رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفقر والغنى

رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفقر والغنى

لم يكن صلى الله عليه وسلم قدوة للتجار فحسب، بل كان قدوة للغني والفقير، وذات يوم «جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ»، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: «هَذَا المَلَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ»، فَلَمَا نَزَلَ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ: أَمَلِكًا أَجْعَلُكَ أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟» قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: «تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«بَلْ عَبْدًا رَسُولًا»
(رواه أحمد)

فخلال مراحل عمره صلى الله عليه وسلم تقلبت أحوال حياته صلى الله عليه وسلم بين الفقر والغنى، فضرب للفقراء صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة والنماذج حال الفقر وما استوجبه ذلك من الصبر

كما ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة والنماذج حال الغنى وما استوجبه ذلك من الشُّكْرِ والبَذْلِ والسَّخاءِ، لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم حياة العبودية لله سبحانه، وعدم التَّرَفِ، فيجوع يومًا ويشبع يومًا؛ ليكون قُدوةً للجائعِ كيف يتوجه ويدعو، وللشَّبْعان كيف يحمدُ ويشكرُ، ثم قُدِّرَ له صلى الله عليه وسلم أن يموتَ فقيرًا لينالَ أجرَ الزُّهد في الدنيا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَى قُبِضَ». (رواه البخاري)

الرسول صلى الله عليه وسلم في الفقر

عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم حياة الفقر، ومر بما مر به الفقراء من الجوع والحاجة إلى الطعام والشراب واللباس، فلَكَم بقي صلى الله عليه وسلم طاويًا على الجوع، لا يجد ما يأكله، وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصفوتُه من خلقه!! فأحيانًا من قلة الطعام لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل الأمر به إلى أنه «كَانَ يَرْبِطُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوع»
(صححه الألباني).

حتى إن ابنته فاطمة -رضي الله عنها- جاءته ذات يوم بكِسْرةِ خبزِ شعيرٍ، فأكلها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «هَذَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلَهُ أَبُوكِ مُنْذُ ثَلَاثٍ»!!. (رواه أحمد).

وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يدخل يومًا على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فيراه مضطجعًا على حصير قد أثَّرَ في جنبه.. وخزانته ليس فيها شيء، فتأثر عمر -رضي الله عنه- تأثُّرًا شديدًا، فيَرُدُّ عليه الرسولُ صلى الله عليه وسلم بقوله المأثور: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟» (متفق عليه).

لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم الترف، فيجوع يومًا ويشبع يومًا، ليضرب المثل والقدوة للفقير حال فقره كيف يصبر ويحتسب في الدنيا.

صَبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الجوع والفقر وشدة العيش رغم أنه كان يستطيع أن يملك الدنيا مع الآخرة، فلماذا؟

الرسول صلى الله عليه وسلم في الغنى

قال الله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ) [الضحى: 8].

بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وانتشار الدعوة الإسلامية، فتحت الأرض كنوزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعد فتح البلدان وانتشار الرخاء، ومع كثرة ما أعطاه الله كانت مسئولياته صلى الله عليه وسلم تجاه أُمَّتِه ومصالحها العامة والخاصة أعظم، وبذْلُه ونفقاتُه في ذلك أكثر من دَخْلِه، فكان يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقرَ كما وصفه أعرابي بذلك لقومه في ثنائه عليه.

وفي ذلك يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِه» ِ فَقَالَ: «يَا قَوْمُ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ» (رواه مسلم).

وروي أن «نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ» (رواه أحمد).

فكان صلى الله عليه وسلم يقضي الدَّيْن عَمَّن ماتَ وعليه دَيْن، ويتكفل صلى الله عليه وسلم بمَن مات عائلُهم فيتوَلَّى جميع شئونهم من رعاية ونفقات، قال صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فِعْلِيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» (متفق عليه).

- ضربَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النموذج والقدوة في البذل والإنفاق في سبيل الله، وَضِّحْ ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم.

- كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حال غناه كريمًا سخيًا ولم يُسْأَل على الإسلام شيئًا إلا أعطاهُ، صف هذا الغنى الذي جعله صلى الله عليه وسلم هكذا.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد الصحابة في زمنه وعليه دَيْن لا يُصَلِّي عليه ويقول: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فلما فتح الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا مُؤْمِن تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ»
(رواه البخاري) فلم تكن قِلَّةُ ماله أخيرًا عن فقرٍ، بل عن بَذْلٍ وكرَمٍ.

فضرب صلى الله عليه وسلم بذلك - حال الغنى - النموذج والقدوة في البذل والإنفاق في سبيل الله، ممتثلًا بذلك قوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )
[الذاريات: 19]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِق عَلَيْكَ» (متفق عليه).

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءُ»
(متفق عليه)، فما مقصود الحديث؟

عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم حياة الفقر ومرَّ بما مر به الفقراء من الجوع والحاجة مختارًا ومحتسبًا، فما دلالة ذلك؟

كيف تقتدي به صلى الله عليه وسلم؟

1. احمدِ اللهَ حال الغنى، واعلم أنه من كرم الله عليك؛ فتصدَّقْ وأنفق وساعد الفقراء والمحتاجين.

2. وسِّعْ على أهل بيتك حال الغنى وأَظْهِرْ نعمة الله عليك، فإنَّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

3. أكثر من الصدقات حال الغنى وكن جوادًا بالخير كما كان هديه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تُبَذِّرْ في الإنفاق واقتصد.

4. احمدِ اللهَ حال الفقر واصبرْ على الجوع وضِيقِ العَيْشِ كما صَبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعلم أن هذا خير لك ورفعة.

5. يا من ابتليت بالفقر اعلم أنك مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الفقراء لخفة حسابهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء كما قال صلى الله عليه وسلم «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ - وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» (رواه أحمد).

6. اعلم أن أحوال الدنيا في تقلب، فارض بما قسم الله لك في حال الغنى أو الفقر، فكلاهما ابتلاء، فكن كما كان صلى الله عليه وسلم واقتدِ به تنجح في هذا الابتلاء والاختبار وتسعد في حياتك.