غزوة الغابة ذي قرد _16896

غزوة الغابة ذي قرد


غارة عيينة بن حصن على سرح المدينة وخروج النبى صلى الله عليه وسلم فى أثره، وهى غزوة ذى قرد

«2»

ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة بنى لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليال قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن فى جبل من غطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فى اللقاح.

وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى، غدا يريد الغابة متوشحا سيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه. ثم خرج يشد فى آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى:

خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع

فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال:

خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع

فيقول قائلهم: أأكيعنا هو أول النهار.

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو، وهو الذى يقال له: المقداد بن الأسود. ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان وأسيد بن ظهير الحارثى، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمى وأبو عياش، الزرقى.

__________

(1) انظر الحديث فى: عمل اليوم والليلة لابن السنى (525) ، مصنف ابن أبى شيبة (12/ 519، 520) .

(2) راجع هذه الغزوة فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 150) ، طبقات ابن سعد (2/ 80) .

فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد وقال: «اخرج فى طلب القوم حتى ألحقك فى الناس» «1» . وقال لأبى عياش: «يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالناس» . قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى، فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أعطيته أفرس منك» وأقول: أنا أفرس! فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس أبى عياش هذا- فيما زعموا- معاذ ابن ماعص أو عائذ بن ماعص، فكان ثامنا.

فخرج الفرسان فى طلب القوم حتى تلاحقوا، وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة الأخرم، ويقال له أيضا: قمير، ولما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة فى الحائط وهو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال بعض نساء بنى عبد الأشهل: يا قمير، هل لك فى أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين؟ قال: نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بز الخيل بجمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار، وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية فى بنى عبد الأشهل. فقيل: إنه لم يقتل من المسلمين- يومئذ- غيره، وقد قيل: إنه قتل معه وقاص بن محرز المدلجى.

ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسلمين فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده ليعرفوا أنه صاحبه» «2» .

وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له أبو سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى فى مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم الآن ليغبقون فى غطفان» «3» .

__________

(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (7/ 32) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 143) .

(2) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (7/ 31) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 143) .

(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد (3/ 132/ 1433، 1441) .

فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا. وأقاموا عليها ثم رجع قافلا إلى المدينة.

وأفلتت ارمأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، إنى قد نذرت لله أن أنحرها إن نجانى الله عليها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هى ناقة من إبلى، ارجعى إلى أهلك على بركة الله» «1» .

فهذا حديث ابن إسحاق عن غزوة ذى قرد.

وخرج مسلم بن الحجاج- رحمه الله- حديثا فى صحيحه بإسناده إلى سلمة بن الأكوع فذكر حديثا طويلا خالف به حديث ابن إسحاق فى مواضع منه، فمن ذلك:

أن هذه الغزوة كانت بعد انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم الحديبية، وجعلها ابن إسحاق قبل ذلك، وكذلك فعل ابن عقبة.

وفيه أن سلمة بن الأكوع»

استنقذ سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بجملتة، قال سلمة: فو الله مازلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست فى أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا فى تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وزاء ظهرى وخلوا بينى وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزارى، فجلسوا يتضخون- أى يتغدون- وجلست على رأس قرن.

قال الفزارى: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شىء فى أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلى

__________

(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 187) .

(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3374) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2155) ، طبقات ابن سعد (305) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (689) ، التاريخ الكبير (4/ 69) ، المعارف (212) ، المعرفة والتاريخ (1/ 336) ، مشاهير علماء الأنصار ترجمة رقم (80) ، تهذيب الكمال (525) ، تاريخ الإسلام (3/ 158) ، العبر (1/ 84) ، البداية والنهاية (9/ 6) ، تهذيب التهذيب (4/ 150) ، شذرات الذهب (1/ 81) ، تهذيب ابن عساكر (6/ 232) .

منهم أربعة فى الجبل، فلما أمكنونى من الكلام قلت: هل تعرفوننى؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا اطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبنى فيدركنى. قال أحدهم: أنا أظن ذلك، فرجعوا.

فما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدى، على أثره أبو قتادة الأنصارى وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندى فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بينى وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فو الذى كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلى حتى ما أرى من ورائى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلى أعدو وراءهم فحلأتهم عنه. فما ذاقوا منه قطرة، ويخرجون فيشتدون فى ثنية فأعدو فألحق منهم فأمكسه بسهم فى نغض كتفه، قلت:

خذها وانا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع

قال: يا ثكلته أمه أأكوعه بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعه بكرة.

قال: وأردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحقنى عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذى حلأتهم عنه قد أخذ تلك الإبل وكل شىء استنقذته من المشركين وكل رمح وكل بردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التى استنقذت من القوم، وإذا هو يشتوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، قلت: يا رسول الله، خلنى فأنتحب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلنه. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فى ضوء النار قال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذى أكرمك، قال: «إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال:

نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا: إياكم القوم فخرجوا هاربين.

فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا

سلمة» . ثم أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لى جميعا.

وذكر الزبير بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر فى غزوة قرد هذه على ماء يقال له:

بيسان، فسأل عنه فقيل: اسمه يا رسول الله: بيسان وهو مالح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟:

«لا، بل اسمه نعمان وهو طيب» . فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسم وغير الله- تعالى- الماء.

فاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنت يا طلحة إلا فياض» . فسمى طلحة الفياض.

وكان مما قيل من الشعر فى يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت:

أظن عيينة إذا زارها ... بأن سوف يهدم فيها قصورا

فأكذبت ما كنت صدقته ... وقلتم سنغنم أمرا كبيرا

وولوا سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملط حصيرا

أمير علينا رسول الملي ... ك أحبب بذاك إلينا أميرا

رسول نصدق ما جاءه ... ويتلوا كتابا مضيئا منيرا

وقال كعب بن مالك:

أيحسب أولاد اللقيطة أننا ... على الخيل لسنا مثلهم فى الفوارس

وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... ولا ننثنى عند الرماح المداعس

وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى ... ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس «1»

نرد كماة المعلمين إذا انتحوا ... بضرب يسلى نخوة المتقاعس

بكل فتى حامى الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس

يذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقد الهام تحت القوانس

فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس

إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم فى المجالس

وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر فى الصدر ما لم يمارس

وقال شداد بن عارض الجشمى فى يوم ذى قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك:

__________

(1) القمع: جمع قمعة، وهى أعلى سنام البعير. والذرا: أى الأسنمة. والأبلخ: أى المتكبر. والمتشاوس: هو الذى ينظر بمؤخر عينه نظرة المتكبر.

فهلا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل

ذكرت الإياب إلى عسجر ... وهيهات قد بعد المقفل «1»

وطمنت نفسك ذا ميعة ... مسح الفضاء إذا يرسل

إذا قبضته إليك الشما ... ل جاش كما اضطرم المرجل

فلما عرفتم عباد الإل ... هـ لم ينظر الآخر الأول

عرفتم فوارس قد عودوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا

إذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا

فيعتصموا فى سواء المقا ... م بالبيض أخلصها الصيقل «2»



كلمات دليلية: