سرية كرز بن جابر من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

سرية كرز بن جابر  من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

اسم الكتاب:
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
المؤلف:
بريك محمدبريك ابو مايله العمري

سرية كرز بن جابر لمطاردة المفسدين من الاعراب

...

سرية كرز بن جابر الفهري لمطاردة المفسدين من عكل وعرينة

(تعقُّبية)

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]

في السنة السادسة الهجرية باتفاق أهل المغازي1 قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من الأعراب اختُلف فيهم وفي عدتهم، ففي رواية عن أنس أنهم كانوا "رهطا من عكل ثمانية"2، وقيل: بل من عرينة3، وذكر ابن إسحاق أنهم "من قيس كبة من بجيلة"4، وشذَّ عبد الرزَّاق فذكرهم من بني فزارة5

ووقع في رواية أخرى عن أنس "قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل"6، وصوَّبه ابن حجر، وذكر أن ذلك لا يخالف الرواية الأولى لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبلتين وكان من أتباعهم فليس ينسب7، وكان هؤلاء الأعراب بهم هزال شديد من الجوع8 "فبايعوه على الإسلام"9. "ثم

__________

1 ولكنهم اختلفوا في الشهر الذي كانت فيه السرية، فذكر ابن إسحاق أنها كانت بعد غزوة ذي قرد التي كانت في جمادى الآخرة سنة ست. انظر ابن هشام، سيرة (4/64) ، وأرَّخها الواقدي في شوال من نفس السنة. الواقدي، مغازي (2/568) ، وتابعه ابن سعد، طبقات (2/93) ، وابن حبان، السيرة النبوية (ص 274) ، وذكر ابن حجر أن البخاري ذكرها بعد الحديبية. ابن حجر، الفتح (1/337) ، يقول الزرقاني: فالحاصل أن أصحاب المغازي اتفقوا على أنها سنة ست واختلفوا في الشهر. الزرقاني، شرح (2/172) .

2 وقع ذلك في رواية أبي قلابة عن أنس في كتاب الجهاد والسير. انظر ابن حجر، فتح (6/153) .

3 روى ذلك الواقدي عن يزيد بن رومان. الواقدي، مغازي (2/569) ، وتابعه ابن سعد، طبقات (2/93) . قال ابن حجر: وزعم ابن التين تبعا للداودي: أن عرينة هم عكل، وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايران، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم الرباب، وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرا حي من قضاعة، وحي من بجيلة، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبري من وجه آخر عن أنس. ابن حجر، فتح (1/337) .

4 من رواية ابن إسحاق بسند فيه مبهمين. انظر ابن هشام، سيرة (4/640-641) .

5 عبد الرزاق، المصنف (10/107) .

قال ابن حجر: وهو غلط لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل، ولا عرينة أصلا. ابن حجر، فتح (1/337) .

6 من رواية قتادة عن أنس. انظر الطبري، تفسير (4/206) .

7 ابن حجر، فتح (1/337) . وقد وقع عند ابن مردويه من طريق سلام عن ثابت عن أنس: أنهم قدموا من البحرين. انظر ابن كثير، تفسير (2/48) ، كما في رواية أخرى عن سلمة بن الأكوع: أنهم كانوا من اليمن. انظر الهيثمي، مجمع (6/294) .

8 قال ابن حجر: إن ذلك من رواية غيلان عن أنس عند أبي عوانة. ابن حجر، فتح (8/337) ، ووقع في رواية عبد الرزاق: "قد ماتوا هزلاً". عبد الرزاق، المصنف (10/106) .

9 من رواية أبي رجاء عن أبي قلابة عن أنس في الديات. ابن حجر، فتح (12/230) .

قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا"1.

فأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفة2 وأكرمهم3، ونظرا لكونهم كانوا بادية أهل ضرع، ولم يكونوا أهل ريف4 -كما ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم5- لم يستطيعوا التأقلم مع جو المدينة وهوائها، فأصابهم داء اختلف فيه، ففي رواية عند مسلم أنه وقع في المدينة داء يسمى الموم وهو البرسام6، وفي البخاري7 "فاجتووا المدينة"8.

وفي رواية أخرى "فاستوخموا الأرض9 فسقمت أجسامهم"10،

__________

1 من رواية ثابت عن أنس في الطب. ابن حجر، فتح (10/141) .

2 الصفة: بضم الصاد وتشديد الفاء –مكان في مؤخر المسجد النبوي مكان القبلة الأولى، ظُلل وأُعد لنزول الغرباء والمساكين وضعفاء المسلمين ممن لا مأوى له، وإليها ينسب أهل الصفة. انظر أبا نعيم، الحلية (1/320) ، السمهودي، وفاء الوفاء (2/453-454) ، ياقوت، معجم البلدان (ظله) ، ابن منظور: لسان (صفف) .

3 من رواية وهيب عن أيوب في المحاربين. ابن حجر، فتح (12/230) .

4 أي كانوا أهل ماشية ولم يكونوا أهل زرع.

5 من رواية قتادة عن أنس انظر ابن حجر، فتح (10/178) ، وابن جرير الطبري، تفسير (4/206) .

6 النووي على مسلم (11/156-157) ، قال النووي، وابن حجر: بكسر الباء سرياني معرب، أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس وورم الصدر، وذكر ابن سينا: أن البرسام هو ذات الجنب، وهو ورم في نواحي الصدر إما في العضلات وفي الحجاب المستبطن للصدر، وإما في الحجاب الحاجز وهو الخالص، أو في العضل الظاهرة الخارجة، أو الحجاب الخارج بمشاركة الجلد أو بغير مشاركة، وأعظم هذا وأهوله ما كان في الحجاب الحاجز نفسه، وعلامته خمس: حمى لازمة لمجاورة القلب، ووجع ناخس تحت الأضلاع، وضيق نفس لضغط الورم، ونبض منشاري، وسعال. انظر ابن حجر، فتح (1/3389) ، وابن سينا، القانون في الطب (2/238-240-241) . وانظر اسمه الطبي الحديث (PLEURiSY) وأعراضه المشابهة لما ذكره ابن سينا في

DOVIDSON'S PRINCIPALES' AND PRACTIC OF MEDICINE

AND PRICE'S TEXT BOOK OF THE PRACTICE OF MEDICINE.

7 انظر ابن حجر، فتح (1/335) .

8 الجوى: داء يصيب الجوف، قال ابن فارس: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. انظر الخطابي، أعلام الحديث (1/285) ، وابن حجر، فتح (1/337) .

9 أي استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (5/164) .

10 ابن حجر، فتح (12/230) .

وذكر أحمد: أن الوخم الذي شكوا منه هو من حمى المدينة1.

وفي رواية ابن إسحاق "فاستوبئوا، وطحلوا"23، ولكن ابن القيم جزم بأن ذلك المرض "كان الاستسقاء"4، وذلك بناء على الأعراض التي ظهرت عليهم حيث عظمت بطونهم، واصفرت ألوانهم5، وكذلك الوصفة الدوائية6 التي وصفها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما شكوا إليه ما أصابهم فقال:

__________

1 انظر البنا، الفتح الرباني (18/158) ويُذْكر أن المدينة كانت موبوءة بحمى الملاريا في ذلك الوقت.

2 أي عظمت طحالهم من المرض. القاموس (طحال) ، ابن الأثير، نهاية (5/144) .

3 ابن هشام، سيرة (4/641) .

4 ابن القيم، زاد المعاد (4/46) ، قال ابن سينا: الاستسقاء مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء، وتربو فيها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما الموضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة:

لحمي: ويكون السبب فيه مادة مائية بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء.

والثاني: زقي –يكون السبب فيه مادة مائية تنصب إلى فضاء الجوف الأسفل وما يليه.

والثالث: طبلي –ويكون السبب فيه مادة ريحية تفشو في تلك النواحي. ابن سينا، القانون في الطب (2/384) .

وقد عرف الطب الحديث الاستسقاء (Ascites) بأنه عبارة عن تجمع كمية أكبر من الطبيعي من السوائل في التجويف البريتوني (الغشاء المبطن للبطن) ويكون مصحوبا بقلة تركيز الدم، وتورم في الجسم، وقلة في البول، وهذه الأعراض المرضية هي انعكاس للخلل الذي يحدث في الأملاح المعدنية، والماء، والبروتين التي تكون أحد مضاعفات أمراض الكبد، فإذا ما قل الضغط الإسموزي في بلازما الدم بسبب نقص تناول المواد البروتينية، أو خلل في الكبد، فإن السوائل يتم رشحها في الغشاء البريتوني وذلك ما يسبب انتفاخ البطن.

LOOK: ADAMES BRAUNWALD' PETERSDOROF' WISON' PRINSIPLES OF INTERNAL MEDICINE (1481-1482) .

5 وقع ذلك عند النسائي، سنن (7/98) ، وانظر الألباني، صحيح سنن النسائي (3/848) وقال عنه: صحيح الإسناد، وانظر ابن سينا، القانون في الطب (2/383) .

6 يقول ابن القيم: ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالية التي فيها إطلاق معتدل، وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها، فإن في لبن اللقاح جلاءً، وتليينا، وإدرارا وتلطيفا، وتفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، والقيصوم، والبابونج، والأقحوان، والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء. ابن القيم، زاد (3/47) وقال ابن سينا: ولا تلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة للاستسقاء، بل اعلم أنه دواء نافع، لما فيه من الجلا يرفق ولما فيه من خاصية، واعلم أن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام لشفي به، وقد جرب ذلك منه قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وألبان اللقاح قد تستعمل وحدها، وقد تستعمل مخلوطة بغيرها من الأدوية، وقد يخلط بأبوال الإبل، وقد يقتصر عليها طعاما وشرابا. ابن سينا، القانون (2/392) .

وقد ذكر الدكتور أحمد ناظم النسيمي: أن هذا الاستنتاج خطأ، فإن الاستسقاء الحادث بسبب الكبد (أي الحبن يتشمع الكبد) لا يحدث في جماعة معا ولمدة غير طويلة، ففي الحديث السابق "فاجتووا المدينة"=

"أفلا تخرجون مع راعينا1 في إبله2، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا:

__________

=والفاء للتعقيب، وفي رواية ابن السني وأبي نعيم: "فلم يمكثوا في المدينة إلا يسيرا حتى أصابهم وعك شديد". كما أن تشمع الكبد والحبن الذي قد يصاحبه لا يشفى شفاء تامًّا، وإذا جمعنا الأعراض التي أصيب بها رهط عرينة وعكل وجدناها: توعكا وحمى وضخامة بطن ونحولا وضعف القوة واصفرار اللون أي شحوبه، وهذه الأعراض تدل بالنسبة للمدينة المنورة وما يمكن أن ينتشر فيها من أمراض، تدل على أن مرضهم كان حمى المدينة كما تنص رواية أحمد في مسنده، وحمى المدينة سببها أحد مرضين محتملين:

الأول: حميات الإنتانات المعوية، ففيها تنتفخ البطن بسبب انتفاخ الأمعاء.

والثاني: جمى البرداء (الملاريا) وفيها يزداد حجم الطحال وقد يترافق بضخامة الكبد.

وبيئة المدينة المنورة مساعدة على ظهورهما، لأن حول المدينة نخيل وزراعة وفي وادي بطحان مياه آسنة، والبعوض الخبيث ناقل لعامل البرداء ويفضل عيشة الريف والمزارع، وقد يوجد في الحدائق القريبة من المدن يضع بيوضه على شاطىء ماء راكد أو على ما فيه من أجسام سابحة. أما جراثيم الإنتانات المعوية فتكثر في المياه الملوثة. وللقصور في تشخيص الأمراض في ذلك الزمن وندرة الأطباء في الجزيرة العربية، يمكن أن تعد الإصابة بالإنتانات المعوية أو البرداء من حمَّى المدينة، وأن حديث ابن عباس المرفوع "إن في ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذّربة بطونهم" يرجح احتمال الإصابة بالإنتانات المعوية، لأن الذرب يدل على فساد الأمعاء، ولم يجر بحث ولا تجارب علمية في العصر الحديث حول الفوائد العلاجية لألبان الإبل وأبوالها. انظر الدكتور محمود ناظم النسيمي، الطب النبوي والعلم الحديث (2/240-241) .

قلت: ورواية ابن إسحاق: "فاستوبئوا وطحلوا" ترجح إصابتهم بالبرداء، إذَا فالاحتملان متقاربان، وربما يكونوا قد أصيبوا بهما معا، والله أعلم. وياحبذا لو يكون هناك قسم في الجامعة يقوم بالأبحاث حول الطب النبوي والأدوية النبوية، وذلك لإبراز الفوائد العلاجية لتلك الأدوية، وخاصة بعض الأدوية التي لم يجر حولها أبحاث حتى الآن، مثل: السَّنا، والإثمد، والحجامة، وألبان الإبل وأبوالها، وغيرها كثير، فإن أكثر العوام بل أكثر المثقفين من غير أهل العلم لا يعرفون عن هذه الأدوية شيئا يذكر لبعدهم عن كتب الحديث.

1 ذكر ابن إسحاق بإسناد فيه جهالة أن اسمه يسار، أصابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة محارب وبني ثعلية. ابن هشام، سيرة (4/640) ، ورواه الطبراني موصولا من حديث سلمة بن الأكوع قال: رآه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها. الطبراني، المعجم (7/7) . وذكر ابن حجر: أن إسناده صالح. ابن حجر، فتح (1/339) .

وقال الهيثمي: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف. الهيثمي، مجمع (6/249) .

قلت: لأنه منكر الحديث، كذا قال ابن حجر، تقريب (ص 553) .

2 وقع في روايات أخرى أنه أمرهم أن يأتوا إبل الصدقة. قال ابن حجر: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة وصادف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المدينة تنفي خبثها". ابن حجر، فتح (1/338) .

واختلف في مكان اللقاح (الإبل) فذكر موسى بن عقبة أنها كانت بفيفاء الخبار من وراء الجمَّاء، ويقع هذا المكان غربي وادي العقيق كما ذكر صاحب "وفاء الوفاء". انظر رواية موسى بن عقبة عند ابن سيد الناس، عيون (2/119) ، وباقشيش، مرويات (2/410) ، وانظر السمهودي، وفاء الوفاء (3/879) .

أما الواقدي وكاتبه ابن سعد فذكرا أنها كانت بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير، على ثمانية أميال من المدينة، كما ذكر أن عدد لقاحه صلى الله عليه وسلم كانت خمس عشرة، وأن الأعراب نحروا منها واحدة يقال لها الحناء. انظر الواقدي، مغازي (2/568-570-571) وابن سعد، طبقات (2/93) .

بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحُّوا"1.

فعَدَوا على الراعي فقتلوه –بعد أن مثَّلوا به2 وهربوا بالإبل "فجاء الخبر في أول النهار"3 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى وجه السرعة، قام بتجهيز دورية قتالية تعقُّبية، قوتها عشرون4 شابًّا أنصاريًّا وأسند القيادة فيها إلى كرز بن جابر الفهري رضي الله عنه5 وزوَّدهم بقائف لاقتفاء الأثر6، اختزالا للجهد والوقت، لأن إهدارهما لا يتناسب مع

__________

1 من رواية أبي قلابة عن أنس في الديات. ابن حجر، فتح (12/230) .

2 نقل ذلك أصحاب المغازي فذكروا:) أنهم ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه) . انظر ابن هشام، سيرة (4/461) من رواية ابن إسحاق بسند ولم يرسل، والواقدي، مغازي (2/569) ، وابن سعد، طبقات (2/93) ، وزاد "أنهم قطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات".

كما روى ذلك ابن مردويه بسنده عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. انظر ابن كثير، تفسير (2/50) وقال عنه: غريب جدا، والهيثمي، مجمع (6/294) ، وقال عنه: رواه الطبراني وفيه موسى بن محمد بن الحرث التميمي وهو ضعيف، ولكن ابن حجر ذكر أن إسناده صالح كما مر. فتح الباري (1/339) ولهم شاهد عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: "إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء" النووي على مسلم (11/157) .

3 من رواية أبي قلابة عن أنس. ابن حجر، فتح (1/335) .

4 وقع ذلك في رواية معاوية بن قرة عن أنس عند مسلم. النووي على مسلم (1/157) قال ابن حجر: ولم أقف على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي أن السرية كانت عشرين رجلا ولم يقل من الأنصار بل سمى منه جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحرث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان وغيرهم، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم. فتح الباري (1/340) .

قلت: وذكر الواقدي في المغازي أن فيهم أيضا: جعال بن سراقة، وصفوان بن معطل، وأبو روعة معبد بن خالد الجهني، وعبد الله بن بدر، وسويد بن صخر، وأبو ضبيس الجهني. مغازي (2/571) .

5 وقع تسميته في حديث سلمة بن الأكوع السابق ذكره وفيه: "فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين كبيرهم كرز بن جابر الفهري" وكذا ذكره ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (2/641) ، والواقدي، مغازي (2/569) ، وابن سعد، طبقات (2/93) .

يقول ابن حجر: وفي مغازي موسى بن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه سعد –بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أيضا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة، وروى الطبري وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في آثارهم لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة. والله أعلم. فتح الباري (1/340) .

6 أورد ذلك مسلم في رواية معاوية بن قرة عن أنس. مسلم بشرح النووي (1/335) والقايف: بالقاف والتحتية، الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع: القافة. انظر القاموس،=

الحالة الأمنية التي تتطلب سرعة القبض على هؤلاء المجرمين المفسدين في الأرض، والاقتصاص منهم فورا وبحزم؛ نتيجة ما قاموا به من إخلال وزعزعة بالأمن، وغدر وخيانة ونكران للجميل، إضافة إلى ارتدادهم عن الإسلام.

انطلقت الدورية في (مسير اقترابي سريع ومتقن) 1، يتقدمُّها القائف، وكما هو مخطط له تم القبض على العصابة في وقت وجيز جدًّا "فما ترجَّل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وَمَا حَسَمَهم، ثم أُلقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا"2.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "فرأيت الرجل منهم يكدم3 الأرض بلسانه حتى يموت"45.

وقد ذكر بعض أهل العلم أن الله تعالى أنزل فيهم قوله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 6.

__________

=واللسان (قاف) ، وانظر الشامي، سبل (6/192) .

1 مسير الاقتراب: هو الحركة من القاعدة إلى الهدف. خطّاب، الرسول القائد (ص 116) .

2 من رواية أبي قلابة عن أنس في كتاب الحدود. ابن حجر، فتح (12/111) .

3 كدمه ويكدمه: عضَّه بأدنى فمه. (القاموس – كدمه) .

4 من رواية ثابت عن أنس في الطب. ابن حجر، فتح (10/141) .

5 خبر السرية صحيح متفق عليه. فقد أخرجه البخاري في صحيحه في مواطن عدة. انظر ابن حجر، فتح (1/335، 6/153، 10/141-142، 178، 12/109-111-112) .

وأخرجه مسلم أيضا في صحيحه. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (11/154-155-156-157) وأخرجه أصحاب السنن. انظر أبا داود، سنن (4/531-532-534-535-536) ، والمباركفوري، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (6/195) ، والنسائي، سنن (7/93-94-95-96-97-98-100-101) ، والألبياني، صحيح سنن ابن ماجه (2/86) ، وعبد الرزاق، المصنف (10/106، 107) وابن أبي شيبة، المصنف (12/262) .

كما أخرجه الطبري في التفسير (4/206-207-208) وابن كثير، تفسير (2/48-49-50-51) ، وأخرجه أصحاب المغازي كابن إسحاق انظر ابن هشام، سيرة (4/640-641) ، والواقدي، مغازي (2/568-569-570-571) ، ابن سعد، طبقات (2/93) ، ابن سيد الناس، عيون (2/119-120-121) .

6 المائدة –آية (33) . هذا وقد اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت فيهم وقيل في غيرهم. لكن المعتمد –يقول ابن حجر -: إن الآية نزلت أولا فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق. ابن حجر، فتح (12/110) .

وقد يتصور البعض أن هذا العقاب كان جائرا وشديدا، لكن بالنظر إلى ما قام به هؤلاء من جرائم، وقياسا لما فعلوه من أعمال لا يقرها العقل؛ فضلا عن الدين الذي تمرَّدوا عليه وارتدوا عنه، فنقول: إن العقاب الذي نالهم كان عادلا وكان الجزاء من جنس العمل فهم قد ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا وسرقوا ومثَّلوا وحاربوا الله ورسوله واستهانوا بكل المبادىء والقيم الإنسانية.

وفي القصة من الفوائد: مشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وقد اختلف في طهارة أبوال الإبل وغيرها من مأكول اللحم. فاحتج مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والأصطخري والروياني بهذا الحديث على طهارة بول الإبل، ويقاس عليها مأكول اللحم من غيرها، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره.

واحتج ابن المنذر بقوله: توزن الأشياء على طهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل. قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر. قال الحافظ: وهو استدلال ضعيف، لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وقد دلَّ على نجاسة الأبوال حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسِّرين". وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي.وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب،فكيف يباح الحرام بما لا يجب؟ وأجيب بمعنى أنه

ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح لضرورة لا يسمى حراما، وقد تأوله لقوله تعالى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} 1 فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله تعالى أعلم.

قال الحافظ: وما تضمنه كلامه من أن الحرام يباح ولا الأمر واجب غير مسلَّم، فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر مثلا.

وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوي به لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". رواه أبو داود من حديث أم سلمة، فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يردُّ قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر "إنها ليست بدواء، إنها داء" في سؤال من سأل عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجرُّ إلى مفاسد كثيرة، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها، فلما حرِّمت نزع الله الدواء منها، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن عباس –رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم". والذَّرب- بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها2.

__________

1 من الآية (119) من سورة الأنعام.

2 انظر ابن حجر، فتح (1/341-342) ، والشامي، سبل (6/187-188) .

وذكر ابن القيم: أن الصواب هو طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم، وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة1.

وفيها من الفوائد أيضا: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا إن قتلهم كان قصاصا، وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل أي المماثلة في القصاص وليس ذلك من المثلة المنهي عنها، فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه، ثبت ذلك في صحيح مسلم، وعلى أن الجنايات إذا تعددت، تغلَّظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة.

وفيها: ثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما القرى ففيه خلاف، كما أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد.

وفيها: جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره، قياسا عليه بإذن الإمام.

وفيها: العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة2.

__________

1 ابن القيم، زاد المعاد (4/48) .

2 انظر ابن حجر، فتح (1/341-342) ، والشامي، سبل (6/187-188) ، وابن القيم، زاد المعاد (4/84) .

 


ملف pdf

كلمات دليلية: