سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن  من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

(سرية)

«1»

في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طلحة وسلمة ابني خويلد الأسديين يدعوان قومهما بني أسد لحربه عليه الصلاة والسلام، فدعا أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وعقد له لواء وقال له: سرّ حتى نزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغر عليهم، وأرسل معه رجالا، فسار في هلال المحرم حتى بلغ قطنا «2» فأغار عليهم، فهربوا من منازلهم، ووجد أبو سلمة إبلا وشاء فأخذها، ولم يلق حربا ورجع بعد عشرة أيام من خروجه.

وفي بدئها أيضا بلغه عليه الصلاة والسلام أنّ سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي المقيم بعرنة «3» يجمع الجموع لحربه، فأرسل له عبد الله بن أنيس الجهني واحده ليقتله، فاستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يتقول حتى يتمكّن، فأذن له، وقال: انتسب لخزاعة، فخرج لخمس خلون من المحرم، ولما وصل إليه قال له سفيان: ممن الرجل؟ قال: من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم؟ فجئت لأكون معك، فقال له: أجل إني لفي الجمع له، فمشى عبد الله معه وحدّثه وسفيان يستحلي حديثه، فلمّا انتهى إلى خبائه تفرّق الناس عنه فجلس معه عبد الله حتى نام، فقام وقتله، ثم ارتحل حتى أتى المدينة، ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين القتال.

,

(سرية)

«1»

ولعشر خلون من محرّم السنة السادسة، أرسل عليه الصلاة والسلام محمّد بن مسلمة في ثلاثين راكبا لشن الغارة على بني بكر بن كلاب الذين كانوا نازلين بناحية ضربة «2» ، فسار إليهم يكمن في النهار، ويسير الليل حتى دهمهم، فقتل منهم عشرة، وهرب باقيهم، فاستاقت السرية النّعم والشياه، وعادوا راجعين إلى المدينة، وقد التقوا وهم عائدون بثمامة بن أثال الحنفي «3» من عظماء بني حنيفة فأسروه وهم لا يعرفونه، فلمّا أتوا به رسول الله عرفه وعامله بمنتهى مكارم الأخلاق، فإنه أطلق أساره بعد ثلاث أبى فيها الانقياد للإسلام بعد أن عرض عليه. ولما رأى ثمامة هذه المعاملة، وهذه المكارم، رأى من العبث أن يتبع هواه ويترك دينا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله وأسلم غير مكره، وخاطب الرسول بقوله: «يا محمّد والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إليّ» فسرّ عليه الصلاة والسلام كثيرا بإسلامه لأن من ورائه قوما يطيعونه. ولمّا رجع ثمامة إلى بلاده مرّ بمكّة معتمرا وأظهر فيها إسلامه، فأرادت قريش إيذاءه، فذكروا احتياجهم لحبوب اليمامة التي منها ثمامة فتركوه، ومع ذلك فقد حلف، هو الّا يرسل إليهم من اليمامة حبوبا

__________

(1) سريه محمد بن مسلمة قبل نجد ويرى ابن كثير أن هذه السرية كانت بعد خيبر والبخاري يرى أنها سنة سبع بعد خيبر.

(2) موضع على سبع ليال من المدينة في طريق البصرة. (المؤلف) .

(3) أبو أمامة اليمامي فلما عصى بنو حنيفة رأيه وقد عزموا على اتّباع مسيلمة عزم على مفارقتهم، فخرج ممدا للعلاء بن الحضرمي ومعه أصحابه من المسلمين، فكان ذلك قد فت في أعضاء عدوهم، وحين بلغهم مدد بني حنيفة، وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرات بن حيان إلى ثمامة في قتال مسيلمة وقتله.

حتى يؤمنوا- فجاهدوا جدا ولم يروا بدّا من الاستغاثة برسول الله فعاملهم عليه الصلاة والسلام بما جبل عليه من الشفقة والمرحمة، وأرسل لثمامة أن يعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة ففعل. وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل، قدم راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول، حينما ارتدّ أكثر أهل بلاده، فكان ينهى قومه عن اتّباع مسيلمة، ويقول لهم: إيّاكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله على من اتّبعه، فثبت معه كثير من قومه رضي الله عنه.


ملف pdf

كلمات دليلية: