غزوة الطائف (8هـ): أول رمي بالمنجنيق .. ودعاء النبي لأعدائه!

غزوة الطائف 8هـ

موقع غزوة الطائف، وزمانها

وقعت في شوال عام 8 هـ ، في بلدة في الحجاز على مسافة 65 ميلا جنوبا شرقيا من مكة، وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها.

القيادة العسكرية في غزوة الطائف

قاد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهة المسلمين المٌشَكَّلة من 12 ألف مقاتل، وجعل في مقدمة الجيش خالد بن الوليد رضي الله عنه.

في مقابل قيادة مالك بن عوف لجبهة المشركين المٌشَكَّلة من 30 ألف مقاتل.


أسباب غزوة الطائف

ملاحقة الرسول لفلول الهاربين من غزوة حنين، من مشركي هوازن وثقيف، والذين اعتدوا على المسلمين وقتلوا منهم وتآمروا لعدم انتشار الدعوة الإسلامية بعد فتح مكة بالتعاون مع عدد من القبائل المتمردة في الجزيرة العربية.


أحداث غزوة الطائف


ملاحقة المعتدين بعد حُنين

بعدما نصر الله عباده المؤمنين بقيادة الرسول محمد، في موقعة "حنين"، ضد أعدائهم من القبائل المتمردة وعلى رأسها ثقيف وهوازن، جمع النبي صلى الله عليه وسلم غنائم غزوة حنين والأسرى وجعل على حراستها بُديل بن ورقاء وجماعة من المسلمين، وأمر بالتوجه نحو الطائف حيث هربت فلول المشركين بقيادة مالك بن عوف.

كانت الطائف مدينةً محصنةً لها أبواب ، وكان أهلها ذَوي خبرةٍ في الحرب وثروات طائلة مكّنتهم أن يجعلوا حصونهم من أمنع الحصون.

تراشق الطرفين

ترامى الطرفان رميا شديدا حتى قُتل اثنا عشر (12) من المسلمين ، وجرح آخرون ومنهم عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه الذي أدت جراحه لوفاته في خلافة أبيه، وأبوسفيان بن حرب وقد فقئت عينه.

وبدعوة من الحُبَاب بن المنذر ابتعد المسلمون عن الحصن حتى لا تصيبهم السهام.

ولمّا رأى رسول الله أنّ العدو متمكّن من رميهم، ارتفع إلى محل مسجد الطائف الآن، وضرب لأم سلمة وزينب قبتين هناك.

القذف بالمنجنيق

كان رسول الله أول من رمى بالمنجنيق بين العرب، وكان ذلك بناء على نصيحة سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ فقد كانوا يستخدمونه ببلاد فارس في حروبهم.

 

والمنجنيق آلة تقذف بالحجارة بقوة كبيرة، أما سبب استخدام المنجنيق فهو طول الحصار وعدم خروج أهل ثقيف فقد كان الحصن منيعًا ومليئًا بالمؤن. [المغازي، الواقدي، 927]

وقبل أن يكون الضرب بالمنجنيق دعا خالد بن الوليد رؤوس الشرك داخل الحصن لمبارزته، فرد عليه كبير ثقيف بأن ما لديهم يكفيهم سنوات، ولو اضطروا للخروج فسوف يخرجون بسيوفهم يقاتلون بها حتى يفنون عن آخرهم.

ولهذا نصب رسول الله على أهل الطائف المنجنيق سبعة عشر (17) يومًا. كما صنع المسلمون دبابةً خشبية يختبئ تحتها الجنود؛ ليصلوا إلى القلاع والحصون دون أن تصيبهم السهام ، وبالفعل فقد تكسر جزء من السور.

لكن قام أهل الطائف بمفاجأة المسلمين بأشواك حديدية ضخمة أوقدت النار عليها حتى احمرت. [ابن كثير: 2/306] فلاذ المسلمون مبتعدين طلبا للنجاة.

إحراق الكروم والنخيل

لما طال الحصار، وبدأت ثقيف ترسل بسكك النار المحمية من خلف الحصن، أمر رسول الله أن تحرق نخيل الطائف، وكرومها وزروعها، لإرهابهم وإضعاف منعتهم، وبالفعل قطع المسلمون منها قطعا ذريعا، فناشده أهل الحصن "الله والرحم" أن يتوقف، فاستجاب النبي الرحيم، وأرسل مناديًا: «أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر» ، فخرج منهم بضعة عشر رجلاً ، فأعتقهم رسول الله وأحسن إليهم. [الطبقات الكبير، ابن سعد، 2/1872]

فك حصار الطائف

دام حصار الطائف أربعين (40) يومًا، ولم يتمكن المسلمون من افتتاحه، وقد كان أهله قد أعدوا عدتهم للبقاء بداخله، فأمر النبي بفك الحصار والعودة للمدينة المنورة، وقيل أن ممن استشارهم النبي في هذا الأمر نوفل بن معاوية الديلي، وكان شيخا كبيرا عارفا بأحوال العرب وممن أسلم يوم فتح مكة، وقد أجاب: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته وأن تركته لم يضرّك، فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل.

وقيل أن بعض الصحابة قد طلب من النبي أن يدعو على ثقيف وقد "أخرقتهم نبالهم" أي سببت الجراح، فقال: «اللهم أهد ثقيفا وائت بهم مسلمين» [رواه الترمذي 3942- في شطره الأول فقط].

فنادى عمر بن الخطاب في الناس: إنا قافلون غدا، وتساءل الصحابة عن إمكانية العودة دون فتح، وطلبوا أن يكرروا الإغارة على الحصن، فوافقهم النبي، ولما فعلوا كانت فيهم الجراح الأليمة من شدة المقاومة أيضا، وهنا استجابوا وعادوا، فتبسم النبي من حالهم وقد أمرهم أن يقولوا: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».

 

ولما ركبوا الراحلة أمر النبي أصحابه بأن يقولوا :«آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون». [رواه مسلم: 1778]

مواقف حكيمة في تقسيم الغنائم

كما أشرنا في غنائم غزوة "حنين" السابقة، والتي كانت غزوة "الطائف" بحصار تلك المدينة التي فر إليها المشركون، تتمة لها، فقد تعدد مواقف النبي الحكيمة، رغم اشتداد أذى الأعراب وإلحاحهم بطلب نصيبهم وتعجلهم في ذلك، لحداثة عهدهم بالإسلام ونفاق البعض الآخر، ومن أهم تلك المواقف:

-تأليف القلوب: عاد رسول الله من غزوة الطائف، إلى الجعرانة، حيث ترك السبي فأحصاه، وقسمه أخماس، وخص كثير من حديثي العهد بالإسلام بل وغير المسلمين من سادات قريش بالكثير منه لتأليف قلوبهم، منهم أبوسفيان بن حرب الذي جعل له أربعين أوقية ذهب ومائة من الإبل، وابنه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب.

وكذلك حكيم بن حزام الذي طلب زيادة في نصيبه فقال له النبي:«يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السّفلى» فكانت تلك الأموال آخر ما قبلها حكيم في حياته .

 

كما أعطى النبي عيينة بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس وصفوان ابن أمية الذي منحه شعبا مملوا نعما وشاء، فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد، وكان سبب إسلامه.

وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممّن أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حبّ الإسلام صاروا بعد من أجّلاء المسلمين، وأعظمهم نفعا كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.[ "نور اليقين"، لمحمد خضر، نقلا عن أحاديث واردة بالبخاري ومسلم والنسائي ].

غلظة الأعراب: لما ألجأ الأعراب رسول الله إلى شجرة حتى تعلق ردائه، إلحاحا في طلب المال بعد الغزوة، صبر عليهم وقال: «ردّوا ردائي أيها الناس، فو الله إن كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» بل وأكد لهم أن نصيبه وهو الخمس مردود للمسلمين لن يأخذ منه شيئا، ودعاهم لعدم الغلول أي اختلاس شيء من الغنيمة فإنه «يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة»، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، ولما اتهمه صلى الله عليه وسلم أحد المنافقين بعدم العدل لهوى نفس، رفض النبي أن يعاقبه أحد من الصحابة قائلا لعله أن يكون يصلي، فلما قال خالد بن الوليد أنه قد يدعي ذلك، رد النبي « إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم». [رواه مسلم : 1064]

محبة الأنصار: لما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا. ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فجمعهم النبي مذكرا إياهم بأنه كان سببا من الله في هدايتهم وغناهم عن الناس وتأليف قلوبهم بعد أن كانوا أعداء، وقال الحبيب محمد : «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار» ، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف عليه الصلاة والسلام وتفرّقوا.

نتائج غزوة حصار الطائف

انتصار المسلمين، رغم عدم تمكنهم من فتح المدينة المحصنة ، واستشهاد 12 منهم.وجرح عدد منهم نتيجة هجمات أهل الطائف.

الدروس المستفادة من غزوة الطائف

كانت ملحمة حنين والطائف مشتملة على العديد من الدروس أهمها:

- اليقظة والمجاهدة في رد العدوان على المسلمين وإعلاء كلمة الله.

- القيادة بالقدوة: كان رسول الله قدوة للمسلمين في شجاعته في الميدان ولو وقف وحيدا، وقدوة أيضا في التخلي والزهد عن كل غنيمة بل وردها للمسلمين.

- عبقرية الرسول العسكرية: استخدم في تلك الغزوة المنجنيق للمرة الأولى والدبابة أيضا، ولم تكن معروفة بجزيرة العرب، كما استخدم الحرب النفسية ضد أهل الطائف بإحراق نخيلهم مما أخافهم.

- عفو النبي ورحمته: هل رأيت قائد معركة مدوية يخرج منها داعيا الله أن يهد أعداءه؟! وبالفعل فقد توقف عن حرق نخيلهم وترك لهم الحصن أملا بعودة قلوبهم.

- عدل النبي وحكمته في توزيع الغنائم: راجع ما فعله مع المشركين والمسلمين الجدد والأعراب والأنصار.

-

إحالة كل نصر لله تعالى والثناء على توفيقه للمسلم: كان النبي المتواضع عائدا من ذلك الفتح يذكر الله ويعلمه صحابته.

- التأهب الدائم: كانت أسابيع وأحيانا أيام قليلة هي ما تفصل الغزوات الكبرى في نهاية العهد النبوي ومع ذلك لم يفتر الجسد ولا القلب عن طلب الجهاد في سبيله الحق.