عام الحزن

عام الحزن


خديجة رضي الله عنها

و (خديجة) مثل طيّب للمرأة التي تكمّل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبا شديدة الحساسية، ويلقون غبنا بالغا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادا كبيرا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهّد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، بله الإدراك والمعونة! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد صلى الله عليه وسلم أثر كريم.

قال ابن الأثير: «كانت- خديجة- امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، فلمّا بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الحديث، وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، ومعه غلامها ميسرة» .

وقد قبل محمد عليه الصلاة والسلام هذا العرض، ورحل إلى الشام عاملا في مال السيدة التي اختارته، ويظهر أن التوفيق حالفه في هذه الرحلة، أكثر من سابقتها مع عمّه أبي طالب، فكان ربحها أجزل، وسرّت خديجة بهذا الخير الذي أحرزته، ولكن إعجابها بالرجل الذي اختبرته كان أعمق.

... إنها امرأة عريقة النسب، ممدودة الثروة، وقد عرفت بالحزم والعقل، ومثلها مطمح لسادة قريش، لولا أن السيدة كانت تحقر في كثير من الرجال أنهم طلاب مال لا طلاب نفوس، وأن أبصارهم ترنو إليها بغية الإفادة من ثرائها، وإن كان الزواج عنوان هذا الطمع! لكنها عند ما عرفت محمدا عليه الصلاة والسلام، وجدت ضربا اخر من الرجال؛ وجدت رجلا لا تستهواه ولا تدنيه حاجة، ولعلها عند ما حاسبت غيره في تجارتها وجدت الشحّ والاحتيال، أما مع محمد صلى الله عليه وسلم فقد رأت رجلا تقفه كرامته الفارعة موقف النّبل والتجاوز، فما تطلّع إلى مالها ولا إلى جمالها! لقد أدى ما عليه ثم انصرف راضيا مرضيا.

ووجدت خديجة ضالّتها المنشودة؛ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها (نفيسة بنت منيّة) ؛ وهذه ذهبت إلى محمد عليه الصلاة والسلام تفاتحه أن يتزوّج من خديجة، فلم يبطئ في إعلان قبوله، ثم كلم أعمامه في ذلك، فذهب أبو طالب وحمزة وغيرهما إلى عمّ خديجة عمرو بن أسد- إذ إنّ أباها مات في حرب الفجار- وخطبوا إليه ابنة أخيه، وساقوا إليها الصّداق عشرين بكرة، ووقف أبو طالب يخطب في حفل الزواج قائلا: «إنّ محمدا لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وإن كان في المال قلّا، فإنما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك» فكان جواب ولي خديجة- عمّها عمرو-: «هو الفحل الذي لا يقدع أنفه» وأنكحها منه ...

وقيل: إنّ العبارة الأخيرة جرت على لسان (أبي سفيان) عند ما تزوّج محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة، وكانت الحرب بينهما على أشدّها، فاعتذر أبو سفيان عن ذلك بأن محمدا الرجل من الكفاءة بحيث يعتبر الإصهار إليه منقبة!.

والخصومة القائمة بينهما لا تنزل بقدر محمد عليه الصلاة والسلام أبدا، ونكاحه لبنت أبي سفيان لا يشين أبا سفيان أبدا، وإن كان يومئذ ألدّ عدوّ له.

,

عام الحزن

انطلق المسلمون من الشعب، يستأنفون نشاطهم القديم، بعد ما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الضخمة، وما إن تنفس المسلمون من الشدة التي لاقوها، حتى أصيب الرسول صلى الله عليه وسلم بوفاة زوجته خديجة، ثم بوفاة عمّه أبي طالب.

أي أنه نكب في حياته الخاصة والعامة معا.

إنّ خديجة من نعم الله الجليلة على محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ازرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها، وإنك لتحسّ قدر هذه النعمة عند ما تعلم أنّ من زوجات الأنبياء من خنّ الرسالة، وكفرن برجالهنّ، وكنّ مع المشركين من قومهن والهن حربا على الله ورسوله:

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) [التحريم] .

أما خديجة فهي صدّيقة النساء، حنّت على رجلها ساعة القلق، وكانت نسمة سلام وبر، رطّبت جبينه المتصبّب من اثار الوحي، وبقيت ربع قرن معه، تحترم قبل الرسالة تأمّله وعزلته وشمائله، وتتحمّل بعد الرسالة كيد الخصوم، والام الحصار، ومتاعب الدعوة، وماتت والرسول صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره، وهي تجاوزت الخامسة والستين، وقد أخلص لذكراها طول حياته.

أما أبو طالب، فإنّ المرء يحار في أمره! وبقدر ما يهتزّ إعجابا لنبله في كفالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم لبطولته في الدفاع عنه حين نبّئ، وحين صدع بأمر ربه، وأنذر عشيرته الأقربين.

إنّه- بقدر ذلك- يستغرب المصير الذي ختم حياته، وجعله يصرّح- قبل موته- أنّه على ملّة الأشياخ من أجداده.

وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لموت أبي طالب حزنا شديدا، ألم يكن الحصن الذي تحتمي به الدعوة من هجمات الكبراء والسفهاء؟! وها قد ولّى الرجل الذي سخّر جاهه وسلطانه في الذود عن ابن أخيه وكفّ العوادي أن تناله.

إن قريشا أصبحت لا تهاب في محمّد عليه الصلاة والسلام أحدا بعده.

روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «1» ، وذلك أنّهم تجرؤوا عليه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه.

وعن ابن مسعود قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس؛ فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبيّ صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهره، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت- وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم.

فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته؛ رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاث مرات، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاثا.

فلمّا سمعوا، ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته.

ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» وذكر السابع ولم أحفظه.

فو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر «2» .

لقد مضت مكة في طريق الكفر حتى أوغلت فيه، وبلغت نهايته، فهي الان تستمرئ تلويث الساجدين بالأقذار، وتتمايل- ضحكا- من منظر الأنجاس وهي

__________

(1) حديث ضعيف، أخرجه ابن إسحاق: 1/ 258، بسند صحيح عن عروة بن الزبير مرسلا.

(2) حديث صحيح، أخرجه البخاري: 1/ 278- 280، 471؛ ومسلم: 5/ 180؛ والنسائي: 1/ 51؛ وأحمد، رقم (3722، 2723، 3775، 3962) والقائل: (وذكر السابع ولم أحفظه) هو أبو إسحاق، وهو السبيعي كما صرّح بذلك مسلم في روايته، وقد سمّي السابع (عمارة بن الوليد) في رواية البخاري وأحمد، راجع فتح الباري.

تسيل على كتفي المصلي، لم يبق في هذه القلوب مكان لذرة من الخير.

والبنت- في المجتمع العربي- تعيش في كنف أبيها، وتفخر بقوته، وتأنس بحمايته. وممّا يحزّ في قلب الرجل أن يرى نفسه في وضع تدفع عنه ابنته، وتشعر بالعجز وقلّة الناصر، وقد كظم محمّد صلى الله عليه وسلم على ألمه، وتحمّل في ذات الله ما لقي، إلا أنّه أخذ يفكّر في التوجّه برسالته إلى قرية أخرى، علّها تكون أحسن قبولا، وأقرب استجابة؛ فاستصحب معه زيد بن حارثة، وولّى وجهه شطر (ثقيف) يلتمس نصرتها..



كلمات دليلية: