صلح الحديبية_14657

صلح الحديبية


صلح الحديبية

في شهر شوال من سنة 6هـ، أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه أنه قد نوى زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، ودعاهم للتأهب لتأدية هذه الزيارة مبشرًا إياهم بأنه رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام محلِّقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون1، وفي الوقت نفسه بعث إلى الأعراب من حول المدينة ليشاركوا في هذه الزيارة2، وكانت حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوة الأعراب ممن ليسوا على الإسلام لمشاركة المسلمين في هذه الزيارة أن يؤكد لقريش أنه جاء معتمرًا ولم يجئ غازيًا بدليل أنه يوجد في صفوفه من العرب من ليس على دينه، وليؤكد لهم أن زيارة البيت الحرام فريضة عند المسلمين كما هي فريضة عند العرب، وأن المسلمين يعظمون البيت الحرام كما تعظمه العرب بل هم أشد له تعظيمًا وأكبر عندهم حرمة، وليؤكد لهم كذلك أن مكة سوف لا تفقد مكانتها التي تنالها من مقام البيت فيها، والتي تحرص قريش على بقائها وإلى جانب ذلك يكسب الرأي العربي إلى صفه، فهو يعظم الحرمات ويحرص على المقدسات، ولا يجانب الناس بل يسالمهم، وهو يحرص على الوحدة بين العرب ويعمل لها، وأن التَفَتُّت وجو الحرب ليس من صنعه بل هو من صنع خصومه الذين أرغموه عليه إرغامًا، بمحاربته وصده عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا وأمنًا، وليكشف موقف قريش العدائي ليظهر خروجها عن المهمة التي كانت وكلت إليها. والتي تحصل من ورائها على مركزها بين العرب، وهي رعاية البيت الحرام وتهيئته للزائرين سواء منهم

__________

1 {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح] ابن هشام 3/ 367. إمتاع 1/ 274.

2 ابن هشام 3/ 355.

العاكف والباد، إذ هي صدته وأصحابه عن زيارة البيت وأداء الفريضة التي هي حق للجميع.

واستجاب المسلمون لنداء نبيهم، والفرحة تملأ قلوبهم، المهاجرون منهم والأنصار على السواء، أما المهاجرون فقد طردوا من وطنهم وحرموا من بلدهم ظلمًا وعدونًا ستة أعوام، حالت فيها قريش بينهم وبين زيارة هذا الوطن وألزمتهم جو العداوة والحرب، وأما الأنصار فقد حرموا من زيارة البيت الحرام الذي كان مهوى نفوس العرب جميعًا، كما تَحملوا جو الحرب بما فيه من إعنات ومن ضياع للأنفس والأموال، وها هي الفرصة تأتي ليعود المهاجرون إلى وطنهم زائرين وليعاودوا الاتصال ممن تركوا فيه من الأهل والإخوان، وليطفئ الأنصار حنينهم إلى بيت الله الحرام، وليخرجوا من جو الحرب إلى جو السلام.

وأما الأعراب؛ فقد ظنوا أنها مغامرة يقوم بها المسلمون أن يزوروا مكة وأن قريشًا سوف تنتهزها فرصة للقضاء عليهم، ولن يصدها عن ذلك الشهر الحرام، ولا البيت الحرام، فقد لجت في الخصومة وبلغت بها إلى الشوط الأبعد الذي ليس بعده صلح ولا مسالمة، واعتبروا أن هذه سفرة بلا عودة، وعلى عادة الأعراب من الحذر أبطأوا فلم يستجيبوا لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم1.

وفي أول ذي القعدة -أول الأشهر الحرام- من سنة 6 هجرية2 خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في ألف وأربَعمائة3 من أصحابه متجهًا إلى مكة، يسوق أمامه الهدي سبعين بدنة وقد قلدها وأشعرها توكيدًا لنيته السلمية وقصده زيارة البيت4. ولم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحًا إلا ما يحمله المسافر من سيف في غمده 5.

وعلمت قريش بمسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين إلى مكة فتشاور زعماؤها في الأمر، وعلى الرغم من مظهر السلم الذي سار به النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى الرغم من إعلانه نيته في العمرة وندائه بهذا بين العرب، فإن زعماء قريش أوجسوا خيفة من هذه الزيارة، فلربما تكون مكيدة أراد بها محمد أن يدخل مكة، وحتى إذا لم تكن مكيدة وكانت عمرة عادية فإن قريشًا قدرت ما يكون لو أن المسلمين اختلطوا بأهل مكة وحادثوهم وزال جو

__________

1 ابن هشام 3/ 356. إمتاع 1/ 276.

2 ابن سعد 3/ 139. إمتاع 1/ 275.

3 ابن هشام: نفسه. ابن سعد: نفسه.

4 ابن هشام 3/ 356. ابن سعد 3/ 139.

5 ابن سعد: نفسه. إمتاع 1/ 75.

التوتر بين الفريقين، واتصل المهاجرون بأهليهم والتقوا معهم؛ فإن الدماء عند ذلك تحن والأرحام تتقارب، ويحس السواد من أهل مكة بالحنين نحو أهليهم وذوي أرحامهم، ويحسون بمقدار الظلم الذي وقع عليهم بطردهم من وطنهم والتفرقة بينهم وبين أهليهم، وإذن لا بد أن يكسب محمد الجولة عليهم، ثم إن هناك عددًا من المسلمين حبسهم أهلهم بمكة وحالوا بينهم وبين الهجرة، وهم يعذبونهم بقصد فتنتهم، فماذا لو دخل المسلمون مكة فاتصلوا بهؤلاء المستضعفين وعملوا على تحريرهم من الظلم والإعنات الذي هم فيه. ووجد هؤلاء المعذبون ملجأ وملاذًا عند إخوانهم، إذن فستكون الحرب الأهلية في مكة، أو هي الفرقة والضعف، ورجال محمد في مكة يستطيعون أن ينتهزوا الفرصة للاستيلاء عليها.

وإذن فمهما يكن غرض محمد ومظهره؛ فلا بد من الحيلولة بينه وبين دخوله مكة، مهما يكن الأمر ومهما يكن الثمن، حتى ولو كانت الحرب في الأشهر الحرام أعنف الحرب، على ذلك صمم زعماء قريش ومن أجل ذلك أعدوا جيشًا قويًّا بلغ عدد فرسانه مائتين، وقدموه للقاء محمد ومنعه من دخول مكة.

وتقدمت فرسان قريش على رأسها خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى كراع الغميم على نحو عشرة أميال من مكة1. وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بمسيرة جيش قريش لمنعه، فأخذه الأسى لموقف قريش ولددها في الخصومة مع أن ما بينها وبينه من لحمة الدم والقرابة كان خليقًا أن يجعلها تقاربه وتنتصر له. بدل أن تخاصمه هذه الخصومة العنيفة التي أعمتها عن موقف الحكمة، وأبعدتها عن الحلم الذي اشتهرت به بين العرب، فقال: "يا ويح قريش!! لقد أهلكتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة" 2.

وبينما كان محمد يفكر في أمر قريش ويستعرض موقفها، كان فرسانها منه على مرأى النظر، يدل منظرهم على أنه لا سبيل للمسلمين إلى دخول مكة إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحامًا، ولكن محمدًا ما جاء محاربًا؛ وإنما جاء لتقرير مبدأ السلم ولذلك مال بأصحابه وسلك طريقًا آخر تجنب به قوات قريش وأوصلهُ إلى الحديبية،

__________

1 ابن هشام 3/ 356. إمتاع 1/ 378. ابن سعد 3/ 139.

2 ابن هشام 3/ 356، 357.

وهي أقرب حدود الحرم إلى مكة1، وهناك نزل بأصحابه ينتظر ما يكون من قريش. وفكرت قريش أن ترسل إلى المسلمين من يستطلع حالهم من ناحية ومن يحاول صدهم عن دخول مكة بدون حرب من ناحية أخرى، وأرادت أن تشرك القبائل المجاورة لمكة وأن تشرك الأحابيش، حتى إذا ما كان الموقف يتطلب قتالًا وقفوا معها وأعانوها، وقدرت أن محمدًا قد يسيء إلى الرسل الذين ترسلهم إليه من رجالها ومن رجال القبائل ومن الأحابيش فيحفظهم هذا فيتحمسون لنصرة قريش.

لكن محمدًا أحسن مقابلة الرسل الذين أرسلتهم قريش من خزاعة ومن ثقيف ومن الأحابيش2، واستطاع أن يقنعهم بالحجة مرة، وبالمظهر العملي مرة أخرى -كما فعل مع سيد الأحابيش؛ فإنه أطلق الهدي أمامه3- بنيته السلمية وبأنه جاء معتمرًا للبيت ولم يجئ غازيًا ولا معتديًا حتى لقد اشمأز بعض هؤلاء الرسل من تصرف قريش ومن عنتها، كما فعل الحليس سيد الأحابيش، فقد قال لقريش حين عاد من عند محمد: "يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد"4. وبذلك كسب محمد هذه الجولة من قريش، وألزمها بأن تدخل معه في مفاوضات سلمية؛ وإلا ظهرت بمظهر المتعنت أمام حلفائها وأمام العرب.

وبالرغم من مناوشات قريش ومن اعتداءات سفهائها على المسلمين، ومحاولتهم النيل منهم؛ فقد التزم المسلمون جانب السلم وسود النبي -صلى الله عليه وسلم- كلمة التقوى5، وكان المسلمون أحق بها وأهلها، وكلمة التقوى تساوي كلمة السلم، وهو المبدأ الإسلامي الذي جاء يقابل مبدأ الجاهلية وهو الحمية التي تقابل العصبية -حمية الجاهلية-.

ولما جاء رسول قريش وهو سهيل بن عمرو مفوضًا لعقد الصلح أظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من المرونة والتساهل، ولم يحفل بالشكليات بل كان همه في المسألة جوهرها، حتى لقد أغضب موقفه اللين كثيرًا من رجاله وأثار اعتراضهم6، وحتى اندفع عمر بن

__________

1 ابن هشام 3/ 357. امتاع 1/ 284.

2 ابن هشام 3/ 359- 362. إمتاع 1/ 286- 288.

3 ابن هشام 3/ 360. إمتاع 1/ 288.

4 نفسه 3/ 260. إمتاع 1/ 286.

5 ابن هشام 3/ 263. إمتاع 1/ 290.

6 ابن هشام 3/ 365- 367.

الخطاب يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم- معترضًا: "يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟! ألسنا على الحق؟! فلِم نعطي الدنية في ديننا؟! 1".

لم يحفل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشكليات التي تمسك بها رسول قريش، ولم يساير حماسة رجاله، وقدم كثيرًا من التسهيلات حتى تم عقد الصلح بين الطرفين، وكانت أهم شروطه2:

1- أن يرجع محمد والمسلمون عن دخول مكة هذا العام، على أن يعودوا في العام القادم فتخلي لهم قريش مكة ثلاثة أيام يؤدون فيها العمرة.

2- أن تعقد بين الطرفين هدنة مدتها عشر سنوات في قول، وسنتان -في قول آخر وهو ما نرجحه- يأمن كل من الطرفين صاحبه، ويكف بعضهم عن بعض، وأن بينهم عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال3.

3 - أنه من أراد من القبائل الدخول في حلف محمد دخل، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل، على أنه يسري على المُتَحَالِفِين ما يسري على المتعاقدين.

4- أنه من جاء محمدًا من أهل مكة بدون إذن وليه ردَّه إليهم ومن جاء إلى قريش من أصحاب محمد لم يردوه.

والشرط الأخير هو الذي أثار اعتراض المسلمين وأغضبهم، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمضى العقد واعتبر الوصول إلى السلم هدفًا يصغر إلى جانبه كل شيء، وعدَّه فتحًا مبينًا، ونزل القرآن الكريم بهذا: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح] .

والحقيقة أن الحديبية كانت فتحًا مبينًا لا يقل في أثره وعظمته عن أكبر معارك الإسلام، وإذا كانت بدر قد ثبتت قواعد الدولة الناشئة؛ فإن الحديبية قد فتحت أمامها المجال لتصل إلى الهدف الذي كان النبي يرمي إليه، وهو توحيد العرب في دولة واحدة، تكون نواة لدولة إسلامية كبرى تشمل الإنسانية وتحقق رسالة العدالة والخير لبني الإنسان على الأرض، وانفتح بصلح الحديبية المجال أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتابع إبلاغ رسالته للناس جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها.

__________

1، 2 نفسه.

3 عيبة مكفوفة: أن يكف بعضهم عن بعض، الإسلال: السرقة الخفية، الإعلال: الخيانة.

وقد أتاح صلح الحديبية للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوجه نظره إلى إكمال خطته في إقرار الأمن للمسلمين في جزيرة العرب، والقضاء على كل عناصر المقاومة التي تقف في سبيل توحيد الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام ثم الاتجاه بالدعوة إلى العالم الخارجي، إلى المجال الإنساني؛ فإن محمدًا لم يُرسَل للعرب وحدهم، وإنما أرسل بشيرًا ونذيرًا للناس كافة.

وقد أظهر محمد من بُعد النظر ودقة التقدير ما تفوَّق به على خصومه، وما فاق به تفكير أصحابه على السواء، فإن شروط عهد الحديبية وإن بدت لأول وهلة في مصلحة قريش، فإن الأيام ما لبثت أن كشفت عن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذهب فيها بالنصيب الأوفر، وحقق فيها وبواسطتها أهدافه الكبرى، فقد أتاح هذا العهد لمحمد والمسلمين أن يدخلوا مكة في العام القادم آمنين مطمئنين، وأخلت لهم قريش البلد الحرام1، وقد كان لهذا أثره الخطير في مكة نفسها. فإن أهلها رأوا من تضامن المسلمين وترابطهم وتعاونهم وتعاطفهم وحسن نظامهم والتفاهم بينهم واقتدائهم بنبيهم، ما جعلهم يدركون أن مثل هذه الجماعة لا يمكن الوقوف في وجهها، وليس من أمل في التغلب عليها، حتى لقد كانت عمرة القضاء قضاء تامًّا على روح العناد والمقاومة في قريش، وحتى لقد أدرك عقلاؤها أنه من الخير الانضمام إلى محمد، يتمثل ذلك في إسلام خالد بن الوليد، وخالد رجل له مكانته العظيمة في قريش فهو بطلها المعلم وفارسها في يوم أحد. وكان خالد قائدًا بصيرًا يدرك أين تكون الكفة الراجحة، ولقد أدرك خالد هذا في عمرة القضاء فلم يلبث أن أعلن إسلامه. وبعث بهداياه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-2 ولم يسلم خالد في صمت بل قال على ملأ من قريش: "لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بشاعر ولا ساحر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحق على كل ذي لب أن يتبعه3. ولقد هم أبو سفيان أن يثور بخالد ويؤلب قريشًا لقتله، فقال عكرمة بن أبي جهل: "مهلًا يا أبا سفيان، أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه، وهذه قريش كلها قد بايعت عليه. والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم4.

__________

1 ابن هشام 3/ 424- 427.

2 الواقدي 311.

3 نفسه.

4 ابن هشام 3/ 319.

وهكذا كانت عمرة القضاء التي هي شرط من شروط صلح الحديبية فتحًا لقلوب أهل مكة وأبصارهم، وكما أسلم خالد أسلم رجلان آخران لهما أهمية ولهما خطورة وهما: عمرو بن العاص داهية قريش الذي لا يقل بصرًا بالأمور عن خالد، وعثمان بن طلحة حارس الكعبة1، وبإسلام هؤلاء الثلاثة أسلم عدد كبير من أهل مكة وأصبحت مكة في حكم البلد الذي فتح أبوابه للدعوة الإسلامية، ولم يبق إلا أن تفتح أبوابها وتسلم القيادة للمسلمين.

كما أن هذا الصلح قد أتاح لبعض القبائل فرصة الدخول في عقد محمد وبالانضمام إلى صفوفه صراحة. وبخاصة قبيلة خزاعة التي كان جزء كبير من الأحابيش الذين كانت تعتمد عليهم من بطونها2، وبذلك ضم محمد جزءًا كبيرًا من هذه القوة إلى جانبه وأضعف بذلك مركز قريش الحربي إلى حد كبير. ثم إن الهدنة قد أتاحت لمحمد فرصة العمل بحرية وهو آمن، بعد أن أمن جناحه الجنوبي من ناحية قريش، فانصرف في اطمئنان ليقضي على القوة الأخرى المعادية التي كانت تقوم في جناحه الشمالي، وهي قوة اليهود الذين تركزوا في خيبر والذين أخذوا يَعُدون العدة ويعملون على تكوين حلف يهودي يضم يهود خيبر ووادي القرى وتيماء، لتكوين قوة كبيرة من اليهود لمهاجمة المدينة دون اعتماد على القبائل العربية التي فشلت في مهاجمة المدينة في موقعة الأحزاب.

وقد استطاع أن يهاجم خيبر وينتصر عليها وعلى حصونها القوية، على الرغم مما بذله اليهود من مقاومة عنيفة مستميتة3، وبالقضاء على قوة اليهود في خيبر أمن النبي -صلى الله عليه وسلم- جناحه الشمالي، وبدأت القبائل التي كانت تناوئ المدينة تراجع موقفها وتسعى للانضمام إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى لم يمض عامان إلا والإسلام قد انتشر انتشارًا سريعًا في هذه القبائل وحتى انضمت إليه انضمامًا كاملًا لدرجة أنه عند فتح مكة في عام 8هـ، كان رجال هذه القبائل يؤلفون القوة الكبرى في الجيش الذي تقدم لفتح مكة. فقد قدمت سليم ألف فارس، وقدمت مزينة ألف مقاتل، كما قدمت جهينة ثمانمائة، وقدمت بنو كعب وبنو ليث وأشجع وغفار أكثر من ألفي مقاتل، وهكذا بعدت القبائل عن قريش بالدرجة التي تقربت منها من النبي -صلى الله عليه وسلم-4، وكانت هذه الأعداد الضخمة من

__________

1 إمتاع 1/ 341- 344.

2 ابن هشام 3/ 366.

3 ابن هشام 3/ 387 وما بعدها.

4 إمتاع 1/ 364- 373. جوامع السيرة 277.

الرجال دليلًا على مدى انتشار الإسلام بين هذه القبائل انتشارًا كبيرًا فاق كل عدد وصل إليه المسلمون في السنوات السابقة منذ البعثة إلى عهد الحديبية، ثم إن الشرط الأخير الذي أرضت به قريش غرورها والذي غضب من أجله المسلمون وعارضوه، ما لبث أن ظهر أنه في غير مصلحة قريش وأنه كان وبالًا عليها والرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قبله كان سياسيًّا بعيد النظر، وكان حكيمًا عالمًا بما يصلح الدولة في داخلها، فإنه ليس من مصلحة الدولة أن يكون بين صفوفها من لا يؤمن بمبادئها، ومن كان هواه مع أعدائها، وكانت قريش قصيرة النظر حين حبست بعض المسلمين في مكة ومنعتهم من الهجرة وعملت على فتنتهم عن دينهم بالقوة؛ فقد استمسك هؤلاء بدينهم برغم تعذيب قريش، وكانوا نقطة ضعف داخل الدولة المكية، كانوا طابورًا خامسًا -كما نعبر عنه في عصرنا الحديث- وكانوا إلى جانب ذلك يعذبون ضمير أهل مكة ويشعرونهم بالإثم دائمًا، وخصوصًا إذا قدرنا قوة عصبية الأرحام، وذوي القربى، وإذا كان الزعماء يرضون هذا لمصلحة الدولة كما ظنوا ويرغمون العامة على قبول عملهم وتساعدهم على ذلك حالة الحرب، فإن عواطف الناس كانت في غير هذا الصف، وخصوصًا بعد أن أشاع صلح الحديبية جوًّا من السلم وأتاح للعواطف أو الرأي أن تنفس عن نفسها، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى أن مصلحة دولته تقتضيه أن يتخلص من خصوم مبدئها أو على الأقل لا يتمسك بهم بين صفوفه؛ لذلك وافق على ألا يرجع إليه من يخرج من صفوفه إلى العدو.

على أنه لم يخرج من صفوف المسلمين أحد إلى مكة، وخرج من صفوف قريش بعض المسلمين فارين إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما ردهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة كانوا وبالًا عليها، وأصدق شاهد على ذلك قصة أبي بصير بن أسيد حليف بني زهرة، فإنه بعد صلح الحديبية فر إلى المدينة، فكتب أولياؤه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلبون رده، وأرسلوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلين يعودان به؛ فسلمه النبي للرجلين وفاء بشروط الصلح، فلما كان في بعض الطريق احتال على الرجلين حتى أخذ من أحدهما سيفه فقتله به، وفر الآخر إلى المدينة ولحق به أبو بصير، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، وفت ذمتك، وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ويل أمه، محش حرب لو كان معه رجال" فخرج أبو بصير حتى نزل بمكان يقال له العيص على ساحل البحر، وكان طريق قريش إلى الشام، فسمع به من كان بمكة من المسلمين فلحقوا به، حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من ستين أو سبعين رجلًا وكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه، ولا يمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت فيهم قريش إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

يسألونه بأرحامهم إلا آواهم، فلا حاجة لهم به، ففعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقدموا عليه المدينة، وهكذا جر هذا الشرط وبالًا على قريش فقد تكونت ضدها عصابة خطيرة خرجت عن التبعية لها، وكذلك لم تدخل في تبعية المدينة فلم تكن تُسْأل عنها ولا عن أعمالها، فألحقت بقريش ضررًا فادحًا دعاهم إلى أن يرجوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يئوي هذه الجماعة وأن يقبل إلغاء هذا الشرط1.

وهكذا أثبتت الحديبية بُعد نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلامة تقديره، وكانت آية من آيات السياسة الحكيمة والدبلوماسية الفذة، حتى اعتبرت فتحًا مبينًا فاق في كل نتائجه أعظم الفتوح الحربية؛ فإنه لم يفتح البلاد وحدها وإنما فتح العقول والقلوب للدين الجديد ومهد للفتح الأعظم بعد ذلك بسنتين، وهو فتح مكة فتحًا سلميًّا، وانضمامها إلى الدولة الإسلامية، وما أعقب ذلك من توحيد العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.

__________

1 ابن هشام 3/ 373. إمتاع 3/ 304، 305.

الفصل الثاني:



كلمات دليلية: