غزوة الطائف 8 هـ_19734

غزوة الطائف : 8 هـ


الفصل الخامس والعشرون حنين والطائف

تالب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف- تحصينهم بمضيق وادي حنين- خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم كثرتهم- دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح- ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات وارتدادهم منهزمين- ثبات محمد إلى الموت- صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا- عودهم إلى رسول الله ومقاتلتهم وانتصارهم- الفيء- المسير إلى الطائف- حصارها وعدم إمكان اقتحامها- تحريق نخيلها- استرحامها النبي- رجوعه عن الحصار- إسلام هوازن- حديث الشيماء- العود إلى الجعرانة وقسمة الفيء- العمرة- العودة إلى المدينة.

,

مسيرة مالك بن عوف لقتال المسلمين

أقام المسلمون بمكة بعد فتحهم إيّاها فرحين بنصر الله إياهم، مغتبطين أن لم يسفك في هذا النصر العظيم إلا الدم القليل، مسارعين إلى البيت الحرام كلما أذّن بلال بالصلاة، متدافعين حول رسول الله حيث أقام وحيث ذهب. يغشى المهاجرون منهم دورهم ويتّصلون بأهليهم الذي هدى الله بعد الفتح، ونفوسهم جميعا مطمئنة إلى أن الأمر قد استقرّ للإسلام، وأن الجانب الأكبر من الجهاد قد كلل بالفوز والظفر. وإنهم لكذلك بعد خمسة عشر يوما من مقامهم بأمّ القرى إذ ترامت إليهم أنباء أيقظت استنامتهم للغبطة! تلك أن هوازن كانت تقيم على مقربة من مكة إلى جنوبها الشرقي في جبال هناك، فلمّا علمت بما تمّ للمسلمين من فتح مكة ومن تحطيم أصنامها. خشيت أن تدور عليها الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليها منازلها، ففكرت فيما تصنع لاتقاء هذه الكارثة الوشيكة الوقوع ولصدّ محمد والكفّ من غلواء المسلمين الذين يعملون للقضاء على استقلال قبائل شبه الجزيرة وعلى ضمها كلها في وحدة يظلها الإسلام، لذلك جمع مالك بن عوف النّصري هوازن وثقيفا، كما اجتمعت نصر وجشم، ولم يتخلف عن الاجتماع من هوازن إلا كعب وكلاب. وكان في جشم دريد بن الصّمّة. وكان يومئذ شيخا كبيرا لا نفع منه في الحرب، ولكنما كان الانتفاع برأيه بعد الذي عركه على السنين في وقائعها. اجتمعت هذه القبائل كلها ومعها أموالها ونساؤها وأبناؤها، وتمّ جمعها حين نزلت سهل أوطاس. فلما سمع دريد رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء، سأل مالك بن عوف: لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم؟ فلما أجابه مالك بأنه إنما أراد أن يشجع بها المحاربين، قال دريد: وهل يردّ المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك لا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. واختلف هو ومالك. وتبع الناس مالكا، وكان شابّا في الثلاثين من عمره قويّ الإرادة ماضي العزيمة، وتابعهم دريد ما يردّ لهم، على رغم سابقته في الحرب، رأيا. وأمر مالك الناس

أن ينحازوا إلى قمم حنين وعند مضيق الوادي؛ فإذا نزل المسلمون وادية فليشدّوا عليهم شدّة رجل واحد تضعضع صفوفهم، فيختلط حابلهم بابلهم ويضرب بعضهم بعضا، وتدور عليهم الهزيمة، ويزول أثر انتصارهم حين فتحوا مكة، ويبقى لقبائل حنين في بلاد العرب جميعا فخار النصر على هذه القوّة التي تريد أن تظلّ بسلطانها بلاد العرب جميعا. وامتثلت القبائل أمر مالك وتحصّنت بمضيق الوادي.

,

مسيرة المسلمين إلى حنين

أمّا المسلمون فبادروا بعد أسبوعين من مقامهم بمكة وعلى رأسهم محمد في عدّة وعديد لم يكن لهم من قبل بها عهد قط. ساروا في اثني عشر ألفا من المقاتلين، منهم عشرة آلاف هم الذين غزوا مكة وفتحوها، وألفان ممن أسلم من قريش، وبينهم أبو سفيان بن حرب، وكلهم تلمع دروعهم، وفي مقدّمتهم الفرسان والإبل تحمل الميرة والذخيرة. سار المسلمون في هذا الجيش الذي لم تعرف بلاد العرب من قبل مثاله، يتقدّم كلّ قبيلة علمها وتمتلئ النفوس كلها إعجابا بهذه الكثرة، وبأن لا غالب اليوم لها؛ حتى لقد تحدّث بعضهم بذلك إلى بعض وجعلوا يقولون: لن تغلب اليوم لكثرتنا. وبلغوا حنينا والمساء يقبل، فنزلوا على أبواب واديها وأقاموا بها حتى بكرة الفجر. هنالك تحرّك الجيش، وركب محمد بغلته البيضاء في مؤخّرته، على حين سار خالد بن الوليد على رأس بني سليم في المقدّمة، وانحدروا من مضيق حنين في واد من أودية تهامة. وإنهم لكذلك منحطّون إلى الوادي إذ شدّت عليهم القبائل بإمرة مالك بن عوف شدّة رجل واحد وأصلوهم وابلا من النبال وهم جميعا ما يزالون في عماية الفجر. إذ ذاك اختلط أمر المسلمين واضطرب، وعادوا منهزمين قد أخذ الخوف والفزع منهم كل مأخذ، حتى أطلق بعضهم ساقية للريح، وحتى قال أبو سفيان بن حرب وعلى شفته ابتسامة المغتبط لفشل أولئك الذين انتصروا بالأمس على قريش: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قد قتل في غزوة أحد. وقال كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم! فردّ عليه أخوه صفوان: اسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربّني «1» رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن. تقع هذه الأحاديث والجيش يختلط حابله بنابله والنبيّ في المؤخرّة تمرّ عليه القبائل واحدة بعد الآخرى مهزومة لا تلوي على شيء.

,

ثبات محمد وقوة عزيمته

ماذا تراه يصنع؟ أفتضيع تضحيات عشرين سنة في هذه اللحظة من عماية الصبح؟ أفتنحى عنه ربّه وتخلى عنه نصر الله إياه؟! كلا! كلا! لن يكون هذا! دون هذا تبيد أمم وتفنى أقوام! ودون هذا الموت يدخل محمد في غماره لعل في الموت لدين الله نصرا. وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وثبت محمد مكانه، وأحاط به جماعة من المهاجرين والأنصار ومعه أهل بيته، وجعل ينادي في الناس إذ يمرون به منهزمين: أين أيها الناس! أين! لكن الناس كانوا فيما هم فيه من هول الفزع لا يسمعون إلى شيء ولا يدور بتصوّرهم إلا هوازن وثقيف منحدرتين من معتصمهما بالقمم تطاردانهم حتى تأتيا عليهم. ولم يخطئ تصورّهم؛ فقد انحدرت هوازن من مكانها يتقدّمها رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف وأنصارهما منحدرون من ورائه يطعنون. وثارت بمحمد حميّته، فأراد أن يندفع ببغلته البيضاء في صدر هذا السيل الدافع من رجال العدوّ، وليكن بعد ذلك أمر الله. لكنّ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أمسك بخطام بغلته وحال دون تقدّمها.

__________

(1) ربه: ملكه وساسه.

,

نداء العباس في الناس

وكان العبّاس بن عبد المطلب رجلا جسيما جهوري الصوت قويّه، فنادى بما أسمع الناس جميعا من كل فجّ: يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة! إن محمدا حيّ فهلمّوا! وكرر العباس النداء حتى تجاوبت في كل جنبات الوادي أصداؤه. وهنا كانت المعجزة: سمع أصحاب العقبة اسم العقبة فذكروا محمدا وذكروا عهودهم وشرفهم. وسمع المهاجرون اسم محمد فذكروا تضحياتهم وذكروا شرفهم. وسمع هؤلاء وأولئك بسكينة محمد وثباته في نفر قليل من المهاجرين والأنصار، كثباته يوم أحد، في وجه هذا العدوّ الزاحف، صوّرت لهم نفوسهم ما قد ينشأ عن خذلانهم إياه من تغلّب المشركين على دين الله. وكان نداء العباس أثناء ذلك ما يزال يدوّي في آذانهم وتهتزّ لأصدائه أوتار قلوبهم.

هنالك تصايحوا من كل صوب: لبّيك لبّيك! وارتدّوا إلى المعركة مستبسلين.

,

رجوع المسلمين واستماتتهم

وبدأت الطمأنينة تعاود محمدا حين رآهم يعودون؛ فقد انحدرت هوازن من مكامنها وأصبحت وجها لوجه مع المسلمين في الوادي. وقد أضاء النهار وطغى النور على عماية الفجر. واجتمع حول رسول الله بضع مئات استقبلوا القبائل وصبروا لهم، وقد أخذ يزداد عددهم وتشتدّ بعودتهم عزائم من خارت من قبل عزائمهم وجعل الأنصار يتصايحون يا للأنصار! ثم تنادوا: يا للخزرج ومحمد ينظر إلى تناحر القوم؛ حتى إذا رأى الصّدام اشتدّ ورأى رجاله تسمو نفوسهم ويطيحون بخصومهم، نادى: الآن حمي الوطيس، إن الله لا يخلف رسوله وعده. ثم طلب إلى العباس فناوله حفنة من الحصى ألقى بها في وجوه العدو: قائلا: شاهت الوجوه.

واندفع المسلمون إلى المعركة مستهينين بالموت في سبيل الله، مؤمنين بأن النصر لا محالة آت، وأن من استشهد منهم فله من النصر أكبر من نصيب من بقي. وكان البلاء شديدا؛ حتى ان هوازن وثقيفا ومن معهم ما لبثوا، حين رأوا كل مقاومة غير مجدية وأنهم معرضون للفناء عن آخرهم؛ أنّ فروا منهزمين لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين الذين أحصوها يومئذ اثنين وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الشاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة. أما الأسرى وعددهم ستة آلاف فقد نقلوا محروسين إلى وادي الجعرانة حيث أووا إلى أن يعود المسلمون من مطاردة عدوّهم ومن حصار ثقيف بالطائف.

,

تعقب المسلمين عدوهم

وتابع المسلمون مطاردتهم لعدوهم. وزادهم إغراء بهذه المطاردة أن أعلن الرسول أن من قتل مشركا فله سلبه. وأدرك ابن الدّغنّة جملا عليه شجار «1» ظن به امرأة طمع في سلبها، فأناخ الجمل فإذا شيخ كبير لا يعرفه الفتى هو دريد ابن الصمّة. وسأل ربيعة: ما يريد به؟ قال: أقتلك، وأهوى عليه بسيفه فلم يغن شيئا. قال دريد: «بئس ما سلّحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرحل. ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب به الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك» . ولمّا رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها خبره قالت له: «حرق الله يدك، فإنما قال ذلك ليذكرنا نعمه عليك. فو الله لقد أعتق لك ثلاث أمهات في غداة: أنا وأمي وأمّ أبيك» وتبع المسلمون هوازن حتى بلغوا أوطاسا، وهناك أوقعوا بهم وهزموهم شرّ هزيمة، وسبوا من احتملوا من النساء والأموال وعادوا بهم إلى محمد. أما مالك بن عوف النصري فقد ثبت هنيهة ثم فرّ وقومه مع هوازن حتى افترق عنهم عند

__________

(1) شجار: مركب مكشوف دون الهودج، ويقال له مشجر.

نخلة، ثم ولى وجهه نحو الطائف فاحتمى بها.

,

هزيمة المشركين تامة

وكذلك كان نصر المؤمنين مؤزّرا، وكانت هزيمة المشركين تامّة بعد ذلك الفزع الذي أصاب المسلمين في عماية الصبح، وحين شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد ضعضعت صفوفهم وخلطت حابلهم بنابلهم.

كان نصر المسلمين مؤزّرا بفضل ثبات محمد والفئة القليلة التي أحاطت به. وفي ذلك نزل قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

«1» .

على أن المسلمين لم يحرزوا هذا النصر المؤزّر رخيصا، بل دفعوا ثمنا غاليا لعلهم لم يكونوا يدفعونه لولا تخاذلهم الأوّل وتدافعهم مهزومين، ليقول فيهم أبو سفيان: إنهم لا يردّهم إلا البحر. دفعوا الثمن غاليا من مهج الرجال وأرواح الأبطال الذين استشهدوا في الموقعة. ولئن لم تحص كتب السيرة كلّ القتلى، لقد ذكرت أن قبيلتين من المسلمين فنيتا أو كادتا، وأن النبيّ صلى على أرواحهم رجاء أن يدخلهم الله الجنة. لكنه كان النصر على كل حال: النصر التّامّ تغلّب فيه المسلمون. على خصومهم وغنموا منهم وأسروا ما لم يغنموا ولم يأسروا من قبل. والنصر هو كل شيء في النضال أيّا كان الثمن الذي يدفع فيه ما دام نصرا شريا. لذلك اغتبط المسلمون بما جزاهم الله، وظلّوا يرتقبون قسمة الفيء والعود بالغنيمة.

لكن محمدا كان يريده نصرا أكثر روعة وأعظم جلالا. وإذا كان مالك بن عوف هو الذي قاد هذه الجموع، ثم احتمى بعد هزيمتها مع ثقيف بالطائف، فليحاصر المسلمون الطائف وليضيقوا عليها الحصار.

وتلك كانت خطّة محمد في خيبر بعد أحد، وفي قريظة بعد الخندق. ولعله ادّكر في موقفه هذا يوم ذهب إلى الطائف لسنوات قبل الهجرة يدعو أهلها إلى الإسلام، فسخروا منه وقذفه صبيانهم بالأحجار، حتى اضطرّ إلى الاحتماء من أذاهم بحائط «2» فيه كرم. ولعله ادّكر كيف ذهب يومئذ منفردا ضعيفا، لا حول له ولا قوّة إلا حول الله وقوّته، وإلا هذا الإيمان العظيم الذي ملأ صدره والذي يدكّ الجبال. وها هو ذا الآن يذهب إلى الطائف في جمع من المسلمين لم تشهد جزيرة العرب في ماضي تاريخها جمعا مثله.

,

الفصل الخامس والعشرون حنين والطائف

تالب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف- تحصينهم بمضيق وادي حنين- خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم كثرتهم- دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح- ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات وارتدادهم منهزمين- ثبات محمد إلى الموت- صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا- عودهم إلى رسول الله ومقاتلتهم وانتصارهم- الفيء- المسير إلى الطائف- حصارها وعدم إمكان اقتحامها- تحريق نخيلها- استرحامها النبي- رجوعه عن الحصار- إسلام هوازن- حديث الشيماء- العود إلى الجعرانة وقسمة الفيء- العمرة- العودة إلى المدينة.



كلمات دليلية: