صلح الحديبية_9148

صلح الحديبية


غزوة الحديبية

«2»

كانت سنة ست من الهجرة، في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح «3» .

__________

(1) - الطبقات الكبرى (2/ 93، 94)

(2) - الطبقات الكبرى (2/ 95) وجوامع السيرة النبوية لابن حزم ص 164 وزاد المعاد لابن قيم الجوزية (3/ 286) وتاريخ الطبري وابن سيد الناس (2/ 113) وشرح المواهب (2/ 179) .

(3) - وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشام بن عروة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال. وهذا وهم لا دليل عليه، بل إنه منقوض لأن غزوة الفتح كانت في رمضان.

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية» «1» .

كان معه صلى الله عليه وسلم ألف وخمسمائة على أكثر الأقوال وقيل كانوا ألفا وثلاثمائة، وقيل غير ذلك والصواب هو ألف وخمسمائة وغير ذلك وهم لا دليل عليه.

ولما شعر القرشيون بذلك استنفروا وأجمعوا أمرهم لصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام قد خرج بمن معه من الأنصار والمهاجرين، ومن اتبعه من العرب، وساق الهدى، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة؛ ليعلم أنه لم يخرج لحرب.

تقدم المشركين خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، فورد خبر ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعسفان، فسلك طريقا خرج منه في ظهورهم، وكان دليلهم فيه رجل من أسلم، وذلك ذات اليمين بين ظهري الحمض، في طريق أخرجه على ثنية المرار وهي مهبط الحديبية من أسفل مكة، فلما نما ذلك إلى علم القرشيين بقيادة خالد بن الوليد؛ كرّوا.

فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك المكان من الحديبية بركت الناقة، فقال الناس:

خلأت- أي حرنت- فقال صلى الله عليه وسلم: ما خلأت- وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك، فقيل له: يا رسول الله، ليس بالوادي ماء، فأخرج سهما من كنانته، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء «2» حتى كفى جميع أهل الجيش، وقيل إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير ابن يعمر

__________

(1) - حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح، ومسلم (1253) ، وأبو داود والترمذي في جامعه الصحيح (815) والإمام أحمد في المسند (3/ 134) .

(2) - جاش بالرواء: فاض بالماء الكثير.

بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أقصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .

ثم سعى الفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الكفار من القرشيين، حتى أتاه سهيل بن عمرو، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتاه معتمرا، ثم دخل مكة وأصحابه بلا سلاح، حاشا السيوف في القرب فقط. فيقيم بها ثلاثا لا مزيد عليها، على أن يتم بينهما الصلح الموصول لمدة عشرة أعوام يخالط الناس بعضهم بعضا ويداخلون بعضهم البعض آمنين، ولكن هذا مشروط بأن من يأتي المسلمين من الكفار مسلما يرد إلى الكفار، أما الذي يرتد من المسلمين إلى الكفار فلا يرد، وكان هذا أمرا شاقا صعبا على المسلمين قبوله، وكان أمر الله مفعولا.

لقد كان صلح الحديبية أمرا لا مندوحة عنه، ولا مصرف ولا تحويل عن طريقه ليعيد المسلمون حساباتهم، ويرتبوا أوراقهم، وليعمدوا إلى تنسيق صفوفهم وأمورهم حتى يأتيهم أمر الله.

وقد جرى الصلح بين المسلمين، وأهل مكة على وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامه ذلك، حتى إذا كان العام القادم المقبل قدمها، وخلّوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القرب، وأن من آتانا من أصحابك لا نرده عليك، ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة «2» . وأنه لا إسلال ولا إغلال «3» ، فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم «4» هذا؟ فقال عليه الصلاة

__________

(1) - وقيل: بل نزل به البراء بن عازب. البدن: الناقة.

(2) - العيبة: التي يودعها المرء حر متاعه، ومصون ثيابه، والمقصود بالعيبة المكفوفة: الصدور السليمة، والنيات الصادقة في الإلتزام بالإتفاقية كعهد وميثاق.

(3) - لا إسلال ولا إغلال: الإسلال السرقة، والإغلال من الغلول أي الخيانة.

(4) - كره سهيل بن عمرو أن يكتب صدر الصحيفة «محمد رسول الله» وأبى علي بن أبي طالب كاتب الصحيفة أن يمحو «رسول الله صلى الله عليه وسلم» بيده، فمحا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بيده وأمره أن يكتب «محمد بن عبد الله» .

والسلام: من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا «1» .

وفي غزوة الحديبية أنزل الله تعالى فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة، أو النسك في شأن كعب بن عجرة.

وفيها أيضا دعا صلى الله عليه وسلم للمخلفين ثلاثا بالمغفرة، وللمقصرين مرة واحدة، وفيها أيضا تحروا البدنة عن سبعة ونحروا البقرة عن سبعة.

وفي غزوة الحديبية نزلت سورة الفتح، وفيها أيضا دخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم «2» .

وكان عليه الصلاة والسلام قبل تمام الصلح قد بعث عثمان بن عفان رسولا إلى مكة، وشاع أن المشركين قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المبايعة على الموت، وأن لا يفروا عن القتال، وهذه هي «بيعة الرضوان» التي كانت تحت الشجرة «3» .

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» فكان هذا تبشيرا بالفوز بالنجاة من النار.

وبعد أن تم الصلح، وانعقدت الإتفاقية، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحروا، ويحلوا؛

__________

(1) - أخرجه أبو داود (3/ 210/ 2766) والإمام أحمد في المسند (4/ 325) ينحوه. وكان أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، وقال عليه الصلاة والسلام «إن الله سيجعل له فرجا» .

(2) - وكان في الشرط المعقود بينهم أن من شاء أن يدخل في عقده عليه الصلاة والسلام دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل. وكان قوم من قريش أتوا- قيل كانوا بين الأربعين إلى الثلاثين فأرادوا الإيقاع بالمسلمين، فأخذوا أخذا، فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم العتقاء الذين ينتمون إليهم العتقيون.

(3) - قال تعالى: - «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة» الفتح (48/ 18) فإن أولئك المبايعين تحت الشجرة مرضي عنهم بنص القرأن الكريم، فطوبى لهم وحسن ماب، فإن من رضي الله عنه شمله رضوانه ورحمته.

ففعلوا يعد إيباء كان منهم وتوقف أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وفقهم الله تعالى ففعلوا، وقيل: إن الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خراش بن أمية بن المفضل الخزاعي.

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية هاربا، وكان ممن حبس بمكة، وهو ثقفي من بني ثقيف حليف لبني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق الثقفي، رجلا من بني عامر بن لؤى ومولى لهم، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمه إليهم فاحتملاه، فلما صار بذي الحليفة نزلوا، فقال أبو بصير لأحد الرجلين، أراني هذا السيف، فلما صار بيده ضرب به العامري فقتله، وفر المولى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما وقع، وأضل أبو بصير، فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم، وقد امتنعت بديني أن أفتتن فيه، أو يعبث بي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أمه سعر الحرب «1» ، لو كان له رجال ... فعلم أبو بصير أنه سيرده، فخرج حتى أتى سيف البحر، موضعا يقال له العيص «2» . فقطع على رفاقهم «3» ثم استضاف إليه كل من ندّ وفر من قريش ممن أراد الإسلام؛ فاذوا قريشا، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضمهم إلى المدينة.

وأنزل الله تعالى بفسخ الشرط المذكور في ردّ المثياق والعهد، ومنع سبحان عز وجل من ردهن، ثم بعد ذلك نسخت براءة كل ذلك، ولله الحمد والمنة.

وهاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فأتى أخواها عمارة والوليد، ابنا عقبة، فمنع الله تعالى من رد النساء، وحرّم الله تعالى حينئذ على المؤمنين الإمساك

__________

(1) - سفر الحرب: سجرها وموقدها.

(2) - وهو موقع من ناحية ذي المروة على طريق قريش إلى الشام.

(3) - الرفاق: جمع رفقة وهم المسافرون وأكثر ما تسمى (رفقة) إذا نهضوا في طلب الزياد بالإمتيار أي في طلب الميرة.

بعصم الكوافر، فانفسخ نكاحهن من المسلمين، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.



كلمات دليلية: