غزوة بدر الكبرى 2هـ.. وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

غزوة بدر الكبرى 2هـ

 سبب التسمية غزوة بدر

نسبة إلى بئر بدر التي عسكر عندها المسلمون قبل الغزوة، وبدر بئر ماء مشهورة بين مكة والمدينة.

وفي رواية أن الحباب بن المنذر رضي الله عنه هو من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ هذه البئر كي تكون خديعة للأعداء، وقوة للمسلمين، فأشار بحسن رأيه. [فقه السيرة للغزالي: 224، نقلا عن مستدرك الحاكم].

زمان غزوة بدر وموقعها

وقعت في يوم الجمعة السابع عشر (17) من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وذلك في منطقة بئر بدر في الجنوب الغربي من المدينة المنورة، وإلى الشمال من مكة المكرمة. [الطبراني، 12/237]

القيادة العسكرية في بدر

قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دفع لواء القيادة العامة في هذه الغزوة إلى مصعب بن عمير القرشي، وكان هذا اللواء أبيض اللون.

قسَّم الرسول جيشه إلى كتيبتين: كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها علي بن أبي طالب، وكتيبة الأنصار، وأعطى لواءها سعد بن معاذ.

وكان على ميمنة المسلمين الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو -وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش- وجعل النبي على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده هو.

وفي جانب المشركين كان عمرو بن هشام المخزومي (أبوجهل) قائدًا لجيش قريش وحلفائها، يشاركه عتبة بن ربيعة وأميَّة بن خلف وعدد من رؤوس الشرك. [ابن هشام، 2/61]

أسباب غزوة بدر

كان سبب الغزوة في البداية هو الإغارة على قافلة لقريش ثم تطور الأمر ليصبح دفعًا للمشركين وعدوانهم؛ وكانت القافلة قد أفلتت من الرسول صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، وكانت مُحملة بتجارة عظيمة(ألف بعير موقرة بنحو خمسين ألف دينار ذهبي ويحرسها أربعين رجلًا)، فقال الرسول: «هذه عيرُ قُريشٍ، فيها أموالُهم، فاخرُجوا إليها، لعلَّ اللهَ يُنفِلُكُموها» . [الألباني، فقه السيرة، 218] (أي يجزئكم بها عما سلبته قريش منكم في مكة). [الرحيق المختوم،المباركفوري، 1/184]

بيانات إحصائية عن غزوة بدر

بلغ تعداد جيش المسلمين في غزوة بدر ثلاثمائة (300)وبضعة عشر رجلًا (معظمهم من الأنصار)، بالإضافة إلى عدد من الفرسان، ونحو سبعون (70) بعيرًا.

أما كفار قريش فقد وصل عددهم إلى ألف (1000)رجل، بالإضافة إلى مائتي (200) فرس، وبذلك تزيد أعداد المشركين على أعداد المسلمين في غزوة بدر حوالي ثلاثة أضعاف. [الجامع الصحيح للبخاري 4/1456].

أحداث غزوة بدر

خروج المسلمين لاعتراض القافلة:

في جمادي الآخرة لسنة 2 هـ، خرج المسلمون بقيادة رسول الله، لاعتراض قافلة لقريش، ولما وصلوا مكانًا يسمى "ذا العشيرة " علموا أن القافلة قد فاتتهم، فظلوا يرقبون عودتها.

ولما علم النبي باقتراب عودة القافلة من الشام، تجهز في عدد محدود من الصحابة لملاقاتها، فقد كان الغرض مبدئيًا اغتنام عير قريش وليس القتال. [طبقات ابن سعد 2/42]

كان خروج المسلمين من المدينة المنورة في شهر رمضان، وقد خلف النبي أبا لبابة الأنصاري أميرًا على المدينة في غيبته. وأرسل الرسول الصحابيينِ عدي بن الزغباء وبسبس بن عمرو لاستطلاع أنباء القافلة[الطبقات، مصدر سابق]

ولم يكن مع المسلمين سوى فارسين، و70 بعيرًا يتعاقب الرجال عليهم [الطبقات الكبرى لابن سعد، 2/24].

قال ابن مسعود: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلَي رسول الله على بعيره، فقالا: «نحن نمشي عنك»، فقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».[ مسند أحمد 1/411]

كتم النبي خبر الجهة التي يقصدها عندما أراد الخروج إلى بدر، حيث قال: «إن لنا طلبةً فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا».[ صحيح مسلم 3/1901]

وقد استبعد النبي عددًا من الأفراد الخارجين معه للجهاد، لحداثة عمرهم ومنهم البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما. [السيرة الصحيحة أكرم العمري 2/355]

ورفض النبي الاستعانة بأحد من المشركين أراد الخروج للقتال مع قومه (أي بدافع القبيلة لا الدين)، وقال له: «ارجع فلن أستعين بمشرك» حتى أسلم الرجل. [رواه الترمذي : 1558]

فرار أبي سفيان بالقافلة:

بلغ أبا سفيانَ خبرُ مسير الرسول محمدٍ بأصحابه من المدينة المنورة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق الساحل، كما أرسل ضَمضم بن عمرو الغفاري الكناني إلى قريش ليستنفرهم لإنقاذ أموالهم وليخبرهم أن النبي محمداً عرض لها في أصحابه. [ابن هشام 2/230]

وقد بلغ حرص أبي سفيان أن فرك بيديه بعير البعر ليتثبت من مرور أصحاب محمد من عدمه، فلما وجد أنه يحوي نوى، قال: «هذه والله علائف يثرب»[ابن هشام، مصدر سابق]، أي تيقن من مرور أصحاب محمد.

مكة تستنفر لملاقاة المسلمين:

لما جاء رسول أبي سفيان لمكة، صرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة (نذير الخطر والشؤم)، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه.

فتحفز الناس وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟(أحد قادة قريش قتله واقد التميمي بسهم في سرية سابقة)، وتعهدت قريش بالرد، وحشدت القبائل العربية للخروج، فاستجابت تباعًا باستثناء بني عدي، ولم يتخلف من أشراف قريش نفسها سوى أبي لهب أخرج عوضًا عنه رجل كان له عليه دين.

خرج لقريش سراقة بن مالك (سيد بني كنانة) يطمئنهم بأن القبائل المعادية لهم كديار بكي لن تخونهم في ظهرهم؛ وقال رواة بأن إبليس تبدى بشكله [تاريخ الطبري 2/138]

خرجت قريش وحلفاؤها، كما قال الله: «بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنفال: 47]، وأقبلوا على حمية وغضب على رسول الله وأصحابه، وسلكوا الوديان باتجاه بدر مسرعين، وهنا جاءهم أبو سفيان يخبرهم بنجاة القافلة ورجالها، وأن بإمكانهم العودة! [الرحيق المختوم، المباركفوري،137]

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة همّ بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا: "والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا".

ورجع الأخنس بن شريق هو وبنو زهرة- وكان حليفًا لقريش ورئيسًا عليهم في هذا النفير- وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل.وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل ورفض.

سار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل- وهو يقصد بدرًا- فواصل سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر. [تاريخ الطبري 2/22]

وفي ذلك نزل قول الحق مخاطبًا النبي وأصحابه: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]

استشارة الرسول أصحابه في بدر:

في ضوء التطور السابق، شاور الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فأشار بعضهم بخوض القتال، في حين رأى الفريق الآخر أن القتال لا فائدة منه، فلا غنيمة ستفيد المسلمين، وفي ذلك يقول الله تعالى {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: 7، 8].

عرض الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر على المهاجرين فوجد حماسًا منقطعا عبَّر عنه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكان منهم المقداد بن عمرو الذي قال: «يا رسول الله، امضِ لما أراك الله.. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا» فدعا له النبي [رواه البخاري 3952].

وبالمثل قال الأنصار، وذلك رغم أن اتفاقهم مع النبي بالعقبة لا يلزمهم بالجهاد خارج المدينة، فنجد سعد بن معاذ يقول للنبي: « و الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك..إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله»[مسند أحمد: 3/180]

وقد راود طائفة من المؤمنين الخوف من إراقة الدم، رغم تحمسهم له في مرحلة الاضطهاد بمكة، ويقول فيهم الله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 6] غير أنها حكمة الله بدحر الكفر لبقاء كلمة الله في الأرض.

وقال النبي لأصحابه وقد تجهزوا: «سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين: والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (الطائفتين هي النصر أو الشهادة)[مسند أحمد 5/259]

كانت تلك الغزوة هي التطبيق العملي للإذن الإلهي للمسلمين بقتال الكفار، لتمكين العقيدة من الانتشار، بعد مرحلة الصبر على الأذى، لقول الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

الطريق إلى بدر:

بعد رحلة شاقة، نزل الرسول وأصحابه قريبًا من بدر، وأرسل عليًّا بن أبي طالب والزّبيرَ بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر، ليأتوا له بالأخبار عن جيش قريش.

وقد عثر الصحابة على غلامين يجلبان الماء لجيش المشركين، فضربوهما، فلما خشى الفتيان على نفسيهما، ادعيا أنهما لأبي سفيان، وهنا قال النبي لأصحابه مستنكرًا: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما!» [فقه السيرة للألباني: 221، وجاء في مسلم مختصرًا]

علم النبي من الغلامين بعدة وعتاد جيش المشركين، وقد سألهما بخبرة قائد محنك، فعلم أنهم ينحرون يوميًا عشر جذور (إبل)، فقال الرسول محمد: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، ولما علم بخروج أشراف قريش، قال لأصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». [المصدر السابق]

معجزة بئر بدر:

اختار القرشيون لأنفسهم مكانًا حيويًا نزلوا فيه عند العدوة القصوى في بطن الوادي حيث قربه من الماء، وأرضه صخرية لا تسيح فيه الأقدام، بينما نزل المسلمون في أرض رملية، بعيدًا عن الماء وذلك يمنعهم من الحركة، ويوقع بهم الظمأ.

وأراد الله تعالى أن يبدل الأمر فأنزل في ليلة المعركة مطرًا كثيرًا ألحق الأذى بالكفار، ومنعهم من التقدم، فتركوا الساحة خالية للمسلمين.

لما عسكر المسلمون عند بدر؛ سعى المشركون لتخريب حياض المسلمين، وإسالة مائه، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوهم يشربون، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل سوى حكيم بن حزام»، فإنه لم يقتل وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. [إمتاع الأسماع 1/83،بتصرف].

ليلة بدر الكبرى:

بات صلى الله عليه وسلم يصلي إلى شجرة، ويدعو ربه حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلى بالناس، وحرّض على القتال. [مسند أحمد بن حنبل 1/117]

وأنبأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمصارع رجال من أهل بدر بأسمائهم، فقال: «هذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إن شَاءَ الله تَعَالى » [رواه مسلم، 3/1404].

وعن اليوم السابق للمعركة، أنزل سبحانه وتعالى قوله : {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].

عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم بجيش المسلمين بالقرب من بئر بدر، وقد اقترح عليه سعد بن معاذ بناء عريش له يكون مقرًا للقيادة ويأمن فيه من العدو، فأثنى النبي عليه، واتخذ من تلة مشرفة على ساحة القتال، مقرًا له، بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحرستهم ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد. [ زاد المعاد لابن القيم 3/83]

رسول الله يبتكر ترتيب الصف:

ابتكر الرَّسول صلى الله عليه وسلم في قتاله مع المشركين، نظام الصُّفوف، وهو غير معروف من قبل، إرهابًا للعدو وتنظيمًا للقوة، ومصداقًا لقول الله:

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

وعن ذلك يقول ابن خلدون «وكان أسلوب الحرب أوَّل الإسلام كلّه زحفًا، وكان العرب إنما يعرفون الكرَّ والفرَّ..».

نشوب القتال وأول شهيد:

التقى الجمعان وجهًا لوجه، وفي صباح يوم الجمعة بدأ القتال وكان الجو حارًا.

وكانت بداية المعركة عدوانًا قرشيًا ضد المسلمين، فلقد جاء الأسود بن عبد الأسد المخزومي، ودنا من حوض ماء المسلمين وقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وحمزة يتبعه فضربه في الحوض، فقتله.

ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع بن عائش مولى عمر بن الخطاب، فقلته عامر بن الحضرمي.

وكان أول قتيل قُتل من الأنصار حارثة بن سراقة، قتله خالد بن الأعلم العقيلي. [الطبقات الكبرى: ابن سعد، 2/17]

لما دنا المشركون من جيش المسلمين أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ترابًا من الأرض ثم رماه في وجوه المشركين فما وقع منها شيء إلا في عين رجل منهم، وفي ذلك يقول الله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17].

مبارزة أهل الشرك:

وخرج عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار فأمرهم النبي بالعودة، وقال: يا بني هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث نبيكم به، إذا جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله.

فقام علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي رضي الله عنه معلمًا بصوفة بيضاء.

فقال عتبة لابنه: قم يا وليد، فقام فقتله علي.

ثم قام عتبة فقتله حمزة.

ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة ضربة فقطع ساقة، فكر حمزة وعلي فقتلا شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف فنزلت فيهما هذه الآية {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}[الحج: 19]

أشعار في ساحة بدر:

كان الشعر دافعًا للحماسة بميدان المعركة في غزوة بدر [السيرة النبوية، الصلابي، 553].

ومن ذلك قول قال حسَّان بن ثابت رضي الله عنه:

فَمَا نَخْشَى بِحَوْل اللهِ قَوْمًا && وَإِنْ كَثُرُوا وأَجْمَعَتِ الزُّحُوفُ

إِذَا ما ألبسُوا جَمْعاً عَلَيْنَا && كَفَانَا حدَّهُمْ رَبٌّ رَؤُوفُ

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:

وما حَامَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرٍ && ولا صَبَرُوا بِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ

فلا تَعْجَلْ أَبَا سُفْيَانَ وارْقُبْ && جِيَادَ الخَيْلِ تَطْلُعُ من كَدَاءِ

 

دعاء النبي ونزول الملائكة ساحة القتال:

كان الدعاء أحد أهم أساليب النبي لدفع حماسة الجنود المعنوية، وقد ناشد ربه أن ينصر المؤمنين.

لما نظر الرسول صلى الله عليه وسلم ورأى أعداد المشركين تفوق أعداد المسلمين أضعافًا، كان يدعو الله ويبتهل إليه قائلا«اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعبَدُ في الْأرْضِ» وظل رسول الله يدعو ويناجي ربه رافعًا يده إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبه صلى الله عليه وسلم، وقد اقترب منه أبو بكر الصديق قائلا: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك [رواه مسلم، 1763]

هنا نزل الأمر الإلهي بقول الله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].

يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة قد سُوِّمَت [مُيِّزَت] فسوموا، فأعلموا بالصوف في مغازهم وقلانسهم".[المغازي، الواقدي، 1/76]

وقد أخبر ابن عباس بقصة رؤيته وابن عمه لغمامة لها صوت صهيل الخيل، وكانا لا يزالان في صفوف المشركين، وقد قُتل ابن عمه أمامه دون أن يمسسه أحد.[صحيح مسلم بشرح النووي 12/87]

وعن ابن عباس : كان المَلك يظهر في صورة من يعرفون من الناس تثبيتًا للمسلمين، وتلا قول الله :: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الأنفال :12[إمتاع الأسماع 1/88]

ومع تثبيت الملائكة كان حسم المعركة لصالح المسلمين، وقد برزت شجاعة نادرة للصحابة في تلك الغزوة، حتى إن أبا جهل [قائد المشركين] قُتِلَ بيد غلامَيْن من الأنصار تسابقا في طعنه بسيفيهما. [كتاب المغازي، 4/1461].

 

أسرى غزوة بدر:

كان النبي حكيمًا ورحيمًا في التعامل مع أسرى غزوة بدر؛ وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورة صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بأخذ الفدية من أسرى بدر حتى تكون قوة للمسلمين، وحفظًا للقربى، عسى أن يهديهم الله للإسلام، ولم يأخذ النبي بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بضرب أعناقهم، باعتبارهم أئمة الكفر.

وكان فداء ذوي المال أربعة آلاف درهم، وفداء من لم يكن له مال تعليم أبناء الأنصار الكتابة.

وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قد أُخرج مستكرها في الحرب ضد المسلمين، رغم كونه مسلمًا مثلهم[ لكن يكتم إيمانه]، ورغم ذلك فقد تم اقتياده في الأسرى، وأراد عمر بن الخطاب أن يقتله ظنًا منه بنفاقه، ولكن النبي لم ينس له مؤازرته له قبل الهجرة، وقد أمر النبي بأن يدفع عشرين أوقية ذهب، ثم يفدي نفسه وولده بالمزيد من الفدية تشديدًا عليه. وهو دليل عدم محاباة النبي صلى الله عليه وسلم في فداء الأسرى.

وقد اشترط النبي لمن لا يجد ما يفدي به رقبته، أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين.

لكن رؤوس الفتنة ومجرمي الحرب من أمثال عُقبة بن أبي مُعَيْط، والنَّضر بن الحارث، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهما أثناء رجوعه للمدينة. [الطبقات 4/11، نقلا عن الصلابي مرجع سابق]

 

غنائم غزوة بدر:

قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم غزوة بدر بين الصحابة على السواء، بعد أن أخرج الخُمس من الغنيمة؛ وضرب لتسعة من الصحابة لم يحضروا الغزوة لأعمال كُلفوا بها، سهمًا بالغنيمة، ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وبتلك الحكمة استطاع النبي أن يحسم خلاف الصحابة، على توزيع الغنيمة، ولم يكن تشريع الغنائم قد نزل قبل الغزوة، فكانت مجموعة مُنكبَّة على الغنيمة، وغيرها تجد في طلب العدو، وثالثة تحيط بالرسول لحمايته، وادعت كل منهم أحقيتها، وقد نزل قول الحق سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].

نتائج غزوة بدر

انتهت الغزوة بهزيمة ساحقة لجيش المشركين، وانتصار المسلمين نصرًا عزيزًا مؤزَّرًا نتيجة الإيمان الراسخ للمسلمين، وإمداد الله تعالى المسلمين بمددٍ من عنده.

وقُتل في تلك الغزوة المباركة رؤساء الكفر والضلال من مشركي مكة: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف، إلى جانب قتْل سبعين (70) مشركًا، وأسْر سبعين رجلًا منهم.

وأمر صلى الله عليه وسلم بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر، فألقوا فيها. [صحيح مسلم 4/2203]

واستشهد من المسلمين أربعة عشر (14) صحابيًا.

وأقام صلى الله عليه وسلم في بدر ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث، أتى بئرًا فجعل ينادي المشركين بأسمائهم وأسماء آبائهم، قائلاً: «يا فُلانُ بن فُلانٍ، وَيَا فُلانُ ابن فُلانٍ، أَيَ سر سُّركُمْ أَنَكُمْ أَطَعْتُمْ الله وَرَسُولَهُ؛ فإنا قد وَجَدْنَا ما وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» فقال: عمَرُ: تُكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها، فقال: ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منْهُم. [رواه النسائي: 2073]

وكان من نتائج الغزوة أن صُدمت قريش صدمة قاسية بمقتل كبرائها فصممت على الانتقام والثأر، وأرسلت عمير بن وهب الجمحي لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يشاء الله أن يدخل في دين الإسلام.

وقد اشترت قريش اثنين من أسرى المسلمين، بسرية الرجيع لاحقا، وهما حبيب الأنصاري وزيد بن الدثنة، رضي الله عنهما، فقتلتهما، لقتلهما اثنين من زعمائها في بدر.

لقد مكنت غزوة بدر للمسلمين، وزادت من ثقتهم بقدراتهم، ورفعت قدراتهم القتالية، وشهرتهم داخل الجزيرة العربية، والأهم يقينهم بنصر الله . [الصلابي، مرجع سابق]

دروس عظيمة من غزوة بدر

أسمى الله غزوة بدر بـالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل، يقول الله تعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]،

ظلت صفة "بدري" أي من شهد بدرًا تعني التقدير الكبير لصحابة النبي، يقول صلى الله عليه وسلم: «لَعَلَ الله اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » وكونوا الطبقة الأولى من الصحابة. [رواه أبوداود: 2650]

الغزوة كانت مصداقًا لقول الله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].

غزوة بدر درس ثمين في الأخذ بالأسباب المادية، والمعنوية، مع التوكل على الله.

الغزوة تبرز حقيقة النصر من الله، رغم وجود الملائكة، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126]

الغزوة تعلي من قيمة الولاء لله وحده، وقد كان شعار المسلمين فيها «أحد أحد» فلا العصبيَّة، ولا القبلية، ولا الثأر، هو الباعث والمحرِّك؛ إنما الإيمان بالله وحدَه) كان أبو بكر الصِّدِّيق في صفِّ المسلمين، وكان ابنه عبد الرَّحمن في صفِّ المشركين.وكان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين وأخوه أبو عزيز بن عمير في صفِّ المشركين، وكلاهما اشتد في طلب ذي قربته في دفع الفدية فضلًا عن القتال) [المغازي 1/ 19 – 152، نقلا عن الصلابي مرجع سابق].

يظهر من الغزوة صفات النبي محمد العظيمة كقائد عسكري ومن ذلك: مشاركة الرسول مع أصحابه في تعقب البعير رغم كونه قائدهم، كتمان أسرار الحرب، دفع الروح المعنوية الإيمانية للجنود، العدل في تقسيم الغنائم، والحكمة في تصفية الخصومات، الرحمة في التعامل مع الأسرى وحسن تقدير المواقف.