غزوة أحـد_13018

غزوة أحـد


غزوة أحد

وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.

__________

ثم غزوة أحد:

بضم الهمزة والحاء وبالدال المهملتين: قال المصباح: مذكر مصروف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهم البقعة فيمنع، وليس بالقوي، "وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها" لأن بين أوله وبين بابها المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل تزيد يسيرا.

كما حرره الشريف السمهودي قائلا: تسمح النووي في قوله: على نحو ميلين، قلت: لكن عادتهم في مثل ذلك عدم الجزم بالتحديد للاختلاف في قدر الميل، فيقولون: على نحو،

وسمي بلك لتوحده وانقطاعه عن جبال آخر هناك، ويقال له: ذو عينين، قال في القاموس: بكسر العين وفتحها مثنى، جبل بأحد. انتهى.

وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: "أحد جبل يحبنا ونحبه"

__________

وشبهه "وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه" تفسيري، "عن جبال آخر هناك" كما قاله السهيلي.

قال: أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد، وقال ياقوت في معجم البلدان: هو اسم مرتجل لهذا الجبل، وهو أحمر "ويقال له: ذو،" أي: صاحب "عينين"، لمجاورته لجبل يسمى عينين.

"قال في القاموس" ما نصه: وعينين، "بكسر العين" المهملة "وفتحها مثنى" على كل منهما لا بفتح العين، وسكون الياء وكسر النون الأولى، كما قال المطرزي وعليه فليس مثنى "جبل بأحد" وقف عليه إبليس، فنادى: أن محمدًا قد قتل، "انتهى".

نص القاموس بقوله وقف إلى آخره، وفي البخاري ومسلم: وعينين، جبل بجبال أحد بينه وبينه واد. قال في الفتح: حيال بحاء مهملة مكسورة بعدها تحتية خفيفة، أي: مقابله، وهو تفسير من بعض الرواة، لقول وحشي خرج الناس عام عينين، والسبب في نسبه وحشي العام إليه دون أحد، أن قريشا نزلوا عنده.

قال ابن إسحاق: فنزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي، مقابل المدينة، انتهى. و"هو" أي: أحد، كما قال في الفتح والعيون والنور وغيرها لا عينين، كما زعم من وهم، "الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام" كما أخرجه الشيخان عن أنس والبخاري عن سهل بن سعد "أحد".

وفي رواية لهما أيضا عن أنس: أن أحدا، "جبل" خبر موطئ لقوله: "يحبنا،" حقيقة كما رجحه النووي وغيره، وقد خاطبه صلى الله عيه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: "أسكن أحد.." الحديث، فوضع الله الحب فيه، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، وكما وضع الخشية في الحجارة التي قال فيها: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} وكما حن الجذع لمفارقته صلى الله عليه وسلم، حتى سمع الناس حنينه فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر والشجر، وسبحت الحصاة في يده، وكلمه الذراع، وأمنت حوائط البيت وأسكفه الباب على دعائه، إشار إلى حب الله إياه صلى الله عليه وسلم، حتى أسكن حبه في الجماد، وغرس محبته في الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته، "ونحبه" حقيقة؛ لأن جزاء من يحب أن يحب، ولكونه كما قال الحافظ: من جبال الجنة، كما في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا: "أحد جبل يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة"، أخرجه أحمد، انتهى.

تنبيه:

وقيل: وفيه قبر هارون، أخي موسى، عليهما السلام.

__________

وروى البزار والطبراني: "أحد هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة"، أي: من داخلها، كما في الروض، فلا ينافي رواية الطبراني أيضا: "أحد ركن من أركان الجنة"؛ لأنه ركن بجانب داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره: أنه ركن باب الجنة، وقيل: هو على الحال، إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب، وضعف بما للطبراني عن أنس، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه، بكسر المهملة وبالضاد معجمة، كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل، كالعضاة يمضغ منه تبركا ولو بلا ابتلاع.

قال في الروض: ويقوى على الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"، مع أحاديث أنه في الجنة، فتناسبت هذه الآثار وشد بعضها بعضا، وقد كان عليه السلام يحب الاسم الحسن، ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سماه الله تعالى بهذا الاسم تقدمة لما أراده مشاكلة اسمه لمعناه، إذا هله وهم الأنصار نصروا التوحيد، والمبعوث بدين التوحيد، واستقر عنده حيا وميتا، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستعمل الوتر، ويحبه في شأنه كله استشعارا للأحدية، فقد وافق اسمه أغراضه ومقاصده عليه السلام قال: ومع أنه مشتق من الأحدية، فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب به منه صلى الله عليه وسلم اسما ومسمى، فخص من بين الجبال، بأن يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا انتهى. وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال، وقيل: عرفة، وقيل: أبو قيس، وقيل: الذي كلم الله عليه موسى، وقيل: قاف.

"تنبيه:" علق الشارح بجد المؤلف، ما لم يقله أحد، فرجع ضمير قوله وهو الذي قال فيه لعينين لا لأحد؛ لأنه لو كان كذلك لحتج للبيان؛ لأن أحا نص فيه وهو عجب كيف يتوهم ذلك الصادق المصدوق، يقول أحد والمتعلق بالضمائر يقول عينين، مع أن جبل آخر مقابل له، كما علمت، ولذا لم يبال المصنف تبعا لمغلطاي بإيهام ذلك؛ لأنه غير متوهم، بل قصد كغيره من أصحاب المغازي وغيرهم، تشريف الجبل الذي أضيفت إليه هذه الغزوة بالحديث الصحيح.

"وقيل: وفيه قبر هارون،" بفتح القاف وسكون الباء اسما لا بضمها، وكسر الباء لقوله: "أخي موسى عليهما السلام" وفيه: قبض، وقد كانا مرا حاجين أو معتمرين. روي هذا المعنى في حديث أسنده الزبير بن بكار في كتاب فضل المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا في الروض.

قال في الفتح: وسند الزبير في ذلك ضعيف جدا، ومنقطع وليس بمرفوع انتهى. بل في

وكانت عنده الوقعة المشهورة، في شوال سنة ثلاث بالاتفاق، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه -وقيل لسبع ليال خلون منه، وقيل وفي نصفه.

وعن مالك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة.

وكان سببها، كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود

__________

النور عن ابن دحية أنه باطل بيقين، إنما مات بنص التوراة في موضع على ساعة من مدينة جبلة من مدن الشام، انتهى. وبه تعلم أنه لا يصح الجمع، بأنه يقول للمدينة شامية، وقيل: قبره بجبل مشرف قبلي بين المقدس، يقال له: طور هارون، حكاه ياقوت في المشترك، وفي الأنوار الأكثر أن موسى وهارون ماتا في التيه، وأن موسى مات بعد هارون بسنة انتهى. وفي النور: بنحو خمسة أشهر. وقال المصنف وغيره: مات هارون قبل موسى بنحو أربعين سنة، "وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث بالاتفاق" أي: باتفاق الجمهور، كما عبر به في الفتح قائلا، وشذ من قال سنة أربع، ولعله لشذوذه لم يعتد به فحكى الاتفاق "يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه،" عند ابن عائذ، كما في العيون وابن إسحاق، كما في الفتح، "وقيل: لسبع ليال خلون منه" قاله ابن سعد.

زاد في الفتح، وقيل: لثمان، "وقيل": لتسع، "وفي نصفه" جزم به إسحاق في رواية ابن هشام، عن زياد عنه قال: وكان يوم السبت.

"وعن مالك" الإمام كانت "بعد بدر بسنة" قال الحافظ: وفيه تجوز؛ لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر، ولم يكمل "و" لذا روى "عنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة" لكن قال شيخنا: قد مر أن انصرافه من بدر كان أول شوال، فمن لازمه أن أحدًا بعدها بسنة، كما قال مالك في شوال، وكذا قوله الآخر لا يخالف أن أحدًا في شوال؛ لأن دخول المدينة كان في ربيع الأول، الأحد وثلاثون، إذا كان ابتداؤها من دخوله عليه السلام المدينة، كان نهايتها آخر رمضان من السنة الثالثة، إذا ألغى كسر ربيع الأول، وإلا فنهايتها في أثناء شوال، فاتفقت الأقوال على أن أحدً في شوال، "وكان سببها كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه" الذين عين منهم أربعة، فقال: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ وغيرهم، "وموسى بن عقبة" بالقاف، "عن ابن شهاب" الزهري، "وأبو الأسود" المدني، يتيم عروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، الأسدي الثقة، المتوفى سنة بضع وثلاثين

عن عروة، وابن سعد، قالوا -أو من قال منهم- ما حاصله:

إن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع أبو سفيان بعيره، قال عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، في جماعة ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه -بعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في تلك العير تجارة- لعلنا أن ندرك به ثأرنا

__________

ومائة، "عن عروة" بن الزبير، "و" كما ذكره "ابن سعد، قالوا:" أرسله الجميع، "أو من قال منهم:" هذا لفظ ابن إسحاق، وهو بمعنى قول المحدثين: دخل حديث بعضهم في بعض، ومعناه: أن اللفظ لجميعهم، فعند كل ما ليس عند الآخر، وهو جائز، إن كان الجميع ثقات، كما هنا، وقد فعله الزهري في حديث الإفك، "ما حاصله" من كلام المصنف، إشارة إلى أنه لم يتقيد بلفظ واحد من الأربعة، "أن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب" خصهم لكونهم أشرافهم، وهم أربعة وعشرون، وجملة قتلى بدر سبعون، "ورجع أبو سفيان" المسلم في الفتح "بعيره".

"قال عبد الله بن أبي ربيعة" عمرو أو يقال حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أسلم في فتح مكة، وصحب، "وعكرمة بن أبي جهل" أسلم بعد الفتح، وصحب، "في" أي: "مع "جماعة" منهم: الحارث بن هشام، وحويطب بن عب العزى، وصفوان بن أمية، وأسلموا كلهم بعد ذلك رضي الله عنهم، "ممن أصيب آباؤهم" كعرمة، وصفوان، "وإخوانهم" كالحارث، وأبي جهل، "وأبناؤهم"، كأبي سفيان أصيب ابنه حنظلة "يوم بدر".

والمراد من القوم الذين أصيبوا بمن ذكر سواء كانت بالبعض أو الكل، "يا معشر قريش" إضافة حقيقية، أي: يا هؤلاء الجماعة المنسوبون إلى قريش أو بيانية أطلق على الحاضرين لأنهم أشرافهم، فلا يخالفهم غيرهم ثم القول من الجميع أو بعضهم، ونسب لهم لسكوتهم عليه، "أن محمدا قد وتركم" بفتح الواو والفوقية، قال أبو ذر: قد ظلمكم، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه.

قال الشامي كالبرهان ويطلق على النقص كقوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] ، تصح إرادته، أي: نقصكم بقتل أشرافكم، "وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال" أي: بربحه، "على حربه، يعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في ذلك تلك العير تجارة" وكانت موقوفة بدار الندوة، كما عند ابن سعد، "لعلنا أن ندرك منه ثأرنا" بمثلثة وهمزة، وتسهل الحقد،

فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار.

وفيهم -كما قال ابن إسحاق وغيره- أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] .

واجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر

__________

أي: ما يذهب حقدنا على من قتل منا بأخذ جماعة في مقابلتهم، "فأجابوا لذلك".

وعند ابن سعد: مشت أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: فأنا أول من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف. قال البلاذري: ويقال بل مشى أبو سفيان إلى هؤلاء الذين سمعوا "فباعوها" قال ابن سعد: فصارت ذهبا، قال: "وكانت" أي: الإبل الحاملة للتجارة، "ألف بعير والمال خمسين ألف دينار" فسلموا إلى أهل العير رءوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجاراتهم لكل دينار دينارا، قاله ابن سعد، وهو ظاهر في أن الربح خمسون ألفا، لكن حمله النور وتبعه الشامي، على أنهم أخرجوا خمسة وعشرين ألفا لمسيرهم لحربه صلى الله عليه وسلم وعليه ففي قوله: وأخرجوا أرباحهم، تجوز، أي: نصف أرباحهم، وقوله: وكانوا ... إلخ، مجرد أخبار.

"وفيهم كما قال اب إسحاق" عن بعض أهل العلم: قال في النور: لا أعرفه، ووقع في لباب النقول، وعن ابن إسحاق، ففيهم كما ذكر عن ابن عباس، ولعله في رواية غير البكائي عنه "وغيره أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [الأنفال: 36] ، أي: يريدون إنفاقها في حرب النبي صلى الله عليه وسلم: {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا} بالفعل، {ثُمَّ تَكُونُ} في عاقبة الأمشر {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} ندامة أو غما، لفواتها وفوات ما قصدوه، جعل ذاتها حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة، {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} في الدنيا آخر الأمر، وإن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عتيبة، تصغير عتبة الباب، قال: نزلت في أبي سفيان: أنفق على المشركين أربعين أوقية من ذهب، وأخرج ابن جرير عن ابن أبزى، وسعيد بن جبير قالا: نزلت في أبي سفيان: استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في المطمعين يوم بدر، وهم اثنا عشر رجلا من قريش، أطعم كل واحد منهم كل يوم عشرة حزر. "واجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال ابن إسحاق: بأحابيشها، ومن أطاعها من قبل كنانة، وأهل تهامة، وكان خروجهم من مكة لخمس مضين من شوال، "وكتب" كما قال ابن سعد "العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر

رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة.

وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر.

ورأى صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "والله إني قد رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع

__________

رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم" وبعثه مع رجل من بني غفار، وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها، فقدم عليه وهو بقباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، واستكتم أبيا، ونزل صلى الله عليه وسلم على سعد بن الربيع، فأخبره بكتاب العباس، فقال: والله إني لأرجو أن يكون خيرا، فاستكتمه، "وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة.

قال ابن إسحاق: حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابله المدينة. وقال المطرزي: فنزلوا بدومة من وادي العقيق، يوم الجمعة، وقال ابن إسحاق والسدي: يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، فأقاموا بها الأربعاء والخميس والجمعة، وقال ابن إسحاق والسدي: يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، فأقاموا بها الأربعاء، والخميس والجمعة، فخرج إليهم صلى الله عليه وسلم فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، هكذا نقله البغوي عنهما، ولعله في رواية غير البكائي، عن ابن إسحاق أو هو مما انفرد به السدي عنه، "وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر" لما سمعوه من أخباره صلى الله عليه وسلم، بفضل من شهدها وعظيم ثوابه، فودوا غزوة ينالون بها مثل ما ناله البدريون، وإن استشهدوا.

"ورأى" وفي نسخة: وأرى بالبناء للمفعول "صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة" كما عند ابن عقبة وابن عائذ، "رؤيا" بلا تنوين، "فلما أصبح، قال: "والله إني قد رأيت خيرا".

وفي الصحيح: "ورأيت فيها بقرا، والله خير". قال الحافظ: مبتدأ وخبر، بتقدير وصنع الله خير، وقال السهيلي: معناه والله عنده خير، وهو من جملة الرؤيا، كما جزم به عياض وغيره، انتهى. ولذا فسره صلى الله عليه وسلم، فقال: "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير"، كما رواه البخاري.

وفي رواية ابن إسحاق: "رأيت والله خيرا"، "رأيت بقرا"، بفتح الموحدة والقاف، جمع بقرة، استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا رأيت؟، فقال: رأيت بقرا "تذبح ورأيت في ذباب" بمعجمة فموحدة، طرف "سيفي" الذي يضرب به، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: "رأيت سيفي ذا الفقار قد انفصم صدره"، وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقي في الدلائل من حديث أنس قاله في الفتح، "ثلما" بمثلثة مفتوحة فلام ساكنة، أي: كسرا، "ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة" أنث الصفة؛ لأن الدرع مؤنثة، وبقي من الرؤيا شيء لم يذكر هنا، وهو ما رواه أحمد عن أنس رفعه: "طرأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا"، وكان ضبطة سيفي انكسرت، فأولت يأني

حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل".

وقال موسى بن عقبة، ويقول رجال: كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، يومئذ، وكسروا رباعيته، وجرحوا شفته.

__________

أقتل صاحب الكتيبة، وكبش القوم سيدهم، فصدق الله رسوله الرؤيا، فقتل علي رضي الله عنه طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين يومئذ، "فأما البقر" جواب لقولهم، كما في رواية قالوا: ما أولتها؟ قال: البقر، "فناس من أصحابي يقتلون".

وفي الصحيح: "ورأيت فيها بقرا، خير"، فإذا هم المؤمنون يوم أحد. قال السهيلي: البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين يتناطحون. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد رأى الملك بمصر البقر، وأولها يوسف بالسنين. وفي حديث ابن عباس ومرسل عروة: فأولت البقر الذي رأيت بقرا يكون فينا، قال: فكان أول من أصيب من المسلمين، وقوله: بقرا، بسكون القاف، وهو شق البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يشتق من الاسم معنى يناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإن لفظ: بقر، مثل لفظ: نفر، بالنون والفاء خطأ.

وعند أحمد والنسائي، وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث، "ورأيت بقرا منحورة"، وقال فيه: فأولت الدرع المدينة والبقر نفر، هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، انتهى. وخالفه المصنف، فضبط بقرا الثاني، بسكون القاف، فلا أدري لم خالفه، ثم لا تعارض بين الأحاديث في التأويل بالقتل أو البقر كما هو ظاهر.

"وأما الثلم"، الكسر، "الذي رأيت في" ذباب "سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل" فكان حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه، هكذا قال ابن هشام عن بعض أهل العلم مرفوعا معضلا. "وقال موسى بن عقبة: ويقول رجال" منهم عروة "كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه الشريف، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم يومئذ وكسروا رباعيته" بتخفيف الياء، أي: تثنيته اليمنى، "وجرحوا شفته" السفلى، ولعل هذا تفسير للكسر الذي أصاب صدر سيفه، وتفسيره صلى الله عليه وسلم للثلم الذي بطرفه فيكون في سيفه خلل في موضعين، فسر عليه السلام واحدًا منهما، وهؤلاء الرجال فسروا الموضع الآخر.

وفي الصحيح: "رأيت في رؤياي أني هززت سيفا فانقطع صدره"، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. قال المهلب: لما كان صلى الله عليه وسلم يصول بأصحابه، عبر عن السيف بهم وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم.

وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: "وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا، فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت".

فقال أولئك القوم، يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.

__________

"وفي رواية" عند أحمد والنسائي وابن سعد بسند صحيح، عن جابر قال: "قال عليه الصلاة والسلام:" "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر" "وأولت الدرع الحصينة المدينة" نصب بنزع الخافض، أي: بالمدينة، ووجه التأويل أنهم كانوا شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن، ولذا قال: "فامكثوا فإن دخل القوم المدينة".

وفي نسخة: الأزقة، أي: أزقة المدينة، "قاتلناهم ورموا"، بالبناء للمفعول، "من فوق البيوت" وعند ابن إسحاق: "فإن رأيت أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلو، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأية صلى الله عليه وسلم، وكان عليه السلام يكره الخروج إليهم، "فقال أولئك القوم" أي: الرجال الذين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وغالبهم أحداث، لم يشهدوا بدرا وأحبوا لقاء العدو، وطلبوا الشهادة، فأكرمهم الله يومئذ، "يا رسول الله، إنا كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا" بفتح الجيم وضم الموحدة وشد النون، فعل ماض وفاعله "عنهم".

زاد ابن إسحاق: وضعفنا، فقال ابن أبي: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إل أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعواخائبين كما جاءوا، فلم يزل أولئك القوم به صلى الله عليه وسلم وعند غيره، فقال حمزة وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك، وطائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أن كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جراءة منهم علينا.

زاد حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، وقال النعمان: يا رسول الله، لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لمه" فقال: لأني أحب الله ورسوله، وفي لفظ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ولا أفر يوم الزحف، فقال صلى الله عليه وسلم: "صدقت"، فاستشهد يومئذ فإن قيل لم عدل صلى الله عليه وسلم عن رأيه الذي

فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك.

ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل عليه الصلاة والسلام بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه وألبساه.

وصف الناس ينتظرون خروجه عليه الصلاة والسلام، فقال لهم سعد بن معاذ

__________

لا أسد منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار وابن أبي، وإن كان منافقا، لكنه من الكبار المجربين للأمور، ولذا أحضره عليه السلام واستشاره إلى رأي هؤلاء الأحداث، قلت: لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالجهاد خصوصا، وقد فاجأهم العدو، فلما رأى تصميم أولئك على الخروج، لا سيما وقد وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين، كحمزة والأنصار، كابن عبادة، ترجح عنده موافقة رأيهم، وإن كرهه ابتداء ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذا ظهر لي ولم أره لأحد. "فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد" بكسر الجيم، وشد الدال، ضد الهزل "والاجتهاد" في التأهب للقتال وإعداد الجيش، "وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا" مدة صبرهم على أمره، بأن لا يبرحو من مكانهم، فلما تأولوا وفارقوه، استشهدوا ليتخذ الله منهم شهداء، "وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك" لأنهم لا غرض لهم في الدنيا وزهرتها لما وقر في قلوبهم، وارتاحت له نفوسهم من حب لقاء الله، والمسارعة إلى جنات النعيم.

وعند ابن إسحاق: وقد مات ذلك اليوم مالك بن عمرو النجاري، فصلى عليه صلى الله عليه وسلم ويقال: بل هو محرر بمهملات، قال الأمير: بوزن محمد، وقال الدارقطني: آخره زاي معجمة، بوزن مقبل ابن عامر النجاري "ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا" بفتح المعجمة، ومضارعة بكسرها، أي: اجتمعوا، "وحضر أهل العوالي" جمع عالية، وهي القرى التي حل المدينة من جهة نجد على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وذلك أدناها وأبعدها ثمانية، وما دون ذلك من جهة تهامة، فالسافلة كما في النور، "ثم دخل عليه الصلاة والسلام بيته" الذي فيه عائشة، كما عند الواقدي وغيره، "ومعه صاحباه" دنيا وبرزخا وموقفا وحوضا وجنة، "أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه وألبساه".

قال شيخنا: الظاهر أن المراد عاوناه في لبس عمامته, ثيابه والتقليد بسيفه، غير ذلك مما تعاطاه عند إراد الخروج، "وصف" لازم بمعن اصطف "الناس" مرفوع فاعل، كما في النور ما بين حجرته إلى منبره، "ينتظرون خروجه عليه الصلاة وا لسلام، فقال لهم سعد بن معاذ" سيد

وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فردوا الأمر عليه، فخرج صلى الله عليه وسلم وقد لبس لأمته -وهي بالهمز وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا،

__________

الأوس وهو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، فهو أفضل الأنصار، قاله البرهان "وأسيد" بضم الهمزة وفتح السين المهملة، "ابن حضير" بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ويقال: الحضير باللام.

روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل، سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، "استكرهتم" بسين التأكيد، لا الطلب، أي: أكرهتم "رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج".

زاد في رواية: وقلتم له ما قلتم، والوحي ينزل عليه من السماء، "فردوا الأمر إليه" لأنه أعلم منكم بما فيه المصلحة ولا ينطق عن الهوى، ولا يفعل إلا بأمر الله، "فخرج" عطف على مقدر، أي: وانتظروه فخرج "صلى الله عليه وسلم، وقد لبس لامته وهي بالهمز، وقد يترك تخفيفا" وجمعها لام، كتمرة وتمر، ويجمع أيضا على لؤم بوزن نغر، على غير قياس؛ لأنه جمع لؤمة، قاله الجوهري، أي: بضم اللام. "الدرع" وقيل: السلاح ولامة الحرب أداته، كما في الصحاح.

وروى أبو يعلى والبزار بسند حسن، عن سعد وطلحة: أنه ظاهر بين درعين يوم أحد، قال البرهان: بالظاء المعجمة، أي: لبس درعا فوق درع، وقيل: طارق بينهما، أي: جعل ظهر إحداهما لظهر الأخرى، وقيل: عاون والظهير العوين، أي: قوي إحدى الدرعين بالأخرى في التوقي، ومنه تظاهرون ولم يظاهر بين درعين إلا في أحد وفي حنين. ذكر مغلطاي أنه ظاهر فيها بين درعين.

وفي سيرة عبد الغني روى عن محمد بن مسلمة، رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم نين درعين، درعه ذات الفضول، والسعدية، وكان سيفه ذو الفقار، تقلده يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، انتهى. "وتقلد سيفه" أي: جعل علاقته على كتفه الأيمن وهو تحت إبطه الأيسر.

وعند ابن سعد: أظهر الدرع وخرم وسطها بمنطقة من أدم، من حمائل سيفه، وتقلد السيف ألقى الترس في ظهره. وقول ابن تيمية: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم شد على وسطه منطقة، يرد برواية ابن سعد فإنه ثقة حافظ، وقد أثبته وأقره عليه اليعمري، فهو حجة على من نفاه، لا سيما وإنما نفى أنه بلغه ولم يطلق النفي، "فندموا جميعا على ما صنعوا" الطالبون للخروج على فعله، ومن لم

فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".

وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته، وندامتهم على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث.

وعقد عليه الصلاة والسلام ثلاثة ألوية:

__________

يطلب على الموافقة، أو هو قاصر على الطالبين، "فقالوا: ما كان" ينبغي "لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت،" ولابن سعد: ما بدا لك، وعند ابن إسحاق: فإن شئت فاقعد، "فقال: "ما ينبغي" قال الشامي: "أي: ما يحسن، أو ما يستقيم "لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".

وعند ابن إسحاق حتى يقاتل، زاد في رواية: "أو يحكم الله بينه وبين أعدائه"، وروى البيهقي عن ابن عباس، والإمام أحمد عن جابر رفعاه: "لا ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب، وأذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل"، وعلقه البخاري قال البرهان: وظاهره أن ذلك حكم جميع الأنبياء عليهم السلام، ولم أر فيه نقلا، قال: وفيه دليل على حرمة ذلك، وهو المشهور خلافا لمن قال بكراهته.

"وفي حديث ابن عباس عند أحمد" بن حنبل، "والنسائي" أحمد بن شعيب، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "وصححه الحاكم" محمد بن عبد الله، "نحو حديث ابن إسحاق" هذا الذي سقناه مع من ذكرناه معه أولا.

ولما كان قوله نحو: قد يقتضي خروج بعض ما ذكره من غير تعيين نص على أن فيه ما ذكره بقوله، "وفيه إشارة الني صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا" لا يخرجوا "من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته وندامتهم على ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" إن وجد من يقاتله، "وفيه: "أني رأيت أني في درع حصينة"، الحديث" وغرضه من هذا تقوية رواية ابن إسحاق، ومن ذكر معه؛ لأنها مرسلة بالحديث الموصل حكما؛ لأن ابن عباس، ما شاهد ذلك، فهو مرسل صحابي، وحكمه الموصل إلى الصواب، وقد أخرج حديث الرؤيا بنحوه الشيخان وغيرهما. "وعقد عليه الصلاة والسلام ثلاثة ألوية، لواء" للأوس، "بيد أسيد بن الحضير" باللام، للمح الأصل المنقول عنه، "ولواء

- لواء بيد أسيد بن حضير.

- ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن عمير.

- ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة.

وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين.

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.

__________

للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وقيل: بيد مصعب بن عمير" وليس بخلاف حقيقي، فإنه كان بيد علي، ثم بيد مصعب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من يحمل لواء المشركين"؟، فقيل: طلحة بن أبي طلحة، فقال: "نحن أحق بالوفاء منهم" فأخذه من علي، ودفعه إلى مصعب بن عمير، أي: لأنه من بني عبد الدار بن قصي، وكان بكر قصي، فجعل إليه اللواء، والحجابة، والسقاية، والرفادة، وكان قصي مطاعا في قومه، لا يرد عليه شيء صنعه، فجرى ذلك في عبد الدار وبنيه حتى قام الإسلام. كما أسنده ابن إسحاق، عن علي فيما مر فإلى هذا أشار عليه السلام، أي: بوفاء عهد قصي؛ لأنه لم يخالف شرعه، "ولواء الخزرج بيد الحباب" بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، فألف فموحدة، "ابن المنذر، وقيل: بيد سعد بن عبادة" سيدهم، "وفي المسلمين مائة دارع"، أي: لابس الدرع، وهو الزردية، وركب صلى الله عليه وسلم فرسه السكب على إحدى الروايتين، والأخرى أنه خرج من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، "وخرج السعدان" القائل فيهما الهاتف بمكة، فإن يسلم السعد أن يصبح محمد بمكة، لا يخشى خلاف المخالف "أمامه يعدوان" بعين مهملة، أي: يمشيان مشيا مقارب الهرولة ودون الجري، "سعد بن معاذ وسعد بن عبادة" رضي الله عنهما، حال كونهما "دارعين" مثنى دارع بوزن فاعل، والناس عن يمينه وشماله، "واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم" أي: على الصلاة بالناس، كما قاله هشام وتبعه جمع، ومقتضاه أنه لم يول أحدا للقضاء بين الناس، وكأنه لقرب المسافة، أو لأنه لم يبق فيها إلا القليل، اذين لا يتخاصمون، "وعلى الحرس تلك الليلة" التي باتها بالشيخين، تثنية شيخ موضع بين المدينة وأحد على الطريق الشرقي إلى أحد مع الحرة، "محمد بن مسلمة" الأنصاري، أكبر من اسمه محمد في الصحابة، في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، وعين المشركون لحراستهم.

عكرمة بن أبي جهل في جماعة، وروى أنه عليه السلام بعدما صلى العشاء قال: "من يحرسنا الليلة"؟ فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا، قال: "اجلس" ثم قال: "من يحرسنا"؟، فقال

وأدلج عليه الصلاة والسلام في السحر، وقد كان صلى الله عليه وسلم لما عسكر رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر،

__________

رجل: أنا، ثم قال: "من يحرسنا"، فقال رجل: أنا، قال: "اجلس" فأمر بقيام الثلاثة، فقام ذكوان وحده، فسأله عن صاحبيه، فقال: يا رسول الله، أنا كنت المجيب في كل مرة، قال: "اذهب حفظك الله"، فلبس لامته، وأخذ قوسه، وحمل سلاحه وترسه، فكان يطوف بالعسكر ويحرس خيمته صلى الله عليه وسلم.

"وأدلج عليه الصلاة والسلام" قال البرهان: اختلف اللغويون في أن أدلج مخففا ومثقلا لغتان، في سير الليل كله أو بينهما فرق، وهو قول الأكثر فأدلج بالتشديد، سار آخر الليل، وأدلج، بسكون الدال، سار الليل كله، وسار دلجة من الليل، أي: في ساعة، انتهى.

فإن قرئ المصنف بالتشديد، فقوله "في السحر" وهو قبيل الفجر، بيان للمراد من آخر الليل، وإن خفف كان بيانا لوقت السير، ويؤخذ من كلام ابن إسحاق، أنهم خرجوا من ثنية الوداع شامي المدينة.

وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط، برجال ثقات، عن أبي حميد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد، حتى إذا جاوز ثنية الوداع، فإذ هو بكتيبة خشناء، فقال: "من هؤلاء"؟ قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود، فقال: "وقد أسلموا"؟، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "مروهم فليرجعوا" فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". قال ابن إسحاق: وكان دليله صلى الله عليه وسلم أبو خيثمة الحرثي، بخاء معجمة، وياء ومثلثة، ووهمه اليعمري ومغلطاي بأن الذي ذكره الواقدي، وابن سعد، أنه أبو حتمة، والد سهل بن أبي حتمة، يعني بحاء مهملة ففوقية، زاد مغلطاي: وقول ابن أبي حاتم، كان الدليل سهل بن أبي حتمة غير صحيح، لصغر سنه عن ذلك، انتهى, "وقد كان صلى الله عليه وسلم لما عسكر" بالشيخين قال السمهودي: بلفظ تثنية شيخ اطمأن بجهة الوالج، سميا بشيخ وشيخة، كانا هناك هيأ مسجدا له صلى الله عليه وسلم صلى به في مسيره لأحد وعسكر هناك، "رد جماعة من المسلمين لصغرهم".

قال الإمام الشافعي: رد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابيا، عرضوا عليه وهم أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم. قال البرهان: يحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وكل منهما فائدة. وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عد من رده في أحد سبعة عشر، ثم أجاز اثنين منهم، "منهم: أسامة" بن زيد، "و" عبد الله "بن عمر" بن الخطاب، وما وقع في نسخة سقيمة من الشامية عمر، وبزيادة واو خطأ، لا يعول عليه، فإن ابن عمرو بن العاص لم يكن أسلم حينئذ، وكان مع أبيه.

وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر.

وكان المسلمون الخارجون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل

__________

والحديث عند أحمد، والبخاري، وأبي داود والنسائي، لابن عمر بن الخطاب، "وزيد بن ثابت" الأنصاري، "وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر" لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة، زاد اليعمري وغيره، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن عقيب، وسعد بن حبتة، وزيد بن جارية، بجيم وراء، الأنصاري، وجابر بن عبد الله: وليس بالذي يروي الحديث.

قال البرهان: وهو إما الراسبي البصري، وإما العبدي، وعمرو بن حزم ذكره مغلطاي، ورافع بن خديج ذكره الواقدي، وأوس بن ثابت الأنصاري، كذا رواه ابن فتحون، عن ابن عمر بن الخطاب، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام، فقال سمرة لزوج أمه: أجاز رافعا وردني وأنا أصرعه، فأعلمه صلى الله عليه فقال: "تصارعا"، فصرع سمرة رافعا فأجازه، وعقيب، بصم المهملة، وفتح القاف، وسكون التحتية، والموحدة، وحبتة، بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وفتح الفوقية، فتاء تأنيث، هي أمه، واسم أبيه بجير، بضم الموحدة، وفتح الجيم عند ابن سعد، وبفتحها، وكسر الحاء المهملة عند الدارقطني.

"وكان المسلمون الخارجون" معه حقيقة وظاهرا "ألف رجل"، كما عند ابن إسحاق وغيره. "ويقال: تسعمائة" حكاه مغلطاي وغيره، فلما انخذل ابن أبي بالمنافقين الثلاثمائة صاروا سبعمائة على الأول، وستمائة على الثاني، كما في النور، فغلط من زعم أن تسعمائة مصحف عن سبعمائة؛ إذ الكلام في الخارجين أولا هل ألف أو إلا مائة. قال ابن عقبة: وليس في المسلمين إلا فرس واحد، وقال الواقدي: لم يكن معهم من الخيل إلا فرسه صلى الله عليه وسلم، وفرس بي بردة.

وفي الاستيعاب، في ترجمة عباد بن الحارث بن عدي: أنه شهد أحدا، والمشاهد كلها معه عليه السلام على فرسه ذي الحزق. قال الحافظ في الفتح: وقع في الهدى، أنه كان معهم خمسون فرسا، وهو غلط بين، وقد جزم موسى بن عقبة، بأنه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي، كان معهم فرس له عليه السلام، وفرس لأبي بردة، انتهى بلفظه. "والمشركون ثلاثة آلاف رجل" كما جزم ابن إسحاق، وتبعه اليعمري. قال البرهان: وقال بعض الحفاظ: فجمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش، انتهى.

وعطف الأحابيش على الحلفاء مساو هنا؛ لأن المراد بهم، كما في العيون وغيرها بنو

فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة.

ونزل عليه الصلاة والسلام بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق

__________

المصطلق وبنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة، الذين حالفوا قريشا بذنبة حبشي، جبل بأسفل مكة، فسموا به، ويقال: هو واد بمكة، ويقال: سموا بذلك، لتجمعهم على أنهم يد واحدة على غيرهم أبدا. "فيهم سبعمائة دارع" لابس الدرع، وهكذا ذكره ابن سعد. "ومائتا فرس" قاله ابن إسحاق، "وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة" من أشرافهم. قال ابن إسحاق: خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وأن لا يفروا، بفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء، فتحتية ساكنة، ثم ظاء معجمة مفتوحة، ثم تاء تأنيث.

قال السهيلي: أي الغضب للحرم، وقال أبو ذر: الأنفة والغضب، وسمي ابن إسحاق منهن هند بنت عتبة، خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت منبه السهمية مع زوجها عمرو بن العاص، وهي أم ابنة عبد الله، وسلافة بنت سعد الأنصارية مع زوجها طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير أخي مصعب شقيقه، وخرجت عميرة بنت علقمة، ولم يسم الباقين، ونقله عنه الفتح، ولم يزد عليه.

وكذا ذكر في النور الثمانية فقط، وقد أسلمن بعد ذلك وصحبن الأخناس، وعميرة بنت مالك، فلم أر لما ذكرا في الإصابة، وقد صرح في النور، بأنه لا يعلم لهما إسلاما، "ونزل عليه الصلاة والسلام بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي" بن سلول "في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق" وقال: كما عند ابن سعد عصاني، وأطاع الوالدان ومن لا رأي له ولإبن إسحق قال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا، فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، وكان خزرجيا كابن أبي، فقال: أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم بعدما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما أبوا، قال: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيه، واعتذاره لعبد الله، بما ذكر، وإن كان كاذبا فلا ينافي قوله أطاعهم وعصاني، كما توهم؛ لأنه خطاب لقومه الذين هم منافقون مثله. قال ابن عقبة: فلما انخزل ابن أبي بمن معه، سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهما أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة، بكسر اللام، من الأوس.

وفي الصحيح، عن جابر، نزلت هذه الآية فينا: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} [آل

ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له الشوط، ويقال بأحد.

__________

عمران: 122] ، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: والله وليهما. قال الحافظ: أي: أن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم. قال ابن إسحاق: قوله والله وليهما، أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل؛ لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم في دينهم.

وفي الصحيح أيضا عن عبد الله بن زيد، لما خرج صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم. فنزل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] ، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي



كلمات دليلية: