زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وإبطال عادة التبني من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وإبطال عادة التبني من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

زواج زينب بنت جحش

وفي هذا العام تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش- وأمها أميمة عمته- بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة، وكان من أمر زواجها لزيد أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم خطبها له فتأفف أهلها من ذلك لمكانها في الشرف العظيم، فإن العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي، ويعتقدون ألاكفء من سواهم لبناتهم، وزيد وإن كان الرسول تبنّاه ولكن هذا لا يلحقه بالأشراف، فلمّا نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ

__________

(1) رواه الشيخان وأبو داود.

(2) النواضح جمع ناضح. وقال ابن هشام الناضح: البعير الذي عليه الماء لسقي النخل.

(3) فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش وفي حديث اخر: قال عليه الصلاة والسلام: لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطؤا الأرض قبلها، ويذكر أن قبره وجد منه رائحة المسك أخرجه ابن سعد وأبو نعيم.

(4) سورة التوبة 102.

الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً «1» . لم يروا بدّا من القبول، فلمّا دخل عليها زيد أرته من كبريائها وعظمتها ما لم يتحمّله، فاشتكاها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأمره باحتمالها والصبر عليها إلى أن ضاقت نفسه، فأخبره بالعزم على طلاقها وقرر ذلك، ولما كانت العشرة بين مثل هذين الزوجين ضربا من العبث، أمر الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج زينب بعد طلاقها حسما لهذا الشقاق من جهة، وحفظا لشرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى من جهة أخرى، ولكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خشي من لوم اليهود والعرب له في زواجه بزوج ابنه «2» فقال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أبداه الله فبتّ الله حكمه بإبطال هذه القاعدة وهي تحريم زوج المتبنى بقوله في سورة الأحزاب فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «3» ثم إن الله حرم التبني على المسلمين لما فيه من الإضرار، وأنزل فيه في سورة الأحزاب ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً «4» ومن هذا الحين صار اسم زيد «زيد بن حارثة» بدل «زيد بن محمد» . وأبدل بذلك أن ذكر اسمه في قران يتلى على مرّ الدهور والأعوام «5»

يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقوالا لا تجوز إلّا ممّن ضاع رشده، ولم يفقه حقيقة ما يقول، فإنهم يذكرون أن الرسول توجّه يوما لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة لأن الريح رفعت الستر عنها، فوقعت في قلبه، فقال: سبحان الله، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك، فرأى من الواجب عليه فراقها، فتوجّه وأخبر الرسول بعزمه، فنهاه عن ذلك إلخ. وهذا مما يكذبه أن نساء

__________

(1) اية 36.

(2) روى أن أبي حاتم والطبري عن علي بن الحسين بن علي قال: (أعلم الله نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد يشكوها وقال له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» قال الله قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه) وهذا ما ذهب إليه المحققون من المفسرين وغيرهم في تفسير الخشية كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي عياض في الشفاء. والحافظ المؤرخ ابن كثير في التفسير والبداية والنهاية.

(3) اية 37.

(4) اية 40.

(5) رواه البخاري.

العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه، وزينب بنت عمته أسلمت قديما ورسول الله بمكّة، فكيف لم يرها، وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته، إلّا حينما رفعت الريح الستر مصادفة، ورسول الله هو الذي زوجها زيدا، فلو كان له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك.

ومن منا يتصوّر أن السيد الأكرم يقول لقومه: إنه مرسل من ربه، ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله في سورة الحجر المكية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ «1» وفي سورة طه المكية أيضا وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا «2» ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متّبعيه، وينظر إلى زوجه مصادفة، ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا الأمر عظيم تشعر بذلك صدورنا. ولو حدث أمر مثل ذلك من أقلّ الناس لعيب عليه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقا، وأبعدهم عن الدنايا، وأشدّهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقول في سورة ن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «3» لا شكّ أنّ هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولا، وهو الذي يستفاد من القران الشريف قال تعالى في سورة الأحزاب وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «4» . والذي أبداه الله هو زواجه بها، ولم يبد غير ذلك وهذا القران أعظم شاهد.


تحميل : زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وإبطال عادة التبني من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

كلمات دليلية: