غزوة الأحزاب الخندق _20672

غزوة الأحزاب الخندق


معركة الخندق

عندما بدأت الهزائم تحدق باليهود، سيما بعد إجلاء بني النضير، رأى هؤلاء أن يتحركوا بوجه السرعة لتوجيه ضربة قاصمة للدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها ويحدق خطرها بالوجود اليهودي في جزيرة العرب ... وأدركوا أن استثارة قريش وحدها ضد المسلمين أمر غير مضمون العواقب، وأن انفراد كل قوة وثنية في مهاجمة مواقع الدين الجديد سوف يمكن الإسلام من تصفيتها واحدة بعد الآخرى، فلا بد إذا من أن تتجمع القوى الوثنية كلها بزعامة قريش وتتحرك لاستئصال شأفة الإسلام ومن ورائها مكر اليهود وأموالهم..

خرج خمسة من زعماء اليهود وهم سلام بن أبي الحقيق، كنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب (من بني النضير) وأبو عمار وهوذا بن قيس (من بني وائل) وقدموا إلى مكة واتصلوا بقادة قريش ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله! وجاءت هذه الدعوة في فترة كانت قريش تعاني فيها من حصار المسلمين الاقتصادي، وتزداد يقينا بأن معركة أحد لم تفعل شيئا، فاستجابت للعرض اليهودي بينما انطلق النفر الخمسة إلى غطفان ودعوهم إلى حرب المسلمين لقاء إعطائهم تمر خيبر مدة سنة، وأخبروهم بأنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد أعدت العدة لهذا الأمر، وكذلك فعل اليهود مع عدد من القبائل اليهودية الآخرى «1» .

انطلقت الأحزاب الوثنية البالغ عددها عشرة آلاف مقاتل «2» صوب

__________

(1) ابن هشام ص 211- 212 الطبري 2/ 565- 566 ابن سعد 2/ 1/ 47 الواقدي 2/ 441- 443 البلاذري: أنساب 1/ 343 اليعقوبي: تاريخ 2/ 41.

(2) يخطىء المسعودي (التنبيه ص 216) في القول بأن عدد الأحزاب بلغ أربعة وعشرين ألفا.

المدينة.. قريش وأحلافها من بني كنانة وأهل تهامة والأحابيش يقودها أبو سفيان ابن حرب، وغطفان يقودها عيينة بن حصن الفزاري، وبنو مرة يقودها الحارث بن عوف، واشجع يقودها مسعود بن رخيلة.. وما أن سمع الرسول صلى الله عليه وسلم أنباء التحرك الخطير حتى بدأ يخطط لصد أكبر هجوم على الإسلام منذ مولد الدعوة الإسلامية، وكان الأمر يحتم اتخاذ خطة دفاعية، فاستشار أصحابه ورسم معهم ما يجب عمله وهو يقضي فيما أشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق لحماية الأجزاء الشمالية المكشوفة من المدينة.. أما الأجزاء الآخرى فكانت تتمتع بحصانة طبيعية حيث تمتد حرة واقم إلى الشرق، وحرة الوبرة إلى الغرب وتتكاثف أشجار النخيل إلى الجنوب.. وكان سائر المدينة فيما عدا جهة الشمال كما يقول ابن سعد: مشبكا بالبنيان فهي كالحصن «1» .. الأمر الذي جعل فكرة حفر الخندق أمرا يمكن تنفيذه قبل انقضاض الأحزاب..

قسم الرسول أصحابه إلى مجموعات كل منها تتكون من عشرة أشخاص كلفوا بحفر أربعين ذراعا.. وأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع سائر العاملين في حفر الخندق بهمة ودأب، وراح ينقل التراب مع أصحابه وينشد وإياهم وقد غطى التراب على بطنه وصدره:

لا همّ، لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا

وكلما وصلوا المقاطع الأخيرة مدها الرسول رافعا بها صوته «2» .. ويحدثنا أحد الصحابة الذين كانوا يعملون في الخندق فيقول: كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليضرب مرة بالمعول ومرة يغرف بالمسحاة التراب ومرة يحمل التراب في المكتل، وقد رأيته يوما بلغ منه فجلس صلى الله عليه وسلم ثم اتكأ على حجر على شقه الأيسر، فذهب به النوم فرأيت أبا بكر وعمر واقفين على رأسه يبعدان الناس أن يمروا به فينبهوه «3» ، وقد أدى هذا كله إلى جعل أصحابه يتفانون في العمل ولا يغادر أحدهم موقعه لقضاء حاجياته إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم وما أن ينتهي حتى يعود

__________

(1) ابن سعد 2/ 1/ 48 الواقدي 2/ 450.

(2) ابن سعد 2/ 1/ 51 الواقدي 2/ 449.

(3) الواقدي 2/ 453.

على جناح السرعة لإتمام ما كلف به إيمانا واحتسابا، وفي هؤلاء العاملين نزلت كلمات الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» «2» .

كان لتقسيم العمل وإسهام الرسول فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية، وشعورهم بعظم الخطر المحدق بهم، إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق، فضلا عن تأميل الرسول صلى الله عليه وسلم جنده بالنصر القريب في الأرض وبالأجر العريض في السماء. كان لهذه الأمور جميعا الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد اثني عشر ألف ذراع في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء..

ومن أجل استكمال الخطة الدفاعية عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمقاتلين الثلاثة آلاف «3» وراء الخندق جاعلا ظهورهم إلى جبل سلع، موزعا النساء والأطفال في القلاع الحصينة كي يتمكن المسلمون من التحرك بسهولة ويسر إذا حدث وتسرب المشركون إلى الداخل.. كما شكل كتائب من أصحابه أمرها بأن تعسكر في جهات المدينة الآخرى سيما وأن هنالك مناطق في الشرق والغرب والجنوب يمكن اجتيازها دون عناء كبير.. كما شكّل جماعات أخرى تتجول في المدينة لحراستها من غدرات اليهود.. وتظهر التكبير من أجل رفع معنويات أهليها «4» ، وأسهم بنفسه صلى الله عليه وسلم في حراسة الخندق إسوة بأصحابه فكان يبيت منفردا هنالك، كما يحدثنا الواقدي، في ثلمة كان يخاف أن يتسلل منها المشركون حتى يلفحه البرد «5» .

أقبلت قوات الأحزاب البالغة حوالي عشرة آلاف مقاتل وعسكرت قريبا من المدينة في الجهات الممتدة شمالا، وسرعان ما فوجئت بالخندق وقد سد عليها

__________

(1) سورة النور: الآية 62.

(2) ابن هشام ص 212- 213 الطبري 2/ 566- 568.

(3) يخطىء ابن حزم (جوامع ص 187) بقوله في أن عدد المسلمين في الخندق كانوا تسعمائة.

(4) ابن سعد 2/ 1/ 48 الواقدي 2/ 450- 454.

(5) الواقدي 2/ 463- 464.

الطريق إلى المدينة فقال زعماؤها: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وقرروا أن يضربوا الحصار على المسلمين ويسعون بين الحين والحين إلى أن يجدوا ثغرة في دفاعهم يتسربون منها للداخل.. وظل المسلمون مفتحي الأعين حذرين إزاء أية محاولة يمكن أن تمنح المشركين جسرا يعبرون عليه إليهم فتكون الطامة الكبرى. وطالت أيام الحصار تخللها رمي بالنبال دون أن يحدث اشتباك حاسم بين المعسكرين، ورأت مجموعة من فرسان قريش أن تقوم بهجوم سريع علها تنفذ إلى الداخل.. فتقدم عمرو بن عبد ود العامري وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب، بعد أن أوعزوا إلى أصحابهم بالتهيؤ للقتال واختاروا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمته وسرعان ما تصدى لهم الزبير وعلي وعمر رضي الله عنهم في نفر من المسلمين، تمكنوا من إجلاء الخيول المغيرة بعد أن قتل علي رضي الله عنه قائدها عمرو بن عبد ود «1» .

كما جرت محاولات عديدة للتسلل إلى داخل المدينة من أماكن أخرى ولقد تمكنت كتيبة قرشية شديدة المراس من التوغل في معسكر المسلمين إلا أنهم تصدوا لها واشتبكوا معها في قتال استغرق معظم النهار وجزآ من الليل واضطروها أخيرا إلى الانسحاب.. وحاولت قوة من الفرسان بقيادة خالد بن الوليد أكثر من مرة أن تنتهز غرة من المسلمين لإيجاد موضع قدم في الداخل، إلا أن المسلمين كانوا يردونها بالحجارة والنبال على أعقابها، هذا بينما ظلت طلائع الأحزاب تتجول ليلا باحثة عن منفذ تنساب منه إلى قلب المدينة لتطويق المسلمين من الخلف ولكن دون جدوى «2» .. وكل الضحايا الذين سقطوا خلال أيام الحصار لا يجاوزون العشرة من الطرفين «3» .

لم يكن حصار المشركين وحده هو الذي يضيق الخناق على المسلمين بل كان هنالك من الداخل ما يزيدهم إرهاقا وخوفا وعناء.. الأقوات القليلة المتناقصة يوما بعد يوم، وشبح الجوع الذي لا يرحم «4» ، والبرد القارص في ليالي

__________

(1) ابن هشام ص 217- 218 الطبري 2/ 573- 574 ابن سعد 2/ 1/ 48- 49 الواقدي 2/ 470- 472 البلاذري: أنساب 1/ 345.

(2) ابن سعد 2/ 1/ 49 وانظر: الواقدي: 2/ 464- 469، 472- 473، 474.

(3) الواقدي 2/ 495- 496.

(4) انظر الواقدي 2/ 465، 475- 476، 489.

الشتاء الطويلة «1» ، والحرب النفسية العاتية التي شنتها جيوب المنافقين في صفوف المسلمين مخذلة معوقه مخوفة.. والسهر القاسي في الليالي الطويلة حتى أن محمد بن مسلمة قال: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه الله «2» ، ثم جاء انتقاض بني قريظة علامة خطر أكيدة لمعسكر المسلمين الصامد، فعظم البلاء واشتد الخوف حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يسمح لأحد من أصحابه بالتوجه إلى داخل المدينة ألا وهو يحمل سلاحه حذرا من غدر بني قريظة «3» ، وعن أيام المحنة تلك تحدث القرآن الكريم فيما بعد: ... إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ... «4» .

نشط الرسول صلى الله عليه وسلم في العمل على كل الجبهات العسكرية والنفسية لبعث روح المقاومة والصمود في صفوف أتباعه المتعبين القلقين، فراح يرفع معنوياتهم وينفخ فيها الأمل بالنصر في اللحظات التي تتعرض فيها لليأس المرير. إنه، وهم يحفرون الخندق، يؤملهم بأن خيولهم ستطأ في يوم قريب عواصم العالم القديم وستتهاوى تحت وقع سنابكها عروش كسرى وقيصر، وستمرغ بأسيافهم أنوف كانت تستعلي على الناس زيفا وخديعة وكذبا.

وعندما تجيء الأخبار مؤكدة نبأ انتقاض بني قريظة، ينادي: الله أكبر.

أبشروا يا معشر المسلمين «5» ويعدهم بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه في يوم من الأيام. وزادهم معنوية وصمودا تلك الأمثلة العالية من التضحية والصبر والبطولة ضربها بعض أخوانهم فالتمعت في قلب المحنة شررا تحرك المقاتلون على ضوئه إلى أهدافهم، دفاعا عن المصير الذي صاغوا بدمائهم وأعصابهم جوانب منه، وسينطلقون فيما بعد لإتمام صياغته إيمانا واحتسابا.

وعلى الجبهة العسكرية لم يدع الرسول وأصحابه ثغرة ينفذ منها العدو ولا ترك جانبا يمكن أن يعزز خطة الدفاع والمقاومة إلا اعتمده ونفذه بسرعة، وها هو

__________

(1) انظر الواقدي 2/ 463، 475- 476، 489.

(2) الواقدي 2/ 468.

(3) الواقدي 2/ 474.

(4) سورة الأحزاب: الآيتان 10- 11.

(5) ابن هشام ص 215 الطبري 2/ 572.

الآن يسعى إلى تفتيت جبهة الأحزاب وبدون ذلك لا يتحقق النصر ولا يزول الخطر.. فيبعث إلى قائدي غطفان وبني مرّة ويغريهما بثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما ويتخليا عن الحصار، وانتهت اتصالاته بهما إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين، تعمد الرسول أن يؤجل توقيعها ريثما يستشير قادة الأنصار أصحاب المدينة، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعرض عليهما الأمر فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم ... والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر، فأجاب سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحى ما فيها وقال: ليجهدوا علينا! ومن ثم اطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رغبة أصحابه عامة والأنصار خاصة في الصمود حتى النهاية بوجه الأحزاب «1» .

لم يأل الرسول جهدا لتحقيق هدفه في تفتيت جبهة الأحزاب وتقطيع الرباط الذي يشد بعضها إلى بعض لا سيما ذلك الذي يوحد بين الوثنية في الخارج ويهود قريظة في الداخل، إذ أن أي تنسيق يحدث بين الطرفين سيمنح المشركين طريقا أمينا يختارونه عبر أحياء بني قريظة إلى قلب المدينة، وهنالك تقع الكارثة ويجد المسلمون أنفسهم وهم محاطون بالاف المشركين يجوبون ديارهم ويعملون فيهم قتلا وأسرا وتشريدا.

وما لبثت العناية الإلهية أن ساقت إليه رجلا قد أسلم حديثا يدعى نعيم بن مسعود، فعرض على الرسول خدماته قائلا: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة «2» .

__________

(1) ابن هشام ص 216- 217 الطبري 2/ 572- 573 ابن سعد 2/ 1/ 49 الواقدي 2/ 477- 480 البلاذري: أنساب 1/ 346- 347.

(2) ابن هشام ص 218- 219 الطبري 2/ 578 الواقدي 2/ 480- 481.

غادر نعيم بن مسعود معسكر المسلمين صوب بني قريظة، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليهم وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهائن من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه!! .. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج نعيم حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من زعماء مكة: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغه لكم، نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ إليك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.. واتجه نعيم بعد ذلك إلى غطفان وأقنعهم بما أقنع به قريشا «1» .

وفي ليلة السبت من شوال السنة الخامسة للهجرة أرسلت قريش وغطفان عكرمة بن أبي جهل في نفر من القبيلتين إلى بني قريظة لكي يقولوا لهم إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسل لهم اليهود، إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهائن من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإننا نخشى إذا ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تذهبوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه «2» !.

__________

(1) ابن هشام ص 219- 220 الطبري 2/ 578- 579 الواقدي 2/ 481- 482.

(2) ابن هشام ص 220 الطبري 2/ 579 ابن سعد 2/ 1/ 49- 50 الواقدي 2/ 482- 485.

فلما عاد الوفد الوثني وأخبر قريشا وغطفان بما دار من حديث مع بني قريظة ازداد يقين القبيلتين بما قاله نعيم بن مسعود وأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا. وعندما بلغ بني قريظة ذلك، قال زعماؤها: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن سنحت لهم الفرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فكان جوابهم لقريش وغطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهائن، فأبى المشركون الاستجابة لطلبهم وتحقق بذلك هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من تفتيت الجبهة الوثنية- اليهودية، وكان ذلك بداية النصر الذي بدأ يلوح في الأفق في أعقاب حصار جاوز العشرين يوما.

ولما كان المسلمون قد استكملوا جدهم في العمل والصمود فإن نصر الله المباشر سرعان ما تنزل رياحا شتائية شديدة البرودة سلطها الله سبحانه على معسرات المشركين فراحت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم وتنزع خيامهم، فلم يعد يقرّ لهم معها قرار.. وحينذاك بعث الرسول صلى الله عليه وسلم صحابيا موثوقا من كبار أصحابه هو حذيفة بن اليمان لكي يتسلل إلى معسكرات المشركين ويطّلع على جلية الأخبار.

ويحدثنا حذيفة نفسه عن المهمة التي كلف بها: «دعاني الرسول صلى الله عليه وسلم ليلا وقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدث شيئا حتى تأتينا، فذهبت ودخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. وقام أبو سفيان وقال: يا معشر قريش لينظر كل امرىء من جليسه؟ فأخذت بيد الرجل الذي كان بجانبي فقلت له: من أنت؟

فقال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش والله إنكم ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام وأطلق عقال جمله، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي ألاأحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت لقتلته بسهم لكني عدت وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر..» .

وعندما سمعت غطفان بما فعلت قريش قفلت هي الآخرى عائدة إلى بلادها «1» . ومد المسلمون أبصارهم فجر اليوم التالي إلى ما وراء الخندق فلم يروا أحدا فعرفوا آنذاك إن مقاومتهم التي جاوزت العشرين يوما قد آتت ثمارها، وأن إيمانهم قد صمد لأخطر محنة جابهوها طيلة حياة الكدح والمطاردة والحرب والكفاح.. ليس هذا فحسب، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن الموقف العسكري إزاء الوثنية قد تبدل أساسا وانقلب من الدفاع إلى الهجوم فقال مخاطبا جموع المقاتلين عند الخندق: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم «2» .

ومن الحق أن يعتبر ارتداد الأحزاب عن المدينة نصرا عظيما، ولا نرتاب في أنه كان ذا أثر كبير فيما تم من تعالي الإسلام وانتشار قوته ودعوته فيما بعد..

وإنه كان لهذا الارتداد أثره السلبي والإيجابي في آن واحد، إذ جعل العرب المتربصين والأعداء والمنافقين يرون في هذه النتيجة دلالة النصر الرباني والقوة المعنوية العظيمة فيقفون عند حدهم. ولم يفكر المكيون بعد بمتابعة عدوانهم «3» ، ولم يعد في الإمكان بعد هذا اليوم أن يتجمع خصوم المدينة على هذه الصورة، فقد أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية، كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين «4» .

__________

(1) ابن هشام ص 220- 222 الطبري 2/ 579- 581 ابن سعد 2/ 1/ 50 الواقدي 2/ 487- 491.

(2) ابن هشام ص 233 الطبري 2/ 593 البخاري: تجريد 2/ 82. وعن الآيات المتعلقة بمعركة الخندق انظر: سورة الأحزاب: الآيات 9- 27.

(3) دروزة 2/ 245- 246.

(4) الشريف: مكة والمدينة ص 458. وعن سرايا ما بعد الخندق أحيل القارىء إلى ابن سعد 2/ 1/ 56- 68 الواقدي 2/ 531- 571 والمسعودي: التنبيه ص 218- 221.



كلمات دليلية: