غزوة بدر الكبرى_21193

غزوة بدر الكبرى


قوات الطرفين

1- المسلمون:

ستمائة وألف «1» مسلم بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم، معهم سبعون من القرابين، وسلاحهم السيوف بأغمادها.

__________

(1) - ويقال: ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 95.

2- المشركون:

قريش وقسم من حلفائها المتردّدين، لأنهم لم يشاطروا قريشا رأيها في صدّ المسلمين عن البيت الحرام بعد أن جاءوا لتعظيمه لا للقتال.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

قوات المسلمين ستمائة وخمسون رجلا وخمسون فارسا بقيادة الرسول صلّى الله عليه وسلم.

2- المشركون:

قوات المشركين ألفان وتسعمائة من قريش ومواليها وأحابيشها ومائة من بني ثقيف، منهم سبعمائة دارع فقط، ومع قوات المشركين مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، وهذه القوات بقيادة أبي سفيان بن حرب، وقد استصحب أكثر زعماء قريش معهم نساءهم «1» للتشجيع ورفع المعنويات.

__________

(1) - عدد النساء من قريش خمس عشرة امرأة، انظر طبقات ابن سعد 2/ 37.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

ثلاثة آلاف رجل بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

2- المشركون:

عشرة آلاف عدا قوات يهود من بني قريظة، منهم أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من بني سليم وأسد وفزارة وأشجع وغطفان.

كانت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب بن أمية.

وكانت غطفان بقيادة عيينة بن حصن والحارث بن عوف.

وكانت أشجع بقيادة مسعود بن رخيلة وهم أربعمائة.

وكانت سليم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية.

وكانت بنو أسد بقيادة طلحة بن خويلد الأسدي.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

بلغت قوة المسلمين (305) رجلا من المهاجرين والأنصار «1» بقيادة الرسول صلّى الله عليه وسلم- انظر الملحق بأسمائهم- وكان معهم فرسان فقط وسبعون بعيرا يتعاقب الرجلان والثلاثة والأربعة على البعير الواحد.

2- المشركون:

بلغت قوة المشركين (950) رجلا أكثرهم من قريش، معهم مائتا فرس يقودونها وعدد كبير من الإبل لركوبهم وحمل أمتعتهم، وكانت هذه القوة بقيادة عدد من رجالات قريش.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

ثلاثون ألفا بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم معهم عشرة آلاف فرس.

2- الروم:

قوات نظامية كبيرة من الروم يساندها العرب من لخم وجذام وعاملة وغسان.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

اثنا عشر ألفا بين راكب وراجل بقيادة الرسول صلّى الله عليه وسلم: ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من المسلمين الذين حضروا فتح مكة.

2- المشركون:

قبيلة هوازن (عدا عقيل بن كعب بن ربيعة وبشر بن كعب بن ربيعة وبني كلاب بن ربيعة وسائر إخوتهم) ومعظم قبيلة ثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري من هوازن.

,

القتال

1- هجوم المشركين:

دخلت قوات المسلمين وادي (حنين) فجرا، وكان واديا أجوف منحدرا ينحط فيه الركبان كلما أوغلوا، كأنهم يسيرون الى هاوية؛ فلما استقرت أكثر قوات المسلمين في الوادي، رماهم المشركون بوابل من سهامهم، فلم يعرف المسلمون مصدر ذلك الرمي ولا اتجاهه، لأن الظلام كان مخيّما وقتذاك، ولأن مواضع المشركين كانت مخفية تماما؛ فانسحبت مقدمة المسلمين وجرفت أمامها قوات المسلمين الأخرى، فانقلب انسحاب المسلمين الى هزيمة.

ورأى أبو سفيان هزيمة المسلمين فقال: (لا تنتهي هزيمتهم دون البحر)

وقال آخرون ممن أسلموا حديثا مثل قوله، بل إن شيبة بن عثمان بن طلحة الذي قتل أبوه في غزوة (أحد) ، حاول اغتيال الرسول صلّى الله عليه وسلم في عنفوان هذا الموقف العصيب، ليدرك ثأر أبيه من النبي صلّى الله عليه وسلم.

وترك المشركون مواضعهم للقيام بالمطاردة بعد انسحاب المسلمين، وكان يتقدم هوازن رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف منحدرون وراءه يطعنون.

وانتشر الفزع بين المسلمين، وازدحمت المسالك بالسابلة، وارتبكت ارتالهم واختلطت القبائل ببعضها، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها، وتعقدت الأمور.

2- هجوم المسلمين المضاد:

ثبت الرسول صلّى الله عليه وسلم في مكانه، وثبت معه عشرة من أهل بيته ومن المهاجرين «1» ، بينهم عمه عباس، وأخذ الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ينادي الناس إذ يمرون به منهزمين: (أين أيها الناس!؟ أين!؟ هلموا إليّ. أنا رسول الله.

أنا محمد بن عبد الله) ، فلا يرد عليه أحد بجواب، لأن الارتباك كان سائدا في صفوف المسلمين الى أقصى الحدود.

عند ذاك أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم عمه العباس- وكان جهير الصوت- أن ينادي:

(يا معشر الأنصار! يا أصحاب البيعة يوم الحديبية) ! ...

وكرر العباس النداء، حتى تجاوبت أصداؤه في جنبات الوادي.

وسمع النداء المهاجرون والأنصار، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت،

__________

(1) - هم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والعباس عم النبي (ص) وأبو سفيان بن الحارث وابنه جعفر والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن بن عبيد، قتل يومئذ.

فرمى اكثرهم درعه وترك بعيره واستصحب معه سيفه وترسه فقط، ليبلغ مصدر الصوت بسرعة ما استطاع الى ذلك سبيلا.

واجتمع حول الرسول صلّى الله عليه وسلم نحو مائة مسلم وهم يهتفون: (لبيك) ، فاستقبل الرسول صلّى الله عليه وسلم بهم المشركين، وصمدوا في مواضعهم حتى فتر هجوم المشركين.

وكان النهار قد طلع وكان المشركون قد تركوا مواضعهم التي كانوا قد احتلوها في الهضاب والجبال المحيطة بوادي (حنين) ، فأدى صمود المسلمين العنيد الى إيقاع بعض الخسائر بالمشركين، مما أدى الى انهيار معنوياتهم وتراجعهم.

ولولا صمود هذا العدد القليل من المسلمين ومشاغلتهم المشركين، لكانت خسائر المسلمين في تلك المعركة كبيرة جدا.

وأخذ عدد المسلمين الصامدين يتزايد، وهناك بدأوا بالهجوم المضاد على المشركين؛ وعندما رأت هوازن وثقيف أنّ المقاومة لا تجديهم نفعا، وأنهم لا يستطيعون صد هجوم المسلمين، انسحبوا من ميدان المعركة تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين. ولم يكن للمشركين ساقة لحماية الانسحاب، فانقلب انسحابهم الى هزيمة.

3- المطاردة:

انسحبت أكثر ثقيف باتجاه (الطائف) ، وكان معهم مالك بن عوف، وانسحبت هوازن والقبائل الأخرى باتجاه (أوطاس) و (نخلة) «1» .

وقام المسلمون بالمطاردة، وأعلن النبي صلّى الله عليه وسلم أنّ من قتل مشركا فله سلبه، ووصلت مطاردة المسلمين الى (أوطاس) ، فأوقعوا بهوازن هناك خسائر فادحة بالأرواح، كما وصلوا الى (نخلة) فأوقعوا بالمنسحبين الى هناك من هوازن أيضا خسائر فادحة، كما استسلم كثير من المشركين أسرى، ولما عاد حديث والعهد بالإسلام من هزيمتهم رأوا الكثيرين من المشركين أسرى مصفدين بالأغلال.

__________

(1) - نخلة: واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين. انظر معجم البلدان 8/ 276.

,

دروس من حنين والطائف وسرايا الدعوة

1- المباغتة:

أ- استخدم الرسول صلّى الله عليه وسلم في حصار الطائف المنجنيق والدبابة، وبذلك استفاد من سلاحين جديدين في القتال. فما هو المنجنيق؟ وما هي الدبابة؟

يتألف المنجنيق بصورة عامة من عامود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس. توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرّك بواسطة العامود والحبل (راجع شكل المنجنيق) ، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار، فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه.

أما الدبابة، فعبارة عن آلة من الخشب الثخين المغلّف بالجلود أو اللبود، تركّب على عجلات مستديرة، فهي عبارة عن قلعة متحركة يستطيع المشاة الاحتماء بها من نبال الأعداء.

هذان السلاحان الجديدان باغت بهما النبي صلّى الله عليه وسلم أعداءه في الطائف؛ ولكنّ أهل الطائف استطاعوا أن يحرموا المسلمين من فوائد هذين السلاحين، وذلك بأسلوب قذف الحديد المصهور على خشب الدبابات، فاحترقت تلك الأخشاب واضطرّ المحتمون بها الى الفرار، فأصبحوا بعد انكشافهم هدفا مناسبا لرميهم بالسهام، وبذلك أحبطت ثقيف محاولة المسلمين للإفادة من استعمال المنجنيق والدبابة استعمالا مفيدا حاسما.

منجبيق لرمى النفط

ب- إن أسلوب احتلال ثقيف وهوازن وادي حنين بشكل مخفي مستفيدين من الأراضي المستورة، أدى الى مباغتتهم للمسلمين مباغتة كاملة.

ولولا صمود النبي صلّى الله عليه وسلم مع قسم قليل من أصحابه، لاستطاع المشركون استثمار هذه المباغتة المتميزة الى أقصى الحدود.

2- القيادة:

أي كارثة كان يمكن أن تحل بالمسلمين بعد هزيمتهم في أول معركة حنين، لو لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم هو قائدهم وقت ذاك؟

لقد كان موقف المسلمين في هزيمتهم عصيبا للغاية: باغتهم العدو من مواضع مستورة في عماية الفجر، وانهالت عليهم النبال من كل جانب، فلما ارتدّوا على أدبارهم طاردهم العدو في ميدان ضيّق لا يتسع للتبعثر الذي يقلّل من الخسائر.

في مثل هذا الموقف العصيب، ثبت النبي صلّى الله عليه وسلم مع عشرة من أصحابه- عشرة فقط- واستطاع أن يجمّع مائة من المسلمين، ويكوّن منهم (ساقة) «1» يحمي بها انهزام المسلمين من مطاردة المشركين بهؤلاء المائة من الرجال، ثم يقوم بالهجوم المضاد بعد فتور زخم هجوم المشركين ومطاردتهم، فلم يعد المنهزمون من المسلمين إلا بعد فرار المشركين، فوجدوا أسرى المشركين مقرنين بالأغلال.

لم يكن موقف المسلمين حين انهزامهم سهلا، خاصة وأن حديثي الإسلام كانوا أول المنهزمين، بل المشجعين على الهزيمة.

ولم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم يكافح المشركين في موقفه العصيب هذا وحسب، بل كان يكافح كثيرا من أعدائه المتظاهرين بالإسلام الذين كان ضمن جيشه، وقد رأيت كيف حاول أحدهم اغتياله في عنفوان هذا الموقف العصيب.

__________

(1) - السّاقة من الجيش: مؤخرته. والساقة في المصطلحات العسكرية الحديثة هي القوة المسؤولة عن حماية المؤخرة من العدو، أي هي مؤخرة المؤخرة والجزء القريب بها الى العدو.

إن نتيجة معركة حنين، مثال رائع لأثر القائد الشخصي على نتيجة المعركة، بل نستطيع أن نقول: ان نتيجة معركة حنين قد كسبها النبي صلّى الله عليه وسلم وحده بعون من الله.

أما قائد المشركين، فعلى الرغم من شجاعته التي بلغت حد التهور، إلا أنه لم يكن قائدا بالمعنى الصحيح؛ فلم يكن لاستصحاب الأموال والذراري مع المقاتلين أي معنى، ولم يفكر بخطة غير خطة احتلال وادي حنين؛ أما بعد ذلك فقد ارتبك كل شيء في صفوف المشركين، لأنه لم تكن لديهم أية خطة للدفاع أو للانسحاب، حتى أن قائد المشركين لم يستطع تأمين (ساقة) لقواته تحمي انسحابها مما أوقع بقواته خسائر فادحة بالأرواح.

3- المطاردة:

أ- قام المشركون بمطاردة المسلمين بعد انهزامهم في الصفحة الأولى من غزوة حنين، ولكنّ الصامدين من المسلمين وعلى رأسهم النبي صلّى الله عليه وسلم، استطاعوا تحديد زخم مطاردة المشركين كما استطاعوا حماية انسحاب المسلمين بدون تدخل المشركين فيه، فكان أول واجب للذين ثبتوا من المسلمين هو قيامهم بواجب (السّاقة) لحماية الانسحاب، وقد نجحت تلك الساقة نجاحا ممتازا إذ لولاها لكانت خسائر المسلمين كثيرة جدا خاصة وأن انسحابهم يجري في منطقة ضيقة لا تساعد على التبعثر الذي يقل من الخسائر.

ب- لم يؤمّن المشركون ساقة لحماية قواتهم عندما تجمعت بعض قوات المسلمين وقامت عليهم بالهجوم المقابل الذي انهزم على إثره المشركون، لذلك استطاع المسلمون إيقاع الخسائر الفادحة بالمشركين، كما استطاعوا جعل انسحابهم ينقلب الى هزيمة.

ج- وقد قام المسلمون بمطاردة مثالية استطاعوا بها القضاء على المشركين المتجهين الى (أوطاس) و (نخلة) ، بينما حمت أسوار وحصون الطائف رتل

منجنيق لرمى السهام الثقيلة

المشركين الثالث الذي اتجه الى الطائف، وعند ذاك بدأ حصار الطائف بعد تجمّع أرتال المسلمين هناك.

4- المعلومات:

أ- بعث المسلمون قبل حركتهم في مكة باتجاه حنين أحد رجالهم ليعرف حقيقة حشد هوازن وثقيف ومواضع حشدها وقوتها ونواياها فعاد الرجل بالمعلومات الكاملة عن هوازن وثقيف.

كما أرسل المشركون دوريات استطلاع لمعرفة اتجاه حركة المسلمين والمواضع التي وصلوها وقوتهم، وقد كانت فائدة هذه الدوريات للمشركين كبيرة جدا، لأنهم انجزوا احتلال وادي حنين بشكل ممتاز قبل وصول المسلمين إليهم، وباغتوا أرتال المسلمين حين دخولهم فيه، ولولا دوريات استطلاعهم لما

استطاعوا معرفة المواضع التي وصلها المسلمون فبنوا خطتهم بالنسبة لتلك المعلومات الصحيحة لكي يباغتوا المسلمين.

لقد كان عمل دوريات استطلاع المشركين متميزا.

ب- إنّ واجب (المقدمة) «1» المهم هو حماية (القسم الأكبر) والحصول على المعلومات عن العدو حتى لا تباغت قوات (القسم الأكبر) .

ولم تنجز مقدمة المسلمين هذا الواجب أبدا، فهي لم تستطع معرفة مواضع المشركين التي احتلوها في وادي حنين، واندفعت المقدمة بسرعة على غير هدى وبصيرة، واندفعت وراءها قوات المسلمين وراء تلك المقدمة لاعتقادها أن اندفاعها هذا أمين وغير خطر، إذ لو كان هناك خطر لما اندفعت المقدمة أو لاستطاعت القضاء عليه.

إنّ من أهم أسباب هزيمة المسلمين في الصفحة الأولى من معركة حنين، هو عدم قيام مقدمتهم بواجبها، فلم تحصل على المعلومات عن مواضع العدو، ولم تمنع مباغتة العدو للقسم الأكبر.

وبذلك أخفقت مقدمة المسلمين يوم حنين في واجبها إخفاقا ذريعا، على الرغم من أنها كانت بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه!

5- المعنويات:

أ- كانت معنويات المشركين ضعيفة من أول يوم بدأوا فيه بالحشد، فقد تخلّفت أقوى وأشجع قبائلهم، كما تخلّف أكثر رجالهم من ذوي العقول والأحلام. وقد اضطر مالك بن عوف قائد المشركين أن يستصحب النساء والأطفال والأموال مع المقاتلين حتى لا يفرّ أحد من القتال، بل يكافح دفاعا عن عرضه وأمواله إذا لم يدافع عن غرض آخر.

__________

(1) - المقدمة: قطعات الحماية الأمامية التي تحمي الجيش من العدو في التقدم نحو العدو.

وظهر التردد في نفوس القبائل المحتشدة للقتال، فاضطر مالك أن يهدد قواته بأن ينفذوا أوامره ويطيعوه أو يلجأ الى الانتحار.

ب- أما معنويات المسلمين، فقد كانت عالية الى درجة الغرور، حتى قالوا يوم حركتهم الى حنين: (لن نغلب اليوم من قلة) ، لكنهم غلبوا من (كثرة) مغرورة في الصفحة الأولى من يوم حنين، ولولا ثبات النبي صلّى الله عليه وسلم لقضي على معظم المسلمين يوم ذاك إن لم يقض عليهم جميعا.

وصدق الله العظيم: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) «1» .

6- العقيدة:

أ- العقيدة القوية لها أكبر الأثر في النصر؛ فهي توحّد شعور الناس، وتجعلهم يتعاطفون ويقاتلون لهدف معيّن معروف، وقد انتصر المسلمون بعقيدتهم في كل معركة خاضوها، تلك العقيدة التي جعلتهم يبذلون أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله.

بعد فتح مكة أسلم كثير من رجال قريش، فلما تحرك جيش المسلمين باتجاه حنين، رافقه حوالي ألفين من هؤلاء المسلمين الحديثي الإيمان الذين لم يعرفوا من الاسلام إلا اسمه، إذ لم يمض على إسلامهم وقت كاف لتفهّم تعاليم الاسلام.

رأى حديثو الاسلام في طريقهم مع جيش المسلمين نحو حنين شجرة عظيمة خضراء، فتنادوا من جنبات الطريق: (يا رسول الله! اجعل لنا (ذات أنواط) كما لهم ذات أنواط) «2» .

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة التوبة 9: 25.

(2) - ذات أنواط: شجرة بعينها كان المشركون ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه بها ويعكفون حولها.

وذات أنواط شجرة ضخمة يأتونها في الجاهلية كل سنة للتبرك بها، فيعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، ولم يفقه هؤلاء الذين اسلموا حديثا ولم يدخل الايمان في قلوبهم هؤلاء أن جهاد النبي صلّى الله عليه وسلم كله كان لغرض واحد: هو القضاء على الشرك وإعداء كلمة التوحيد.

بل كان قسم من هؤلاء يحملون أزلامهم معهم.

لذلك فقد سرّهم انهزام المسلمين، بل أظهروا شماتتهم وشجعوا عليه.

ب- إن من أسباب هزيمة المسلمين في الصفحة الأولى من يوم حنين، هو وجود هؤلاء المسلمين من قريش الذين لم تطمئن قلوبهم للإسلام بعد، فانهزموا أول المنهزمين وأشاعوا الذعر في النفوس وأثروا في المعنويات.

وليس هناك في الحرب أصعب من السيطرة على الانسحاب، فعندما تنسحب قطعة من القطعات وتراها القوات الأخرى، فإن القوات كلها تنسحب معقبة تلك القطعة المنسحبة بدون تفكير ولا شعور، وهذا ما حصل أول يوم حنين، إذ سيطر على المسلمين المنهزمين تفكير القطيع من الغنم، إذا فعل أحدها شيئا اقتفت بقية القطيع أثره وفعلت فعله.

ج- إن انتصار المسلمين لم يكن لكثرتهم في أي معركة خاضوها، بل كان انتصارهم لعقيدتهم الراسخة، وأكبر درس يمكننا استنتاجه من معركة حنين، هو إخفاق المسلمين على كثرتهم في مستهل المعركة لوجود بعض ذوي العقائد الواهنة بين صفوفهم، بالإضافة الى الأسباب الأخرى.

أما انتصار المسلمين في حنين بعد ذلك فكان بثبات ذوي العقائد الراسخة وقيامهم بالهجوم المضاد، فانتصروا على الرغم من قلّتهم، فقد كانوا مائة رجل كما ذكرت بعض المصادر ولا يتجاوزون المئات كما نصّت عليه بعض المصادر الأخرى ...

إن معارك المسلمين مع المشركين كانت معارك عقيدة لا معارك عدد وتسليح.

د- ولم يكن للمشركين أية عقيدة واضحة يضحون في سبيلها بأرواحهم عن طيبة خاطر، فاضطروا الى استصحاب أهليهم وأموالهم معهم، حتى يدافعوا عنها عندما يعجزهم الدفاع عن شيء آخر.

لقد رأيت ثبات النبي صلّى الله عليه وسلم في أخطر موقف عصيب، ولكنّ مالك بن عوف قائد المشركين آثر الفرار مع أول المنهزمين؛ فقصد الطائف وبقي محصورا هناك، فلما قدم وفد هوازن النبي صلّى الله عليه وسلم، سألهم عن مالك؛ وحين علم أنه ما زال في الطائف مع ثقيف طلب إليهم أن يبلّغوه: (أنه إن أتاه مسلما ردّ عليه ماله وأهله وأعطاه مائة من الإبل) .

حينذاك لم يتردد مالك حين علم بهذا الوعد، أن أسرج فرسه في سر من ثقيف وفرّ به الى النبي صلّى الله عليه وسلم فأعلن إسلامه وأخذ ماله وأهله ومائة من الإبل!

7- حرب الفروسية:

مرّ النبي صلّى الله عليه وسلم في طريقه بامرأة قتيل، فقال: (من قتلها) ؟! قالوا:

(قتلها خالد بن الوليد) . فقال لبعض من معه: (أدرك خالدا فقل له:

إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا عسيفا) «1» . لم يكن قتل المرأة المشركة عمدا، بل كان خطأ في أثناء انهزام المشركين وقيام المسلمين بمطاردتهم، وفي مثل هذا الموقف تقع كثير من الأخطاء العسكرية؛ لأن الحالة النفسية للمنهزمين وللقائمين بالمطاردة على حد سواء تكون غير طبيعية، لذلك حدث مثل هذا الخطأ في قتل امرأة واحدة؛ ومع ذلك فقد أراد النبي صلّى الله عليه وسلم أن يؤكد أوامره السابقة في اجتناب قتل الضعفاء.

__________

(1) - العسيف: الأجير.

إن حرب المسلمين كانت حرب فروسية، تطلب النصر بوسائل شريفة، وتعفّ عن الظلم والعدوان.

8- القضايا الادارية:

أ- توزيع الغنائم:

أولا: سيطر العامل النفسي بالدرجة الأولى على توزيع الغنائم، فقد أراد النبي صلّى الله عليه وسلم أن يستميل قلوب رجالات قريش الذين أسلموا حديثا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، كما أراد أن يستميل زعماء القبائل الأخرى، لأن كثيرا من الناس يقادون الى الحق من بطونهم لا من عقولهم «1» .

وقد أغدق النبي صلّى الله عليه وسلم العطاء على هؤلاء، حتى أصبح النبي صلّى الله عليه وسلم أحب الناس إليهم وأصبح الاسلام دينهم الوحيد. أما المسلمون الأولون، فقد رأى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يحرمهم من الغنائم، لأن إيمانهم أقوى من أن تؤثّر فيه القضايا المادية، فلما عتب عليه قسم من المسلمين الأولين في ذلك أجابهم: (إنني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما الى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب) . قال عمرو: (ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم حمر النعم) .

كان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، فقد حرموا جميعا أعطيات حنين، فلم يمنحوا شيئا منها قط، فقال قائلهم: (لقي والله رسول الله صلّى الله عليه وسلم قومه) ، فمشى سعد بن عبادة الى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم) !

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (فيم) !؟ قال سعد: (فيما كان من قسمة هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء) .

__________

(1) - يطلق على هؤلاء: المؤلفة قلوبهم.

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (فأين أنت من ذلك يا سعد) ؟ قال: (ما أنا إلا امرؤ من قومي) .

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، «1» فاذا اجتمعوا فأعلمني) . فخرج سعد، فجمعهم حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له، قال: (يا رسول الله! اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم) .

وقف النبي صلّى الله عليه وسلم فيهم خطيبا فقال: (يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة «2» فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم) ؟

قالوا: (بلى! الله ورسوله أمنّ «3» وأفضل) .

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ألا تجيبون يا معشر الأنصار) ؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله، وماذ نجيبك؟؟ المن لله ولرسوله.

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (والله لو شئتم لقلتم وصدقتكم: جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك «4» ، وخائفا فأمّنّاك، ومخذولا فناصرناك! أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة «5» من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم الى ما قسم الله لكم من الاسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس الى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم؟ فو الذي

__________

(1) - الحظيرة: هي في الأصل مكان يتخذ للإبل والغنم يمنعها الانفلات ويمنعها هجمات اللصوص والوحوش.

(2) - العالة: الفقراء.

(3) - أمنّ: هو أفعل تفضيل من المنة وهي النعمة.

(4) - آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.

(5) - لعاعة: بقلة حمراء ناعمة، شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.

نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبا «1» وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار! اللهم إرحم الانصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) .

بكى القوم حتى بللوا لحاهم بالدموع، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا.

ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وتفرقوا.

لقد حرصت على أن أنقل هذا الحديث كله، كي أبرز بوضوح الحكمة التي أرادها النبي صلّى الله عليه وسلم من توزيع أكثر الغنائم على المؤلفة قلوبهم، ولكي يظهر الأسلوب الرائع الذي كان يعالج به النبي صلّى الله عليه وسلم بعض المشكلات التي تعترضه، وكيف يستطيع بهذه المعالجة الحكيمة التخلص من تلك المشكلات بأسلوب مقنع حكيم.

لقد كان كلامه خارجا عن القلب، لذلك فهو يؤثر في القلب، وقد أوتي عليه أفضل الصلاة والسلام جوامع الكلم.

ثانياو في أسلوب جمع الغنائم من الناس والسيطرة عليها ووضعها في محل واحد، مثال قيّم للسيطرة على الغنائم العسكرية وعدم إفساح المجال لتبعثرها في الأيدي دون مبرر.

جمعت الغنائم في موضع (الجعرانة) بين الطائف ومكة بعيدا عن المواضع الخطرة، وتأمّنت حراستها، وسلم المسلمون كل غنيمة أصابوها الى المسؤول عن جمع الغنائم، حتى الإبرة والخيط.

جاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر، فقال: (يا رسول الله! أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر) ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (أما

__________

(1) - شعب: بكسر فسكون، الطريق بين جبلين.

نصيبي منها فلك) . فأعادها الأنصاري الى مستودع الغنائم، بل أعاد عقيل ابن أبي طالب إبرة كانت معه الى مستودع غنائم المسلمين.

ان السيطرة على جمع الغنائم ضرورية جدا، وقد نصت التعاليم العسكرية الحديثة على ضرورة السيطرة على جمع الغنائم لئلا تذهب بددا بين الأجناد، ولكن لم تصل الدقة بتاتا في أي وقت من الأوقات وفي أي حال من الأحوال الى ما وصلت إليه الدقة والأمانة التي وصل اليها المسلمون في جمع غنائمهم قبل أربعة عشر قرنا!

ب- الخسائر:

كانت خسائر المسلمين في الأرواح كبيرة عند انهزامهم في الصفحة الأولى من معركة حنين، ولولا ثبات النبي صلّى الله عليه وسلم مع عشرة من أصحابه، لكانت خسائر المسلمين في الأرواح أضعافا مضاعفة لخسائرهم يومذاك.

وكانت خسائر المشركين بعد هزيمتهم كبيرة جدا، في الأرواح والأموال، خاصة وأنهم لم يؤمنوا ساقة لحماية هزيمتهم.

والدرس المهم من هذا الموقف هو تأمين ساقة قوية للقطعات المنسحبة لحماية الانسحاب، وإلا فالانسحاب ينقلب حتما الى هزيمة، وما أعظم كارثة الانسحاب الذي ينقلب الى هزيمة!

ج- الإعاشة:

كانت تدابير الإعاشة عند المسلمين جيدة، كما كانت تدابير إعاشة المشركين جيدة أيضا، خاصة في حصار الطائف، فقد كدّست ثقيف مواد الإعاشة داخل الطائف، بحيث تكفيها لحصار طويل، لذلك كان من عوامل عودة المسلمين الى مكة قبل استسلام الطائف، هو اعتقادهم بأن ثقيفا لن تستسلم لنقص أرزاقها.

د- النقلية:

كانت النقلية متيسرة بكميات كافية لدى المسلمين والمشركين على حد سواء، ويكفي أن تطلع على عدد الغنائم من الإبل التي خلّفها المشركون وراءهم لتعرف مقدار النقلية المتيسرة عند المشركين حينذاك.

هـ- التسليح:

كان تسليح المسلمين متميّزا بالدروع والأسلحة الأخرى، وبرز لنا في هذه الغزوة سلاحان جديدان استخدمهما المسلمون هما: المنجنيق والدبابة. كما برز لنا أسلوب جديد في مكافحة الدبابة استخدمه المشركون، هو حرق الدبابة بالحديد المنصهر.

,

الملحق (م) شهداء حنين والطائف

,

شهداء حنين

1- أبو عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري.

2- أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن أخو أسامة بن زيد من الرضاعة.

3- يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.

4- سراقة بن الحارث بن عدي بن العجلان من الأنصار.

,

قوات الطرفين

1- المسلمون:

عشرة آلاف رجل بقيادة الرسول صلّى الله عليه وسلم.

2- المشركون:

قريش وبنو بكر، كل قبيلة لها قائد خاص بها.

في الطريق الى مكة

1- ترك المسلمون المدينة في رمضان من السنة الثامنة الهجرية قاصدين فتح مكة، وكان جيش المسلمين مؤلفا من الأنصار والمهاجرين وسليم ومزينة وغطفان وغفار وأسلم «1» وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم من القبائل الأخرى، في عدد وعدد لم تعرفه شبه الجزيرة العربية من قبل، وكلما تقدّم الجيش نحو هدفه ازداد عدده بانضمام مسلمي القبائل التي تسكن على جانبي الطريق إليه. ومع كثافة هذا الجيش وقوّته وأهميته، فقد بقي سر حركته مكتوما لا تعرف قريش عنه شيئا، إذ مع اعتقاد قريش بأن محمدا صلّى الله عليه وسلم في حل من مهاجمتها، ولكنها لم تكن تعرف متى وأين وكيف سيجري الهجوم المتوقّع. ولشعور قريش بالخطر المحدق بها أسرع كثير من رجالها بالخروج الى المسلمين لإعلان إسلامهم، فصادف قسم من هؤلاء ومنهم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلّى الله عليه وسلم جيش المسلمين في طريقه الى مكة.

وصل الجيش مساء موضع (مرّ الظّهران) على مسافة أربعة فراسخ من مكة، فعسكر هناك.

__________

(1) - من بني سليم ألف رجل، ومن بني مزينة ألف رجل وثلاثة رجال، ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة. انظر جوامع السيرة لابن حزم ص 227.

وأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يوقد كل مسلم نارا، حتى ترى قريش ضخامة الجيش دون أن تعرف هويته، فيؤثّر ذلك في معنوياتها وتستسلم للمسلمين دون قتال، وبذلك يؤمّن الرسول صلّى الله عليه وسلم هدفه في دخول مكة دون إراقة الدماء.

وأوقد عشرة آلاف مسلم نيرانهم، ورأت قريش تلك النيران تملأ الأفق البعيد، فأسرع أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام بالخروج باتجاه النيران حتى يعرفوا مصدرها ونيات أصحابها وأهدافهم، فلما اقتربوا من موضع معسكر المسلمين، قال أبو سفيان لصاحبه بديل: (ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا) . فردّ عليه بديل بن ورقاء: (هذه والله خزاعة حمشتها الحرب) ، فلم يقتنع أبو سفيان بهذا الجواب، فقال: (خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها) .

وكان العباس عم النبي صلّى الله عليه وسلم قد خرج من معسكر المسلمين راكبا بغلة الرسول صلّى الله عليه وسلم ليخبر قريشا بالجيش الضخم الذي جاء لقتالها والذي لا قبل لها به، حتى يؤثّر في معنوياتها ويضطرها للاستسلام دون قتال، فيحقن بذلك دماءها ويؤمّن لها صلحا شريفا ويخلّصها من معركة فاشلة معروفة النتائج سلفا لا يمكن أن تثيرها غير العصبية الجاهلية؛ فسمع وهو في طريقه حديث أبي سفيان وبديل بن ورقاء، فعرف العباس صوت أبي سفيان، فناداه وأخبره بوصول جيش المسلمين، ونصحه بأن يلجأ الى الرسول صلّى الله عليه وسلم حتى ينظر في أمره قبل أن يدخل الجيش مكة صباح غد فيحيق به وبقومه العقاب الذي يستحقونه.

وأردف العباس رضي الله عنه أبا سفيان على بغلة الرسول صلّى الله عليه وسلم، وتوجّها نحو معسكر المسلمين. فلما وصل العباس المعسكر ودخله وأخذ يمر بنيران الجيش في طريقه الى خيمة الرسول صلّى الله عليه وسلم، رآه المسلمون فلم ينكروا شيئا لأنهم عرفوا العباس، فلما مرّ العباس بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع عمر الى خيمة النبي صلّى الله عليه وسلم

وطلب منه أن يأمره بضرب عنق أبي سفيان، ولكنّ الرسول صلّى الله عليه وسلم طلب من عمه أن يأخذ أبا سفيان الى خيمته ويحضره إليه صباح غد؛ فلما كان الصباح وجيء بأبي سفيان الى النبي صلّى الله عليه وسلم، أسلم ليحقن دمه، فقال العباس رضي الله عنه: (يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا) .

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن) .

وأراد الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور كما يحب بعيدا عن وقوع الحرب، فأوصى العباس باحتجاز أبي سفيان في مضيق الوادي، حتى يستعرض الجيش الزاحف كله فلا تبقى في نفسه أية فكرة للمقاومة.

قال العباس: (خرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله، ومرت القبائل على راياتها، كلما مرّت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول:

يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فاذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان!!

(حتى مرّ الرسول صلّى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال: سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟

قلت: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما) ...

قال العباس: (يا أبا سفيان! إنها النبوّة. قال: نعم إذن) ... عند ذاك قال العباس لأبي سفيان: (النجاء الى قومك) ! فأسرع أبو سفيان الى مكة.



كلمات دليلية: