إني جالس فيها أنحت أقداحي وعندي أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب:

هلمّ إليّ يا بن أخي فعندك لعمري الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر النّاس، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيّده، فقام مولّيا ذليلا. فو الله ما عاش إلى سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته.

قال ابن جرير: والعدسة: قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدي أشدّ العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جثّته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السّبّة في تركهم له دفعوه بعصيّ في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه.

وقال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير: إنهم لم يحفروا له، ولكن أسندوه إلى حائط، وقذفوا عليه بالحجارة من خلف الحائط حتى واروه. وروى أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا مرّت بموضعه غطّت وجهها.

,

ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر

روى البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر، عن عبد الرحمن- رجل من أهل صنعاء- قال: أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه، وهو في بيت عليه خلقان، جالس على التراب. قال جعفر بن أبي طالب: أشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحالة، فلما أن رأى ما في وجوهنا. قال: إني أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله تعالى قد نصر نبيه صلى الله عليه وسلم وأهلك عدوه فلان وفلان التقوا بواد يقال له: بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي- رجل من بني ضمرة- إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى صلى الله عليه وسلم إن حقّا على عباد الله تعالى أن يحدثوا لله عز وجل تواضعا، عند ما يحدث لهم نعمة، فلما أحدث الله تعالى نصر نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت له هذا التواضع.

,

ذكر عدد المسلمين والمشركين الذين شهدوا بدرا

روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كنّا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث: أن عدّة أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النّهر- ولم يجاوزه معه إلا مؤمن- بضعة عشر وثلاثمائة [ (1) ] .

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم وهم بالمدينة: «هل لكم أن نخرج فنلقى هذه العير لعل الله تعالى يغنمناها؟» قلنا: نعم، فخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدّتنا فسرّ بذلك، وحمد الله تعالى وقال: «عدّة أصحاب طالوت» [ (2) ] .

روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، وأبو عوانة، وابن حبّان، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، ولفظ مسلم: تسعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ... الحديث.

وروى البزّاز بسند حسن، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: كانت عدّة أهل بدر عدّة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلاثمائة وسبعة عشر، كذا في النسخة التي وقفت

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (3958) .

[ (2) ] أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 7/ 48.

عليها من مجمع الزوائد للهيثميّ: سبعة عشر، وأورده في الفتح بلفظ «ثلاثة عشر» فيحرّر.

وروى البخاريّ، وإسحاق بن راهويه، عن البراء، رضي الله عنه، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر فكان المهاجرون يوم بدر نيّفا على الستّين، والأنصار نيّفا وأربعين ومائتين.

ووقع عند الحاكم من طريق عبد الملك بن إبراهيم الجدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء أن المهاجرين كانوا نيّفا وثمانين، قال الحافظ: وهذا خطأ في هذه الرواية، لإطباق أصحاب شعبة على ما وقع في البخاريّ. ووقع عند يعقوب بن سفيان من مرسل عبيدة السلمانيّ أن الأنصار كانوا مائتين وسبعين، وليس ذلك بثابت. وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي اليمان عامر الهوزنّي، والطبراني، والبيهقي من وجه آخر عنه، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقال لأصحابه: «تعادّوا فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا» ثم قال لهم: «تعادّوا»

فتعادوا مرتين، فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادّون، فتمّت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر [ (1) ] .

وروى أبو داود، والبيهقي، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر، وهذه الرواية لا تنافي رواية ثلاثة عشر، لاحتمال أن تكون الأولى لم يعدّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الرجل الذي أتى آخرا. وأما الرواية التي فيها: «تسعة عشر» فتحمل على أنه ضمّ إليه من استصغر ولم يؤذن له في القتال يومئذ، كالبراء وابن عمر وكذلك أنس، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل:

هل شهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر؟! وكأنه كان حينئذ في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أنه ابتدأ خدمته له حين قدم المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر، أو خرج مع عمه زوج أمه أبي طلحة. وفي الصحيح عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: فجميع من شهد بدرا من قريش ممّن ضرب له بسهمه أحد وثمانون.

قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين قول البراء أنّ حديث البراء ورد فيمن شهدها حسّا.

وقول الزّهريّ فيمن شهدها بالعدد حسّا وحكما ممّن ضرب له بسهم وأجره، أو المراد بالعدد الأول الأحرار، وبالثاني بانضمام مواليهم وأتباعهم.

قال الحافظ: وإذا تحرر هذا الجمع فيعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستّة.

روى ابن جرير، عن ابن عباس قال: إن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وستّة رجال، وقد بيّن ذلك ابن سعد فقال: إنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة، فكأنه لم يعدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيّن وجه

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (3955) .

الجمع بأنه ثمانية أنفس عدّوا في أهل بدر ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بسهامهم، لكونهم تخلّفوا لضرورات لهم، وتقدم بيانهم، وحكى السّهيليّ أنّه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجنّ.

وكان المشركون ألفا، وقيل: تسعمائة وخمسين، وقيل: وكان معهم سبعمائة بعير ومائة فرس.

,

ذكر من استشهد من المسلمين ببدر

استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين يوم بدر: عبيدة بن الحارث وعمير بن أبي وقاص وكانت سنّه ستة عشر أو سبعة عشر عاما، وعمير بن الحمام من بني سلمة، وسعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس، وذو الشّمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة، ومبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف، وعاقل بن البكير الليثيّ، ومهجع مولى عمر حليف بني عديّ، وصفوان ابن بيضاء الفهريّ، ويزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظّارا، وهو غلام، فأصابه سهم فقتله، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء سنّهما أربع عشرة سنة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار ستة من الخزرج واثنان من الأوس.

روى الطبراني بسند رجاله ثقات، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في جوف طير خضر تسرح في الجنّة، فبينما هم كذلك إذ اطّلع عليهم ربّهم اطّلاعة فقال: يا عبادي، ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا من شيء؟ قال: فيقول: يا عبادي، ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: تردّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا.

,

ذكر عدة من قتل من المشركين يوم بدر ومن أسر منهم

ذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصي له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا.

قال ابن هشام: حدّثني أبو عبيدة عن أبي عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيّب، وفي كتاب الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران 165] يقوله لأصحاب أحد، وكان ممّن استشهد منهم يوم أحد سبعين قتيلا، وسبعين أسيرا. وأنشدني أبو زيد الأنصاريّ لكعب بن مالك في قصيدة له يعني قتلى بدر:

فأقام بالعطن المطعّن منهم ... سبعون، عتبة منهم والأسود

وقال في البداية: المشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين كذلك، كما ورد في غير ما حديث.

وروى البخاري والبيهقي عن البراء قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير- بالجيم تصغير جبر- وكانوا خمسين رجلا، فأصابوا منّا سبعين رجلا يعني يوم أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.

قال الحافظ: هذا هو الحق في عدد القتلى وقد وافق البراء على ذلك ابن عباس وآخرون، وأخرج ذلك مسلم من حديث ابن عباس. وقال الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها فاتّفق أهل العلم بالسّير على أن المخاطبين بذلك أهل أحد وأن المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر، وعلى أن عدّة من استشهد من المسلمين بأحد سبعون نفسا، وأطبق أهل السّير على أن من قتل من الكفار ببدر خمسون، يزيدون قليلا أو ينقصون.

فسرد ابن إسحاق أسماءهم فبلغوا خمسين، وزاد الواقديّ ثلاثة أو أربعة، وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل منهم على التعيين أن يكونوا جميع من قتل. انتهى.

وروى البيهقي عن الزهري قال: قتل من المشركين يوم بدر زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك، ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال البيهقيّ: وهو أصح ما رويناه في عدد من قتل من المشركين ومن أسر منهم، وحديث البراء شاهد له، قلت: وبالغ الواقديّ فحكى الإجماع على ما في حديث البراء. قال أبو عمر: ومن مشاهير القتلى: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله زيد بن حارثة، وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام، وأخوه العاص بن سعيد قتله عليّ وقيل غيره، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قتلهم حمزة، وعبيدة وعليّ كما تقدم، وعقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت صبرا [بالسيف] وقيل: بل عليّ بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك، والحارث بن عامر بن نوفل، قتله عليّ، وطعيمة بن عديّ، قتله حمزة، وقيل: بل قتل صبرا، والأول أشهر، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وابنه الحارث بن زمعة، وأخوه عقيل بن الأسود، وأبو البختريّ وهو العاص بن هشام، وتقدم الخلاف في قاتله من هو، ونوفل بن خويلد بن أسد، قتله علي، وقيل الزبير، والنّضر بن الحارث قتل صبرا بالصّفراء، وعمير بن عثمان عمّ طلحة، قتله علي بن أبي طالب، ومسعود بن أبي أمية المخزوميّ أخو أم المؤمنين أم سلمة قتله علي بن أبي طالب، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد بن الوليد، قتله عليّ عليه السلام، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله حمزة بن عبد المطلب، والسائب بن أبي السائب

المخزوميّ، قتله الزبير بن العوام. جزم ابن إسحاق وغيره بأنه قتل ببدر كافرا، وعلى ذلك جرى الزبير بن بكار، وخالفهم ابن هشام وغيره وعدّوه من جملة الصحابة، وقال أبو عمر: إنه من المؤلفة قلوبهم، وممّن حسن إسلامه منهم، فالله أعلم.

قال الحافظ: فيحتمل أن يكون السائب بن صيفيّ شريك النبي صلى الله عليه وسلم عند الزبير بن بكار غير السائب بن أبي السائب.

وروى الإمام أحمد عن السائب بن صيفيّ قال: جيء بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، جاء بي عثمان بن عفان وزهير فجعلوا يثنون عليّ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعلموني به فقد كان صاحبي في الجاهلية» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم الصّاحب كنت» ،

وذكر الحديث في هذا دليل على أنه عاش إلى زمن الفتح وعاش بعد ذلك إلى زمن معاوية، قال ابن الأثير: وكان من المعمّرين [ (1) ] .

قال ابن إسحاق: وكانت الفتية الذين قتلوا ببدر فنزل فيهم القرآن كما ذكر لنا إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء 97] فتية مسمّين، وهم الحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد، وعليّ بن أميّة، والعاص بن منبّه، وذلك أنهم كانوا أسلموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكّة وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا.

وكان ممّن أسر يومئذ من بني هاشم العباس بن عبد المطلب. روى أبو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: قلت لأبي: يا أبت، كيف أسرك أبو اليسر ولو شئت لجعلته في كفّك؟

فقال: يا بني لا تقل ذلك، لقيني وهو في عيني أعظم من الخندمة وهي- بفتح الخاء المعجمة وسكون النون فدال مهملة مفتوحة فميم- اسم جبل بمكة، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

ومن بني المطلب بن عبد مناف: السائب بن عبيد [ (2) ] ، والنعمان بن عمرو.

ومن بني نوفل: عديّ بن الخيار [ (3) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 3/ 425 وذكره الهيثمي في المجمع 8/ 193 وقال: رواه أبو داود باختصار وأحمد ورجاله رجال الصحيح.

[ (2) ] (السائب) بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي جد الإمام الشافعي [انظر الإصابة 3/ 60] .

[ (3) ] (عدي) بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي والد عبيد الله وإخوته [الإصابة 4/ 230] .

ومن بني عبد الدار: أبو عزيز بن عمير.

ومن بني تيم بن مرة: مالك بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله.

ومن بني مخزوم، ومن خلفائهم: أربعة وعشرون.

ومن بني عبد شمس وحلفائهم اثنا عشر رجلا، منهم: عمرو بن أبي سفيان بن حرب، والحارث بن أبي وجزة، وأبو العاص بن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن سائر قريش: السائب بن أبي السائب [ (1) ] ، وتقدم ما في ذلك. والحارث بن عامر، وخالد بن هشام: أخو أبي جهل بن هشام، وصيفيّ بن أبي رفاعة، وأخوه المنذر بن أبي رفاعة، والمطلب بن حنطب، وخالد بن الأعلم، وهو القائل:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدّم

فما صدق في ذلك، بل هو أول من فرّ يوم بدر فأدرك وأسر. وعثمان بن عبد شمس بن جابر المازنيّ حليف لهم، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد بن الوليد، كذا ذكره في العيون تبعا لأبي عمر مع ذكرهما له فيمن قتل من مشركي أهل بدر وأحد المكانين غلط، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأبو عطاء عبد الله بن السائب بن عائذ المخزوميّ، وأبو وداعة بن ضبيرة السّهميّ، وهو أول أسير فدي منهم. وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحيّ، وأخوه عمرو، وأبو عزة الجمحيّ، وسهيل بن عمرو العامري، وعبد الله بن زمعة بن قيس العامريّ، وعبد الله بن حميد بن زهير الأسديّ، هذا ما ذكره أبو عمر من المشاهير من القتلى والأسرى.

,

ذكر من أسلم من أسرى بدر بعد ذلك

العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وأبو العاص بن الربيع، وأبو عزيز- بفتح العين المهملة وكسر الزاي وفي آخر زاي أخرى بينهما مثناة تحتية ساكنة- واسمه زرارة بن عمير العبدريّ، والسائب بن أبي حبيش- بحاء مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فشين معجمة- وخالد بن هشام المخزومي، وعبد الله بن أبي السائب، والمطّلب بن حنطب، وأبو وداعة السّهميّ، وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحيّ، ووهب بن عمير الجمحيّ، وسهيل بن عمرو العامري، وعبد الله بن زمعة أخو سودة، وقيس بن السائب. ونسطاس- بالنون- مولى أمية بن خلف.

__________

[ (1) ] (السائب) بن أبي السائب واسمه صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والد عبد الله بن السائب. [الإصابة 3/ 60] .

هذا ما ذكره أبو الفتح وفاته جماعة، منهم: السائب بن عبيد، أسلم يوم بدر بعد أن فدى نفسه كما نقله الأئمة، عن القاضي أبي الطّيّب الطبريّ، وعديّ بن الخيار، وهو من مسلمة الفتح، والوليد بن المغيرة، افتكّه أخواه هشام وخالد، فما افتدي أسلم، وعاتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظنّ بي أنّي جزعت من الأسر. ولما أسلم حبسه أخواله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت، ثم أفلت ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضيّة.

,

ذكر أسماء من شهدوا بدرا

]

السابع والعشرون: في معرفة من شهد بدرا من المسلمين، جملة من ذكر من المهاجرين أربعة وتسعون، وروى البخاري عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: جميع من

شهد بدرا من قريش ممن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره واحد وثمانون [ (1) ] ، وكان عروة بن الزبير يقول: قسّمت سهامهم فكانوا مائة. قال الدّاوديّ: كانوا على التحرير أربعة وثمانين، وكان معهم ثلاثة أفراس، فأسهم لها بسهمين، وضرب لرجال كان أرسلهم في بعض أمره بسهامهم، فيصحّ أنها كانت مائة بهذا الاعتبار.

قال الحافظ: هذا لا بأس به وظهر لي أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس، وذلك أنه عزل خمس الغنيمة، ثم قسم ما عداه على الغانمين على ثمانين سهما، عدد من شهدها ومن لحق بهم، فلما أضيف إليه الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم. انتهى.

وجملة من ذكر من الخزرج مائة وخمسة وتسعون، ومن الأوس أربعة وتسعون، وإنما كان عدد الأوس أقلّ من عدد الخزرج، وقد كانوا أشدّ منهم وأصبر عند اللقاء، لأن منازلهم في علو المدينة وجاء النفير بغتة.

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا يتبعنا ألا من كان ظهره حاضرا» ،

فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة إلى أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم، فأبى، ولم يكن عزمهم اللقاء ولا أعدّوا له عدة، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، فجملة من ذكر ثلاثمائة وثلاثة وسبعون، وهذا العدد أكثر من عدد أهل بدر، وإنما جاء ذلك من جهة الخلاف في بعض من ذكر، وقد تقدم نظير ذلك في أهل العقبة، ورتبت أسماؤهم على حروف المعجم، لأنه أسهل في الكشف.

ونبدأ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

,

ذكر بعض ما قاله الصحابة من الشعر في غزوة بدر

قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. قال ابن هشام وأكثر أهل العلم ينكرها

ألم تر أمرا كان من عجب الدّهر ... وللحين أسباب مبيّنة الأمر

وما ذاك إلا أنّ قوما أفادهم ... فحانوا تواص بالعقوق وبالكفر

عشية راحوا نحو بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للرّكيّة من بدر

وكنّا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فثاروا إلينا فالتقينا على قدر

فلمّا التقينا لم تكن مثنويّة ... لنا غير طعن بالمثقّفة السّمر

وضرب ببيض يختلي الهام حدّها ... مشهّرة الألوان بيّنة الأثر

ونحن تركنا عتبة الغيّ ثاويا ... وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر

وعمرو ثوى فيمن ثوى من مماتهم ... فشقّت جيوب النّائحات على عمرو

جيوب نساء من لؤي بن غالب ... كرام تفرّعن الذّوائب من فهر

أولئك قوم قتّلوا في ضلالهم ... وخلّوا لواء غير محتضر النّصر

لواء ضلال قاد إبليس أهله ... فخاس بهم، إنّ الخبيث إلى غدر

وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا ... برئت إليكم ما بي اليوم من صبر

فإنّي أرى ما لا ترون وإنّني ... أخاف عقاب الله والله ذو قسر

فقدّمهم للحين حتّى تورّطوا ... وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر

فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا ... ثلاث مئين كالمسدّمة الزّهر

وفينا جنود الله حين يمدّنا ... بهم في مقام ثمّ مستوضح الذّكر

فشدّ بهم جبريل تحت لوائنا ... لدى مأزق فيه إياهم تجري

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم يعرفها لعليّ:

ألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل

بما أنزل الكفّار دار مذلّة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل

فأمسى رسول الله قد عزّ نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل

فجاء بفرقان من الله منزل ... مبيّنة آياته لذوي العقل

فآمن أقوام بذاك وأيقنوا ... فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشّمل

وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم ... فزادهم ذو العرش خبلا على خبل

وأمكن منهم يوم بدر رسوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خفاف عصوا بها ... وقد حادثوها بالجلاء وبالصّقل

فكم تركوا من ناشئ ذي حميّة ... صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل

تبيت عيون النّائحات عليهم ... تجود بإسبال الرّشاش وبالوبل

نوائح تنعى عتبة الغيّ وابنه ... وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل

وذا الرّجل تنعى وابن جدعان فيهم ... مسلّبة حرّى مبيّنة الثّكل

ترى منهم في بئر بدر عصابة ... ذوي نجدات في الحروب وفي المحل

دعا الغيّ منهم من دعا فأجابه ... وللغيّ أسباب مرمّقة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ... عن الشّغب والعدوان في أشغل الشّغل

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:

عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد، ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا ... بغوا وسبيل البغي بالنّاس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر

وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر

وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر

وجمع بني النّجّار تحت لوائه ... يمشّون في الماذيّ والنّقع ثائر

فلمّا لقيناهم وكلّ مجاهد ... لأصحابه مستبسل النّفس صابر

شهدنا بأنّ الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحقّ ظاهر

وقد عرّيت بيض خفاف كأنّها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر

بهنّ أبدنا جمعهم فتبدّدوا ... وكان يلاقي الحين من هو فاجر

فكبّ أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عاثر

وشيبة والتّيميّ غادرن في الوغى ... وما منهما إلا لذي العرش كافر

فأمسوا وقود النّار في مستقرّها ... وكلّ كفور في جهنّم صائر

تلظّى عليهم وهي قد شبّ حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر

وكان رسول الله قد قال: أقبلوا ... فولّوا وقالوا: إنّما أنت ساحر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمّه الله زاجر

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضّجيع ببارد بسّام

كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذّبيح مدام

نفج الحقيبة بوصها متنضّد ... بلهاء غير وشيكة الأقسام

بنيت على قطن أجمّ كأنّه ... فضلا إذا قعدت مداك رخام

وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبة وحسن قوام

أمّا النّهار فلا أفتّر ذكرها ... واللّيل توزعني بها أحلامي

أقسمت أنساها وأترك ذكرها ... حتّى تغيّب في الضّريح عظامي

يا من لعاذلة تلوم سفاهة ... ولقد عصيت على الهوى لوّامي

بكرت عليّ بسحرة بعد الكرى ... وتقارب من حادث الأيّام

زعمت بأنّ المرء يكرب عمره ... عدم لمعتكر من الأصرام

إن كنت كاذبة الّذي حدّثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام

تذر العناجيج الجياد بقفرة ... مرّ الدّموك بمحصد ورجام

ملأت به الفرجين فارمدّت به ... وثوى أحبّته بشرّ مقام

وبنو أبيه ورهطه في معرك ... نضر الإله به ذوي الإسلام

طحنتهم والله ينفذ أمره ... حرب يشبّ سعيرها بضرام

لولا الإله وجريها لتركنه ... جزر السّباع ودسنه بحوامي

من بين مأسور يشدّ وثاقه ... صقر إذا لاقى الأسنّة حامي

ومجدّل لا يستجيب لدعوة ... حتّى تزول شوامخ الأعلام

بالعار والذّلّ المبينّ إذ رأى ... بيض السيّوف تسوق كلّ همام

بيدي أغرّ إذا انتمى لم يخزه ... نسب القصار سميدع مقدام

بيض إذا لاقت حديدا صمّمت ... كالبرق تحت ظلال كلّ غمام

فأجابه الحارث بن هشام- وأسلم بعد ذلك- فقال:

القوم أعلم ما تركت قتالهم ... حتّى حبوا مهري بأشقر مزبد

وعرفت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا ينكل عدوّي مشهدي

فصددتّ عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

وكان الأصمعي يقول: هذا أحسن ما قيل في الاعتذار عن الفرار. وكان خلف الأحمر يقول: أحسن ما قيل في ذلك أبيات هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ:

لعمرك ما ولّيت ظهري محمّدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل

ولكنّني قلّبت أمري فلم أجد ... لسيفي مساغا إن ضربت ولا نبلي

وقفت فلمّا خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر أبي الشّبل

وإن تقاربا لفظا ومعنى فليس ببعيد من أن يكون الثاني أجود من الأول، لأنه أكثر انتفاء من الجبن ومن خوف القتل، وإنما علّل فراره بعدم إفادة وقوفه فقط، وذلك في الأول جزء علّته، والجزء الآخر قوله: أقتل، وقوله: رموا مهري بأشقر مزبد، يعني الدّم، ويحتمل أن يكون ذلك مقيّدا بكون مشهده لا يضرّ عدوّه، ومع ذلك فالثاني أسلم من ذلك معنى وأصرح لفظا ومعنى.

وقال حسّان أيضا:

قومي الّذين هم آووا نبيّهم ... وصدّقوه وأهل الأرض كفّار

إلّا خصائص أقوام هم سلف ... للصّالحين مع الأنصار أنصار

مستبشرين بقسم الله قولهم ... لمّا أتاهم كريم الأصل مختار

أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة ... نعم النّبيّ ونعم القسم والجار

فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهم دارا هي الدّار

وقاسموهم بها الأموال إذ قدموا ... مهاجرين وقسم الجاحد النّار

سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

دلّاهم بغرور ثمّ أسلمهم ... إنّ الخبيث لمن والاه غدّار

وقال: إنيّ لكم جار، فأوردهم ... شرّ الموارد فيه الخزي والعار

ثمّ التقينا فولّوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا

وقالت عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن مصعب بن عبد الله وغيره من قريش، ورواه الأمويّ عن سعيد بن قطن:

ألمّا تكن رؤياي حقّا ويأتكم ... بتأويلها فلّ من القوم هارب

رأى فأتاكم باليقين الّذي رأى ... بعينيه ما تفري السّيوف القواضب

فقلتم- ولم أكذب- كذبت، وإنما ... يكذبني بالصّدق من هو كاذب

وما فرّ إلّا رهبة الموت هاربا ... حكيم وقد أعيت عليه المذاهب

أقرّ صياح القوم عزم قلوبهم ... فهنّ هواء والحلوم عوازب

أقامت سيوف الهند دون رؤوسكم ... وخطّيّة فيها الشّبا والثّعالب

كأنّ حريق النّار لمع ظباتها ... إذا ما تعاطتها اللّيوث المشاغب

ألا بأبي يوم اللّقاء محمّدا ... إذا عضّ من عون الحروب الغوارب

مروا بالسّيوف المرهفات نفوسكم ... كفاحا كما تمري السّحاب الجنائب

فكم بردت أسيافهم من مليكة ... وزعزع ورد بعد ذلك صالب

فما بال قتلى في القليب ومثلهم ... لدى ابن أخي أسرى له ما يضارب

أكانوا نساء أم أتى لنفوسهم ... من الله حين ساق والحين جالب

فكيف رأى عند اللّقاء محمّدا ... بنو عمّه والحرب فيها التّجارب

ألم يغشكم ضربا يجار لوقعه ال ... جبان وتبدوا بالنّهار الكواكب

حلفت لئن عدتم ليصطلمنّكم ... بحارا تردّى حافتيها المقانب

كأنّ ضياء الشّمس لمع ظباتها ... لها من شعاع النّور قرن وحاجب

وقالت عاتكة أيضاً فيما نقله الأموي:

هلّا صبرتم للنّبيّ محمّد ... ببدر ومن يغشى الوغى حقّ صابر

ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها ... حريق بأيدي المؤمنين بواتر

ولم تصبروا للبيض حتّى أخذتم ... قليلا بأيدي المؤمنين المشاعر

وولّيتم نفرا وما البطل الّذي ... يقاتل من وقع السّلاح بنافر

أتاكم بما جاء النّبيّون قبله ... وما ابن أخي البرّ الصّدوق بشاعر

سيكفي الّذي ضيّعتم من نبيّكم ... وينصره الحيّان: عمرو، وعامر

,

شرح غريب ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر.

يناشد ربّه: يسأله ويرغب إليه.

تهلك (بفتح الفوقية وكسر اللام) .

العصابة، بالرّفع، فاعل تهلك، وهي الجماعة من الناس.

المناشدة: المسألة.

شقّة قمر: تقدم بيان ذلك في أبواب صفاته الحسية صلى الله عليه وسلم.

الأكناف- جمع كنف، وهي الجوانب.

ألححت: ألحفت بالمسألة.

يهتف بربّه: يناديه ويدعوه.

كذاك مناشدتك لرّبك كذاك- بذال معجمة- يعني كفاك. قال قاسم بن ثابت: كذاك يراد بها الإغراء، والأمر بالكفّ عن الفعل، وهو المراد هنا. وأنشد لجرير:

كذاك القول إنّ عليك عينا أي حسبك من القول فدعه.

وفي البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأنجشة: يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير، وأورده مرة أخرى فقال: كذاك سوقك بالقوارير،

وإنّما دخله النّصب كما دخل في عليك زيدا وفي دونك، لأنّك إذا قلت: دونك زيدا وهو يطالبه فقد أعلمته بمكانه، فكأنك قلت: خذه.

ومسألة «كذاك» من هذا الباب، لأنك إذا قلت: كذاك القول أو السير فكأنك قلت: كذاك أمرت فاكفف ودع.

خفق- بخاء معجمة فقاف-: حرّك رأسه وهو ناعس.

أبشر (بقطع الهمزة) .

أداة الحرب- بفتح الهمزة وبالدال المهملة-: آلتها.

الدّبرة- بفتحتين وتسكّن- وهي النّصرة والظّفر على العدوّ، والدّبرة أيضا الهزيمة.

الحمحمة- بحاءين مهملتين-: صوت الفرس دون الصّهيل.

أقدم- بضمّ الدال والهمزة، وبفتح الهمزة وكسر الدال، وعكسه، ورجّح النّوويّ وصاحب النهاية الثاني، وهو من التقدّم في الحرب. والإقدام: الشجاعة، واقتصر في البارع على الثالث، وقال في الإملاء: أقدم: كلمة تزجر بها الخيل.

حيزوم- بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فزاي مضمومة فواو فميم- وهو فيعول من الحزم. والحيزوم أيضا يطلق على الصّدر، فيجوز أيضا أن يكون سمي به لأنه صدر خيل الملائكة ومتقدّم عليها، وروي بالنّون عوض الميم، أي أقدم يا حيزوم- وقول من قال: إنه اسم فرس جبريل يردّه ما رواه البيهقي عن خارجة بن إبراهيم، عن أبيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة: أقدم حيزوم؟ فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف.

قناع القلب- بكسر القاف وتخفيف النون وبالعين المهملة-: غشاؤه.

يشتدّ: يعدو.

إثر (بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة ويجوز فتحها وحكي تثليث الهمزة) .

انتعشت: ارتفعت وقمت.

رويدا: اسم فعل أمر، ويكون صفة، نحو ساروا سيرا رويدا، وحالا نحو: ساروا رويدا.

البنان: الأصابع، وقيل: أطرافها.

مجنّبة الجيش: هي التي تكون في الميمنة والمسيرة، وهي مجنّبتان- والنون مكسورة- وقيل: هي الكتيبة التي تأخذ ناحية الطريق. قال في النهاية: والأول أصحّ.

الماتح- بالفوقية-: المستقي من البئر بالدّلو من أعلى البئر، وبالتحتية الذي يملأ الدّلو، والأول المراد هنا.

رأيتنا (بضمّ التاء) .

المدد: المعين.

البجاد- بكسر الموحّدة-: الكساء الأسود، أراد الملائكة الذين أمدّهم الله بهم.

مبثوث: متفرّق.

الأفق- بضمتين-: الناحية من الأرض ومن السماء.

الصّبا كالحصى: الرّيح الشّرقيّة.

الدّبور- بفتح الدال-: الرّيح التي تقابل الصّبا من جهة المغرب. ويقال: تقبل من جهة الجنوب ذاهبة نحو المشرق.

خطم بالبناء للمفعول، وأنفه نائب الفاعل. والخطم: الكسر.

يندر- بفتح التحتية وسكون النون وضم الدال المهمة- أي يسقط.

الكلم- بفتح الكاف- الجرح.

الجرف- بضمتين وبالسكون تخفيفا-: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض.

زايله: فارقه.

تشبّث: تعلّق.

لا يلوي: لا يلتفت.

أسألك نظرتك، أشار إلى قوله تعالى: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر 37، 38] ألفى: وجد.

الخذلان- بكسر الخاء: ضدّ النّصر.

نقرن- بنون فقاف فراء-: نجمع.

,

شرح غريب ذكر سحب الكفار إلى قليب بدر

الطّويّ- بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد التحتية-: البئر المطويّة، فعيل بمعنى مفعول، وطيّها بناؤها بالحجارة.

فتزايل- بفاء فوقية فزاي فألف فتحتية فلام- أي تفرقت أعضاؤه.

العرصة- بإسكان الراء-: البقعة التي ليس فيها بناء.

شفا البئر- بفتح الشين المعجمة والفاء مقصورا-: حرفه.

الشّفير- بالشين المعجمة والفاء- من كل شيء: حرفه وجانبه.

الرّكيّ- بالراء المفتوحة- والرّكيّة- البئر.

يا عتبة بن ربيعة، يجوز في عتبة ضم التاء ونصب نون ابن، ونصبهما جميعا، وعلى الأول يكتب ابن بألف وعلى الثاني تحذف، لأنه جعل الابن مع ما قبله اسما واحدا، وإذا قلت:

يا أبا جهل ابن هشام، إن نوّنت اللام كتبت ابن بالألف، وإن لم تنون حذفتها.

أجيفوا: صاروا جيفا.

الأماثل: الأخيار.

,

شرح غريب ذكر وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهليهم

الخوالف: المخلّفون عن المرتحلين، وهو جمع خالفة لا جمع خالف، لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا ما شذّ، والخالفة: تأنيث الخالف، وهو الذي قعد بعد خروج غيره.

الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا، وهو هنا ما بين المحصّب ومكة.

ذو طوى- بتثليث الطاء-: واد بمكة يصرف ولا يصرف.

وقيعة- بفتح الواو وكسر القاف فتحتية ساكنة فعين مهملة مفتوحة فتاء تأنيث-:

القتال، والجمع الوقائع، وهذا مجاز.

بأنفذ صوته: أبعده وأعلاه.

أبادت: أهلكت.

الخرائد جمع خريدة: اللؤلؤة التي لم تثقب، والمراد العذراء.

التّرائب: جمع تربية: عظام الصدر ما بين التّرقوة إلى الثّندوة.

ويح: كلمة تقال لمن وقع في هلكة.

جار- بالجيم والراء- وفي بعض النّسخ من العيون: حاد- بالمهملتين- أي مال.

كبته الله: أذلّه وأخزاه.

الطّنب- بضم الطاء المهملة والنون وبالموحدة- حبل الخباء، وطرف الحجرة.

منحناهم أكتافنا: أعطيناهم إيّاها.

ما تليق- بمثناة فوقية مضمومة فلام مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فقاف- أي ما تبقي شيئا.

وايم الله- بهمزة وصل، وفي لغة بالقطع، وفتح همزتها وتكسر- أي يمين الله قسمي.

يأسرون (بكسر السين) .

لقينا القوم- بإسكان المثناة التحتية- والقوم منصوب، ويجوز فتح الياء والقوم بالرفع، والأول أولى لقوله: منحناهم أكتافنا، ليتّسق الكلام.

ثاورته- بثاء مثلثة-: نهضت إليه.

العدسة- بفتح العين والدال والسين المهملات فتاء تأنيث-: بثرة تشبه العدسة تخرج في موضع من الجسد، تقتل صاحبها غالبا.

السّبّة- بسين مضمومة مهملة فموحّدة مشددة- أي فعل السّبّة. تقول: هذا رجل سبّة، أي يسبّه الناس.



كلمات دليلية: