غزوة أحـد_679

غزوة أحـد


المبحث الرابع: موقف المنافقين في أحد

روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطبري من حديث زيد1 بن ثابت رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنَزلت2: {فَمَا

__________

1 زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو وبذال معجمة، الأنصاري النجاري، أبو سعيد وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، (ت45 أو 47) وقيل بعد الخمسين /ع. التقريب 1/ 272.

2 قوله: فنَزلت: فما لكم في المنافقين فئتين الخ: قال ابن حجر: "هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ ن قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بمن يؤذيني؟ " فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" قال ابن حجر: "وفي سبب نزولها قول آخر: أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه "أن قوماً أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم فقال بعضهم: نافقوا،، وقال بعضهم: لا، فنَزلت" وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فتح الباري 7/ 356 قلت: الراجح أنها نزلت في رجوع عبد الله ابن أبي وأصحابه يوم أحد ويدل عليه سياق الحديث حيث ذكر الخروج إلى أحد ورجوع ناس ممن خرج معه صلى الله عليه وسلم ثم عقب بنزول الآية، وقد بينت روايات المغازي أن هؤلاء الناس هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقد رجح هذا القول الشوكاني، فقد أورد حديث زيد بن ثابت وقال: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك وأشار ابن كثير إلى رواية ابن أبي حاتم المصرح فيها بأن الآية نزلت في شأن قصة الإفك، ثم قال: وهذا غريب. انظر فتح القدير للشوكاني 1/ 497 وتفسير ابن كثير 1/ 533.

وأورد الطبري الأقوال المتقدمة وغيرها، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه".

انظر تفسير الطبري 5/ 194. والظاهر في السبب هو ما قدمنا ترجيحه.

لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّه أَرْكَسَهُمْ1 بِمَاكَسَبُوا} 2، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي 3 النار خبث الفضة" 4.

قال ابن حجر: "قوله رجع ناس ممن خرج معه: يعني عبد الله بن أبي

__________

1 أركسهم: أي ردهم إلى كفرهم، مختار الصحاح ص 254.

2 سورة النساء، الآية: 88، وتمامها: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} .

3 قوله: "تنفي الذنوب": كذا وقع هنا وتقدم في فضائل المدينة: "تنفي الرجال" وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، قال ابن حجر: "وهو المحفوظ والحديث في هذه المواضع الثلاثة من طريق شعبة"، وتقدم في فضائل المدينة من حديث جابر بن عبد الله "المدينة كالكير تنفي خبثها" وفي حديث أبي هريرة "تنفي الناس" هذه الألفاظ كلها عند البخاري -قال ابن حجر: وأخرج حديث زيد بن ثابت مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه البخاري في التفسير من طريق غندر المذكور ثم قال ابن حجر: "وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق حديث جابر بلفظ "تنفي خبثها"" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة (تخرج الخبث) ثم قال ابن حجر: "ورواية "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ: "الخبث" بل هي مفسرة للرواية المشهورة- يعني تنفي الخبث- بخلاف "تنفي الذنوب" ثم قال ابن حجر:" ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره "تنفي أهل الذنوب" فيلتئم مع باقي الروايات". انتهى بتصرف. فتح الباري4/ 97 و7/ 356.

4 البخاري 5/ 80 كتاب المغازي باب غزوة أحد و 3/ 20 كتاب الحج (باب المدينة تنفي الخبث) و3/ 19 (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) و6/ 39 كتاب التفسير وأخرجه مسلم 8/ 121 (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) و4/ 120 كتاب الحج في صيانة المدينة من دخول الطاعون، والترمذي 4/ 306 التفسير.

والنسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار عن غندر به، انظر تحفة الأشراف للمزي 3/ 219- 220. وأحمد 5/ 184 والطبري في التفسير 5/ 192.

وأصحابه"، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال: عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس.

قال ابن إسحاق في روايته: "فاتبعهم عبد الله بن عمورو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال: أبعدكم الله"1.

قلت: رواية ابن إسحاق المشار إليها خلاصتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بوصول قريش ونزولها في أطراف المدينة قال للمسلمين: "إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا2 ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها بالمدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: "يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدونا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا" فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى خرج في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: "أطاعهم

__________

1 فتح الباري 4/ 97 و7/ 356 و8/ 257.

2 وعند أحمد في مسنده 3/ 351 "ورأيت بقرا منحرة" وفي المستدرك 2/ 129 "ورأيت بقرا تذبح".

وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس"، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: "يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر عن عدوهم" فقالوا: "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال"، قال: "فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم"، قال: "أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه"1.

قلت: الحديث مرسل لأنه من رواية الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وحصين بن عبد الرحمن وهؤلاء لم يحضروا القصة، وهو من هذه الطريق عند الطبري وابن كثير2.

ووصله أحمد من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله نحوه3.

وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي4.

قال ناصر الدين الألباني: "حديث أحمد على شرط مسلم، غير أن فيه أبا الزبير، مدلس وقد عنعنه. وحديث البيهقي إسناده حسن، وأشار إلى حديث الحاكم وتصحيحه له، وموافقة الذهبي له، ثم قال: الحديث صحيح"5.

وهكذا فقد صح أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضعفاء، وسحبهم ثلث جيش المسلمين، الذي خرج للتصدي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع - وكأن المسلمين خرجوا للنزهة - مع أنهم يعتقدون أن القتال حاصل لا محالة،

__________

1 سيرة ابن هشام 2/ 60- 64.

2 تاريخ الطبري 2/ 499- 503 وتفسير ابن كثير 1/ 425.

3 مسند أحمد 3/ 351.

4 المستدرك 2/ 128- 129 وحديث البيهقي أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية 4/ 11.

5 حاشية فقه السيرة للغزالي، ص 269.

وهو صريح قول ابن أبي "أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس" ولكنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإنما الذي صدهم عن الانضمام مع كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} ، [سورة آل عمران، الآية: 167] .

قال ابن كثير: "في قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم} ، يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا {لَو نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُم} ، فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة"1.

__________

1 تفسير ابن كثير 1/ 425.



كلمات دليلية: