غزوة الأحزاب (الخندق) من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

غزوة الأحزاب (الخندق) من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

غزوة الخندق

«6»

لم يقرّ لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها، بل كان في نفوسهم دائما أن يأخذوا ثأرهم، ويستردّوا بلادهم، فذهب جمع منهم إلى مكّة، وقابلوا رؤساء قريش، وحرّضوهم على حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومنّوهم المساعدة، فوجدوا منهم قبولا لما طلبوه، ثم جاؤوا إلى قبيلة غطفان وحرّضوا

__________

(1) وفي المسند من حديث عائشة أنه لما أنزل الله براءتها قام إليها أبو بكر، فقبل رأسها، فقالت له: هلّا كنت عذرتني، فقال: أي سماء تظلني وأني أرض تقلني، إن قلت بما لا أعلم.

(2) كانت زوج مصعب بن عمير فقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبد الله، فولدت له محمّدا وعمرا. وقال أبو عمر: كانت من المبايعات وشهدت أحدا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم، وهي والدة محمد بن طلحة المعروف بالسجاد.

(3) كان اسمه عوفا وأما مسطح فهو لقبه وأمه بنت خالة أبي بكر أسلمت وأسلم أبوها قديما، فحديث الإفك ثبت في الصحيحين في حديث عائشة الطويل في الإفك، وفي الخبر الذي أخرجه أبو داود من وجه اخر عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جلد الذين قذفوا عائشة وعده منهم، ومات مسطح سنة 34 في خلافة عثمان.

(4) ولا يحلف.

(5) سورة النور اية 22 وقد روى هذه القصة الشيخان بالسند عن عائشة.

(6) كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن اسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه. قال البيهقي: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة، لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس، والصحيح قول الجمهور: إن أحدا في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم.

رجالها كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوجدوا منهم ارتياحا، فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعددهم أربعة الاف معهم ثلاثمائة فرس وألف بعير.

وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفرا، فإنه كما قدّمنا أقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه، حتى إذا سمن خفّه وحافره، قام يقود الجيوش لحرب من أنعم عليه، وكان معه ألف فارس. وتجهّزت بنو مرّة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة، وتجهّزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود ابن رخيلة «1» ، وتجهّزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبعمائة، وتجهّزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة الاف محارب قائدهم العام أبو سفيان. ولمّا بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هاته التجهيزات، استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرّار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمر عليه الصلاة والسلام المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها. أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكّن العدو من الحرب جهتها، وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام، فكان ينقل التراب متمثّلا بشعر ابن رواحة:

اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا «2»

وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندا ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على المدينة وعدّتهم ثلاثة الاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال «3» ، وأما غطفان

__________

(1) في الأصل أبو مسعود وهو خطأ وفي الإصابة وأسد الغاية مسعود بن رخيلة الأشجعي ثم أسلم فحسن اسلامه

(2) في البخاري وفي رواية أخرى عن البراء فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ثم ذكر الرجز السابق.

(3) الموضع الذي تجتمع فيه السيول.

فنزلت جهة أحد، وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليه أكره جماعة منهم على اقتحام الخندق، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن ود واخرون، وقد برز عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن ود فقتله وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله فاندقت عنقه ورمي «1» سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أكحله وهو شريان الذراع واستمرّت المناوشة والمراماة بالنبل يوما كاملا حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، وجعل عليه الصلاة والسلام على الخندق حرّاسا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة «2» فيه مع شدّة البرد، وكان عليه الصلاة والسلام يبشّر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدّة ما تكنّه ضمائرهم حتى قالوا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً «3» وانسحبوا قائلين: إنّ بيوتنا عورة نخاف أن يغير عليها العدو وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً «4» ، واشتدّت الحال بالمسلمين، فإنّ هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة، والذي زاد الشدّة عليهم ما بلغهم من أنّ يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود، وسبب ذلك أنّ حييّ بن أخطب سيد بني النضير المجليّين توجّه إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، وكان له كالشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، فحسّن له نقض العهد، ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين، ولمّا بلغت هذه الأخبار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسل مسلمة بن أسلم «5» في مائتين، وزيد ابن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري، وأرسل الزبير ابن العوّام يستجلي له الخبر، فلمّا وصلهم وجدهم حانقين يظهر على وجوههم الشرّ، ونالوا من رسول الله والمسلمين أمامه، فرجع وأخبر الرسول بذلك.

وهنالك اشتدّ وجل المسلمين وزلزلوا زلزالا شديدا، لأنّ العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنّوا بالله الظنون،

__________

(1) رماه رجل من قريش يقال له حيان بن العرفة.

(2) فرجة المكسور والمهدوم.

(3) سورة الأحزاب اية 12.

(4) سورة الأحزاب اية 13.

(5) قتل يوم جسر أبي عبيد.

وتكلّم المنافقون بما بدا لهم، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يرسل لعيينة بن حصن، ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان، فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون منّا إلّا قليلا من ثمارنا ونحن كفار، أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها؟! وإذا أراد الله العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون. فانظر إلى هذه العناية من الله للمتمسكين بدينه القويم.

جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وهو صديق قريش واليهود ومن غطفان، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال: أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذّل عنّا ما استطعت فإن الحرب خدعة «1» .

,

الخدعة في الحرب

فخرج من عنده وتوجّه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين، فلمّا رأوه أكرموه لصداقته معهم فقال: يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم، وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عنّي، قالوا: نعم، فقال: لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا مثلكم فهم إذ رأوا فرصة انتهزوها وإلّا انصرفوا لبلادهم. وأما أنتم فتساكنون الرجل يريد الرسول ولا طاقة لكم بحربه واحدكم فأرى ألاتدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا منهم، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.

ثم قام من عندهم وتوجّه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم، وقال: أنتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إيّاكم وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نفعل، فقال لهم: إنّ بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعا من أشرافهم ونعطيهم لك، وتردّ جناحنا الذي كسرت- يريد بني النضير- فرضي بذلك منهم. وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفا. ثم أتى غطفان

__________

(1) فتح الخاء وضمها والفتح أفصح.

فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشا فأرسل أبو سفيان وفدا «1» لقريظة يدعوهم للقتال غدا فأجابوا: إنّا لا يمكننا أن نقاتل في السبت وكان إرساله لهم ليلة السبت- ولم يصبنا ما أصابنا إلّا من التعدّي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا، وتذهبوا إلى بلادكم «2» ، فتحققت قريش وغطفان كلام نعيم بن مسعود، وتفرّقت القلوب فخاف بعضهم بعضا. وكان عليه الصلاة والسلام قد ابتهل إلى الله الذي لا ملجأ إلّا إليه ودعاه بقوله: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم» «3» وقد أجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام فأرسل على الأعداء ريحا باردة في ليلة مظلمة، فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم في الليلة المدلهمّة «4» فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح. ولمّا سمع عليه الصلاة والسلام الضوضاء في جيش العدو، قال لأصحابه: لا بدّ من حادث. فمن منكم ينظر لنا القوم؟ فسكتوا حتى كرّر ذلك ثلاثا. وكان فيهم حذيفة بن اليمان، فقال عليه الصلاة والسلام:

تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب! فقال: يا رسول الله البرد شديد، فقال: اذهب في حاجة رسول الله واكشف لنا خبر القوم فخاطر رضى الله عنه بنفسه في خدمة نبيّه حتى اطّلع على جليّة الخبر، وأن الأعداء عازمون على الرحلة «5» .

,

هزيمة الأحزاب

وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرّف كلّ منكم أخاه، وليمسك بيده حذرا من أن يدخل بينكم عدو، وقد حلّ عقال بعيره يريد أن يبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أمية: إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي، فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل، وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمّة التي تحزّب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين، ولولا لطف الله وعنايته

__________

(1) عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان.

(2) رواه ابن اسحاق في المعنى.

(3) ثبت في الصحيحين.

(4) أدلهم الظلام إذا اشتد.

(5) رواه مسلم في صحيحه عن يزيد عن أبيه وقد رواه الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل.

بهذا الدين منّة منه وفضلا لساءت الحال. وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة، وكان حقا على الله أن يسمّيه نعمة بقوله في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً «1» .


ملف pdf

كلمات دليلية: