غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

غزوة الطائف

«5»

وسار عليه الصلاة والسلام بمن معه إلى الطائف، ليجهز على بقية حياة ثقيف، ومن تجمّع معهم من هوازن، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد، ومرّ عليه الصلاة والسلام بحصن لعوف بن مالك النّصري «6» فأمر بهدمه، ومرّ ببستان لرجل من ثقيف قد تمنّع فيه، فأرسل إليه أن أخرج، وإلّا حرّقنا عليك بستانك، فامتنع الرجل فأمر عليه الصلاة والسلام بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد تحصّنوا به، وأدخلوا معهم قوت سنتهم. فعسكر المسلمون قريب الحصن، فرماهم المشركون بالنّبل رميا شديدا حتى أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد الله بن أبي بكر. وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت عينه، وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلا من

__________

(1) واد بديار هوازن. (المؤلف) .

(2) سرية أبي عامر الأشعري.

(3) كان قد سكن الرملة وحالف سعيد بن العاص ثم أسلم، وهاجر إلى الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته جعفر بن أبي طالب فقدموا جميعا، واستعمله النبي صلّى الله عليه وسلّم على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالها، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت مات وهو ابن نيف وستين.

(4) وفي البخاري ومسلم قال فدعا له الرسول صلّى الله عليه وسلّم (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك.

(5) هي بلدة في الحجاز على مسافة 65 ميلا جنوبا شرقيا من مكة، وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها، وهي مصيف مكة. وسميت الطائف أن ملك بن مالك أصاب دما من قومه، فلحق بثقيف، فأقام فيهم، وقال لهم: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه فسمي به الطائف.

(6) وهو خطأ، الصحيح مالك بن عوف النصري كما في ابن هشام والسيرة الحلبية.

المسلمين «1» . ولمّا رأى رسول الله أنّ العدو متمكّن من رميهم، ارتفع إلى محل مسجد الطائف الان، وضرب لأم سلمة وزينب قبتين هناك، واستمرّ الحصار ثمانية عشر يوما، كان فيها ينادي خالد بن الوليد بالبراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد ياليل عظيم ثقيف لا ينزل إليك منّا أحد. ولكن نقيم في حصننا، فإنّ فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن اخرنا، فأمر عليه الصلاة والسلام بأن ينصب عليهم المنجنيق «2» فنصب. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين «3» لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر عليه الصلاة والسلام أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعا ذريعا، فناداه أهل الحصن أن دعها لله وللرحم، فقال: أدعها لله وللرحم. ثم أمر من ينادي بأن كل من ترك الحصن ونزل فهو امن، فخرج إليه بضعة عشر رجلا. ولما رأى عليه الصلاة والسلام أن تمنّع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية الديلي «4» في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته وأن تركته لم يضرّك، فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل «5» وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال: «اللهم أهد ثقيفا وائت بهم مسلمين» «6» .

__________

(1) سعيد بن سعيد بن العاص وعبد الله بن أبي أمية وعبد الله بن عامر بن ربيعة والسائب بن الحارث وأخوه عبد الله بن الحارث وحليحة بن عبد الله ومن الأنصار جليحة بن عبد الله وثابت بن الجذع والحارث بن سهل والمنذر بن عبد الله ورقيم بن ثابت فسبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني ليث.

(2) هي من الات الحصار الثقيلة ونحوها، وأن أول من رمى بالمنجنيق في الجاهلية والإسلام النبي صلّى الله عليه وسلّم.

(3) الدبابة الة تتخذ للحرب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. (المؤلف) وقد كانت تكسى بالجلود الغليظة فلذلك أحرقتها كرات النار.

(4) أسلم يوم الفتح، وحج مع أبي بكر سنة تسع، ومع النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة عشر، وكان قد بلغ المائة، وقال أبو عمر: كان ممن عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين مات في خلافة يزيد بن معاوية.

(5) وفي الشيخين حاصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال: إنا قافلون إن شاء الله، قال: أصحابه ترجع ولم تفتحه، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم: اغدوا على القتال فغدوا عليه، فأصابهم جراح فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنا قافلون غدا. قال فأعجبهم ذلك فضحك النبي صلّى الله عليه وسلّم.

(6) رواه الترمذي بلفظ ما عدا (وائت بهم مسلمين) بسند صحيح.

,

تقسيم السبي

ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخمّسه وأعطى منه شيئا كثيرا لأناس ضعف إسلامهم يتألّفهم بذلك، وأعطى أناسا لم يسلموا ليحبّب إليهم الإسلام، ومن الأوّلين: أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه. ثم استزاده فأعطاه مثلها. وقال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السّفلى «1» فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدا «2» بعدك شيئا حتى أفارق الدّنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء. الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى عليه الصلاة والسلام عيينة بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس «3» والعباس بن مرداس «4» وأعطى صفوان ابن أمية شعبا مملوا نعما وشاء، كان راه يرمقه «5» فقال له: هل يعجبك هذا؟ قال نعم، قال: هو لك. فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد، وكان سبب إسلامه «6» . وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممّن

__________

(1) رواه الشيخان والترمذي والنسائي باختصار.

(2) يعني لن اخذ من أحد شيئا.

(3) وفد على النبي صلّى الله عليه وسلّم وشهد فتح مكّة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وشهد اليمامة، ومع شرحبيل بن حسنة دومة الجندل، وشهد مع خالد حرب أهل العراق وفتح الأنبار، استعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش وذلك في خلافة عثمان.

(4) السلمي شهد مع النبي صلّى الله عليه وسلّم الفتح وحنينا ويقال أنه ممن حرم الخمر في الجاهلية، وكان من أشجع الناس في شعره، وكان ينزل البادية بناحية البصرة.

(5) ينظر إليه.

(6) أعطى دون المائة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل بن نوفل الزهري، وعمير بن وهب الجمحي، وهشام بن عمر. وقال ابن اسحاق: لا أحفظ ما أعطاهم، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين وكذلك السهمي.

أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حبّ الإسلام صاروا بعد من أجّلاء المسلمين، وأعظمهم نفعا كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.

ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم، وقسّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا حتى ألجؤوه إلى شجرة فتعلق رداؤه فقال «ردّوا ردائي أيها الناس، فو الله إن كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» ثم قام إلى بعيره، وأخذ وبرة من سنامه، وقال: «أيها الناس، والله مالي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول «1» يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة» فصار كل من أخذ شيئا من الغنائم خلسة يرده ولو كان زهيدا، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال رجل من المنافقين «2» : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب عليه الصلاة والسلام حتى أحمر وجهه، وقال: «ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟!» «3» فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك بل لم يزد على أن نصح وحذّر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، فقال: لا! لعلّه أن يكون يصلّي، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال صلّى الله عليه وسلّم:

إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس «4» ولا أشق عن بطونهم.

ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا. ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!!! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم. فلمّا اجتمعوا قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضلّالا فهداكم

__________

(1) الاختلاس من الغنيمة. (المؤلف) .

(2) قال السهيلي: فالرجل هو ذي الخويصرة كذلك جاء ذكره في الصحيحين وقال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرج من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فكان كما قال وظهر صدق الحديث في الخوارج وكان أولهم من أصله.

(3) رواه الشيخان في المعنى.

(4) هو البحث والتفتيش. وفي صحيح مسلم: إني لم أثقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم.

الله بي؟ وعالة «1» فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأ تألّفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألّفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «2» ، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» «3» . فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف عليه الصلاة والسلام وتفرّقوا.


ملف pdf

كلمات دليلية: